1. الوفاء الدّائم

    الوفاء الدّائم عضو مهمّ

    683
    106
    43
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    بنزرت
    المستوى الدّراسي:
    خيار آخر
    الاختصاص:
    -
    المهنة:
    -

    "السيرة الذاتية" مدارات التعيين والتخييل ،آفاق القص الذاتي

    الموضوع في 'بحوث و دراسات' بواسطة الوفاء الدّائم, بتاريخ ‏1 ابريل 2017.

    "السيرة الذاتية" مدارات التعيين والتخييل ،آفاق القص الذاتي

    إعداد: د. سلوى العبّاسي بن علي
    ( المركز الجهوي للتكوين المستمر بأريانة أفريل 2013)
    مكونات الحلقة التكوينية:
    1- "السّيرة الذاتية" النصّ الممتدّ / الجنس الحسير
    2- من السيرة الذاتية إلى خطاب" التخييل الذاتي" (autofiction) و"ورواية الأنا"((Le roman du je)
    3- أي منوال تعليمي أشمل للتدريس "السيرة الذاتية"؟

    1. "السّيرة الذاتية" النصّ الممتدّ/ الجنس الحسير
    مشروع هذه المداخلة نقديّ تعليميّ بالأساس مطمحه أن يفتح في درس "السيرة الذاتية" منافذ جديدة تتيح مراجعة المتعارف المعهود من الأجهزة المفاهيمية والمناويل الاثيرة في تدريس هذا الجنس من النّصوص لتلاميذنا في معاهدنا الثانوية والذي يعترض في الواقع التلميذ قبل ذلك، فلا تكاد مدوّنة مدرسية معدّة للقراءة والشّرح تخلو من آثار الذوات تروي قصص حيواتها أو بعض أحداث تلك الحيوات على نحو من الأنحاء ،سواء أكان مصرّحا به معلنا أم مغمضا خافيا مكنى عنه بالتخييل وتعمّد"تعميق الهوة بين الذات ومحكيها".. " طرفا مخالفا"
    القصّ الذاتي مدوّنة شاسعة ممتدّة تكوّن أجيالا من القرّاء وتتكون من بهم، نجدها في أول أشكال الوعي بالفضاء الحميم للوجود البشري وهي جزء هام مما يقرؤه المتعلّمون في الابتدائي والإعدادي والثانوي في العربية وغيرها. والمدرسة عادة ما تتوسّله عتبة أولى لتحريك دافعيّة الطّفل نحو اكتشاف ذاته في علاقتها بالعالم القريب الأسري والاجتماعي والعوالم البعيدة المتقاصية تعيينا وتمثيلا وترميزا.
    يتعرّف كذلك الطفل من خلاله المقوّمات الاساسية للنصّ السّردي وتحصل لديه عنه صورة بدئية ليفرد بعدئذ شبكة المفاهيم والمعاني والتصورات المتّصلة بفعل القص ومهارة الحكي عموما في أبعادها الوجدانية النفسية الاجتماعية ومنها يكتسب قيم التواصل وينخرط في التعبير عن ذاته وأفكاره داخل سياقات دالة، ليسهم بدوره في إعادة إنتاج الدلالة السردية وهي لا تبرح فضاء الإدراك التخييلي لأشكال المروي وصيغه وأساليبه ومناظيره والقصد من روايته.
    وما دافعنا إلى اختيار الموضوع سوى تفطّننا إلى أن الوعي التعليمي بأهمية "القص الذاتي" وحلقاته المتصلة عبر تاريخ الذوات المتعلّمة القارئة لا يزال منقوصا، والأهم من ذلك النزوع نحو التجريد و"مفهمة" مقولات "السيرة الذاتية" قبل أن نتقن تدريسها وننجح في جعل التلميذ يحياها ويمارسها في مقامات حسية متخيّلة وإن بشكل افتراضي من قبيل مشاريع كتابة "المذكرات" واليوميات " والتدرب على فنون "التبعيد" والفصل بين الراوي ومرويه بالتأمل والتعليق...
    وينضاف إلى ذلك وجود ثنائيات كثيرة مزعجة لا تزال تخترق وحدة التعلم في سفر البرامج الرسمية والجهاز التعليمي المصاحب لتعليم فنون "القصّ الذاتي" منها البعد النصي والبعد النمطي والبعدان الأثري (نسبة إلى الأثر) والخطابي إلى جوار الأجناسي وهوما يتضح إلى أبعد حدّ في محور "السيرة الذاتية" من الكتاب المدرسي للثالثة آدابا على سبيل المثال فقد لاحظنا فيه:
    - : ازدواجية التسمية المحدّدة لتعيين المدوّنة وضبطها اصطلاحا ومعنى أدبيا نصيّا فهي تارة توسم بـ"الفنّ وطورا تحدّد بالجنس"
    - رجرجة الخلفيات النظرية التي يستند إليها العتاد النظري التعليمي الإجرائي المبذول أمام الأستاذ لتدريس المدوّنة المختارة، أي "كتاب الأيام" لطه حسين في جزئه الثالث و"شارع الأميرات" لجبرا إبراهيم جبرا "السيرذاتية" في تداوله رصيدا اصطلاحيا ليس على قدر مطلوب من الجلاء والترتيب والتنظيم، لاسيما والبرامج تقترح على ذلك المدرّس من الأجهزة الشارحة والمعينات البيداغوجية ما يقلّب النص "السيرذاتي" على وجهات متناقضة أحيانا،ملتبسة أحيانا أخرى (النص والنمطي والخطابي والأجناسي...) فضلا عن احتفائها الشديد بنظرية "الميثاق" ونقدها الفرنكفوني دون سواه من الرؤى والمطارحات التي تناولت بالدرس قضايا "السيرة الذاتية"و السرد الذاتي عموما.
    عندئذ جاز القول إن تدريس "السيرة الذاتية" في برامج العربية من الابتدائي حتى الثانوي يحتاج فعلا إلى رؤية تعليميّة ناظمة أكثر شمولية وتنظيما من الخارج قبل الداخل وإن نقدها الأدبي مطالب أكثر بأن يؤسس مسارا تعليميّا متدرّجا يحسن تركيز المداخل وتحديد المناول فالمخارج ويجيد تنخّل أدواته ومفاهيمه ،وكلّ ذلك حتى يجنّب المدرّس والمتعلّم ما يكابده من مشاق التنسيق بين الأجزاء المتنافرة والنمذجة المقطعية الثابتة وخطاطات الفهم والتعلّم فالتجريد، في ذات الوقت الذي تترك فيه للمتعلّم حرية التأليف والتأوّل والتقويم حتى تتيسر بعد ذلك عملية بناء المعارف الأدبية الخاصة بهذا الجنس من السرد ويتسنى له اكتساب ملامح القارئ الناجع " للسيرة الذاتية" ولخطاب "القص الذاتي" في شتى المقامات.

    لا يكاد شرح نصّ "الأيام" في جزئه الثالث و "شارع الأميرات" يبارح في مجمل مفاهيمه محصّلات النقد البنيوي الفرنكفوني ومتنونه المردود أغلبها إلى "نظرية الميثاق" ونظرية "التطابق" بين ثالوث السرد أي "وحدة الراوي والشخصية والمؤلف" التي جاء بها "فيليب لوجون"(Philippe Le jeune) في سبعينات القرن الماضي (1975).
    فهو أوّل من قدّم السيرة الذاتية تقريبا على أنها جنس ذي قيم خلافية اختلافية عن غيرها من المسرودات كـ"الرواية السيرذاتية "(le roman autobiographique) وأدب "المذكرات (le journal intime))"و"اليوميات"(les mémoires) ...
    فكان تعريفه السيرة الذاتية كونها عبارة عن: "قصّة استرجاعية نثرية يروي خلالها شخص واقعيّ ماّ (قصّة) وجوده الخاصّ وذلك عندما يؤكّد على حياته الفرديّة وخاصّة على تاريخ شخصيّته" .
    عند أغلب نقاد "السيرة الذاتية" ومنظريها وحتى لدى كتابها المعاصرين نصّامرجعيا مؤسسا ومؤثرا في ما سيأتي بعده من التنظيرات ومن الكتابات "السيرذاتية" أيضا ،حتى أن بعضهم بدا كما لو كان يبحث عن موافقة ومصادقة معلنة أو خفيّة لذاك التنظير البنيوي الأجناسي ولذلك الميثاق الترجذاتي أكثر من تعنيه في إيجاد الرؤى الفنية الابتكارية المجدّدة، فلا غرو أن تعريف "لوجون" لم يأت فحسب مسهما في تحديد الجنس السيرذاتي مقوليا ومصطلحيا وإنما كان مؤثرا في بروز اتجاه أول من التعريفات أكّد لنا أن جيلا كاملا من نقاد سبعينات القرن الماضي أغلبهم من معاصري "لوجون" كـ"جورج ماي" و"إليزابث بروس" و"جورج قوسدروف" لم يتمكن أغلبهم من مجاوزة الرؤية الأجناسية للسيرة الذاتية .
    حينئذ يمكن الإقرار بأنّ "السيرة الذاتية" تكاد تكون هي الجنس الأدبي الوحيد الذي هو ابن نظريته لا وليد تاريخه الإبداعي الطويل،بل إننا لا نتردد في القول إنّ معظم السير الذاتية الغربية والشرقية التي كتبت بعد السبعينات وأظهر كتّابها بعض الاطلاع على مؤلّفات "فيليب لوجون" قد انساقت نحو ضرب من ضروب مطابقة "المطابقة" ومحاكاة وهم صدق المحاكاة ،وكانت تمتثل صاغرة إلى إكراهات القانون الأجناسي لنظرية"الميثاق" وبندها الأساسي أن ينصّ عقد القراءة أنّها مرويّ حقيقي ينتمي إلى مجال "التعيين"(la diction) لا إلى مجال "التخييل"(la fiction) ومنها أقيمت الحدود بين ميثاقها و"الميثاق الروائي ليصبح "الميثاق الترجذاتي" مجرد "تصريح على شرف القصّ" بأن ما سيروى كان قد حدث فعلا.
    كلّ هذا انجرّ عنه من النواحي التنظيرية التعليمية التي لا تعدم أبعادا ابستمولوجية متصلة بمعارف "السيرة الذاتية" عموما وبمنهجية درسها وشرحها جملة من النتائج لم يعد من المجدي التغاضي عنها:
    - أولا: ضرورة مراجعة الإرث المفهومي الإيتيمولوجي للسيرة الذاتية الذي يركّز الدلالة الاصطلاحية للتسمية الغربية Autobiographie » التي تعرّب تارة بـ "السيرة الذاتية" وطورا بـ"الترجمة الذاتية" على ثالوث من المعاني ينتظم جلّ التعريفات المسندة في ما يشبه السلك المؤلف بينها تأليفا تلازميا صارما وهي:
    • الذات :auto
    • الحياة:bios
    • الكتابة:graphien
    فـ"السيرة الذاتية هي"كتابة قصة حياة ذات" والذات قد تحيل على معنى الفرد(le sujett) كائنا افتراضيا يمكن أن يحتمل أكثر من بعد ابستيمي نفسي اجتماعي رمزي أدبي، فلا شيء يدل على أنّها هي نفسها الشخصية الكاتبة،حتى وإن صرح الكاتب بذلك في ناحية ما من المتن أو الحاشية ، لذا فإننا نعتبر هذه الذات "السيرية" ذاتا جمعية مكتظة بالذوات ونعزو أمر كتابتها إلى كلّ أجناس القصّ الذاتيّ التي تشترك مبدئيا فى شكل سرديّ موحد ينهض على صيغة حكي مسندة إلى ضمير الأنا يوجّه الخطاب وجهة إيهامية تصديقية لما تمت روايته بمحاولة الإقناع أنه قد حدث فعلا. فالعهدة فيها على الخطاب لا على القصة أو الخبر،والخطاب مطالب بأن يتقن أقصى حدود التقمص لدور الذات المخبرة بصدق عن تجربتها الحياتية سواء أقصرت أم امتدت في الزمن ، فيلقي الكاتب بمحموله السردي داخل دائرة وجود شخصي افتراضي صناعته الكلام،ومن ثم يلاحق تاريخا هو مطالب ،لا فحسب باستعادته، بل بإعادة تشكيله، لذا فقد لا يقول الصدق نهائيا وقد لا يقوله تماما .
    نستشهد هنا بقولة للكاتب اللبناني في مذكراته:"خارج المكان" كان قد أقرّ فيها بحقيقة وجهت كثيرا مقصد خطابه السيرذاتي:"أنا وحدي مسؤول عمّا أستذكر وأتصوّر،لا أفرادٌ من الماضي قد يجهلون الأثر الذي مارسوه علي وأرجو أن يكون واضحا أيضا،بصفتي راوي هذه السيرة وواحدا من شخصياتها،لم أعف نفسي قصدا من السخرية ولا من الروايات المحرجة"
    هذا ما كانت قد توصّلت إليه الباحثة جليلة طريطر في أطروحتها الهامة حول "مقوّمات السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث" وإن كانت توقفت عند كتابات الجيل الأول من مؤلفي "السيرة الذاتية" العربية منهم طه حسين وسلامة موسى وتوفيق الحكيم ،كما لم تتناول في عملها بقية الأجناس الفرعية الأخرى التي يمكن أن تمت بصلة إلى "القصّ الذاتي" كالمذكرات واليوميات والرواية السيرة والرواية السيرذاتية وغيرها ...
    لكن تهمنا خلاصة جهدها التفكيري الواضح في إشكالات هذا الجنس السردي،حيث حكمت في النهاية على السيرة الذاتية كونها خطابا لا محتوى محايثا لحقيقة ذاتية،أي أنه لا يعدو كونه شكلا فنيا يتوقف تحديده على مدى الإحاطة بخصائص "الملفوظ السيرذاتي" نفسه من حيث هو جنس أدبي مخصوص وتعيين ما يمكن أن يعتبر من سماته الخلافية التي بفضلها يتميز عن سائر الملفوظات الأدبية الأخرى" وذلك بعد أن اعترفت بصعوبة "تعيين ما نسميه "نصّا سيرذاتيا" ورأت في الجنس" تعقيدا شديدا وميوعة"
    فالملفوظ "السيرذاتي"-في نظرها- ملفوظ سردي كغيره من الملفوظات التي تنتظم نسقيا داخل منظومات سردية لكنه يختص بسمتين أو"صورتين سرديتين" "الصورة السردية القصصية" وصورة السرد التحليلية التوثيقية مجسّمة في أسلوب المقال" فانتهجت نهج تحليل المقولة السيرذاتية نفسها بقسمتها إلى مستويين: مستوى بنيوي شكلاني لساني -إن شئنا- ومستوى سيميولوجي فخلصت في نهاية بحثها إلى نتائج يمكن تلخيصها في:
    - أن الكتابة "السيرذاتية" ما هي إلا مشروع "بحث عن الهويّة في السرد" لا ينجز إلا في إطار لعبة زمنية فهو "يستمد قيمته من أنّه محاولة تروم تركيب شتات الكيان المبعثرعلى الخطّ الزّمنيّ المتعدّد بغية النّفاذ إلى جوهر الهويّة الفرديّة والتعرّف إليها.."
    - "..لا سبيل إلى تجسيد مشروع كهذا إلا بالتماس الكتابة أداة لصهر الكيان وتأليفه في رؤية موحّدة قادرة على اختزال مغامرة الأنا الزمنية واعتصارها في معنى كلي يفرزه الملفوظ السيرذاتي"
    - "السمة المهيمنة على المشاريع السيرذاتية العربية الحديثة أن جميعها "كان يسعى إلى تبنّي الصيغة القصصية أو السّرديّة بوصفها أداة العبور الوظيفية من واقع الحياة الفرديّ في علاقته الجدلية الحميمة بحقيقة الواقع الجمعي"
    - "الملفوظ السيرذاتي بوصفه مقولة سردية قوامها التأليف بين الظواهر غير المتجانسة وتقديم وقائع الحياة المروية في نسق سردي تنتظمه علاقات مبرّرة،قوامها الربط الارتجاعي بين النتائج وأسبابها البعيدة في الزمن ، كان يمثل في المدونة العربية الحديثة نشاطا كلاميا.. يهدف إلى عقلنة الوجود الذاتي والانتقال منه إلى عقلنة العالم"
    - "إن فضاء الكتابة السيرذاتية فضاء تبعيدي وتقويمي بالأساس"
    - من العبث أن نقوّم الكتابة السير الذاتية وفق معياري الصواب والخطأ"
    - "الشكل السيرذاتي غير بريئ لأنه محمل بخلفيات إيديولوجية"
    من ثم، فإننا نرى أن مبحث "السيرة الذاتية" بعد أطروحة طريطر قد ازداد لبسا وتعقيدا ليعيدنا إلى نفس النقطة الخلافية التي كنا انطلقنا منها : هل السيرة الذاتية قصة تجربة حياتية؟ أم هي أقرب إلى التجربة اللغوية التي لا تعدم انتحاءها منحى حجب الحقيقة أو ما يسمى "اللاواقع"(L’irréalité)؟
    يكفي أن نستحضر هنا شاهدا نقتطعه من كتاب "الأيام" في جزئه الثالث لا يمكن أن نمرّ دون الوقوف عنده لنتأمل ما فيه من دلالات "المعاتمة" وحجب المرجع حتى يستحيل الفضاء المسترجع ذاته فضاء مجتلبا من أكثر من ذاكرة نصية أدبية لا حياتية واقعية بل والأدهى من ذلك أن دور الراوي العليم بالدواخل والبواطن جعل النص السيرذاتي يقفو قفو النص "السيرغيري"la biographie))وينخرط بوعي أو دونه في رواية قصص حيوات الآخرين حتى غدا هو غيره لا نفسه وصار مرجع القص أقرب إلى متخيّل يقع في خلفية الصورة، متخيل"الماوراء":
    " وكانت حياة الأديب في ما وراء ذلك ألوانا من الرضا والسخط تأتيه من قراءاته الكثيرة المختلفة،قوامها أن يفكّر كما كان يفكّر القدماء الذين يقرأ آثارهم ويشعر كما يشعرون ويسير في الناس كما كانوا يسيرون،وقد ألحّ أولئك الفتية فيقراءة الشعر الجاهلي والإسلاميّ والعبّاسيّ وحفظه كماى ألحّوا في قراءة أخبار الشعراء والكتّاب وعلماء اللغة فعاشوا عيشة أولئك الناس في دخائل نفوسهم.."
    إن القول بكونها أقرب إلى المشروع السردي الافتراضي يجعلنا نتحرى ذاتية المعنى السيرذاتي أكثر من تحري صدقية السرد الذاتي يستحضر طورا أو أكثر من أطوار حياة حقيقية،وكل ذلك يتوقف على مدى النجاح في بناء النسق المقالي الحجاجي السردي المتكامل من النواحي التخييلية الفنية والمعقولية المنطقية لوجاهة الأطاريح "المقالية" المعروضة للطرح والنقاش،على الخطاب السيرذاتي أن يقنع بصدقية مزدوجة تصل المرجع المتخيل بـ"هوية الذات" المحاجة المتلفّظة في مقام هجومي أو دفاعي تبريري أو برهاني استدلالي. هذا المقام هو أيضا مقام حكائي قد تتحول معه السيرة الذاتية إلى استعارة المبنى الحكائي بكل ما يحتمله مصطلح الحكاية من طغيان التخييل والصناعة اللفظية على التعيين والرغبة في بكل ما يحتمله مصطلح الحكاية من طغيان التخييل والصناعة اللفظية على التعيين والرغبة في التأثير أكثر ما يمكن في نفسية القارئ واستبقائه فريسة للقص أكثر من الرغبة في مصارحته بما جرى (وهي القاعدة الموهومة للميثاق الترجذاتي) ولا أدل على ذلك من مقدّمة كتاب "شارع الأميرات" لجبرا إبراهيم جبرا حين قال فيه: " حين فكّرت في وضع هذا الكتاب،كنت أستجيب لطلب صديق لي يرأس تحرير مجلة أسبوعيّة رائجة،اقترح أن أكتب له عددا من المقالات أتحدث في كل منها عن تجربة من تجارب العمر ولذا استحضرت من ذاكرتي أحداثا أروي تفاصيلها كحكايات من حياتي – وأية حياة لا تملؤها الحكايات الممتعة والمهمة إذا عرف صاحبها كيف يرويها؟"
    لا نملك إلا أن نرى في السيرة الذاتية مسرودا حجاجيا يحاجج الآخر ويقارع أطروحاته بأطروحته على نحو مختلف بين ذات وأخرى، لذا فحقيقتها منوطة بمغزاها الحكائي والمغزى الحكائي مجال لاستعراض القدرات القصصية و اللغوية الحجاجية والبطولات الموهومة والحقيقية،وليست سباقا نحو استعادة صدق الواقع المنفلت في الزمن المقبور تحت ركام الأمكنة، لذا قد يكون هذا المغزى سياسيا أو اجتماعيا أو فكريا أو ثقافيا حضاريا أو ربما كان مجرد ثأر نفسي ممن تسبب في توريث الذات القاصة إرثا كاملا من العقد والآلام. لا أدلّ هنا من قولة سلامة موسى في كتابه "تربية سلامة موسى":"إني أكتب كي أسوي حسابي مع التاريخ" ولا أحد يجهل أن أكبر دوافع كتابة كتاب "الأيام" النموذج السيري المؤسس لنقدنا التعليمي للسيرة الذاتية كان دافع الحجاج مع مؤسسة الأزهر فكان الأزهر في سيرة طه حسين فضاء حجاجيا ومقام احتجاج قبل أن يكون مكانا قصصيا واقعيا.

    - ثانيا: وهم المطابقة وهيمنة الرؤية التعاقدية "الإشهاديّة" لفكرة "الميثاق (Le pacte) على مقروئية النص السيرذاتي:
    نحتاج إلى مناقشة مبدإ"المطابقة" بين أعوان السرد أي الكاتب والراوي والشخصية الذي غدا في أغالب دروس السيرة الذاتية بمثابة المسلّمة الماقبلية الجاهزة حتى قبل أن يشرع التلميذ في قراءة النصّ،وهي تتصل بمبدإ قول الحقيقة والالتزام بها ليشكلا معا العقد القرائي الذي يبرم بين الكاتب والقارئ منذ البداية (من الاسم الموضوع على الغلاف ومحيطه التناصي الأولي) وهما شرطان ضروريان نعلم تلاميذنا أن لا قيام للجنس السيرذاتي دونهما فهما مأتى نشأة حياة الكاتب داخل النص وموئل النصّ وقد استقام حياة مسرودة بشكل فني.
    لا شك أن فكرة الميثاق مجالها "مناصي"( (paratextuel لا نصيّ نظري لا إجرائي، وهذا في حدّ ذاته عائق تعليميّ يزيد في تلبيس المسألة وتعقيد علاقة النصّ بالخطاب بالأثر المقروء ، ليستحثنا من ناحية ثانية على إعادة النّظر في حقيقة هذه "الحقيقة" بمبضع تداوليي يستجلي مقوّمات الجنس السيرذاتي، من منظور اعتباري مقصدي فتلك الحقيقة ليست سوى "القوة الخطابية الخطابية"(force discursive illocutoire) مندسة في تضاعيف الكلم الترجذاتي، هي فيه استراتيجيا تخييل و إقناع في ذات الوقت تحتال فيها الذات القاصة بشتى الحيل للبرهنة على صدقية مرويها من الداخل ومن الخارج خبرا وخطابا،مثلما لا تعدم أساليب الإقناع الحجاجي بصدقية القضية ووجاهتها استمالة وتبريرا واحتجاجا قديخفي من حقائق الذات ومعيشها أكثر مما يدّعي كشفه وإظهاره.
    فحسبنا أن نتخير المداخل الخطابية المناسبة للإمساك بتلابيب الحقيقة وبلحظات جوسها في الفضاءات المعيشة والقولية للذوات القاصة وقد انتصبت في النص أيضا ذوات متكلمة مدافعة عن أطاريح وجودها الشخصي وقد استحال قضية .
    علينا أن نحسن مواطأة آثارالحقيقة في بلاغة الخطاب الترجذاتي بمجاوزة محدودية الوعي الأجناسي "الميثاقي" ومحاولة العثور على مؤشرات المطابقة خارج النص وقبله أو بعده.لا صدقية مرجعية إلا داخل ملفوظ النص السيرذاتي وهو يتعنى سبل صناعة الحقيقة الكلامية بالقص والتخييل والحجاج معا.
    فالصيغة التذكّرية هي قبل كل شيء صبغة تبريرية(ré mémorisation est justificationn) لا تقيم صرح القص الترجذاتي إلا على قاعدة "التبعيد" وانفصام الذات إلى ذات وموضوع وإلى عين ناظرة وشخصية منظور إليها وزاوية نظر أوأكثر لتنقسم الذات ذاتها وغيرها في ذات الوقت، اسما لأكثر من مسمى.
    - ثالثا: ميثاق التخييل بدل التصديق، السرد الذاتي الحكي الشاعر
    لا يمكننا أن نحصر الميزة الفنية للقص الذاتي في بروز خاصية الوسم والتعريف أي ذكر أسماء الشخصيات والأمكنة وزرع الواسمات الإطارية المرجعية والمشيرات الزمانية المكانية أو مثبتات العالم المرجعي في مجرى القص الاستعادي التذكري، ولا يجوز أن نتعامل معها كما ول أنها أثافي القصة تجهز وصفتها على نار التذكر الهادئة ،بينما أمر النفوس وبواطنها الخافية على خلاف ذلك فيه ما فيه من الفورة والثورة والغليان، فلا معنى بأية حال لاختزال مرجع القص الذاتي في الفكرة الساذجة لوهم التطابق بين أعوان السرد، كما لو كان كل "ميثاق هوية " النص ومؤشر صدقية التلفظ منصب في اتجاه قدرته على تعرية تلك الذات والعودة بها إلى جنينية القص البدئي،بينما قد يكون القص هروبا إلى الأمام واستباقا واستشرافا وابتناء لمراجع جديدة لا وجود لها إلا في عالم المثل والتصورات والرموز و"الماوراء".
    قد توهم الذات القاصة المخيلة المتخيّلة بالاسترجاع لكنها تبتدع وجودا آخر على نحو مركب قد نكتشف من خلاله مدى غموض قضية الذاكرة في أنواع "القص الذاتي" وتشعب فعل التذكر نفسه وطبيعة سيروراته وانحرافاته وظلاله وتهويماته وتعويماته على صفحة الذاكرة السيرذاتية واللحظات التي تبدو كالمكاشفة وأخرى تجلو زوايا المعاتمة ،فجميعها لا شك وأنها مشاهد نافذة من كوى العالم الفني للرواية تطل عليه من بعد ومن عل ومن داخله و خارجه بمسافات متقاربة متداخلة أو متقاطعة ،لا يمكنها أبدا أن تلازم خطا واحد في الزمان والمكان.
    يطالعنا نصّ "شارع الأميرات" بمشاهد من هذا النوع يطلق عليها الكاتب تسمية " الأفكار المشّائية" لينهض الخطاب الوصفي فيها بدور خطير في تسويق الرؤيا التخييلية الذاتية في شكل لوحات متقلبة من المشاهد الرائية المرئية القادمة من أعماق الذات من معقولها لا معقولها، في رؤية سيريالية، لا يبقى من سرد الحقيقة و"التعيين" فيها غير آثار باهتة أحيانا، بعد أن كانت الذاكرة قد أطلقت العنان لكل ضروب التخييل والترميز والتشكيل الفني بالمزج بين أنواع متنافرة من حقائق الموجودات والموصوفات مع وجود أكثر من قرينة تمنع تجاورها على ذاك النحو إن كان معيارنا هو الصدق وقول الحقيقة،ولا أدل على ذلك من هذا المقطع الوصفي:
    "ولن أنسى وأنا غارق في أفكاري المشّائية كعادتي، في اثناء الغارات النّهارية ،كيف فاجأتني شجرة ورد على رصيف قرب دارنا بوردة حمراء كبيرة على ساق ممشوقة باتجاهي،انتفضت تائهة بجمال ما تحمل وأوقفتني للتأمل فيها رائعة، جريئة،تتأود بحيويّتها وتطالبني بإعجاب وحبّ هما من حقها هنا الحياة النضرة والوعد بالمزيد من النضارة والحياة ومن فوقنا الذبابات اللعينة القادمة من أقاليم الكراهية والموت ،تطنّ بنذر القتل والوحشية وتطالب بدمائنا" فقد لا تأنف السيرة الذاتية من أن تقول شعرا وتمعن في تعتيم مرجعها الواقعي بالرمز والإيهام والإيحاء والمجاز.

    - رابعا: "الوعي الإني "،"الوعي الغيري"
    قد نحتاج لاختبار مدى وعي القص الذاتي بذاته عندما تحكي قصتها الذاتية أو "قصّتها الباطنة " على حد تعبير محمود المسعدي في أدبه الذهني إلى آراء الفيلسوف الألماني "جورج قوستروف" (Georges Gusdrof) الذي سبق "لوجون" في البحث في موضوع السيرة الذاتية،إذ صدر أول مؤلف له في الموضوع سنة 1948 عنوانه: "اكتشاف الأنا" (la découverte de soi ) ،ثم كان له مقاله الذي يعدّ مؤسسا حتى قبل كتاب "لوجون" وعنوانه: "شروط السيرة الذاتية وحدودها " سنة 1956 ليكتب مقاله الثاني في نفس السنة التي صدر فيها كتاب "الميثاق" أي سنة1975 بعنوان:" من السيرة الذاتية البدئية إلى السيرة الذاتية جنسا أدبيا" ثمّ صدرله مؤلفان في بداية التسعينات ("كتابات الأنا" و"خطّ الحياة") عقبهما مقال آخرهو "السيرة الذاتية ،السلم الذاتي للزمن "وكل ذلك سنة 1990 فكانت جميع تلك الكتابات محاولات جادة لدرس "السيرة الذاتية" بمقاربة عنيت بمفهوم"الحقيقة الإنّية" في رؤية بدت أكثر شمولية من زاوية "الميثاق" تناولت الموضوع من منحى وجودي أخلاقي نفسي اجتماعي جمالي، تشابكت في خضمّه عديد الأبعاد لترسي بجهد ابستمولوجي مستفيض ما يشبه "النظرية الفلسفية في المعرفة بخصوصية أدب الذات"، فقد رأى "قوستروف" في "السيرة الذاتية" ما يتجاوز قضية "الجنس الأدبي" إلى "كل أشكال تجسيد الوعي بالذات عبر فعل القصّ في لحظة مّا من لحظات ذاك التاريخ الوجودي" ،فهو لا يرى انفصالا بين فعل الكتابة وبين فعل الوجود نفسه ،ومن ثم قولته الهامّة: "إنّ الوعي بالذات ليس معطى بل قدرا وليس خطابا بل برهانا" التي تغدو بموجبها "السيرة الذاتية" أكثر من مجرّد عمل فنيّ تخييليّ وأبلغ من مجرّد تعبيرعن الذات وموجودها الشخصي مفرغ من وظائف التفكير والتفلسف على نحو وجودي.
    إنّ "السيرة الذاتية" بتأثير من الفلاسفة وكتاب الأدب الوجودي أمثال"جون بول سارتر" و"سيمون دي بوفوار" نذكر كتاب "الكلمات" و"قوّة العمر قوّة الأشياء" كانت قد اتخذت اتجاها إناسيا كما لو كانت شكلا انثربولوجيا من أكثر الأـشكال قدما وعراقة وقدرة على تجسيد المعرفة ،لأنّها تضطلع بوظيفة الإسهام في تشكيل تاريخ تكون الشخصية الإنسانية نفسها" قبل أن تغدو قصة حياة شخص بعينه من الأشخاص .
    تنبري "السيرة الذاتية" عندئذ سيرة إنسانية جمعاء تحمل مشروع تفكير يجسم"نوعا من أنواع الذكاء الوجودي،قد يعبّر أشدّ الحاجات المعرفية إلحاحا وعنه ينشأ الوعي بالذات لأن فعل القص إذا ما اقترن بالتأمل في مسيرة الحياة يكون الشخص مسؤولا عن وجوده متحكما في سلوكه الإنساني" فضلا عن كونها تعبر عن وضع تعيش فيه الذات أعتى أنواع المفارقات:"أن توجد وأن تفكر في ذات الوقت في كيفية تحقيق وجودها على نحو يستوعب آثار الوعي بالذات مهما كانت عميقة غائرة في النفس واللاوعي" ومنها اللحظة الوجودية الفارقة: "أن تصبح أنت غيرك" وأن تعرف نفسك بغيرك" على حد تعبير "مارك أورال"Marc Aurèle) بدل المقولة السقراطية التقليدية: "اعرف نفسك بنفسك" وهو ما اثاره الفيلسوف "ميشال فوكو"(Michel Foucault) في مؤلفه الهام "هرمينوطيقا الفرد"(La herméneutique du sujet) الصادر سنة2001، لقد اكتشف "قوستروف" بهذا التصوّر الطريف المنحى الغيري في "السير الذاتية" معتبرا أن مفهومها في حد ذاته ثلاثي الأبعاد من الناحية المتصوّرية:
    - "الأوتوس" l’autos هي الهويّة والوعي الذاتي بالذات وهو أيضا مبدأ وجود مستقلّ
    - "البيوس" le bioss هو فعل امتداد هذا الوعي في وجوده التاريخي الحيوي البيولوجي للحياة الواعي بمعيشها على نحو مّا قادر حتى على تعريتها وإعادتها إلى معانيها البدئية الخالصة
    - "الغرافين""le graphiennأي فعل الكتابة، تقنية إضمار فإظهار لهذا المضمر وتجسيد هذا الوعي الكتابي بالوجود ("السيرة الذاتية في هذا المقام لا يمكن أن تكون إلا جنسا كتابيا لا ينتمي إلى الثقافات الشفوية وآدابها، باعتبار أن وعي الفرد فيها يذوب في مخيال المجموعة) وإن كان "قوستروف" قد ألمح إلى نوعين من السيرة الذاتية ما أسماه "السيرة البدئية"(Autobiographie initiatique) التي قد لا ترتقي إلى شكل الجنس الكتابي والتي ربما تكون قد ظهرت بمجرّد بروز رغبة لدى الإنسان في تأمّل صورته الشخصية" و تلك المعروفة بكونها جنسا وهي وليدة وعي نقدي متأخر. تقترب "السيرة الذاتية " على هذا الأساس كثيرا من فنون الـ"بورتري" والتشكيل الذاتي لملامح الشخص.
    وتجدر الإشارة هنا إلى أن تأمّلات "قوستروف" في فلسفة القصّ الذاتي كانت انعكاسا مباشرا لطبيعة حياته نفسها والتجارب التي عاشها في السجن النازي واحتكاكه بأشهر فلاسفة أوروبا للقرن الماضي كـ"ليون برانشفيكغ"(Léon Brunschvicg) و"قاستون بشلار" و"ميرلو بونتي" و"لويس ألتوسار"...

    - خامسا: الكتابة الكوجيتو وبناء المعرفة الجمالية بهوية الذات:
    قد تتخذ السيرة الذاتية عند عديد الكتاب صورة "الكوجيتو"بالمعنيين النفسي العرفاني والجمالي الفلسفي الأنطولوجي" :أنا أكتب (عن ذاتي) إذن أنا موجود" فهي أرقى أشكال الوعي باللغة عبر الذات وبالذات عبر اللغة ،تلك الذات تحضر في النصّ كاتبة ومكتوبة،"تنشئ القص لتكون حَكَم اللعبة ورهانها" في وقت واحد.
    وهذا لا يعدم أبعادا نفسية دلالية قد لا تتوفر في أجناس القص الأخرى،بما أنّ الكتابة هي أيضا فعل تجميل يسعى لطمس كل آثار القبيح التي قد تخلفها الحياة البيولوجية في مسيرة الذات ووجودها الشخصي وحتى الجمعي، والفن السيرذاتي مطالب بأن يضطلع بوظيفته الأثيرة والأثيلة وهي "لا أنيحسن الطبيعة" وإنما أن يجد المعنى البديل لما نعيشه بقبحه وآلامه ،عندئذ تتعدى الكتابة الذاتية مجرد المرور من التذكر إلى التفكير إلى التّعبير والاعتبار إلى توليد الفكرة الخلاّقة للمعنى،هي عبارة عن ولادة جديدة للمعنى من رحم التخييل دوره أيضا أن ينزع عن عالمه المرجعي سحرية التمثيل ليقيم مسافة التساؤل والتفكير.
    يكفي أن نتساءل نحن أيضا: أية ذاكرة تعد مسؤولة عرفانيا عن التشكيل الفني للملفوظ السيرذاتي؟ وأية آثار لهذا السجل الغامض ،هذا الصندوق الأسود في جعل سيرة كاتب تختلف عن سيرة آخر رغم اتفاقهما في الخطوط العامة للمشروع؟
    يمكن أن نطرح كذلك أكثر من سؤال حول الفضاء الدلالي الذي ترسمه السير الذاتية فلا يظنن أحدنا أنها لقطات سائبة من زمن منفلت يلاحق فيه الخطاب الخبر ولا سحابة من ذكريات تنفثها صدور ذوات تعيش أقسى مشاعر الضيق أو الحنين أو البحث عن الزمان المفقود والمكان مطموس المعالم، ثمة عالم سيميائي متكامل يتكور وينمو في رحم التذكر لكن برؤية فنان/مفكر.
    الكتابة الترجذاتية ترجمة لأحاسيس وخطاب تخفف وتخف وتجلّ في ذات الحين،لعل "ميكانيزماته" هي نفسها ما لكل أنواع العلاج عبر التحليل النفسي،ففيه تتحلل جزيئات الماضي ، كبلورات تذاب في محلول ثم يقوم الكاتب بصهرها مجددا،حتى يستعيد البريق، لا نتحدث هنا فحسب عن انتقائية، وإنما وجب الحديث عن بعد علاجي عبر تقنية الإنصات و التداعي الحر وأحلام اليقظة والهذيان والبوح والتذكر كلها أدوات تنزع نحو إعادة تشكيل الإدراك حتى يستحيل المقام "السيرذاتي" حالا من أحوال التطهر عبر التذكر،"كاثرسيس"، جلسة علاجية تواجه فيها الذات ذاتها لتلعب لعبة المرايا المتعاكسة والمناظير المتناظرة. تتحدث جليلة طريطر عن "متخيّل إبداعي" يداخل المتذكّر فيعيد خلق الذكريات ليجعلها قادرة على الالتحام مجدّدا ببنية الوعي الفردية المتجدّدة على الدّوام.. هو إذن ضرب من ضروب التحيين المستمرّ للذاكرة .. يقتضي إعادة شحنها وترميمها ورفدها بالجديد المجدّد للقديم المستقرّ فيها"
    تنطوي قضية التذكر السيرذاتي على خفايا سيكولوجية شديدة العتمة والتعقيد من الناحية العلمية على الأقل وحقائق علم النفس والدراسات في المجال نادرة أو شبه منعدمة نذكر منها عمل عالم النفس الكندي "أندل تولفينغ" (Endel Tulving) كان فيه قد ميّز "الذاكرة السيرذاتية" عن "الذاكرة الدلالية" مثلا واعتبر أنها "ذاكرة الوقائع والمفاهيم" ليعطيها في النهاية تعريفا جعلها تساوي "الذاكرة بعيدة المدى" "المسؤولة عن الاحتفاظ بكل الصور والذكريات الحسية و تخزين كل ما يمنح الفرد إحساسا بالهويّة والبقاء"
    يؤكد "تولفينغ" أنّ هذه الذاكرة "ذات خاصية إدراكية فريدة وهي تتوفر على طاقة "فينمنولوجية" تأويلية هائلة تجعلها تسبغ على الصور الحسية للأصوات والروائح والأشياء والعواطف والمواقف المستذكرة معنى استعاديا يرتبط بهوية تلك الذات" ومن ثم فهي تسهم بشكل أو بآخر في" بناء المعرفة بالذات"، أي من خلالها تدرك الذات كنه ذاتها لتميّز بين هويتها النفسية وبين هوية الآخرين.
    يفرّق الباحث كذلك بين "الذاكرة السيرذاتية" و"الذاكرة الطورية"Mémoire épisodiquee)) حينما تغدو الثانية مسؤولة عن إعادة تشكيل ملامح السياقات فهي" ذاكرة مقامية بالأساس"
    -سادسا: صعوبة الفصل بين أجناس تعرف ب "سرد الحقيقة"، أو ما يسميه "مالارمي" "التحقيق الكوني"،(L’universel reportage) أي مختلف أنواع "السرد التعييني"(Le factuel) وبين ما يعرف بـ السرد"التخييلي"(Le fictif)، فهي علاقة تطرح مشاكل كثيرة،شائكة، غير متناهية تتصل أساسا بقضايا الإحالة والمرجع والفروق الخطابية الحقيقية بين السردين وآثار التلفّظ الذاتي والغيري ومحدداتهما في نسق القص ووجهات نظره ووتيرته وصيغه ومناظيره و"مبئراته" ، مسألة من أبرز القضايا السردية الهامّة كان قد أثارها الباحث النصاني "جيرارجينات"(Gérard Genette) منذ نهاية السبعينات من القرن الماضي .فلعبة التماهي وتبادل المواقع بينهما لعبة فنية معقدة بالأساس قد لا تفي "المناصات"(les paratextes) والجوار النصي الحاف بالحاجة إلى فكّ طلاسمها وفضّ مستغلقاتها المسؤولة عن عمليات الإدراك والتأويل المرجعي،إذ الحدود بينها رخوة اشبه بالسراب الخلّب أحيانا حين نكتشف أنا كلا منهما يشكل "أنموذج" قص وشكلا من أشكال التلفظ لا جنسا سرديا قائم الذات،وقد أوضح "بول يركور "( Paul Ricœur ) مختلف الأبعاد "الفينمنولوجية" "الهرمنطقية" المتصلة بالمسألة مرجعا إياها إلى قضايا الزمن وعلاقته بالخطاب لا إلى الخبر
    إننا نقرّ مبدئيا في هذا السياق بمدى حاجتنا إلى معايير أدقّ لكي نميّز في أذهاننا وأذهان متعلّمينا ما به يختصّ "سرد الحقيقة" والذي نجده مبثوثا في كل أنواع الخطاب الإخباري التي تتعمد نقل وقائع ملتقطة بلاقطات فنيّة أقرب إلى الذاكرة التسجيلية التي تتعامل مع نوع واحد من الواقع هو الواقع التاريخي الحي يكون عادة موجودا خارج اللعبة الفنية لا داخلها ،وهو الذي يجب أن يكون معلوما للأفراد والجماعات ومنها القص البوليسي أو أدب الجرائم وصفحات الحوادث والتحقيقات الصحفية الإعلامية والمذكرات وغير ذلك...

    - سابعا: ضرورة تجاوز فكرة انتماء هذا الجنس إلى الثقافة الأوروبية و فكرة "المركزية الأوروبية" عدّ جل المنظرين في الشرق والغرب السيرة الذاتية "جنسا قصصيا أوروبيا حديث النشأة لا معنى له خارج الأطر الحضارية الأوروبية التي كانت سببا في ظهوره" ورأوا أنّ بروزه كان تتويجا لمسار من التحولات الحثيثة شهدتها الثقافة الأوروبية بداية من عصر النهضة جعلتها تنخرط في نزعة "علمنة" و"فردنة إنسانية" "السيرة الذاتية" أبرز تجلياتها ومحصلاتها في ذات الوقت. لتغدو السيرة الذاتية في هذا السياق سليلة الكتابات المعروفة بـ"التأمّلات" ومنها نصوص دينية وأخرى فلسفية شهدت أوج تطوّرها في القرنين السابع عشر والثامن عشر ميلاديا.
    ففي الغرب تعزى بداية انتشار المصطلح إلى القرن188 م حيث تم تداوله في ألمانيا ثم في انجلترا ثم فرنساخاصة مع صدور "اعترافات" "جون جاك روسو" التي نشرت بين 1782و1789 لكن مسألة التحقيب لنشأة الجنس المعروف بالتسمية تظل مسألة خلافية تضاربت في شأنها الآراء، فحسب الألماني "جورج ميش"(Georg Mish) الذي كان قد أثبت قبل "لوجون" تعريفا أوليا لـ"السيرة الذاتية" كونها "أية طريقة يرتأى التعبير بواسطتها عن الذات" " من العبث أن نرتدّ في التأريخ للكتابة "السيرذاتية" بالمعنى الاصطلاحي الحديث إلى ما قبل سنة 1760" كذلك لم يعدم موقف "جورج ماي" (George May)الحرج نفسه، حينما أزمع تجاوز فكرة "الميثاق" وقواعد الجنس معترفا بأنّ "السيرة الذاتية من الأجناس الواسعة" وأنّ العثور على تعريف نهائي صارم للسيرة الذاتية "أمر مخيّب للآمال" فهو برأيه" جنس بصدد التكوّن أو أنّه يوشك أن يتأسّس" والأوان لم يحن بعد لكي نعرّفه على غرار الأجناس الأخرى"، كل ذلك رغم إقراره بأغلب المحددات التي ضبطها "لوجون" وهي "الصدق" و"التطابق" و"القصّ الاسترجاعي" مضيفا إمكانية أن ينحو الخطاب فيها نحوا تأمليا مقاليا
    أما التاريخ الإنجازي لهذا الجنس من الخطاب في الثقافة الغربية وغيرها، لا يمكن إلاّ أن يكون بداهة وبصبغة منطقية أبعد من ذلك بكثير، لا بدّ أنّه قد أوغل قدما في فترات تاريخية متقدّمة عند شعوب وثقافات متعددة نذكر على سبيل المثال: اعترافات القديس سانت أغوسطين" ( Les confessions de Saint Augustin) التي كتبت في375 م وترجمت إلى الفرنسية في1864م و كتاب "المنقذ من الضلال" لأبي حامد الغزالي ألفه في القرن السادس للهجرة وهو حريّ بأن يقرأ على أنّه "سيرة ذاتية" مكتملة الملامح والشروط فالملمح الترجذاتي فيه شديد التوهج حتى وإن لم يعترف به النقد الغربي الفرنكفوني وغيره.
    يطرح "النصّ السيرذاتي" عندئذ على الدارس والناقد والمدرّس، أكثر من إشكال يتعلّق بآثار هذه الفرقة الملاحظة بين النصّ في تاريخه الإبداعيّ الطويل وبين قصر تاريخه النقدي و استتباعات هذه الغيبة المطولة في مستوى القدرة على تمثّل الخطاب "السيرذاتي" بأمانة ثم تمثيله نظريا وتعليميّا بصورة شمولية قادرة على الإلمام بمختلف أبعاده الأدبية الفنية النفسية الاجتماعية التاريخية، لا سيّما و"التخييل الذاتي" هو مجال إخصاب وتلاق مطّرد ،غير متناه بين الغنائي وكل صنوف الخطابات ذات القيمة المرجعية الإحالية عموما ، لذا تتداخل الخصائص الأجناسية للسيرة الذاتية مع خصائص أجناس أخرى لا تعدم هيمنة الذات القاصّة بوصفها أيضا ذاتا فاعلة في مجرى القص وتشكيل الحبكة وإبرام العقدة وبناء البرامج السرديّة المتنوعة على قاعدة "التخييل الذاتي" فهو المصطلح الأدق والأعمّ الذي يجدر بنا اجتراحه لمقاربة "المدونة السيرذاتية" وهي على ما هي عليه من التسيب والاتساع .

    2- من قواعد الجنس إلى تحليل خطاب "التخييل الذّاتي"(autofiction) و"روايات الأنا"(Le roman du je) بديلا عن "السيرة الذاتية"
    لا يمكن أن نعرّف السيرة الذاتية وأن نتعرّفها خارج نظرية الرواية جنسا اكتساحيا له خاصياته التناصية التي يمكن أن تتوفر في كل صنوف "التخييل الذاتي" (l’ auto fiction) وما بات يعرف بـ"رواية الأنا" (Le roman du je) وهي مفاهيم انبنت على نفي المطابقة وعلى أنقاض نظرية "الميثاق الترجذاتي" سعيا منها نحو سد نقصها وحسم مفارقاتها التي كنا قد عرضنا إلى بعضهاتنضوي السيرة الذاتية في اعتقادنا ضمن خانة ما بات يعرف حديثا بـ "التخييل الذاتي"(l’autofiction) وهو مصطلح ابتدعه الناقد المبدع "دوبرفسكي" (Dobrovsky) عندما أصدر كتابه "الابن"(le fils) سنة 1977 لتطوّره بعده الكاتبة "ماري داريوسسك"(Marie Darrieusscq) في ضوء صدور كتاب لها حمل عنوان "الرضيع"(le bébé) ليقترح إثر ذلك "فيليب فورست" (Philippe Forest) في مؤلفه "الطفل الخالد"(L’enfant éternel) مصطلح "رواية الأنا"(Le roman de je).
    ونفهم من ذلك أن إعادة تعرّف السرد الذاتي وتعريفه أقد طوّرا تفكير النّقدي الغربي في نظرية "السيرة الذاتية" وقد بدأ ينحو نحوا نشوئيا تطوريا اختير عن عمد وقصد لكي يصل بين حياة هذا الجنس "الأدبيّ المعقّد شديد الميوعة ، كثير التنوع" وبين قصص الخطابات الذاتية المتفرّقة هنا وهناك في مختلف أصقاع العالم وهي لا تنفكّ تروي تفاصيل وجودها الشخص على شاكلة الملحمة (الجنس الأول للرواية) أو المسيرة الذاتية المجاوزة لكل أصناف العتبات والعراقيل بحثا عن سبل الارتقاء والترقي فرديا وجماعيا، وقد يرتد في الأصل إلى بدايات تشكل الوعي الغنائي والصور البدئية للحديث عن الذات في خطابها العفوي الذي عرفته المجتمعات البدائية مفعما بالإشجاء والاسترجاع الماضوي الوجداني .
    كل تعبيرات الذات ومظاهر ترجيعها خطابات بوحها و حنينها إلى المرابع والمراجع على حد السواء، هي مراجع الإحالة الأصلية إلى منابع "تخييل ذاتي" حيث كان التلفظ منقادا إلى رحلة تلك الذات في الكون فهي الأدمة والموئل .
    غير أنّ ابتداع مفهوم "التخييل الذاتي" يرجع تقريبا إلى الكاتب والمنظر "سارج دوبرفسكي" S.Doubrovsky) حينما قيّده على غلاف روايته "الابن" (Le fils) متعهّدا بتطبيق بنود "ميثاق روائي" يجعله أقرب إلى أن يقص قصة ذاتية نافيا أن يكون فيها هو نفسه الراوي والشخصية حتى يصير أكثر وفاء للتخييل" .من ثم أكد "دوبرفسكي" أن "السيرة الذاتية" هي سليلة الجنس الأشمل والأعم وهو "الرواية" وهي على مدى تاريخ نشأتها الطويل وباختلاف أشكالها ونماذجها لم تتعد تخوم هذا الجنس القولي المعقّد بالغ الغموض والإثارة.
    لقد أوغل مستخدمو لمصطلح "التخييل الذاتي" في هدم مقولات نظرية الميثاق وأصبح تعرف دلالته ببرهان الخلف وبانتقاض فكأنه "الميثاق الضديد" للترجمة الذاتية .ذهب "جيرار جينات" إلى حد اعتبار أن "من يكتب التخييل الذاتي هو من يقص قصة لم يعشها أبدا" ثم وصل إلى اعتباره "جنسا غير جاد،جنسا هجينا" وكانت له مع الناقدة "ماري داريوسسك"(Marie Darrieusscq) محاورة في هذا الاتجاه فقد بينت الناقدة الكاتبة أن "التخييل الذاتي" يختص بـتحمله مسؤولية"استحالة أن يروي قصة حقيقية ذاتية صادقة" بل رأت أنه "سيفضح سذاجة الممارسة "السيرذاتية" ومدى مجانبتها للحقيقة التداوالية لكتابات الأنا ومفترق تجاربها ومقارباتها الأدبية النقدية وهي أقرب نفسيا وتاريخيا إلى جنس الرواية" لتسند في الأخير للتخييل الذاتي التعريف الآتي:
    " أقول عن التخييل الذاتي إنه قصة مروية بضمير الأنا،تقدم نفسها غالبا على أنها خيالية (وهو ما ينص عادة على غلاف الرواية) لكن فيها يتجلى الكاتب بصفة السارد المشارك في الأحداث متخفيا وراء اسمه الشخصي وحيث الإيهام بالمطابقة هو الرهان الذي يرفعه الكاتب عبر تعدّد آثار حياته في القصّ"
    يذكر "كولونا"( Vincent Colonna) في هذا الصدد ما يسميه "الوظائف الصورية":أي ماذا يعنى الكاتب بـ" الصورة الروائية"؟ فيصعب أن نجد ما يماثل مزاج الشخصية وطباعها وحوافزها على مستوى الواقع، فهي مجرد طوبى. وما يقوم به الكاتب من محاولات لوصف ذاته والتحدث عن طواياه وسرائره، لا يمكن أن تستوعب إلا ضمن " المثالية الرمزية"
    فإن كان كل ذلك كذلك فما فائدة الإمعان في تكلّف المباعدة بين "السيرة الذاتية" وغيرها من الأجناس القائمة على "القصّ الذاتي"(l’autofiction) بما في ذلك خاصة "الرواية السيرذاتية" وأدب المذكرات واليوميات...؟
    ألا يمكن أن يرتد جميعها إلى الجنس الأصلي والأكبر وهو الرواية (le roman)؟
    إنّنا نرى في القص الذاتي تجليات خطابيّة نافذة إلى أكثر من تعبيرة أدبية مستكنة في قاع كتب التراجم والأخبار والسير الشعبية وما يعرف بالسيرة الغيرية (la biographie) أيضا قد يكون الوجه الآخر للسيرة الذاتية والفرق بينهما لا يتعدى وجهة النظر في القص وصيغته من السرد المصاحب إلى السردين المحايد أو العليم.
    ألا يغدو مفهوم "القص الذاتي" أرحب وأدق لاستيعاب كل تلك النماذج من المرويات دون اعتبار معيار المطابقة وبقية المعايير الأخرى التي غدت - في نظرنا- واهية مفرغة من معناها مرجعيا خاصة "الاسترجاع" و"قول الحقيقة" وحتى "النثرية" قد تصبح لا معنى لها مع وجود قصص الحكي الذاتي في الخطاب الغنائي الشعري قديمه وحديثه؟
    ثمّ إن التلفظ السيرذاتي ما هو إلا قناع سردي كسائر الاقنعة التي يجوز التفاعها والتستر بها إيهاما وإغماضا وتخييلا ولقد انتحت النظرية الأجناسية "للسيرة الذاتية"- في مقابل ذلك- نحوا بنيويا شكلانيا مبالغا في الصرامة والتقعيد والتبسيط للجهاز "السردي السيرذاتي" على خلاف ما تبدو عليه البنية الخطابية لهذا الجنس من المسرودات من انفساح وتعقيد وكثافة في مستوى التركيبة الفنية والدلالات الأدبيّة، فليس من البديهي دائما اختزالها بالمصادرة على قيمتها الاختلافية ومدى توفر جملة من السمات الفارقية التي ليست أبدا على تلك الدرجة من البداهة والوضوح النظري والإجرائي.
    يجرنا نقد مقولة الحقيقة ولا شيء سواها ومعيار الصدق في الخطاب الترجذاتي لشرط قيام العقد القرائي بين الكاتب وقارئه إلى اعتبار دور القارئ نفسه شريكا مهما في بناء المشروع السيرذاتي مشروعا انطباعيا أولا وآخرا يخضع إلى سطوة ذلك القارئ أكثر ربما من سطوة الكاتب نفسه .فإذا أقررنا هذه المصادرة فإننا سنجد في "السيرة الذاتية" ما في الرواية من الثراء والتنوع والقدرة على الاندساس في أكثر من بنية نصيّة أو خطابيّة، وسنضطر عندها إلى إعادة النظر في معظم المسلّمات التي جاءت بها النظرية "السيرذاتية" التأسيسية لندرك مدى حاجة "النصّ السيرذاتي" عموما بمختلف أشكاله وأجناسه إلى إثارة إشكالات تدوينه وتحقيبه والمعرفة بسيرورة تاريخه الإنجازي الخطابي الطويل والوقوف عند بداياته الحقيقية والمموهة ومنها فرد شبكة العلاقات المعقدة التي تشج ذاكرته "التخييلية" بالذاكرة "السيرية" أي تلك التي نجوز اعتبارها الذاكرة القصصية الغنائية للمجتمعات الإنسانية في جميع تجلياتها المشكلة لمنظومة الإخبار عن الذات و قصصها الفردية والجماعية وهي لا تني تتبادل لعبة الحكي والإضمار والتعيين والتخييل و لا تكف عن رواية قصص حيواتها وإن بأساليب مختلفة.
    تتقلّب"السيرة الذاتية" تقلّبا جدليا بين الحضور والغياب ،بين الرؤية من الداخل والرؤية من الخارج، بين قصة الأنا وقصة الآخر لنجد في النهاية أن بينها من المشترك المفضوض و بين السير والملاحم والتراجم والأخبار وأدب الرحلات والمذكرات واليوميات والرواية والقصة والأقصوصة والكتابة الدرامية وحتى الشعر أكثر مما يمكن أن تختصّ به جنسا واحدا معيّنا.
    فتعدّ الكتابة "الترجذاتية" فسحة لا للتذكر والاسترجاع وملاحقة الزمن الموضوعي برؤية ذاتية فحسب وإنما هي المجال التخييلي الأنسب لمقاربة ما هو غيري من وجهة نظر ذاتية تعطي المرجعي الموضوعي دلالات أضفى ربما تعجز الرؤى التاريخية المباشرة لوهم المطابقة ونظرية الميثاق المحددة لمفهوم الجنس عن تأويلها ونبث محمولها النفسي وحتى العرفاني حين نستثير المشكلات المعرفية المتصوّرية المتّصلة بأنواع الذاكرة وآثارها في القصّ وبناء المعاني والقيم "الترجذاتية" .
    لا يمكننا سوى أن نجدد التعامل مع النصّ السير ذاتي بصفته مجمع تلاق خصيب بين القول الواعي والخطاب الإخباري الواصف أو الناقل الظواهر والوقائع و بين القول التحليلي التأولي حامل القيمة أو المعنى وبين المقول المسرّب من الباطن دفين المشاعروالمكبوتات والخيالات.
    عندئذ، فإن "السيرة الذاتية" إن وجدت على ماهي عليه نظريا وبما ضبط لها من محددات فهي لا تعدو كونها اسما لمسمى غائب لم يوجد بالصفات التي حددت له في بداية التنظير له جنسا قصصيا يجدر به أن يختلف جوهريا عن بقية الأجناس الشعرية والنثرية المعروفة بما هو قصة حياة حقيقية ترويها ذات كاتبة على نحو موثوق في صحته، وكأنها لا تولد إلا من رحم الصدق والحقيقة بينما القول بالحقيقة نفسها يخالف بداهة كل عمل إبداعي وقد كان الناقد "رولان بارط" (Roland Barthes) قد نبّه إلى زيف هذه المغالطة ونفى صحة المطابقة مرجعا كل خطاب ينهض على القص إلى التخييل المتناقضة بديهيا وجوهريا لمبدإ قول الحقيقة.
    لا تنبع إشكالات تعليم السيرة الذاتية برأيي من النص "السيرذاتي" المنجز بقدر ما تتأتى من نظريته الموغلة في الوثوق والموثوقية وتعزى إلى محدودية وعينا بمدى ثراء هذا الجنس وخصوبة أشكاله عندما اعتنقنا كليا أو بصورة مبدئية فكرة "الميثاق الترجذاتي " ومن ثم لا نتردد في القول : إنّ"الميثاق الترجذاتي" هو أكبر وهم قرائي تناولنا من خلاله "السيرة الذاتية " بالنقد والتدريس والتحليل ، بل هو أكبر العوائق الابستمولوجية التي حالت ولا تزال تحول دون فهم الخطاب السيرذاتي الفهم الجدير به وهو من أبرز العاهات التأويلية التداولية التي لا نزال نورثها لأجيال وأجيال من المتعلّمين.
    يكفي أن نستحضر هنا جملة "ألان روب غريي" (Alain Robbe-Grillett) في تحديده أبرز ملامح المقصود بـ"الرواية الجديدة" في منتصف الثمانينات من القرن المنقضي عندما قال:" إنني لم يسبق لي أن تحدثت عن شيء غير نفسي" فأحدث ضجة أشبه بالرّجة زعزعت عديد القناعات التي يظن البعض أنها ثابتة وهي تقيم الحدود وترفع الأسوار بين الأجناس وخاصة بين "الرواية" و"السيرة الذاتية".
    "الميثاق الترجذاتي" عقد موهوم يجانب جوهر الحقيقة نفسها حينما تروى وتنقلب إلى وقائع مسرودة بلسان حال شخصية كاتبة تتدعي الصدق والنزاهة والموضوعية في ذات الوقت الذي تحقق فيه آثارا إنجازية جرّاء الخطاب ووقعه أقلها التأثير في المتلقي والتعبيرعن النفس. لا يمكنها عندئذ إلا أن تقول حقائق مغلفة بالذاتي والانفعالي الانتقائي محكومة بالوعي الرقيب وبجدلية التحسين والتقبيح وبآثار النسيان،إذن لا وجود لخطاب حقيق أو حقيقي في النص الترجذاتي وهو لا يستطيع أبدا قول حقيقة لا وجود لها أصلا في عالم الأفكار والأقوال. تنبري الحقيقة في كل خطاب يعتمد الإخبار عن الذات أشبه ما تكون "بقوة التأثير بالحقيقة والإيهام بها أكثر من كونها الحقيقة نفسها وقد استحالت مسرودا أدبيا" فالسرد الترجذاتي سرد استيهامي أولا :الذات وهي تعيش لحظة تماهيها بالأنموذج السردي الذي تود إخراجه إلى القارئ "مخرج صدق" وفي "معرض حسن"، وهو سرد إيهامي ثانيا: بمعنى دوره أن يوقع أقصى درجات وهم التصديق بما سيروى ثم المصادقة عليه.
    وهذا ما قد ينجرّ عنه مجموعة نتائج:
    - لا وجود لقصّة "ترجذاتية" خام من أنواع "السرد الخالص" بمفهوم "جينات"((le récit à l’état pur) إلا بعد تشكيلها خطابيا برؤية ناظمة تلم شتاتها وتذيب الفواصل بين المرجعي والذاتي (تسميها الباحثة الهويّة السردية) تلك الرؤية هي أساسا رؤية انفصامية تنهض على "تبعيد" (أي انقسام الذات إلى ناظرة ومنظورة) ومستويات عليا من القدرة على تملّك الأحداث تملّكا تأويليا هو مفهوم "التفكّر" عندما يستنطق التذكّر ويعيد تشكيل ملامح العالم الواقعي برؤية منقادة إلى فكرة تمثل "المغزى السيرذاتي" وكذا شأن كل السير والمغازي فهي قصص اعتبارية منشدة إلى منظومة أخلاق وقيم وبطولات حقيقية أو متخيلة.
    - ليست الذات القاصّة الجامع الفني المعنوي للسيرة الذاتية بصفتها الموضوع المركزي "للمحكي المستعاد "، بل المعنى "السيرذاتي" للقصة الذاتية منعقدا برؤية جامعة لا يكفي القول إنها رؤية انتقائية أو رؤية خاضعة لإكراهات الذاكرة وعوارض الجهل والنسيان ولكن علينا أن نتعامل معها فنيا وتعليميا على أنها رؤية تشكيلية واعية بصورة يجب إخراجها للقارئ في معرض حسن يستجيب ومشروعها "الترجذاتي" ذاك المشروع يظل دائما بحثا عن قيمة السيرذاتية بصفتها سيرة وصناعة دؤوبا لمعانيها لامجرد استعادة لماض منفلت. فمنها تشقق الأنا الساردة دلالات القص و بواسطة انتظامها في خطاطة الأفكارو التصورات التي يحملها الكاتب عن علاقته بالأدب والعالم يفتل خيط الأحداث المعيشة لتنشأ قصّة تسلسلها مكتملة في عالم الأفكار يلاحق رؤية جامعة لبنية حدثية أخرى متخيلة تختلقها الذات. فليس الاسترجاع وحده هو العامل الباني المهيكل لمعالم تلك القصة/ الحياة بل "المعنى السيرذاتي" بوصفه قيمة حجاجية قد تكون ذات أبعاد اجتماعية أو فكرية أنطولوجية وجودية أو حضارية ثقافية أو عاطفية أو حتى رمزية ترتقي فيها الذات البطلة إلى مرتبة الرمز وتغدو قناعا لذاتها تلتفع به وقت الحاجة إلى بناء الدروس واستخلاص العبر.
    - السرد الترجذاتي هو أيضا سرد تأريخي لذا فهو نتاج "كفاءة ذهنية خالصة" اصطلح عليها "بول ريكور" بالحكم التأمّلي"(le jugement réflexif) وهو حكم خاضع لعمليتين مندمجتين: التنسيق بين الأحداث المختلفة وتمحيضها من ناحية أخرى للدلالة على تصوّر جامع بينها.
    - "الفضاء السيري" بمفهوم "لوجون" هو فضاء دلالي موضوعي مشاع مفتوح لا واقعي حميمي مغلق كما قد يظن،وهو متحرك الحدود كلما تحركت آلة القراءة واكتسبت نضوجا أكبر على تفكيك الأنسجة الدلالية للنص وإعادة تركيبه فتأويله على نحو أدبي خطابي لا يقف عند قواعد الجنس.
    3- أي منوال تعليمي لدرس السيرة الذاتية؟
    لا يسعنا في هذا الإطار سوى أن نعود بالمسألة إلى بواعثها التعليمية التي قد تجيز اقتراح جملة من البدائل البيداغوجية أيضا منها قد تعطينا في النهاية منوال تدريس السرد الذاتي عبر أشكاله وأجناسه ونصياته المختلفة من المرحلة الابتدائية إلى الثانوي:
    - أن يركز المدرّس في السنوات الأولى من تعلّم السرد منهجية متكاملة تجمع بين مهارات الإصغاء والتسريد والتعليق مشافهة وكتابة مستغلا مرحلة التفكير الحسي ومركزية الإحساس بالذات لدى الطفل لحفزه على حكي قصته الذاتية مرارا وتكرارا في مقامات متنوعة قراءة وشفاهة وكتابة
    - أن يبني الوعي بالتخييل الذاتي بناء يتدرج من الحسي إلى المجرّد بتشجيع المقاربة بالمشروع والتعلم بطرق مغايرة (المسرح والرسم والقصص المصورة والمعروض الرقمي...) في خدمة التدرب على تأليف"الكراس الحميم" أو المذكرات واليوميات وأدب البوح والاعتراف وأدب الرحلة ...
    - أن يجعل تعلم السرد المتحرك في الأمكنة والأزمنة والتاريخ والجغرافيا الفردية والبشرية منفتحا على الفضاءات الواقعية الحية بالرحلات وزيارة المتاحف والمعالم الأثرية وتمهير المتعلمين على اكتساب مهارات التدوين والتأريخ وأخذ التقييدات وكتابة التحقيقات وتغطية المشاهد المعروضة والمنقولة شفاهة وكتابة
    - أن يعقد الصلة بين النصي والأنماطي والأجناسي والخطابي منذ المرحلة الإعدادية ولا يدرس النصوص السردية المنتمية إلى أنواع القص الذاتي كما لو كانت بنى ميتة وأشكالا مغلقة مجتثة من سياقاتها معزولة عن حيات الذوات ومجرى الأفكار والأحداث التاريخية والكونية
    - أن يشجع على إنجاز مشاريع المحور ويرافق المتعلمين في البحث وجمع المعلومة وبناء صنافة الآثار والنصوص والأجناس على قاعدة الاطلاع والقراءة والتدوين
    - أن يجعل النص القصير يقرأ قراءة حوارية مع النص الطويل 'المطالعة في خدمة شروح النص)
    - أن يوسع دائرة المدونة السيرية المقروءة :الذاتي والشعبي والغيري والأدب المقارن
    - أن يتوسل بمذكرة القراءة الخاصة بالجنس الأدبي دون سد المنافذ أمام التفاعل بالتأويل والمقارنة والتذوق
    - أن يعتمد التعلم الخطاطي التجريدي وأنشطة التلخيص والتعليق المركب...
    الجهاز الشارح لنصوص التخييل الذاتي
    التداولي من ولمن وماذا ولماذا
    المرجعي الإطاري متى /أين
    التعييني المؤشرات والواسمات المرجعية
    التخييلي المؤشرات والمؤشرات الإيهامية/ الاستيهامية
    الأجناسي سيرة ذاتية، رواية،مذكرات،يوميات،أدب رحلات ...
    المدى الأجزاء والأطوار والبنية المهيكلة لبنية الأحداث المروية
    الذاكرة التخييلية الاسترجاع المواكبة، الاستباق، الحلم،الاستبطان
    صيغة الحكي/المناظير السرد المصاحب، المغاير،المتغاير، المتقنع، الأحادي ،المتعدد، الذاتي الموضوعي،الذاتي الشخصي أو المشخصن
    بنية التخييل البرنامج السردي،الفواعل وشبكة العلاقات
    السجل التخييلي لغة القص حضورالأنماط ،مستويات اللغة،المعجم، الشعري، الواقعي،السيريالي
    المغزى التخييلي أوحجاج الذات القاصة المحاج/ المحجوج/ المسار الحجاجي أو الخطة، الحجج وموافقاتها،النتيجة
    الميزة الفنية الجامعة الأسلوب التخييلي،هوية الذات،معنى القص

    سلوى العباسي
    أعجب بهذه المشاركة المنصف الحامدي