1. لطفي الحسيني

    لطفي الحسيني عضو

    60
    53
    18
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    تونس
    المستوى الدّراسي:
    دراسات معمّقة
    الاختصاص:
    الآداب
    المهنة:
    أستاذ

    الشخصيات في مسرحية" شهرزاد"

    الموضوع في 'فضاء الشّعر العربي القديم' بواسطة لطفي الحسيني, بتاريخ ‏20 مارس 2014.

    الشخصيـــات


    اعتنى الحكيم بتوزيع شخصيات المسرحية توزيعا محكما يكاد يكون هندسيا، بحيث تتناظر الشخصيات من جهة وتتشابك علاقاتها وتتداخل من جهة ثانية، ولعلها تؤول جميعا وتنصهر في ذات واحدة هي الذات الإنسانية بكل تشعباتها وقد رأى " جورج طرابيشي" أن شخصيات مسرحية شهرزاد تنتظم في حركة دائرية قطبها ومحور دورانها " شهرزاد" أما سائر الشخصيات : شهريار / العبد / قمر، فهي كالكواكب تدور في آن حول نفسها، وحول شهرزاد.

     [​IMG]
    [​IMG]

    الوزير الملك

    [​IMG][​IMG][​IMG][​IMG][​IMG]قمر شهريار



    العبـــــد

    والثابت أن الشخصيات في مسرح الحكيم هي رموز وأقنعة لأفكار وأطروحات ذهنية أكثر منها شخصيات بشرية نابضة بالحياة، وفي هذا يقول " محمد مندور" [ الظاهر أن توفيق الحكيم مولع بتجسيد نواحي الحياة الإنسانية، أو بمعنى أدق اتجاهات النفس البشرية، التي يفصل بعضها عن بعض ويجردها في شخصيات مسرحية] وشخصيات مسرحية شهرزاد مثلا ترمد في بعدها الذهني إلى الإنسان تتنازعه أبعاد متناقضة فتراه حينا أسير نداء الشهوة [الجسد] وحينا أسير نداء العاطفة [القلب] وحينا آخر أسير نداء العقل والمنطق [العقل].

    إن سمة الرمزية الطاغية على الشخصيات في المسرحية حكمة على حضورها بطابعين مهمين :

    أ‌) سمـــة [الثبــات] في البناء الرمزي للشخصية

    يقول أنطوان معلوف "الشخصيات تبقى أمينة لنفسها من البداية إلى النهاية، فشهريار هو العقل، والوزير هو القلب والعبد هو الجسد، الأول يحاول أن يفهم من تكون شهرزاد والثاني يعشقها عشق الوجدان فهي الشمس التي يستمد منها نوره والثالث يعتبر جسد شهرزاد مأوى"

    ب‌) سمــة [النماء والتحول] في العلاقات

    إن العلاقات بين الشخصيات تتراوح بين مد وجزر فهي تخضع قبل كل شيء لتقلبات البطل ولمسار رحلته وأطوارها.

    [​IMG][​IMG]مثال (1) العلاقة بالساحر : اتصال : حدث الاتصال في الطور الأول من أطوار تجربة

    شهريار لكشف الحقيقة عبر السحر (مغامرة العقل الأولى)

    انفصال : بعد التأكد من فشل هذه المرحلة والتوق إلى الرحيل

    [​IMG][​IMG]مثــال (2) العلاقة بالعبد : العداء والحقد : حين كان البطل في طوره الطفولي

    اللامبالاة والإشفاق : حين النضج والإنسلاخ من طور "الطفولة"

    إلى الطور العقلاني / البلوغ

    أ‌) شخصية شهريار

    هو بطل المسرحية دون جدال، فهو محرك أفعالها، والمضطلع بالمغامرة التراجيدية فيها، يعرفنا عليه الحكيم وهو في لحظة مفصلية عقب انقضاء الليلة الواحدة بعد الألفن وما أحدثته فيه من تحول عجيب فقد روضته حكايات شهرزاد وخلصته من الوحش الكاني فيه المتعطش للدماء والانتقام وفقت عقله على ألوان من العجائب والأسرار عبر الحكي، قلنا إن الحكيم يعرض علينا شهريار في هذه المسرحية وقد تخلص من طور بدائيته المنغمسة في الحس والشهرة ونزع عنه غشاء العاطفة والقلب وانتقل من طور اللعب بالأشياء إلى طور التفكير فيها، فقد انبرى يجرب مختلف السبل ساعيا إلى المعرفة المطلقة بعد أن سئم في بداية الأمر الأجساد والحس بما يمثلانه من مرحلة بدائية في المعرفة (المعرفة الحسية) تم تمرد بعد ذلك على الحب وسلطان القلب عليه، فأعلن رغبته في الرحيل وهجر شهرزاد منسلخا بهذه الخطوة عن طور الإيمان وصدور المعرفة عن القلب والحدس والتسليم، ليبلغ مرحلة جديدة راكم خلالها بلوغ المعرفة عبر العقل المحضي.

    إن شخصية شهريار بهذه المعالم تختزل صورة الإنسان في رحلته الوجودية مرورا من :

    · هيمنة الحس والمادة عليهن واقتصار وجوده على البعد الغريزي

    · رصوخه إلى سلطان الأديان ونزعة الإيمان، وفيض القلب والروح على كيانه.

    · إلى طور الفكر وعقلنة الوجود.

    إن شهريار بهذه الأبعاد رمز لغربة الإنسان الذي ضاق بحدود آدميته واشتاق إلى معانقة المطلق... فقنع من الغنيمة بالإياب.


    شـــــــهــــــــــــــرزاد :

    حملت الشخصية من الأسطورة الشهيرة اسمها وهو اقتباس دال في حد ذاته، فالأسطورة ليست جوهر البناء الدرامي للشخصية (شهرزاد) وإنما هي بعبارة غالي شكري في كتابة ثورة المعتزل " المقدمة أو البرولوج الذي يفترض الحكيم وجوده في مخيلة القارئ حتى ينطلق منه".

    وبهذا الفهم فإن شهرزاد هي أولا وقبل كل شيء امرأة، وجدت نفسها يوما عرضة للموت كسائر بنات جنسها فعقدت العزم على ألا تستسلم لمصيرها وأن تذود عن حياتها بكل ما أوتيت من حيلة، وشهرزاد بصفتها الفردية هذه لا أسرار فيها

    وشهرزاد ثانيا هي المرأة النوع : التي وجدت رجلها ثم فقدته في منتصف الطريق، لقد جاهدت شهرزاد ألف ليلة وليلة حتى تصنع شهريار وتنقله من طور اللعب بالأشياء إلى طور التفكير فيها، لكن بمجرد أن فتحت عينيه حتى هجرها، وأنكر صفة الآدمية التي خلقتها فيه وأعلن " إني براء من الآدمية" لذلك تسعى شهرزاد الأنثى إلى أن تقيد فيه هذه الآدمية بتحريك قلبه بنشوة الحب (مشروع الغيرة مع الوزير قمر) وجسده بنشوة الشهوة (مشروع الخيانة مع العبد)

    أما البعد الثالث لشهرزاد فهو متولد من هذه الصورة : صورة الأنثى رمز الخصوبة باعثة الحياة، ومن هذا البعد تتناسل دلالات المعنى الثالث في شخصية شهرزاد فهي الأرض الولود وهي الطبيعة.

    وهي رمز المعرفة الكاملة لا يدرك الإنسان بقدراته المحدودة إلا جوانب منها فقد رأى فيها العبد " جسدا جميلا" من منظور فهمه الحسي للكون، في حين رأى فيها الوزير "قمر" "قلبا كبيرا" مستندا إلى تصوره العاطفي الإيماني للكون، أما شهريار فلمح فيها "العقل" والمعرفة الشاملة، وهو يحاول حملها على البوح بأسرارها " أنت تعرفين، تعرفينكل شيء أنت كائن عجيب، لا يفعل شيئا ولا يلفظ حرقا إلا بتدبير لا عن هوى ومصادفة" عبر هذا البعد اتصل شهريار بشهرزاد وحاول اكتشاف الحقائق كما اكتشفت عبرها حقيقة الجسد والقلب سابقا من هنا كانت شهرزاد عدة شخصيات في وقت واحد، إذ تبدو لكل واحد سرا ضخما وعقلا عظيما على حد تصور شهريار أغراه بالبحث والرحيل لكشف أسرار هذا العقول الطبيعة بما لم يتح الإنسان من قبلة فكانت النتيجة أن عاد خائبا، وهو درس من الطبيعة مفاده أن قدر الإنسان أن يظل مراوحا بين الحيوانية والأولوهية. ويكفيه شرف المحاولة في الارتقاء وإن هوت به حدود بشريته...

    طــــالـــــع : إضافة للإثراء حول شخصية شهرزاد.

    ج) شهرزاد : أو المرأة الإشكال

    قدم الحكيم مسرحية شهرزاد بقول ايزيس : " أنا كل ما كان كل ما يكون كل ما سيكون قناعي لم يكشفه بعد إنسان..." وإذا كان هذا القول ينطبق على الطبيعة والحقيقة فإنه عند الحكيم ينطبق على المرأة بل عليها أكثر من غيرها. وللحكيم مع المرأة في حياته قصة طويلة، فيها من الحرمان والعقد كثير ولكنها في مجملها تبين أن المرأة كانت عنده دائما إشكالا وضريبة كتب على الرجل أن يدفعها، حتى وصف الحكيم يوما بأنه عدو المرأة. والحقيقة إن الدراسة المتأنية لمسرح توفيق الحكيم تبين أنه اعتبر المرأة دائما قضية ومعظلة لا بد منها. فلها فضل كبير إذ هي التي تخلق الرجل العظيم فشهرزاد هي المرأة التي تم على يدها بعث شهريار وهكذا كانت شخصيتها استمرارا لشخصية ايزيس إلاهة البعث في الحضارة المصرية القديمة، ولقد قال الحكيم في "تحت المصباح الأخضر" : "تحت تأثير افتتاني بايزيس رسمت أشخاص بطلاتي شهرزاد وبريسكا وعنان" ص 197.

    ولقد قال قمر لشهرزاد : " لقد خلقته (شهريار) من جديد" ص 49 المنظر الثاني.

    لا بد لخلق الرجل العظيم إذن من المرأة وإلى هذا الحد تبدو المرأة عاملا إيجابيا فعالا، ولكن الرجولة عند الحكيم تجاوز دائم ولا يستطيع الرجل أن يتجاوز نفسه إلا بتجاوز المرأة التي صنعته، لقد بجماليون : " أكلما فتحت أعيننا العمياء يد نبدأ أول ما نبدأ بأن تراها أصغر مما كنا نتخيل". وكذلك فعل شهريار بعد أن فتحت شهرزاد آفاق فكره فقال لها :"ما عدت أحفل بك ولا بشيء".

    إن المرأة تستطيع أن تقطع مع الرجل الشوط الأول من الرحلة ولكن شوطها الثاني وقف على الرجل، فأسمى ما تطمح إليه المرأة هو أن ترفع الرجل من مستوى إنسان يشتهيها إلى مستوى إنسان يحبها. ولكنها بعد ذلك تتحول إلى صخرة وقوف، فلا بد للرجل إذا طلب "الأرقى" أن يرحل عنها. ذاك ما أدركه شهريار فطلب الرحلة وزهد في شهرزاد وعاب على عمر وقوعه تحت جاذبيتها واكتفاءه بها " أنت يا قمر لا تزهو بغير الشمس... فأبق كي تستمد الحياة من نورها" ص 91.

    إن المرأة يكفيها في رأى الحكيم أن تصنع رجلا يحبها ويدور في فلكها ولقد جاهدت شهرزاد الاسطورة أن تصنع شهريار وأن تنقله من "طور اللعب بالأشياء إلى طور التفكير في الأشياء" ولكنه أصبح يريد أن يرى كل شيء ولم تعد تكفيه فإذا هي في المسرحية تناضل من جديد لإعادته إليها دون جدوى. والمرأة عند الحكيم لا تعيش إلا إذا كانت سرا. وكأن الغموض يجملها ويزيدها رونقا ويربط الرجل بها، لذا كانت شهرزاد إزاء الأبطال الثلاثة لغزا، ولئن رأيناها أحيانا تدعى تواضعا، أنها لا شيء سوى شهرزاد فإنها في الحقيقة مسرورة بأن يقف الأبطال أمامها مشدوهين، يقول لها شهريار : " هل تحسبينني أطيق طويلا هذا الحجاب المسدل بين وبينك" ص 73.

    على أنها في الحقيقة لا تملك هذا السر في ذاتها وإنما هو الرجل الذي يضفيه عليها، أما هي فسحطية لا عمق فيها، إنها كالصفاء تماما، فالرجل إذن هو الذي يعطيها معناها، ولذا كانت المرأة عند الرجل جسدا جميلا منحيث الغريزة وقلبا كبيرا من حيث القلب وسرا من الأسرار في مقياس العقل. ولكن المأساة كل المأساة عند الحكيم في أن الرجل لا يستطيع الخلاص النهائي منها، فليرحل عنها ما أتيح له الرحيل ولكنه لا تبد أن يعود، أن يدور في فلكها، ولقد رحل شهريار وعاد، كما رحل بجماليون في سماء الفن وعاد يطلب جالاتيا: المرأة. فعلاقة الرجل بالمرأة عند الحكيم علاقة مأسوية صراعية لا اتفاقية تكاملية، إن هذه النظرة ذاتية لا ريب، بل هي في الحقيقة نظرة توفيق الحكيم " الإنسان" إنها نتيجة تجربته الشخصية مع المرأة. ولقد كان أساس هذه التجربة الحرمان، ويكفي أن نقرأ "عصفور من الشرق" أو " عودة الروح" لنتبين أن توفيق الحكيم قد عانى مرارة الفشل في الحب، فإذا هو يقلب ذلك الفشل فلسفة وإذ " لاشيء يجعلنا عظماء غير ألم عظيم". لقد كانت المرأة عنده دائما لغزا ولا بد أن تكون كذلك لرجل له تربية محافظة ومزاج انطوائي. ولعل آثار الحكيم كلها تروي قصة هذا الصراع الداخلي في نفسه بين الحاجة إلى المرأة والحرمان منها، وشهريار في المسرحة هو الحكيم نفسه من هذه الزاوية.

    · الوزيــــــــــــــــر : قــــــــمــــــــــر

    هو رمز القلب والنزعة الوجدانية في الإنسان، وهو رمز الإيمان المثالي، ارتبط وجوده بالدوران في فلك معبوده "شهرزاد" فهو يستمد بقاءه منها كما يستمد القمر ضوءه من الشمس، وقد جسد الحكيم من خلال شخصية قمر النزعة الإيمانية في سكونها وهدوئها وقناعتها المثالية، فهو يرى أن "رجلا بقلبه قد يصل إلى ما لا يصل إليه آخر بعقله" لذلك كانت علاقاته مبنية على المهادنة... وأما سعيه إلى المعرفة فكان عبر الحدس والإحساس فهو لا يرى جدوى في رحلته طلبا للمعرفة فقد يعرف الإنسان وهو في مكانه أكثر مما يعرفه بالبحث والارتمال " هل يحسب مولاي لوجاب الدنيا طولا وعرضا أنه يعلم أكثر مما يعلم وهو في حجرته هذه".

    · العبــــــــــــــــــــد

    تمثل هذه الشخصية نداء الغريزة والبعد الحيواني في الإنسان، إنه الجسد الصرف الذي تحركه النزوات والرغبة وتظهر هذه الرمزية منذ بداية المسرحية في صلة العبد بالعذراء التي سيقتلها شهريار طلبا للمعرفة، إذ يرى العبد في جسدها مأوى " ما أجمل هذه العذراء وما أصلح جسدها مأوى".

    إن العبد بصفاته التي رسمها الحكيم من سواد وقبح، ومن خلال حركته الدائمة في الظلام تمثيل فني للرغبات الحسية التي تلم بالإنسان، كما أنه أيضا رمز إلى الطور البدائي الحيواني من تاريخ البشرية، وتطوره الذي هذبه الإنسان بالقلب والعقل : أي عبر الإيمان والمعرفة فقمع جموح هذا الجسد، وقنن رغباته، لذلك نجد أن هذه الشخصية تتسلل إلى مخدع شهرزاد في الفصل الخامس أثناء غياب شهريار (فعل العقل) والوزير قمر (فعل القلب) وبغيابتهما ينفلت (فعل الجسد)/ العبد.

    إن حركة العبد في المسرحية ارتبطت بالظلام وطريقة دخوله إلى مخدع الملكة تمت عبر النافذة تسللا... وهي كلها رموز على موقف يقر بلا شرعية ما يحمله العبد من دلالة جنسية... وقد قدمت خاتمة المسرحية موقفين من هذا النداء الجنسي / الجسدي.

    أ‌) فقمر رمز القلب والعاطفة المثالية انتحر رفضا منهه لما يعتبره دنسا + إثما

    ب‌) أما شهريار/ العقل، فقد رأى أن خير عقاب للعبد يكون بعتقه وتحريره، بمعنى أن الخلاص من سطو الغريزة يكون باستفراغ طاقاتها عبر اطلاقها وإشباعها فتتآكل وتخفت...
    aminouss1 و hala معجبون بهذا.
  2. ايمان اصبيح

    ايمان اصبيح عضو مهمّ

    812
    38
    28
    الدّولة:
    الاردن
    الولاية:
    اربد
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    الطب البديل
    المهنة:
    كاتبة كتاب طبي