1. hind

    hind عضو نشيط

    497
    47
    28
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    تونس
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    آداب
    المهنة:
    طالبة

    الرمز الشعري واغتراب اللغة في المنظور الصوفي

    الموضوع في 'فضاء الشّعر العربي القديم' بواسطة hind, بتاريخ ‏25 يونيو 2015.

    الرمز الشعري واغتراب اللغة في المنظور الصوفي 1
    شعبان أحمد بدير[1]

    إضاءة: الرمز والإشارة وتجاوز ظاهر اللغة:
    إن التجربة الجمالية التي يعيشها الصوفي لا تتعامل مع الحسن الظاهر بصورته الفعلية الحقيقية ولكن على أنه عارية مستعارة من الجمال الإلهي، ومن ثم فالصوفية دائمًا يبحثون عن الباطن ولا يعولون - كثيرًا - على المباشرة؛ لأنها لا تؤدي إلى معرفة حقيقية ولا إلى تعبير شعري يرضي حاستهم، ويقوي دعائم الخيال، ويفسح المجال لانطلاق أجنحته وراء الألفاظ والعبارات الوضعية إلى معان أخرى يتحملها اللفظ بالتفسير والتأويل، مما يجعل القارئ يغوص في داخل الصور وما وراءها لاستكشاف أمور ربما لا تخطر للشاعر على بال.
    من أجل ذلك كله جرت الرمزية وراء التعبير مما لا يقع تحت الحس، واتجهت وجهة صوفية نفسية، وآمنت بعالم وراء هذا العالم الحسي تحاول أن تعيش فيه وأن تستمد موضوعاتها منه؛ لأنه هو العالم الكامل الجميل الأبدي الدائم.
    لقد كان طابع الرمزية طابعًا صوفيًا يبحث عن كل مثالي وجميل، ويتمثل ذلك الطابع فيما كان يؤمن به بودلير من الجمال المثالي[2].

    وبالطبع، إن تحديد مفهوم للرمز في وسط الركام النقدي الهائل شيء يعجزعنه نطاق هذا الفصل من البحث، وقد أغنت دراسات كثيرة[3] عن تفصيل ذلك، ولكن سأحاول البحث عن مفهوم للرمز من خلال هذا المنطلق الجمالي الباطني الذى قدمت الحديث عنه.
    فلقد أطلق النقاد العرب القدماء الرمز على الإشارة التي عرفها قدامة بن جعفر أن يكون القليل من اللفظ مشتملاً على معان كثيرة بإيحاء إليها أو لمحة تدل عليها[4]. كما عرفها ابن رشيق القيرواني بقوله:
    وهي لمحة دالة واختصار وتلويح يعرف مجملاً، ومعناه بعيد من ظاهر لفظه[5].
    والمدقق في هذين التعريفين يجد الإشارة لا تقف عند ظاهراللفظ، ولكن تنفذ إلى المعنى المبيت فكريًا من حيث التبادل بين الكلمة وما ترمز إليه، فيما اختزنه الذهن من دلالة تكتسبها الكلمة بواسطة الانفعالات الوجدانية، قال الشاعر:
    أشارت بطرف العين خيفة أهلها إشارة محزون ولم تتكلــم
    فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا وأهلا وسهلاً للحبيب المتيم[6]

    فالإشارة - وفق هذين البيتين- موافقة للرمز في معناه على أنه
    عمل ذهني تشترك فيه طاقات باطنة في ذات الشاعر يتخذ الرموز محاولة للتعبير عنه[7].
    ولهذا أدمج ابن عربى الرمز بالإشارة في قوله:
    اعلم أن الرموز والألغاز ليست مراده لأنفسها، وإنما هي مرادة لما رمزت له، ولما ألغز فيها ومواضعها من القرآن آيات الاعتبار كلها والتنبيه على ذلك قوله تعالى: "وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ...".
    وكذلك شأن الإشارة و"الإيماء". قال تعالى لنبيه زكريا: "أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا" أي الإشارة، وكذلك فأِشارت إليه في قصة مريم[8]. ومن ثم يعرف الرمز بقوله:
    الرمز أو اللغز هو الكلام الذى يعطى ظاهره ما لم يقصده قائله، وكذلك منزلة العالم في الوجود: ما أوجده الله لعينه وإنما أوجده لنفسه[9].
    ومن ثم فإن الذي يقوم بالدور الفعال في الدلالة الرمزية - فيما ذكر ابن عربي عن الإشارة والرمز - إنما هو المدلول الكامن وراء هذه الظواهر، وهذا جعل سوسير يصفه بقوله:
    ما يتميز به الرمز هو أنه ليس دائمًا كامل الاعتباطية، إنه ليس فارغًا، إن هناك بقايا الرابطة الطبيعية من الدال والمدلول، إن الميزان كرمز للعدالة لا يمكن تعويضه بأي شيء كالدبابة مثلاً ...[10]
    ويقول:
    إن الكلمات إنما هي مجرد علامات أو إشارات للأشياء، ويعني بهذه العلامات الكل المزدوج الذي يفيد الدال والمدلول معًا، وذلك لأن العلاقة بين العلامة ومعناها اعتباطية، أما الرمز فيفترض علاقة طبيعية بسببه بين الدال والمدلول، كأن نقول: إن الماء رمز الصفاء، فبينما ينطبق الدال على المدلول تمامًا في حالة العلاقة اللغوية فإنما الأمر يختلف عن ذلك في الرمز الذي يرتبط ارتباطًا قويًا في تكوينه بما يطلق عليه السيميولوجية أو علم العلامات[11].
    ويرى تشادويك أن الرمزية ليست مجرد استبدال شيء بشيء آخر، إنما هي عملية استخدام صور محددة للتعبير عن أفكار مجردة وعواطف، وعلى الرغم من هذا التعريف، فإن معنى الرمزية ما زال واسعًا حيث يقول ت . س إليوت في مقال عن هاملت:
    الطريقة الوحيدة للتعبير عن العاطفة في شكل فني هي إيجاد معادل موضوعى - أي مجموعة من الأشياء أو المواقف أو سلسة من الأحداث تكون في النهاية هي التركيبة المعادلة لهذه العاطفة، أو هي تركيبة هذه العاطفة على وجه الخصوص...[12]
    وهذا التعريف يركز على المهمة التي يقوم بها الرمز في الربط بين الواقع المادي والمعنى المجرد على اعتبار أن الرمز هو
    المقارنة بين المجرد والملموس، حيث أن أحد طرفي المقارنة يشار إليه دون أن يذكر[13].
    ولكن أنا بلكيان ترى أن أكثر أشكال الرمز نجاحًا ما نشأ عن مزج الملموس أو الحقيقة المجسدة بالمجرد أو بالمزاج الباطني[14] أو بين الواقع والمثالي.
    وتخطي الواقع إلى المثالي يحتاج إلى نوع من الرمز يطلق عليه الرمزية المتجاوزة
    التي تستخدم فيها الصور الملموسة، ليس كرموز لأفكار ومشاعر خاصة تعتمل بداخل الشاعر، وإنما كرموز لعالم شاسع ومثالي يعتبر العالم الواقعي بالنسبة له شبيهًا غير متكافئ[15].
    هذا المفهوم الخاص بوجود عالم مثالي يوجد فيما وراء الحقيقة يعود إلى أفلاطون، وحاول بودلير الوصول إليه عن طريق الشعر. يقول:
    إنه بالشعر ومن خلاله تدرك الروح الروعة الكامنة فيما وراء الحياة، ولكن برغم أن هدف شاعر الرمزية المتجاوزة هو أن يذهب إلى ما وراء الواقع، فمن الواضح أنه مثل شاعر الرمزية الإنسانية يستخدم الحقيقة والواقع كنقطة انطلاقة[16].
    بحيث إذا أراد رسم صورة لشيء مثالي عليه أن يرسم صورة موازية له، حتى يصل إلى الجوهر الذى يجمع بين الاثنين في النهاية.
    إذن فالرمز وفق هذا المفهوم يستلزم الخبرة بما تكنه المحسوسات الخارجية من جمال أو علاقات ترسم مدلولاً معينًا، وتؤدي إلى مزيج من الواقع والشعر، ويكون الرمز ساعتها لمحة من لمحات الوجود الحقيقي يدل عند الناس ذوي الإحساس الواعي على شيء من المستحيل أن يترجم عنه بلغة عقلية، دلالة تقوم على يقين باطني مباشر.
    الرمز كما يقول يونج:
    وسيلة إدراك ما لا يستطاع التعبير عنه بغيره، فهو أفضل طريقة ممكنة للتعبير عن شيء لا يوجد له أي معادل لفظي، هو بديل من شيء يصعب أو يستحيل تناوله في ذاته[17].
    ولذلك يقول ابن عربي:
    مما يحوي عليه منزل الرموز أيضًا منزل الآيات الغريبة والحكم الإلهية ومنزل الاستعداد والزينة، والأمر الذي مسك الله به الأفلاك السماوية ومنزل الذكر والسلب. وفى هذه المنازل قلت:
    منازل الكون في الوجــود منـــازل كلهــــا رموز
    منازل للعقول فيهـــــا دلائــل كلها تجــــــوز
    لما أتـى الطالبون قصــدا لنيــل شيء بذاك جـــوزوا
    فيـا عبيد الكيان حــوزوا هـذا الـذي ساقكم وجـــوزوا[18]

    إن وراء الواقع أمورًا ربما ليس لها معادل فكري فيقوم الحدس بدوره في مساعدة الرمز على مجاوزة صعوبة المعرفة الكونية، وتكون الرمزية وقتها
    محاولة لاختراق ما وراء الواقع، وصولاً إلى عالم من الأفكار سواء كانت تعتمل داخل الشاعر، ربما فيها عواطف أو أفكار بالمعنى الأفلاطوني، بما تشتمل عليه من عالم مثالي يتوق إليه الإنسان[19].
    وبالطبع إن هذه المهمة لا تكفي فيها مجرد المجاوزة في الرمز، ولكن لابد من الغوص في التجربة الرمزية واستكناه جوهر اللغة الكامنة في العلاقات بين الصور التي تتوحد فيها مختلف الأحاسيس المنغرسة في شعور الشاعر، واستكشاف التكوينات الداخلية داخل البناء الشعري، وما يتشكل داخله من علاقات باطنية، وما يحمله من قيمة إيجابية تمثل قيمة الرمز وسر متعته.
    فإن لغة الرمز موقوفة في روعتها على مقدرتها على تمثيل الأشياء وتصويرها تصويرًا خياليًا عن طريق التمازج بين التجربة الداخلية وبين التجارب الخارجية للإنسان عامة. والقصيدة الرمزية توحى بعوالم خيالية تتألف من عناصر مستخلصة من تجربتنا للعالم الحقيقي[20].
    فالأدب يعبرعن التجارب في صورة ألفاظ، والألفاظ بدورها رموز لهذه التجارب، وهذه الوسيلة الرمزية، أي الألفاظ، هي وسيلة محدودة ولكن ليس هناك حد لتجارب الخيال البشري. لهذا كان فن الأدب فن استخدام وسائل محددة كرمز لتجارب غير محددة، فكان لابد للفنان الأديب أن يعرف كيف يجمع في فنه كل ما احتوته الألفاظ من قوة التعبير والتصوير، وكل ما من شأنه أن يساعد على التوصيل، بحيث يستثير الخيال ويصرفه كيفما شاء، ويجب أن تكون الألفاظ قوية التعبير لكي تستطيع الإبانة عن تجارب المؤلف المراد توصيلها وتفهيمها[21].
    ويستلزم التركيب اللفظي للرمز الأدبي مستويين: مستوى الصور الحسية التي تؤخذ قالبًا للرمز، ومستوى الحالات المعنوية التي ترمز إليها بهذه الصور الحسية، والمعول في تكوين الرمز على وجود علاقة تربط بين هذين المستويين، بحيث إذا تحققت الصور الحسية أثارت تلك الحالات المعنوية التي ترمز إليها، ولكن هذه العلاقة لا تعتمد على وجه الشبه الحسي بين الرمز والمرموز، ضرورة أن المرموز ليس شيئًا حسيًا وإنما هو حالة تجريدية، إنها بالأحرى علاقة مرجعها إلى الشعور، ومن ثم هو علاقة حدسية وليست تقريرية واضحة، ثم هي علاقة ذاتية تتجلى فيها الصلة بين الذات والأشياء، وليس بين بعض الأشياء وبعضها الآخر[22].
    فلأن الرمز يتجاوز حدود العقل ليحتضن الأطراف المتناقصة، وتتكشف حقائقه عن طريق الحدس الذى يمس باطن الذات ويمتاح من نبع العاطفة والوجدان، ويأخذ من مخزون اللاشعور ما يكوّن به صور الشعور. فالرمز إذًا يتضمن في نفسه عناصر شعورية وأخرى لا شعورية، ولا يستطيع خلق رمز جديد سوى الذهن المرهف المرتقي الذي لا ترتضيه الرموز التقليدية الموجودة فعلاً. وكما أن الرمز يصدر من أسمى مرتبة ذهنية كذلك يلزمه أن يصدر عن أكثر حركات النفس بدائية ليمس في الإنسانية وترًا مشتركًا.
    فالرمز يعتمد في ظهوره، إذن، على الحدس من ناحية والإسقاط من ناحية أخرى. بالحدس يصل الفنان إلى الوتر المشترك، وبالإسقاط يحدد مشهده ويخرجه من نفسه واضعًا إياه في شيء خارجي هو هذا الرمز...[23] الذي يعكس كل خفايا النفس من عواطف وانفعالات وأمور أخرى مكبوتة في اللاشعور يصعب عليه التصريح بها بصورة مباشرة[24] فتصاغ الرموز كبدائل لتنوب عن الأصل الذي ترمز إليه.
    وما قدمت عن الرمز بوصفة تجاوزًا للواقع ومعادلاً موضوعيًا لما يعتمل في نفس الفنان والأديب من عواطف ومشاعر وانفعالات، فيربط بذلك بين الواقع والمثال بمساعدة الحدس الذى يملك القدرة على الغوص في باطن الذات، يمتاح من نبع اللاشعور ويستكنه أسراره، وهذه الأمور موجودة في جوهر التجربة الصوفية التي تملك رمزًا غريبًا ونمطًا عجيبًا يضربون خلاله في عالم ما وراء الحس، محاولين الوصول بقلوبهم ومشاعرهم إلى ما لا يتسنى للعقل الوصول إليه، وقد اطمأنوا إلى ما وافتهم به أذواقهم وأرواحهم من معان وما صورت به عالم ما فوق الواقع من صور لا توجد إلا في أذهانهم وأخيلتهم وبواطنهم[25]. وهذا يغذي عندهم روح الاغتراب، بل يضيف بعدًا جديدًا إلى أبعاده، ألا وهو اغتراب اللغة، وساعد على ذلك وجود ظاهرة وجدانية ولغوية في الوقت نفسه، وهي ظاهرة الشطح.
    * * *
    الشطح وعلاقته باغتراب اللغة:
    عندما يجد الصوفي السالك نفسه وقد وصل إلى حضرة الألوهية، ووقف على عتبة الاتحاد بالذات الإلهية، لا يستطيع تحمل الموقف، فيحدث له وجد عنيف، لا يستطيع معه كتمان الأسرار التي يطلع عليها، فينطق لسانه بعبارات مستغربة يتجاوز بها حدود العقل والمنطق والواقع، يطلق عليها "الشطح" الذي يعرفه السراج بقوله:
    عبارة مستغربة في وصف وجد فاض بقوته، وهاج بشدة غليانه وغلبته[26].
    وقد حدد الدكتور عبد الرحمن بدوي عناصر ضرورية لوجود ظاهرة الشطح هي: (أولاً) شدة الوجد؛ و(ثانيًا) أن تكون التجربة تجربة اتحاد؛ و(ثالثًا) أن يكون الصوفي في حالة سكر؛ و(رابعًا) أن يسمع في داخل نفسه هاتفًا إلهيًا يدعوه إلى الاتحاد، فيستبدل دوره بدوره؛ و(خامسًا) أن يتم هذا كله والصوفي في حالة من عدم الشعور، فينطق مترجمًا عما طاف به متخذًا صيغة المتكلم، وكأنه الحق هو الذي ينطق بلسانه. أما الشطحة نفسها فتمتاز بعدة خصائص منها: أنها بصيغة ضمير المتكلم، وإن كان هذا الشرط غير متحقق باستمرار؛ وأنها تبدو غريبة في ظاهرها، لكنها صحيحة في باطنها، أو علي حد تعبير السراج "ظاهرها مستشنع" وباطنها صحيح مستقيم[27].
    ولأن عبارات الشطح غريبة على العامة لا يستطيع فهمها ولا تحمل مقاصدها إلا المحققون أو - كما وصفها ابن عربي – عليها رائحة رعونة ودعوى، وهي نادرة ما توجد بين المحققين[28]؛ لأن قائلها نطق بأسرار ما كان يجب عليه البوح بها، فإنها كانت من أهم أسباب اغتراب قائليها منذ بداية العصر الأول للتصوف
    إذ بدأ التصوف بإعلان عقيدته فيما اعتبر شطحًا، وقد أودى بحياة بعض الصوفية الأوائل، وأشهرهم الحلاج، وبه اضطهد الآخرون بسبب كلمات لهم قيلت، فتعرضوا للنفي والطرد والمحاكمة[29].
    وكان الشطح كذلك من أهم أسباب اغتراب اللغة عند الصوفي
    فإن الشطح هو صفه البكارة اللغوية يلبسها النطق. إنه غيبوبة عن اللغة – الاصطلاح، إنه باطن اللغة الموازي لباطن الألوهة – كما أن باطن الألوهة لانهائي فإن باطن اللغة، أو الشطح، يوحي بأبعاد لا نهائية، إنه اللغة فيما وراء اللغة[30].
    فباطن اللغة عند الصوفية يتناول – دائمًا – علم الأذواق والحقائق التي لا تستقيم مع ظاهر الشرع وتقاليده، مثل قول أبي يزيد البسطامي: "لأن تراني مرة خير لك من أن ترى ربك ألف مرة"، وقوله مخاطبًا الله: "طاعتك لي يا رب أعظم من طاعتي لك"[31]. فلو حكمنا على هاتين العبارتين وأمثالهما بحكم الظاهر لاتهمنا قائلهما بالكفر؛ لأن الظاهر يحكمه الشرع، أما الباطن فتحكمه أذواق الصوفي ومواجيده، هنا تحدث المفارقة التي هي السمة الأساسية التي تميز الشطح
    فالمفارقة التي تحدث بين الظاهر المستشنع، والباطن الصحيح المستقيم. ومن هذه الوجهة يمكن أن نعد الشطح بمثابة إفراغ لما ينطوي عليه الوجدان من التوترات، وهو إفراغ يأخذ شكل الدلالة اللغوية المزدوجة، وازدواج الدلالة في الشطح ليس سوى تأكيد لطابع المفارقة...[32]
    ويبدو أن تلك السمة اللغوية – إن كانت قد بدأت مرفوضة، وتؤدي بصاحبها إلى الاضطهاد – فإنها في العصور المتأخرة، وخصوصًا في العصر المملوكي، لم تعد مستبشعة[33]، ولذلك نرى أحد الأقطاب المحققين، وهو إبراهيم الدسوقي، يهتف بمريده قائلاً:
    مريــدي لا تخف و اعلم بأني قريب السر من مولى الموالي
    مريدي طب وهم واشطح وغني وافعل ما تشاء فالاسم عـالي
    مريدي إنني أدعى الدســوقي وشيخ المصطفى كاسي ملالي[34]

    وقوله:
    ليـس لـي شيخ ولا لي قدوة غير طــه من أتانـي أولا
    مريدي طب وهم واشطح وغب أنت من بيت به الخير مـلا[35]

    وهنا يتضح أن الرفض يأتي من أن أصحابها يفصحون بها دون إذن إلهي، وعند ذلك لا تصبح من درجات الكمال الروحي.
    ونستخلص مما سبق أن شعراء الصوفية كان لهم أسبابهم في اللجوء إلى الرمز، وأهم هذه الأسباب ما يلى:
    1. أن الصوفي يعيش تجربة وجدانية شديدة الخصوصية يتحد فيها بخالقه اتحادًا شهوديًا، تتجلى له الذات من خلاله وتتكشف له الحقائق والأسرار التي لا توهب لأحد غير العارفين والأولياء؛ لأن السرعند أئمة الصوفية هو الذي ينفرد به الأولياء والعارفون بالله بما أودعه الله في قلوبهم من الأسرار الإلهية والحقائق الربانية التي لا يعرفها إلا أحباء الله. ولذلك كانت هذه الأسرار مما يجب سترها على العامة[36] الذين لا يفهمون مقاصدهم ولا يتحملون أسرارهم. لأن "عبادتهم إما لفيضان وجد أو لقصد هداية على حد قول ابن عطاء الله في حكمه[37]، ومن ثم قال الشاعر:
      لم يكتم السر إلا كل ذي ثقة فالسر عند خيال الناس مكتوم[38]
      ولذلك لجأ الصوفي إلى أسلوب الستر. واصطنعوا أسلوبًا رمزيًا شيقًا وشائكًا في الوقت نفسه، يعبرون من خلاله عن مكنون نفوسهم وأنات قلوبهم وحالات الوجد والشوق والغيبوبة التي تمر بهم.
    2. أن كثيرًا من نزعاتهم وأقوالهم يخالف ظاهر الشريعة، فلا يمكن الإفصاح عنها خوفًا من سلطان الفقهاء الذين كانوا يتتبعون الصوفية في كل عصر بالتشهير، وربما وصل الأمر إلى المحاكمات والقتل، مثلما حدث مع الحلاج والسهروردى المقتول. فكان هذا
      التمييز بين "المعروف" بالكشف والإلهام وبين "المسموح" بالبوح به فقط تمييز هام في الفكر الصوفي، منذ تعرض الصوفية للمحاكمات والقتل بسبب بوحهم بالأسرار الإلهية التي لا تطيقها ولا تتحملها عقول العامة، بل لا تطيقها بالأساس المؤسسات الدينية الرسمية[39].
      وهذا ما دفع زين العابدين حفيد علي بن أبي طالب إلى القول:
      يا رب جوهر علم لو أبوح به لقيل لـي أنت ممن يعبد الوثنـا
      ولاستحل رجال مسلمون دمي يـرون أقبح ما يأتونه حسنــا
      إنى لأكتم من علمي جواهره كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا[40]
    3. وأهم أسباب لجوئهم إلى الرمز يتمثل في عجز اللغة العادية عن الوفاء بحق التعبير عن مواجد الصوفية ومعارفهم "كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة" هكذا يقول النفري محمد بن عبد الجبار بن الحسن (ت 366 هـ، 977). وابن عربي يؤكد أن "قوالب ألفاظ الكلمات لا تحل عبارة معانى الحالات"[41]. ويذكر نيكلسون أن الصوفية قد اصطنعوا الأسلوب الرمزي لأنهم لم يجدوا طريقًا آخر ممكنًا يترجمون به عن رياضتهم الصوفية والعلم بخفايا عالم الغيب المجهول الذي ينكشف في رؤيا جذبية... ليس في الطوق تبيانه دون اللجوء إلى صور ومشاهدات منتزعة من عالم الحس، وهذه الصور والأمثال - مع أنها ليست خالصة الصدق – تكشف عن معان وتوحي بصور أعمق مما يبدو على ظاهرها[42].
    ولكن لا بد من الإشارة إلى أن تلك الرموز لا تعني اصطلاحات الصوفية التي استخدموها في الإشارة إلى أحوالهم ومقاماتهم في شكل مركز مضغوط، وفي حالة سكونية، ولكنها لا تحمل فنية الأسلوب الرمزي أو جمالياته التي تأتي في حالة تصويرية انفعالية[43].
    * * *
    الغموض والتأويل:
    والمطلع على الرمزية الصوفية يواجه بلون غريب من الغموض، وهذا شيء طبيعي مع أدب ينحو نحو تجريد المحسوسات وإلباسها معان ربما تكون مبيته، ولكنه يمتاحها من باطن الذات، ويرى فيها أصلاً ترتد إليه جزئيات الواقع ومظاهره. ثم هو طبيعي حين يرى الشاعر أن الدلالة اللغوية قاصرة عن تقرير حالات النفس بكل ثرائها وعمقها، فيلجأ إلى الإيحاء بها وإثارة ما يشبهها في وجدان المتلقى عن طريق الرمز والموسيقى الشعرية، وقد يضطره ذلك إلى أن يحدث في متن اللغة وقواعدها ما لا عهد لها به، حتى يهيئ لها كيانًا جديدًا تستطيع به أن تؤدي وظيفتها الإيحائية المبتغاة. فيقترن تعقيد التركيب الكلامي بتعقيد الجو النفسي المراد إثارته، بل لقد يتعمد الشاعر إلقاء بعض الظلال على معانيه وتغليفها بغلالة سحرية تجنبها خطر البوح المبتذل[44].
    ولأن أساس الرمز الإيحاء فلا يجب أن يكون المستوى التجريدي المرموز محددًا بكل قسماته وأبعاده، فالإيحاء ضد التقرير المباشر للأفكار والعواطف، وخصوصًا عندما يريد الشاعر التلويح بلغته ليس فقط لمشاعره الخاصة ولكن لمعان وأفكار فلسفية لا يريد البوح بها. ويتوافق هذا مع ما رآه حازم القرطاجني من أن أحد أسباب الإغماض في المعانى أن يكون المعنى قد قصد به الدلالة على بعض ما يلتزمه من المعاني، ويكون منه بسبب على جهة الإرداف أو الكناية به عنه أو التلويح به إليه أو غير ذلك[45].
    ولفك شفرة التعقيد الموجود في النص الصوفي لجأ من تعرضوا له إلى التأويل لفهمه وتوسيع دائرة استيعابهم له. وكلمة التأويل كلمة دارت في اللغة واستخدمها القرآن الكريم في سبع عشرة مرة، ويعني التأويل العودة إلى أصل الشيء سواء كان فعلاً أو حديثًا وذلك لاكتشاف دلالته ومغزاه[46].
    ويرى د. مصطفى ناصف أن فكرة التأويل قديمًا ليست هي بعينها فكرة المدلول أو التفسير النفسي حديثًا؛ لأن كلمة التأويل كانت تطلق كثيرًا للدلالة على مناهج المتصوفة والأخذ منها بالتفسير الشيعي أو الإشاري أو الباطني، وهؤلاء يدخلون على النص ببعض الأفكار السابقة وكذلك المفاهيم والأذواق الخاصة التي يطبقونها على الآيات ويطوعونها لمذاهبهم[47]، ولا يؤمنون بالظاهر إلا بما يصل بهم إلى الباطن وفق نظرياتهم وآرائهم الفلسفية عن المعرفة والعقل والقلب.
    ويمكن الوصول إلى مفهوم للتأويل يتوافق مع هذا الاتجاه "فالتأويل - بوصفه نوعًا من المعرفة- يعد ضربًا من الحدس النفسي حيث لا يقتصر على مجرد التماس ما يقوله النص بل يبحث في عبقرية المبدع[48]، وبالدخول إلى عالمه الروحاني بلغة روحية تكون صالحة لتفسير وتحليل الظواهر النفسية والحيوية للرمز الذى يحتويه هذا النص الصوفي.
    * * *
    الرمز والإشارة عند شعراء الصوفية في القرن السابع
    أولاً- موقفهم من الرمز والإشارة:

    ارتبط الرمز عند شعراء الصوفية في القرن السابع بالتجربة الصوفية التي عاشوها وورثوا فكرها من السابقين عليهم، فنبت في تربتها وجمع خلاصة مغزاها وفلسفتها فوجدت فيه هي الأخرى حياتها ومنفذ التعبير الأهم عن مكنون أسرارها التي لا يجب أن يطلع عليها غيرأهلها، فاتخذوا الرمز والتلويح وسيلة لذلك كما يقول ابن الفارض:
    وعني بالتلويح يفهم ذائـــق غني عن التصريح للمتعنـت
    بها لم يبح من لم يبح دمه وفي الإشارة معنى والعبارة حدت[49]

    لا يفهم كلامه إلا أولو الذوق، ومن ذاق عرف الذين يفهمون الكلام بالتلويح لا بالتصريح، ولهذا أغنته الإشارة عن العبارة التي قد تبيح دمه للغوغاء الذين لا يفهمون مقاصده وكلامه، أو حتى للمؤسسات الدينية التي يسيطر عليها فقهاء الظاهر.
    ويعلن ابن الفارض أنه اعتمد على الإشارة والرمز بدلاً من لغة المباشرة والتصريح، يقول:
    وأسماء ذاتي عن صفات جوانحي جوازًا لأسرار بها الروح سرت
    رمــوز كنوز عن معاني إشارة بمكنون ما تخفـى السرائر حفت[50]

    ويقول:
    أشرت بما تعطي العبارة والذي تغطى فقد أوضحته بلـطيفة[51]
    ويقول:
    وآخر ما بعد الإشارة حيث لا ترقى ارتفاع وضع أول خطوتي[52]
    فالأبيات تشير إلى أن استخدامه للرمز والإشارة، بدلاً من التصريح والعبارة، لإخفاء أسرار لا يجب البوح بها، بالإضافة إلى أن العبارة عاجزة عن التعبير عن مقدار المعارف المستكنة، يوضح أنه إذا رمز لشيء فإنه سيوضح هذا الشيء بلطيفة، وأظن أن هذه اللطيفة هي القرائن التي يجعلها مصاحبة للرمز حتى تساعد في فك شفرات النص، وفتح ما استغلق من أبواب فهمه، وجلاء ما غمض فيه مثلما يقول:
    ســأجلو إشارات عليـك خفيـة بهــا كعبارات لديك جليـــة
    وأعرب عنها مغربا حيث لا تحـ ـين لبس بتبياني سماع ورؤيـة
    وأثبــت بالبرهان قولي ضاربًا مثال بحق والحقيقة عمدتــــي
    بمتبوعة ينبيك في الصرع غيرها على فمها في مسها حين جنــت
    ومن لــغة تــبدو بغير لسانها عليــه بـراهين الأدلة صحـت
    وفي العلم حقًا أن مبدى غريب ما سمعت سواها وهي في الحسن أبدت[53]

    الإشارة والعبارة هنا ليس بما يتعلق بالنص ولكن ما يتعلق بإثبات ما قدمه على هذه الأبيات من وصوله إلى درجة رفيعة من الاتحاد بالذات الإلهية، ولكن أتيت بهما وبالأبيات لإثبات دراية ابن الفارض بحقيقة استخدامه للإشارة والرمز، ومحاولته فك الغموض الذى يدور حولهما وبهما، فيضرب المثل على ما يدور على لسانه من حديث أثناء اتحاده بما تنطق به المصروعة حال الصرع ولبس الجن لجسدها وحديثها - رغمًا عنها - بلغات متعددة غير لغتها، وما أراد إلا إثبات جواز الاتحاد مطلقًا بشرط وحدة النفس وعدم تكثرها[54].
    أما عفيف الدين التلمساني فإنه كان كثيرًا ما يشير إلى كتمانه لسر المحبوب وصيانته له في داخله. يقول:
    أمثلي يسلوا أو يبوح بســره وفي قلبي المحزون سرك مخزون[55]
    ويقول:
    إذا رمت أن تبدي مصونات سره فحدث بذاك الحي عن ذلك الخبا[56]
    وإذا كان يصون السر ويحفظه في قلبه فإنه عادة ما كان يصرح ببعضه، ولا يأتي ذلك جهلاً منه وإنما من أثر النشوة التي يشعر بها من الخمر الإلهي وغلبة الوجد عليه. يقول:
    وما صرح العشاق جهلاً وإنما إذا سكر العشاق من طرب غنا[57]
    وفي هذا المعنى يقول الدسوقي:
    ما على العاشق إذ بـــــا ح وابـــدى مــــا أسره
    كيــــــف يخفي وهواه قـــــد سقاه الحب خمـره[58]

    وإذا أراد العفيف التعبير عن هذه الأسرار عبر عنها بالإشارة لا بالعبارة:
    مشارًا إليه صورة من جهاتها جميعًا ومعنى من حقائق غيب[59]
    ومن أجل توضيح المعنى المغيب خلف العبارة نوه شعراء الصوفية إلى استخدام التأويل، أي محاولة التفسير والتوضيح للوصول إلى المعنى المراد أو القريب منه. يقول ابن الفارض:
    وأوضح بالتأويل ما كان مشكلاً علي بعلم نالــه بالوصيـــة[60]
    وذلك عودة إلى العلم الباطن وإفصاح عن هذه الفكرة الراسخة في البيئات الصوفية[61] أن المتلقي لا يجب أن يقف عند ظاهر العبارة، بل لا بد أن يخترق السطح إلى الباطن. يقول الدسوقي:
    فإن سمعت أحاديث الصفات فقل آمنت بالله تصديقا وإيمـانا
    ورد علـم خفاياها لعالمهـــا وإن تأولت قد أولت بهتانا[62]

    ويعتمد التأويل أحيانًا على حركة الذهن في اكتشاف "أصل" الظاهرة أو في تتبع عاقبتها، وبكلمات أخرى يمكن أن يقول "التأويل" على نوع من العلاقة المباشرة بين الذات والموضوع[63] فيعيش المتلقي النص الصوفي بقلبه وروحه، لأن النص لا يعطي مفاتيحه إلا لمن عاش التجربة وتذوق حقيقتها، ولا يؤول تأويلاً خاطئًا كالذي ذكرة الدسوقي.
    * * *
    ثانيًا- أنماط الرمز في الشعر الصوفي:
    جمعت التجربة الصوفية بين نوعين من الرمزية: الرمزية الأسلوبية بما تتضمنه من صور بيانية وخيالية وبديع وبيان ولوحات كلية، ورمزية موضوعية تتناول موضوعات الصوفية وفلسفاتهم عن الحب الإلهي والخمر والكون والاغتراب ووحدة المعرفة والنفس وغير ذلك.
    والذي يعنينا هنا مناقشة النوع الثاني أي الرمزية الموضوعية ومعرفة أبعادها وكيفية توظيف شعراء الصوفية لها لخدمة أغراضهم ومعتقداتهم، وإذا كان الدكتور عز الدين إسماعيل يرى أن
    النظر إلى الرمز في الشعر بوصفه مقابلاً لعقيدة أولأفكار بعينها، فإن هذا النظر يخطئ معنى الرمز الفني ورمزية الشعر إجمالاً، وهو عيب يتورط فيه بعض النقاد أحيانًا، فالرمز المقابل لعقيدة أو فكرة يخضع لعملية تجريد عقلي تختلف تمامًا عن العملية النفسية التي تصحب استكشاف الرمز واستخدامه[64].
    فإننا إذا أسقطنا هذا القول على الرمز الصوفي نجد أن الشعر الصوفي ليس مجرد شعر ناشئ عن عقيدة وفكر فلسفي، ولكنه ناشئ عن تجربة وجدانية صادقة ونفس فياضة اتصلت بخالقها، فصفت وصقلت مرآتها، فتلقت الحقائق الإلهية التي لم تجد فرصة للتعبيرعنها سوى أن تستمد من مخزون الخيال صورًا رمزية ملائمة تعبر خلالها عن مشاعر راقية وروح ذابت في محبوبها فوصلت بالكشف إلى رموز ملائمة دون ترتيب أو وضع المجاور تجاه مجاورة في عملية آلية حسابية لخلق معادل موضوعي، وهذا فيه رد على قول د. رجاء عيد:
    إننا نرى أن الشعر هو الذى يخلق إشاراته، وهو الذى يوحي إلى تضميناته ولا يحق للصوفي أن يفرض عليه إشارات من غير قدرة يطوع بها الأداء، حتى يستطيع أن يتحمل تلك الإشارات والتلويحات التي يريدها الصوفيون[65].
    ربما صدق ذلك على شاعر فيلسوف كابن عربي خصوصًا في شعر الفتوحات المكية وترجمان الأشواق، ولكن لا يصدق على شعراء عاشوا التجربة الصوفية بنقائها دون تعقيدات الفلسفة. هذا بالإضافة إلى أن الشعر الصوفي يعبر عن حالة فنية خاصة يجب على المتلقي مراعاة خصوصيتها وصدق وجداناتها، وعدم الحكم عليها من خلال الشروح التي تركها صوفية ربما لا يتفقون مع الشاعر في نفس اتجاهه، كشرح النابلسي لديوان ابن الفارض الذي أصاب أشياء وأجبر النص على النطق بأشياء أخرى قد لا تتجاوب مع حقيقتها.
    والمهم أن شعراء الصوفية في مصر قد عاشوا تجربة الحب الإلهي فوجدوا في ميدان الغزل الإنساني والخمريات والطبيعة - بما تتضمنه بين جنباتها من مظاهر الحس الإلهي - رموزًا على حياتهم الروحية. فإن نوع الرمزية التي يفضلها الصوفي
    يتوقف على خلقه وجبلته، فإن كان دينًا فنانًا أي شاعرًا روحيًا فأفكاره كذلك عن الحقيقة تتشح تلقائيًا ثياب الجمال والصورالمشتعلة بالحب البشري[66].
    ولهذا سيكون أول رمز استعمله الصوفية هو الرمز الأنثوي.
    أ‌. الرمز الأنثوي في الشعر الصوفي:
    اتخذ الصوفية من الأنثى رمزًا موحيًا دالاً على الحب الإلهي، وحاولوا التأليف بينهما؛ لأن الأنثى تمثل رمزًا من رموز الجمال المطلق، وحين يبثها الشاعر وجده فإنما هو في الحقيقة يعبر عما ترمز إليه إلى الحق والجمال، إذ الحق كما يقول ابن عربي:
    لا يشاهد مجردًا عن المواد أبدًا لأنه بالذات غني عن العالمين، فإذا كان الأمر من هذا الوجه ممتنعًا ولم يكن الشهود إلا في مادة، فشهود الحق في النساء أعظم الشهود وأكمله[67]،
    ومن ثم يجعل التغزل بهن والتشبيب لتعشق النفوس لهذه العبارات، فتتوافر الدواعي على الإصغاء إليها، وهو لسان كل أديب ظريف، وقد نبهت على المقصد في ذلك بأبيات وهي:
    كل ما اذكره من طلل أو ربوع أو مغان كلما[68]
    إلى أن يقول:
    أو نساء كاعبات نــهـــد طالعات كشموس أو دمـا
    منه أسرار وأنوار جلـــت أو علت جاد بها رب السما
    لفؤادى أو فؤاد من لــــه مثل مالي من شروط العلما
    صفة قدسية علــــويــة أعلمت أن لصدقي قدمــا
    فاصرف الخاطر عن ظاهرها واطلب الباطن حتى تعلما[69]

    لا يقصد بالألفاظ معناها الظاهر إنما يريد معنًا خاصًا به وبالعارفين، ويلجأ إلى ذكر ألفاظ النسيب في الغزل ليجذب السامع ويستولي على لبه وعاطفته ويقرب مشاهد التجلي الإلهي إلى النفس فإذا
    شاهد الرجل الحق في المرأة كان شهودًا في منفعل، وإذا شاهده عنه - شاهده في فاعل، وإذا شاهده في نفسه - من حيث ظهور المرأة عنه - شاهده في فاعل، وإذا شاهده في نفسه من غير استحضار صورة ما تكون عنه كان شهوده في منفعل عن الحق بلا واسطة، فشهوده للحق في المرأة أتم وأكمل؛ لأنه يشاهد الحق من حيث هو فاعل منفعل... فلهذا أحب النبي عليه الصلاة والسلام النساء لكمال شهود الحق فيهن، إذ لا يشاهد الحق مجردًا عن المواد أبدًا، فإن الله بالذات غني عن العالمين، وإذا كان الأمر من هذا الوجه ممتعًا ولم تكن الشهادة إلا في مادة، فشهود الحق في النساء أعظم الشهود وأكمله[70].
    فإذا كان الحب الإلهي قائم على المعنويات المحضة والأمور المجردة، ولا يمكن بث صبابتها وإطلاق شرارة هيمنتها كما هي في مكنون النفس إلا بضرب من واقع الحياة مما هو مأنوس ومستقر من عالم الأكوان، فكان رمز المرأة هو صاحب الحظوة، فإذا كان الإنسان أعظم مجلى لجمال الله ولاسيما النساء،
    لإن كل آخر يتضمن ما قبله، والمرأة خلقت بعد آدم ولذا تتضمن صورة العالم، فهي أجمل ما خلق الله[71].
    وحتى نكون أكثر واقعية فإن
    أعظم ظهور لله تعالى هو تجليه في المرأة للرجل وفي الرجل للمرأة، وذلك أن الله أوجد هذا المخلوق المسمى إنسانًا حبًا له وتوددًا إليه فهو الودود، ثم ينفخ فيه من روحه فما اشتاق إلا لنفسه، ثم اشتق له منها شخصًا على صورته سماه امرأة، فظهرت هذه المرأة بصورة تشبه صورته فحنَّ إليها حنين الشيء إلى نفسه، وحنت إليه حنين الشيء إلى وطنه[72]،
    وهذا جعل شعراء الصوفية يضربون بالمرأة المثل للجمال الإلهي ويتخذونها رمزًا للذات الإلهية.
    يقول الدسوقى مبينًا أن ما يذكره من أسماء إنما يشير بها في الحقيقة إلى الذات الإلهية التي هي محبوبته الحقيقية:
    وما شهدت عيني سوى عين ذاتها لأن سواهــا لا يلم بفكرتـي
    بذاتي تقوم الذات في كــل زروة أجــدد فيها حـلة بعد حلـة
    أنا موجد الأشياء من غير حاجـة بكره كان الكون من غير التـي
    فليلى وهند والربــاب وزينـب وعلوا وسلمى بعدها وبثينــة
    عبارات أسماء بغير حقيقـــة وما لوحوا بالقصد إلا بصورتي[73]

    ويقول التلمساني في هذا المعنى في قصيدته:
    وقفنا على المغنى قديمًا فما أغنى ولا دلت الألفاظ منه على معنى[74]
    يقول فيها:
    نــرى للغيد الحسان له سنــا وهم من بدور التم في حسنها أسنا
    نسائل بانات الحمى عن قدودهـم ولا سيما في لينها البانة الفنـــا
    ونلثهم ترب الأرض أن قدمت بها سليمى ولبنى لا سليمى ولا لبنـى
    فوا أسفي فيه على يوسف الحمى ويعقوبه تبيض أعينــه حزنــا[75]

    والمثالان يشيران إلى طريقة الصوفية في التلويح بالرمز الأنثوي، حيث يضايفون بين العيني والمجرد، ويحيلون - بضرب من التبادل - التصور الذهني للأزل بوصفة نفيًا مفزعًا وسلبًا لمفهوم البدء الزماني، إلى مدرك محسوس يوحي باستطيقا المرأة وما تؤديه من جمال بصورة مجردة، حيث تنتفي الأشخاص المشار بها ويبقى المشار إليه. فهم ينظرون إلى المرأة - مثل - غيرها من تعينات الجمال الإلهي – نظرة تجريدية ميتافيزيقية لا يحفلون خلالها بالأشكال العادية، وإنما كان احتفالهم بالمفاهيم الرحبة التي ترتبط بقدرة هذه الأشكال على الرمز عما يكن بداخلهم من مشاعر الحب المشتعل تجاه محبوبتهم التي لا يريدون التصريح بحبهم لها. وهذا هيأ لهم الحرية والانطلاق في عالم من الجمال المطلق الذى يشير إلى الأبدية أو اللانهائية[76].
    * * *
    1 - رمز الغزل العذري:
    وخير ما ظهر فيه الرمز الأنثوي هو الغزل العذري، فإذا كان شعراء الصوفية قد وصفوا حبهم الإلهي من خلال عواطفهم التي سمت وارتقت، وكان لهم أن يعبروا عن العلو في تنزله وتدليه وتجلياته في الصور بما يناسبه فوجدوا في رمز المرأة بغيتهم
    وكان الصوفية المتأخرون قد أهابوا في تركيب رمز المرأة بأمشاج من مذهبين رائدين في فن الغزل، فأخذوا من الغزل الصريح شيئًا من الحسية الشهوانية والتغني بمظاهر الجمال الفيزيائي، واستعاروا من الغزل العذري لغته المفعمة بالتعالي والتطهر والعفة والمعاناة والرومانسية التي تدور حول الهجر وتمني الوصال، ومزجوا هذين النمطين في بناء شعري مرموز لم يكن بمعزل عن تصورات غنوصية خاصة تعد في نظرنا الأساس الجوهرى لرمز المرأة في شعرهم...[77]
    والغزل العذري ظهر في الحجاز بأثر من الإسلام في الحياتين الاجتماعية والأدبية ودعوته إلى جهاد النفس ومقاومة الهوى، حتى كان بعض الغزلين من الزهاد الأتقياء؛ لأن عماد هذا الغزل العفيف أمران: صدق العاطفة وصدق العقيدة[78]. وما لبث هذا الغزل العذري
    أو التطابع الإنساني أن تطور إلى حب صوفي، وفي الحب الصوفي اتسع معنى الحب وعمقت معانية الإنسانية والروحية وغنيت العاطفية فيه بالنظريات الفلسفية[79].
    والمهم أن الأدب الصوفي وجد في الغزل العذري معينًا طيبًا ونبعًا سلسالاً من الشعر الذى يتوافق مع مواجيدهم فأنشدوه في مجالس السماع، وكذلك وجدوا في قصص العشاق العذريين، التي وردت في صورة ثنائيات عاشقة مثل (قيس وليلى - جميل وبثينة - كثير وعزة)، رموزًا على حبهم الإلهي مع وجود بعض الفروق والاختلافات بين التجربتين: تجربة الحب العذري وتجربة الحب الإلهي أهمها:
    1- أن الحب العذري متعلق بمحبوب فان والحب الإلهي يتعلق بمحبوب خالد باق، ولهذا كان من الطبيعى أن تختلف نتيجة كل تجربة؛ ذلك أن العاشق العذري يدخل تجربته سليمًا معافى ثم لا يزال به الحرمان والشوق والجوى حتى ينحل جسمه ويذوي عوده وتضطره مشاعره أن يختلط عقله، وإذا هو يهذي هذيان المحموم أو المجنون. وليس كذلك الصوفي في عشقه أنه يبدأ بالتجربة راعشًا مضطربًا مختلطًا أشبه بالطفل لأول خطوات يخطوها، ثم لا يزال يشتد رويدًا حتى تثبت أقدامه وتستقيم خطواته على الطريق[80].
    2- أن الحب العذري قد ينطفئ بالوصول إلى المحبوب فينتهي بتحقيق المراد، ومن ثم تهدأ النفس بعد أن تضيع جذوتها المشتعلة. أما الحب الصوفي فهو بحر لا ساحل له وطريق لا ينتهى مسلكه، وعين لا تطفئ الظمأ، حيث إن تجليات الحق قد لا يرتوي بها عارف ولا يشبع منها مشتاق[81]. كما ذكر في وصف حال الاغتراب الدائم عند الصوفي. ولقد تمثل توظيف الصوفي لرموز الحب العذري في مظاهر أهمها:
    توظيف قصص الحب العذري وأسماء العشاق العذريين، ويتمثل ذلك في قول ابن الفارض:
    وصرح بإطلاق الجمال ولا تقل بتقييده ميلاً لزخرف زينــة
    فكل مليح حسنة من جمالهــا معار له، أو حسن كل مليحة
    بها قيس لبنى هام بل كل عاشق كمجنون ليلى أو كثير عـزة
    فكل صبا منهم إلى وصف لبسها فظنوا سواها، وهي فيهم تجلت[82]

    ثم يقول:
    وتظهر للعشاق في كل مظهـر من اللبس في إشكال حسن بديعة
    ففى مرة لبنى وأخرى بثينــة وآونه تــدعى بعزة عــزت
    ولسن سواها لا ولا كن غيرها وما إن لها، في حسنها، من شريكة
    كذاك بحكم الاتحاد بحسنـهـا كما لي بدت في غيرها وتزيـت[83]

    فكل جميل إنما يستعير جماله وملاحته من الجمال المطلق لمحبوبته، وإذا كان عشاق العرب كقيس بن زريح وكثير وقيس بن الملوح (المجنون) قد هاموا بمحبوباتهم (لبنى وليلى وبثينة) فإنهم هم في الحقيقة يهيمون بمحبوبته هو التي تجلت بجمالها وحسنها في مظاهر المعشوقات السابق ذكرهن. ومثلما ظهرت بوادر الاتحاد الروحاني بين المحبين العذريين ومحبوباتهم ظهرت بينه وبين محبوبته، فمن مظاهر نضج واكتمال تلك العاطفة التي ظهرت بين العذريين نظرية "الاتحاد" التي لم تظهر في الأدب الصوفي إلا بعد ردح طويل من الزمان، ويتجلى ذلك عندما
    قيل لمجنون بنى عامر: أتحب ليلى؟ قال: لا. قيل: ولم؟ قال: لأن المحبة ذريعة للوصلة وقد سقطت الذريعة فليلى أنا وأنا ليلى[84].
    ويرمز الشاعر لنفسه حالة الاتحاد بمحبوبته بعشاق العرب العذريين يقول:
    بدوت لها في كل صبت متيــم بأي بــديع حسنه وبأيــة
    وليسوا بغيرى في الهوى لتقـدم علي، بسبق في الليالي القديمة
    وما القوم غيري في هواها وإنما ظهرت لهم اللبس في كل هيئة
    ففى مرة قيسًا وأخرى كثيــرًا وآونـــة أبـدو جميل بثينة
    تجليت فيهم ظاهرًا واحتجبت يا وطنًا بهم، فاعجب بكشف بسترة
    فكل فتى حتى أنا هو وهى حـ ـب كل فتى والكل أسماء لبسة[85]

    ويظهر تأثر الشاعر برومانسية الحب العذري ورموزه التي تجلى فيها لمحبوبته، وكان لشخصيتي "قيس وليلى" النصيب الأوفى من الرموز، حيث يتبدى في تفاصيل قصتهما المراحل التي يجتازها الصوفي المحب للوصول إلى درجة الفناء في محبوبته
    ويمكن أن تقسم مراحل هذه العاطفة من حياة "قيس" إلى ثلاث: مرحلة الأثرة ومرحلة الإيثار ومرحلة الفناء الصوفي. أما مرحلة الأثرة فهي بداية الحب، وما لبثت أن أعقبت ذلك مرحلة الإيثار إذ دفعه الإخلاص في هذا الحب إلى أن تكون الحبيبة آثر لديه من ذاته فمرضاتها مقدمة على مرضاته، والمرحلتان محصورتان في دائرة الحب العذري، وهذا الحب عند "قيس"، كما هو عند الصوفية، حب مجازي، أي نظرة إلى ما بعده من حب حقيقي، ومرحلة الإيثار طويلة ويصحبها قلق التفكير، وشبوب العاطفة الإنسانية، والوفاء الذى لا يعرف حدودًا، وليلى عنده لا بديل لها في كل ما رأى من العالم[86].
    وهذه - في الغالب- مراحل الصوفي في الوصول إلى الاتحاد بمحبوبته، حيث يسلك المحب كل طريق حتى يصل إلى محبوبته التي يؤثرها على كل شيء، وتصبح هي مالكة قلبه وحياته كلها. يقول ابن الفارض:
    أو ميض برق بالابيرق لاحـا أم في ربى نجد أرى مصباحـا
    أم تلك ليلى العامرية أسفـرت ليلاً، فصيرت المساء صباحــا
    يا راكب الوجناء وقيت الردى وإن جبت حزنا أو طويت بطاحا
    وسلكت نعمان الأراك فعج إلى واد، هناك عهدته فــيــاحـا
    وإذا وصلت إلى ثنيات اللـوى فانشد فؤادًا بالأبيطح طاحـــا[87]

    الأبيات ترمز إلى تجلي الذات الإلهية التي أشرق نورها في عالم الأرواح، وتمثل ليلى العامرية الذات الإلهية في هبوطها وتدليها على قلب العارف بالعلم والمعرفة الذوقية، وتجلي السر الباهر والأمر القاهر، والأبيطح كناية عن المقام الذاتي الجامع لجميع الأسماء والصفات[88]. فنلاحظ توفر المعادل الموضوعي لما يداخل ابن الفارض من مشاعر، وربما أفكار، يريد أن يبثها رمزًا ماديًا على المعنويات التي بداخله، وكأنه قيس الذي يجوب شعاب بنى عامر. يقول في التائية الصغرى:
    غرامي بشعب عامر شعب عامر غريمي وإن جازوا فهم خير جيرتي
    ومن بعدها ما سر سرى لبـعدها وقد قطعت منها رجائي بخيبتــي[89]

    ويقول في التائية الصغرى كذلك:
    ولما أبت الإجماحا ودارها إنـ تزاحا وضن الدهر منها بأوبة
    تيقنت ألا دار من بعد طيبــة تطيب وألا عزة بعد عــزة
    سلام على تلك المعاهد من فتى على حفظ عهد العامرية ما فتى[90]

    يشير إلى المحبوبة النافرة التي عز وصلها بعزة محبوبة كثير، وأشار بشعب عامر معاهد العامرية إلى حضرات الحقيقة المحمدية، والعامرية كناية عن المحبوبة الحقيقة المشار إليها وهي الذات الإلهية[91].
    بل إن ابن الفارض يفتتح مطالع بعض قصائده بذكر اسم المحبوبة كليلى وسلمى مرتبطة بتجليها عليه ليلاً، ساعة يجن الليل ويخلد كل حبيب إلى حبيبه فيسكن هو إلى محبوبته الدائمة:
    هـل نار ليلى بدت ليلاً بذي سلم أم بارق لاح بالزوراء فالعلــم[92]
    وفى قصيدته:
    ابرق بدا من جانب الغور لامــع أم ارتفعت عن وجه سلمى البراقع[93]
    في هذه القصيدة يغوص في الملامح البدوية المعبقة بعطورالرومانسية، ويذكر أكثر من رمز أنثوي مثل ليلى وسلمى وعزة وسليمى وأم مالك، يقول مثلاً:
    أنار الغضا ضاءت، وسلمى بذى الغضا أم ابتسمت، عما حكته المدامع
    أنشر خزامى فاح أم عرف حاجـــر بأم القرى أم عطر عزة ضائع
    ألا ليت شعرى: هل سليمى مقيمـــة بوادى الحمى حيث المتيم والع[94]

    ثم يقول:
    وهل عامر من بعدنا شعب عامر وهل هو يوما للمحبين جامــع
    وهل أم بيت الله يا أم مـــالك غريب لهم عندى جميعا صنائع[95]

    فأولئك المحبوبات اللاتي ذكر أسماءهن يرمز بهن إلى الذات الإلهية[96] التي تجلت على الكون بحسنها، وتمثل هذا الحسن في المرأة متمثلة في النساء اللاتي ذكرهن.
    ونلاحظ التأثر الكبير بتلك الروح البدوية فكأن حياة ابن الفارض فترة طويلة في الحجاز جعلته يجوب - بدلاً من العشاق العذريين - في فيافي الجزيرة وقراها، وخصوصًا بني عامر، ويحاول - بذكر هؤلاء المحبوبات - التماس معنى الجمال الروحاني، بتخطي متعلقاتهن التاريخية والمادية للوصول إلى الجوهر النقي الذي تحمله رموزهن
    ولا يكون ذلك إلا من خلال تجربة "الحب الحقيقي" أي الحب من أجل ما هو حي، فهنا لا ينظر المحب والمحبوب إلى كل منهما على أنه "موضوع" بل على أنه هو "الكل" أو هو "الحياة". فالحب الحقيقي يستبعد كل ألوان التناقض والتضاد القائمة بين الأفراد، ويتطلب تسليمًا تامًا، أي أن يسلم كل من المحب والمحبوب ذاته إلى الآخر، ويتجاوز فرديته حتى يتحقق الاتحاد الكامل[97].
    ومن أجل ذلك نرى ابن الفارض يأخذ من العذرية معنى التعالي على الغرائز والمحافظة على العفة والسمو الروحاني، يقول:
    ولما تلاقينا عشــاء، وضمنـــا ســواء سبيلي دارها وخيامي
    وملنا كذا شيئًا عن الحي، حيـث لا رقيب، ولا واش بزور كلامـي
    فرشت لها خدي، وطاء، على الثرى فقالت: لك البشرى بلثم لثامـي
    فما سمحت نفسي بذلك، غيـــرة على صونها مني لعز مرامـي
    ويتنا كما شاء اقتراحي، على المنى أرى الملك ملكي والزمان غلامي[98]

    إنه ترفع بمحبوبته عن رغبات الأجساد الرخيصة، وبحث عن تعاشق الأرواح. يقول النابلسى:
    قوله عشاء أي أول ظلام الليل كناية عن الملاقاة الكونية بينه وبين تجلي الحضرة الإلهية، وقوله دارها كناية عن الروح الأعظم الذي هو أول مخلوق صدر عن الأمر الإلهي، وهو العقل والقلم الأعلى والنور المحمدي... فالرقيب إشارة إلى النفس الأمارة بالسوء... والواشي هو القرين الشيطاني الذي يوقع العداوة بينه وبين ربه... على الثرى كناية عن جسده المركب من التراب والماء... وقوله: بتنا أي أنا والمحبوبة المذكورة، وهو الدخول في عالم الكون، لأنه ظلمة لازمة... وقوله كما شاء اقتراحي على المنى، فالذي اقترحه أمر ذوقي معرفته من وراء دائرة العقل... لأني ظهرت بالمظهر الرباني في التجلي الرحماني بعد فناء شأني الجسماني وأمري الإنساني[99].
    استطاع ابن الفارض أن يسقط ملامح هذا الرمز العذري على مشاعره، ويخرج من معطياته بمعادلات لأحواله الصوفية التي تعجز اللغة المباشرة عن التعبير عنها.
    وإذا نظرنا إلى شعر عفيف الدين التلمساني نجد أنه يستحي حينًا من ذكر اسم المحبوبة وحينًا آخر يهاب ذكر اسمها يقول:
    أحب حبيبًا لا اسميه هيبـــة وكتم الهوى للقلب أنكى وأنكـأ
    أخاف عليه من هواي فكيف لا أغار عليه من سواي وأبــرأ[100]

    ويقول:
    وبــي من لا أسميه حيـــاء بحكم حضوره فهو الرقيب
    يميس قوامه فيكاد قلبـــــي يطير من اللذاذة إذ يطيب[101]

    إنه يغار على حبيبه حتى من مجرد ذكر اسمه، مع أن كتم سره في قلبه يزيد حرقته ولهيبه، وفي المثال الثاني لا يسميه حياء لأن الحبيب حاضر حضورًا طاغيًا على قلبه، ولذا فإن أي اسم لا يجمع له مقدار الحسن والجمال الذي يتمتع به هذا المحبوب حتى جعله يشعر باللذاذة في قلبه.
    ومع ذلك لا يخفى تأثره بالتراث الغزلي، وخصوصًا العذري منه وهذا ظاهر من ذكر معشوقات العرب العذريات أمثال: (أسماء، علوه، ليلى، سعدى، هند) محاولاً إلباسهن ثيابًا رمزية فلسفية وإخراجهن من النظرة الفيزيائية التي تعلقت بهن وبالحب المادي – معًا - إلى لون ميتافيزيقي ذي معان غنوصية وطبيعة رومانسية، وهذا لا يعني – بالطبع – إغلاق الدلالة الخاصة بتلك الأسماء وما تشير إليه وإنما محاولة بث مكامن النفس العاشقة من خلالها، حتى تمثل معادلاً موضوعيًا وتصويريًا، وإيصال ذلك إلى وجدان المتلقي الذي حجبت عنه الحقائق خلف هذه الرموز.
    يقول التلمساني:
    منعتها الصـفات والأسمـاء أن ترى دون برقع أسمــاء
    قد ضللنا بشعرها وهو منهـا وهــدتنا بها لها الأضـواء[102]

    ويقول:
    دعوا إلى باب علوة كرما ووجهها بالجمال محتجب
    فقدموا سجدة وهم زمــر لغافر سبح اسمه الأدب[103]

    فأسماء المذكورة في البيت الأول معشوقة عربية يشير بها الصوفية إلى الذات الإلهية وتجلياتها في الوجود[104]، ولكن حجبتها الصفات والأسماء الإلهية عن الظهور والتجلي دون حجب لا تنجلى ويتبدى منها النور إلا للواصلين من العارفين والأولياء. ويرمز باسم "علوة" أيضًا للذات الإلهية وبيانها لمقام الحضرة الإلهية التي يرقى إليها صفوة الصوفية، ولا يخفى ذكر التلمساني للقرنية الدالة على المعنى الأصلي في قوله "فقدموا سجدة وهم زمر" إجلالاً واحترامًا، وهم على باب علوة، فهل السجود يكون على باب بشر. ولهذا يشير بقوله أيضًا:
    بروق الحمى هل دمعكن يجود وهل عطشت بعد الفريق زرود
    منازل من سعدى سعيد نزيلها كان بهاتيك البيوت عقـــود[105]

    فالتلمساني يجتهد في توظيف فلسفته عن الوحدة المطلقة ويلبسها أثوابًا مادية، وكذلك يلبس الماديات صفات التجاوز والتعينات المادية لترمز إلى معنويات أو ماورائيات غير متعينة عن طريق التجاوز
    والصور المحسوسة بهذا الاعتبار لغة حية تتحدث بها الحقيقة إلينا، والشاعر وحده هو القادر على التقاط هذه اللغة وتحويلها إلى رموز، كما تبدو هذه الصور وحدة جامعة بين الديمومة والفناء[106].
    ويظهر هذا في قصيدة التلمساني:
    مقيم للمقيمة فـي فؤادي هوى بين السويدا والســواد
    ووجد ما تغيـره الليالي حفظت به عهود هوى سعـاد[107]

    ومنها:
    بحيث دنو سعدى من تدان كما نهوى وبعد من بعادي[108]
    يرمز إلى الحكمة العرفانية التي اختزنها ويضايف ذلك بالرمز الأنثوي "سعاد" أو "سعدى" الذي يحفظ عهده وسره، ويحيل كل منهما للآخر. وبذلك تكون استطيقا المرأة بوصفها مجازًا لجمال أكثر ديمومة وكلية، والعلو ذاته في تنوع ظهوره، وفي تجليه المشهود في المرأة على أنها شكل فيزيائي ومنعكس التجلي الذي يعانيه الصوفي في رؤية ثيوفانية مشبوبة ومظهر يجمع في إحالة تبادلية بين التأثير والقابلية وبين الفعل والانفعال[109].
    ويمثل رمز "ليلى" دوره الفعال في الإشارة إلى الذات الإلهية في شعر التلمساني. يقول:
    ومشتاق ذكرت له اسم ليلى فهام بها وذكر الحب يعدي[110]
    ويقول:
    وقفنــا بربع العامرية موقفا به الحر مبذول الحشاشة كالعبد[111]
    إن المحب عندما يسمع ذكر حبيبته يهيم بها شوقًا؛ لأنه استغرق في عشقها بجميع حواسه ومعنوياته (بكليته) كذلك الصوفي الذي يسعى إلى الاتحاد، وينزع نحو الاستغراق في الخالق والفناء فيه (الحر مبذول الحشاشة كالعبد).
    فالمحبة الإلهية في نظر أصحاب الخبرة الصوفية هي "محو المحب بصفاته، وإثبات المحبوب بذاته"، وهي "خروج عن رؤية المحبوب"، وهي أيضًا "ميلك إلى الله بكليتك، ثم إيثارك له على نفسك وروحك...". وكل هذه التعريفات – وغيرها – إن دلت على شيء فإنما تدل على أن الصوفي يريد أن يفنى عن نفسه لكي يقبل بكل همته على ربه... وليس من شك في أن مثل هذه "التجربة الصوفية" إنما تفترض منذ البداية أن الحب الإلهي هو صلة مشخصة بين الخالق والمخلوق[112].
    ومن هنا جاء ذكر "ليلى" وغيرها من المعشوقات كرموز حية على هذه العلاقة العشقية السامية.
    وهذا شاعر آخر هو ابن الخيمي الذى يحسن توظيف الرمز الأنثوي حيث يقول:
    وديار انس بالعقيق أحبهـــا وربي عليها آل علوة خيموا
    وبضجة الركبان في بطحائهـا طربا إذا ما شارفوه وسلموا
    فيها بلغت الفوز في الدارين إذ وفيت خدمتكم وكنت وكنتـم[113]

    فذكر في هذا المثال اسم "علوة" وهو ذكر للذات الإلهية، وعبر عن مقدار الحب الذي يكنه الشاعر لمحبوبته التي تواصله حينًا وتتأبى عليه حينًا آخر.
    ويبدي الدسوقي تأثره بالشعراء السابقين عليه في التعبير عن حبه لمحبوبته بالرمز الأنثوي "ليلى"، وذكر الدكتور يوسف زيدان: أن أشهر الرموز التي استخدمها الصوفية الإشارة بالمحبوبة العربية (ليلى) إلى الذات الإلهية... وهو رمز لا نكاد نجد شاعرًا صوفيًا، في الفترة الممتدة من القرن السادس الهجري إلى اليوم، إلا استخدمه، بحيث صار هذا الرمز (ليلى) كما وصفناه بحق من تقاليد الرمز الصوفي[114].
    فنسمع الدسوقي ينشد قائلاً:
    رفعــــت ليلى التداني في دجى الليل نقابــــا
    وإذا جئـت خيامــــ وربوعــا وقبـــابــا
    قل مشوق مستهـــام جسمـه أسى مذابــــا[115]

    فرمز بها للذات الرائعة الحسن التي محا نورها ظلمة القلوب حتى حصل التجلي وحلت الحكمة في قلوب العارفين. وهنا يتنازع تياران في شكل مفارقة: تيار التجلي الخيالي الذي يجعل المحبوب محضرًا بواسطة التمثيل الباطن للعلو في ظهوره لعيان المشاهدة متلبسًا بالأشكال من حيث أنه يؤخذ في حد كل صورة صورة من الوجه التشبيهي، وتيار الوهم الذي يثيره تعلق الشاعر من ناحية أخرى بتنزيه المحبوب[116]، ويتمثل هذا القول أيضًا في بعض أبيات أبي العباس المرسي في اعتماده على الرمز الأنثوي. يقول المرسي:
    أعندك من ليلى حديث محـــــرر بإيراده يحي الرميم وينشــر
    فعهدي بك العهد القديــــم وإنني على كل حال في هواها مقصر
    وقد كان منها الطيف قدما يزورنــي ولما يزر ما باله يتعـــــذر
    ومن وجه ليلى طلعه الشمس تستضي وفي الشمس أبصار الورى تتميز
    وما احتجبت إلا برفع حجابهــــا ومن عجب أن الظهور تستـر[117]

    يهيب برمز "ليلى" الذي يجمع بين المحبة الإلهية والعلو، وكذلك
    على الرغم من تقليديته يكتسب من خلال السياق الروحي للتجربة طابعًا رمزيًا يلوح إلى الحكمة والمحبة الإلهية وما تشيعانه من انبعاث وحياة في النفوس الهامدة، والأرواح التي أنامتها الجهالات والأوهام[118].
    وهذا الرمز ليلى الذي يشير إلى الذات الإلهية يوظفه الشاعر توظيفًا جيدًا حيث يجعله في مقام الذات لمشاهدة العهد الذي أخذه الله على الخلق، وكذلك الجمع بين التجلي والخفاء بحكم جمع الذات الإلهية للصور المتضادة، كما أشار إلى تجل خيالي للمحبوب في حضرة مشاهدة مثالية، تأتت بعد رفع الحجب.
    * * *
    2 - الاعتماد على أساليب الحب البشري:
    بجانب الاعتماد على الغزل العذري سلك شعراء الصوفية طرقًا أخرى في التعبير عن الحب فاصطنعوا أساليب الشعراء الغزليين واستعاروا أساليبهم وألموا بمعانى النسيب عند سابقيهم، سواء كان عفيفًا أو صريحًا، ومزجوا ذلك كله في روح عذرية وإطار فني عالي المستوى، له دلالته من جميع جوانبه؛ لأن المتلقي ربما أغفل جانبًا كان فيه قصد الشاعر ومغزاه.
    فهذا ابن الفارض الذي عاش تجربة واحدة هى تجربة الحب الإلهي ورمز له بالحب البشري، فجمع بذلك بين باطن الرمز وظاهر الأسلوب، وضايف بين مظهرين: مظهر العلو واللاتعين، ومظهر التنزل والتجلي في الصور والتشبيه والتعبير، ولوحظت
    الدلالة التلويحية في رموزه الشعرية التي أهاب فيها بالجوهر الأنثوي، إذ وصف من خلال العواطف الإنسانية والجمال الأرضي الزائل حبه الإلهي وتعشقه بالجمال في علوه وإطلاقه، مميزًا في هذا الوصف الشعري بين الجمال الحقيقي المتسم بالوحدة والشمول والأبدية والجمال المجازي أو المعار بحسبانه مظاهر متنوعة للتجلي[119].
    وصار الجمال الأنثوي تعينًا للإلهي، ووحد بين الروحي والفيزيائي في إيقاع متكامل.
    ويرى بعض النقاد أن شعراء الصوفية فيما يبدو قد مروا بتجربة الحب الإنساني قبل أن يدخلوا في منطقة الحب الإلهي؛ لأنه لا يعرف الشوق إلا من يكابده، ويؤيد ذلك أنهم تركوا لنا تراثًا في الغزل ينم عن تجربة كاملة للحب، وتشبيب بمواضع السحر وتصوير خلجات القلب عند التلاقي والافتراق. وعلى الجملة فقد وضعونا أمام مشكلة تاريخية على جانب كبير من الأهمية إذ يصعب في كثير من الأحيان الاهتداء إلى قرينة تكشف عما ينسب إليه من أقوال[120].
    وقد تكون تجربة الحب البشري قد حدثت لبعض الشعراء قبل دخولهم في تجربة الحب الإلهي، ولا نستطيع أن ننفيه[121]، ولكن أن يكون ذلك أساسًا لمعاني شعراء الصوفية وصدق مشاعرهم فيها، فهذا أمر مردود عليه؛ لأن الصدق نابع من صدق التجربة الوجدانية التي يعيشها الصوفي، وأما المعاني والتراكيب فمردها إلى ثقافة الشاعر وتشربه لميراث شعراء الغزل من قبله، ولنا في المتنبى وأبي تمام وغيرهما من الشعراء الذين تغزلوا، ولم يؤثر عنهم معايشتهم لتجربة حب بشري صادق مثال على ذلك.
    بالإضافة إلى أن شعراء الصوفية نظروا إلى المرأة وجمالها وحسن قسماتها مثالاً عاليًا على الجمال الإلهي. ولنسمع ابن الفارض يقول:
    أشاهد معنى حسنكم فيلذ لــــي خضوعى لديكم في الهوى وتذللـي
    واشتاق للمغنى الذي أنتم بــــه ولولاكم ما شاقني ذكر منــــزل
    فلله كم من ليلة قد قطعتهـــــا بلذة عيش والرقيب بمعـــــزل
    ونقلي مدامي والحبيب منادمـــي وأقداح أفراح المحبة تنجلــــي
    ونلت مرادي فوق ما كنت راجيــا فوا طربا لو تم هذا ودام لـــي
    لحاني عزولي ليس يعرف ما الهوى وأين الشجـى المستهام من الخلي
    فدعنى ومن أهوى فقد مات حاسدي وغاب رقيبي عند قرب مواصلي[122]

    نلاحظ استخدام ابن الفارض لألفاظ الحب البشري ومعانيه مثل: (الحسن، الخضوع، الهوى، التذلل، الشوق، اللذة، الرقيب، الخمر، اللاحى، الشجى المستهام، الخلي والحاسد)، كل أولئك وكثير غيره ألفاظ شاعت في تغزل ابن الفارض بالذات الإلهية، وتكاد تفيض بها كل قصائده، ملوحًا بها لعلاقته بالمحبوب الحقيقي. يقول النابلسي:
    وقوله معنى حسنكم أى أثر حسنكم والخطاب للأحبة من حيث الظهور الإلهي بالمظاهر المتعددة. والحسن هو الجمال الحقيقي، وهو حضرة الأسماء الحسنى... وقوله ذكر منزلي أي وطني الأصلي، وهو علم الحق تعالى به في الأزل... وقوله وغاب رقيبي أي ذهب عني خاطر الأغيار واتضح عندي سر الأسرار[123].
    ونلاحظ كذلك اعتماد ابن الفارض على الرمز بالدلالة الجنسية في رسم صورة للتواصل بينه وبين المحبوب في (بلذة عيش، الحبيب منادمي، نلت مرادي فوق ما كنت راجيا). يقول د. زكريا إبراهيم:
    وأما المتصوفة فإنهم قد لاحظوا – من جانب – أن الاتصال الجنسي هو أعمق صور الاتحاد، ومن ثم فإنهم قد وصفوا علاقتهم بالله وصفًا غراميًا، واستخدموا في التعبير عن حبهم للذات الإلهية عبارات مليئة بالرموز الجنسية[124].
    ويفسر د. أبو العلا عفيفي وصلة النكاح هذه بأن المرأة في هذه العلاقة رمز على أي موضوع محبوب، والشهوة رمز على الرغبة الملحة في الحصول على المطلوب، و"وصلة النكاح" رمز على الاتحاد الصوفي، ويصير الاغتسال بعد ذلك رمزًا على الطهارة الروحية[125].
    إذن هذه العلاقة نوع من الاتحاد بالوجود، والاستغراق به إلى حد الشطح وإبراز الحقائق في صورة مادية قد يرفضها البعض من المتعجلين في التفسير.
    وعلى ذلك فإن هذا التغزل جامع بين الحب والشعور بالاغتراب، يجمع فيه بين الروحاني والفيزيائي في منظومة واحدة، تعين القارئ المتذوق على عقد الموازنات بين شتى الأمور، ويتلمس القرينة التي يضعها الشاعر الصوفي في ثنايا سياقه، فتكون بمثابة رباط التناسق اللغوي بين المعنى الأصلي والمعنى الرمزي، وهذا يجعله يختلف عن الرمز الفني في صوره الأخرى، حيث
    ينأى عما هو من خصائص المجاز كالقرينة؛ لأن التأويل فيه غالبًا ما يعتمد على مجرد ارتباطاتنا وذكرياتنا العاطفية التي لا أساس لها في أية مقارنة منطقية[126].
    ولكن ابن الفارض قد يكشف عن قرينته في ثنايا أبياته مثل قوله:
    أدر ذكر من أهوى ولو بمــلام فإن أحاديث الحبيب مدامـــي
    بروحي من أتلفت روحي بحبهـا فحان حمامي قبل يوم حمامــي
    أصلي فأشدو حين أتلو بذكرهـا وأطرب في المحراب وهى إمامي
    وبالحج إن أحرمت لبيت باسمها وعنها أرى الإمساك فطر صيامي
    ولما توافينا عشاء وضمنـــا سواء سبيلي دارها وخيامـــي
    تثنت فخلنا كل عطف تهــزه قضيب نقا يعلوه بدر تمــــام[127]

    فمن يقرأ الأبيات يظن لأول وهلة أنها في الحب الإلهي بأسلوب مباشر، ولكن من يعد إلى القصيدة يعلم أن هذه الأبيات مقتطفات منها، تحتوي على مجموعة القرائن الدالة على غرضه الحقيقي، ومع ذلك نراه يستعين فيها لإبراز الرمز بالتصوير الخيالي، فيستعير لحلاوة ذكر المحبوبة وأثره على المحب كأس الخمر الدائرة على الندامى فتسكرهم، وتثني المحبوبة ولين قوامها. وهذه المعانى العذرية التي يبثها في تضاعيف أبياته فتختلط مع القرائن الدائرة بين الحج والصلاة والخلوة بالمحبوب بالقيام بين يديه للصلاة، فتجاوز مرحلة العشق البشري، وعلا فوق فيزيائية الصورة، ليدخل في ميتافيزيقية مجردة. يقول:
    وجاوزت حد العشق فالحب كالقلــى وعن شأو معراج اتحادي رحلتي
    فطب بالهوى نفسا فقد سدت أنفس الـ ـعباد من العباد في كل أمــة[128]

    فقد وصل إلى درجة القرب والنضج الروحاني، حتى صارت التعبيرات المادية تمتزج عنده بمخزون عاطفي وجداني فيمضي إلى العالم الروحي ومعه من عالم المادة أدواته[129].
    أما عفيف الدين التلمساني فنراه مثل سلفه تنسال روح الحب في شعره فتخرج أدبًا رفيعًا بعيدًا عن تكلف البديع - في الغالب - وعن الصنعة الممقوتة التي أصابت الكثير من شعراء عصره، فعبر عن مواجيده وأذواقه مستعينًا بميراث الأحبة السابقين، وكذلك بمقدرته الفنية الخاصة على خلق الحياة في معاني الغزل الحسي أو البشري جريًا على طريقة الصوفية في الإشارة والتلويح بالرمز، وهم بذلك يربطون بين المثال المادي السفلي والمثل في علوه وارتقائه. ويرى سويدنبورج أن اللغة كائن من الإشارات يتأرجح ما بين الحقائق الملموسة على الأرض ونظائرها الروحية في السماء[130]، ولهذا يحاول الصوفي الوصول إلى اللانهائي والمطلق عن طريق ضرب المثل المادي له، والذي يقرب بينهما هو التراسل الذي يمكنه من تجاوز المادي والنهائي إلى الإلهي واللانهائي.
    ولنأخذ بعض أمثلة من شعر التلمسانى. يقول مثلاً:
    احكم ففيك العذاب عذب ما بعد حلو الخطاب خطب
    لــي وله في هواك فار ودمع صب عليك صــب
    وما تنزهت فيك حتــى فيك نزهت حين أصبــو
    وامكنني من لماك بـرق بين الحيا لا يكاد يخبــو
    يا سائلي عن شذا نسيـم قميصه بالوصال رطــب
    ذاك سلام الحبيب وافـي في عهده للثام قــــرب
    إذا تجلى على الندامـى فهو لهم خضرة وشــرب
    وعاذلي عاد لي بلطـف تكاد منه الصبا تهـــب
    اضمر غدرًا فعاد عـذرًا إذ رفعت للمحب حجـب[131]

    تحتوي الأبيات على ألفاظ الحب الإنساني، وما يتصل به من (وصل وهجر ولوعة ونحول واستعذاب العذاب وحلو الخطاب والوله وشدة العشق) ويحولها الشاعر، عن طريق التجاوز والتراسل، إلى الرمز عن شدة عشقة للجمال الإلهي ومواطن تجليه. ويفسر نيكلسون هذه الرموز الغزلية بقوله
    فوجنات الحبيب الموردة تمثل عنده ذات الله منكشفة في صفاته، وغدائرها الليلية تصور (الواحد) محجوبًا (بالكثرة)، وإن قال (أدر الكأس علها أن تحل إسارك) فإنما يريد أن يقول أمح نفسك الترابية في السكر بالتأمل الإلهي[132].
    وكأن الصوفية بذلك يلمون بأوصاف المرأة الجسدية إلمامًا محلقًا، فلا يلبثون أن يصفوا شيئًا من جمالها المادي حتى يحلقوا بروحهم متجاوزين المادة، وكأنهم بذلك يلفتون النظر إلى أن الجمال المادي ليس هو المقصود لذاته، بل هو صورة مقربة، ولا يني الشاعر بين حين وحين أن يذكر من الألفاظ ما يرفعنا عن عالم المادة، ويسمو بنا إلى رحاب قدسية[133].
    ويعطينا التلمساني بعضًا من القرائن مثل التجلي على الندامى فيسكرهم، وهبوب الصبا، والصبا عند الصوفية تعني "النفحات الرحمانية الآتية من جهة مشرق الروحانيات والدواعي الباعثة على الخير"[134]. وآخر القرائن رفع الحجب بين المحب والمحبوب، وتجلي الذات. والصوفي
    يحوز من رؤى التجلي أعلاها في تأمله صورة الكائن الأنثوي، إذ تفضي بنا ثنائية تركيب الإيجابي والسلبي إلى توقع شيء من عودة أسطورة الخنثى The Myth of androgyne وإلى أن تؤول روحية الصوفية المسلمين بضرب من الاستمرار إلى ظهور الأنثوية الأبدية بوصفها صورة للألوهية، إذ يتأمل الصوفي في الأنثى سر الإله الرحيم الذي يبدو فعله الخالق تحريرًا لأسر الموجودات[135].
    ويبدو أن التلمساني كان أكثر بهرجة وحرية من ابن الفارض في استخدام رمز الغزل البشري بمعانيه وألفاظه بل حريته وانطلاقه، ولذلك جاءت مواجيده في صورة مقطعات خاطفة لا يطيل فيها الغوص في النفس واستخراج مكامنها مثلما فعل ابن الفارض، مما يجعل رمز التلسماني أكثر خفاء؛ لأن الوسائط المبينة لحقيقة الرمز تكاد تختفي خلف غلالة من الألوان الأسلوبية. يقول مثلاً:
    ترى يا جيرة الشعـب يسر بوصلكم قلبــي
    وتجمع بيننــــا دار على الإكرام والرحب
    أهيل الحي واعطشـى لذاك المنهل العــذب
    وما شوقي إلى عيـش مضى في ظله الرحب
    وأيام بلا عتــــب تقضت في هوى عتب
    إذا ذكرت لياليـــه تهيج لواعج الصـب
    ويحيي قلب عاشقـه حديث نسيمه الرطـب
    ومحتجب تبسمــه يمزق ظلمه الحجـب
    يصان حماه بالإجلال لا بالسمر والقضــب
    من الأقمار منزلتـاه من طرفى وفى قلبـي
    وظبي نقا وبالأسرار يأنس ليس بالســرب[136]

    يوجه خطابه إلى محبوبه الذي يسر قلبه بوصله، ولكنه هجره ولذا فهو يقاسي مرارة الفراق، ويرمز للذات الإلهية بمعشوقة عربية هي "عتب أو عتبى"، ويتبعها بقرينة تدل على توجيهه للذات الإلهية بأن نورها يمزق ظلمة الحجب التي تحجبه عنها حتى أشرق نورها على قلبه ونفسه، وحظى بأسرار المعارف الإلهية، وبهذا تشرب الجوهر الأنثوي رمزًا معرفيًا؛ لأن الأنثى، باعتبارها رمزًا للذات الإلهية وللنفس كذلك،
    ولما كانت معرفة النفس هي معراج الإنسان إلى معرفة الرب لزم أن تكون معرفة المرأة من خلال عاطفة الحب المتوهج موصلة إلى الله، تبدو حالة النوستالجيا التي ألمع إليها كوربان في وضع تماثل وموازاة، فحنين الرجل إلى المرأة إنما هو حنين الكلي إلى جزئه، والشيء إلى نفسه، كما أن حنين المرأة إليه حنين الشيء إلى وطنه[137].
    هكذا يستطيع الشاعر، عن طريق رمز الأنثى، أن يخترق حجب الحقيقة إلى الفردوس البعيد، وهو قادر على أن ينقل رؤياه للآخرين مدركًا لطبيعة هذا الرمز، وما تملكه طبيعته من تراسلات يحسن توجيهها والتجاوز من خلالها إلى الحقيقة اللامنتاهية.
    *** *** ***


    [1] دكتوراة في الأدب والنقد، جامعة الإسكندرية، مصر.
    [2] د. درويش الجندي، الرمزية فى الأدب العربي، نهضة مصر للطباعة والنشر، القاهرة، ص 102.
    [3] من هذه الكتب: المرجع السابق.
    الرمز والرمزية، د. محمد فتوح أحمد، دار المعارف، ط 3، 1984.
    الرمزية، تشارلزتشا دويك، ترجمة نسيم إبراهيم، الهيئة، 1992.
    الرمزية دراسة تقويمية، أنابلكيان أن، ترجمة الطاهر مكي وغادة الحنفي، دار المعارف، 1995.
    مفهوم الرمزية فى التحليل النفسي، د. كمال خضر، مقال في مجلة علم النفس، العدد 6 يناير 2002.
    الرمز الشعرى عند الصوفية، د. عاطف جودة نصر، المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، 1998.
    [4] قدامة بن جعفر، نقد الشعر، ص 9.
    [5] ابن رشيق، العمدة 184.1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1983.
    [6] الجاحظ، البيان والتبين 70.1.
    [7] د. رجاء عيد، لغة الشعر، ص 84.
    [8] ابن عربي، الفتوحات المكية 196.3، 197.
    [9] المصدر نفسه.
    [10] الولى محمد، الصورة الشعرية في الخطاب البلاغي والنقدي، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1996، ص 199.
    [11] د. صلاح فضل، نظرية البنائية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص 29.
    [12] تشارلز تشاديك، الرمزية، ص 39-40.
    [13] المرجع نفسه، ص 41.
    [14] الرمزية دراسة تقويمية، ص 19.
    [15] تشارلز تشادويك، الرمزية، ص 41-42.
    [16] المرجع نفسه، ص 42-43. وراجع: الرمزية دراسة تقويمية، ص 67 وما بعدها.
    [17] د. مصطفى ناصف، الصورة الأدبية، ص 153.
    [18] ابن عربي، الفتوحات المكية، 120.3.
    [19] تشارلز تشادويك، الرمزية، ص 46.
    [20] د. رجاء عيد، لغة الشعر: قراءة فى الشعر العربي الحديث، ص 86.
    [21] آبركرومبي لاسل، قواعد النقد الأدبي، ص 35.
    [22] د. محمد فتوح أحمد، الرمز والرمزية، ص 202. وأيضًا راجع مجلة علم النفس، العدد 2، المجلد 5، يناير، 1950، ص 258-259.
    [23] د. مصطفى سويف، الأسس النفسية للإبداع (الشعر خاصة)، ص 206-207.
    [24] راجع: سيغموند فرويد، تفسير الأحلام، ص 356. ود. كمال خضر، مفهوم الرمزية، مجلة علم النفس، العدد 61، يناير، 2002، ص 29.
    [25] د. درويش الجندي، الرمزية في الأدب العربي، ص 34-341.
    [26] السراج الطوسي، اللمع، ص 453-454.
    [27] د. عبد الرحمن بدوي، شطحات الصوفية، وكالة المطبوعات، الكويت، ص 11.
    [28] نقلاً عن: د. سعاد الحكيم، المعجم الصوفي، ص 65. ووردت هذه العبارة مضافًا إليها عبارات أخرى منسوبة للجرجاني في تعريفاته، ص 86 - نقلاً عن: د. عبد الحكيم حسان، التصوف في الشعر العربي، ص 332.
    [29] د. أحمد صبحي منصور، العقائد الصوفية، ص 184-185.
    [30] أدونيس، الثابت والمتحول 2 ، تأصيل الأصول، ص 96.
    [31] د. عبد الرحمن بدوي، شطحات الصوفية، ص 21.
    [32] د. عاطف جوده نصر، شعر عمر بن الفارض، ص 135.
    [33] د. أحمد صبحي منصور، العقائد الدينية، ص 184-185.
    [34] الدسوقي، الجوهرة، ص 110.
    [35] المصدر نفسه، ص 111.
    [36] الطوسي، اللمع، ص 430.
    [37] ابن عجيبة الحسني، إيقاظ الهمم فى شرح الحكم، ص 324.
    [38] المصدر نفسه، ص 325.
    [39] د نصر حامد أبو زيد، هكذا تكلم ابن عربي، ص 149.
    [40] راجع: الفتوحات المكية، جـ 3، ص 249. إيقاظ الهمم فى شرح الحكم، ص 144-145. هكذا تكلم ابن عربي، ص 149. وراجع فى كتم السر عند الصوفية: اليواقيت والجواهر للشعرانى، ص 17-18. الإحياء للغزالي، 313.4. الرسالة القشيرية 200.1. أبيات الحلاج عن الأسرار في ديوانه، القصيدة الخامسة. وأخيرًا ما كتبه عنه د عبد الحكيم حسان، في التصوف في الشعر العربي، ص 334 وما بعدها.
    [41] د. نصر أبو زيد، هكذا تكلم ابن عربي، ص 144.
    [42] نيكلسون، الصوفية في الإسلام، ص 15.
    [43] د. عبد الخالق محمود، شعر ابن الفارض في ضوء النقد الأدبي الحديث، ص 76-77. بتصرف.
    [44] د محمد فتوح احمد، الرمز والرمزية، ص 410-411. وراجع كذلك ص 304-305 من المرجع نفسه، وكذلك مفهوم الرمزية للدكتور كمال خضر، مجلة علم النفس، عدد 61، ص 7-8. ود. عز الدين إسماعيل، الشعر العربي المعاصر، ص 163-164.
    [45] حازم القرطاجني، منهاج البلغاء، ص 172-173.
    [46] د. نصر حامد ابو زيد، مفهوم النص - دراسة فى علوم القرآن، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990، الفصل الخامس (التفسير والتأويل)، ص 247-273.
    [47] د. مصطفى ناصف، نظرية المعنى، ص 166. بتصرف.
    [48] نقلاً عن العبارة الصوفية للدكتورة سهير حسنين، ص 31.
    [49] ابن الفارض، الديوان، ص 129.
    [50] المصدر نفسه، ص 149.
    [51] المصدر نفسه، ص 142.
    [52] المصدر نفسه، ص 122.
    [53] المصدر نفسه، ص 111.
    [54] المصدر نفسه - حاشية المحقق، ص 111.
    [55] بدر الدين العيني، عقد الجمان، ص 3-97.
    [56] التلمساني، الديوان، 140.1.
    [57] د. علي صافي حسين، الأدب الصوفي في مصر، ص 414.
    [58] الدسوقي، جوهرة الدسوقي، ص 108.
    [59] التلمساني، الديوان، 136.1.
    [60] ابن الفارض، الديوان.
    [61] راجع: د. كامل الشيبي، الصلة بين التصوف والتشيع، ط 2، دار المعارف، مصر، ص 77.
    [62] الدسوقي، جوهرة الدسوقي، ص 107.
    [63] د. نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص، ص 268.
    [64] د. عز الدين إسماعيل، الشعر العربي المعاصر، ص 173.
    [65] د. رجاء عيد، لغة الشعر، ص 192.
    [66] نيكلسون، الصوفية في الإسلام، ص 101.
    [67] ابن عربي، فصوص الحكم (حكمة فردية في كلمة محمدية)، ص 330.
    [68] ابن عربي، ترجمان الأشواق، ص 10.
    [69] المصدر نفسه.
    [70] ابن عربي، فصوص الحكم، ص 333.
    [71] د. سليمان العطار، الخيال والشعر في تصوف الأندلس، ص 65-66.
    [72] صلاح الدين التيجاني، الكنز في المسائل الصوفية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1999، ص 130.
    [73] الدسوقي، جوهرة الدسوقي، ص 114.
    [74] ابن شاكر الكتبي، فوات الوفيات، 37.2.
    [75] المصدر السابق.
    [76] راجع: النظرة التجريدية عند شيلي في الخيال الرومانسي لبورا، ص 125.
    [77] د. عاطف جودة نصر، الرمز الشعري عند الصوفية، ص 138.
    [78] راجع: د. محمد غنيمي هلال، النقد الأدبي الحديث، ص 188. والحياة العاطفية بين العذرية والصوفية.
    [79] د. محمد غنيمي هلال، الحياة العاطفية، ص 3، وص 27.
    [80] د. عبد الكريم الخطيب، الأدب الصوفي في مفهوم جديد، سلسلة الرسالة، الثقافة الإسلامية، ص 31.
    [81] د. عبد الفتاح الدماصي، الحب الإلهي فى شعر محى الدين بن عربي، ص 439-440.
    [82] ابن الفارض، الديوان، ص 113.
    [83] المصدر نفسه، ص 114.
    [84] د. إبراهيم بسيوني، نشأة التصوف الإسلامي، ص 57، نقلاً عن الأدب الصوفي تاريخًا وفنًا، د. عبد الوارث الحداد، ص 79. وراجع فى هذه الجزئية: الحياة العاطفية للدكتور محمد غنيمي هلال، ص 94–95.
    [85] ابن الفارض، الديوان، ص 114.
    [86] د. محمد غنيمي هلال، الحياة العاطفية بين العذرية والصوفية، ص 230.
    [87] ابن الفارض، الديوان، ص 177.
    [88] النابلسي، شرح ديوان ابن الفارض، 38.1: 41.
    [89] ابن الفارض، الديوان، ص 78.
    [90] المصدر نفسه، ص 79-80.
    [91] النابلسي، شرح الديوان، 188.1.
    [92] ابن الفارض، الديوان، ص 179.
    [93] المصدر نفسه، ص 227.
    [94] المصدر نفسه، ص 227.
    [95] المصدر نفسه، ص 228. أم مالك التي ذكرها فى البيت الأخير كنية كانت تنادى بها ليلى محبوبة قيس بن الملوح، مثل قوله:
    أبت ليلة بالغيل يا أم مالك لكم غير حب صادق ليس يكذب
    ألا إنما أبقيت يا أم مـالك صدى أينما تذهب به الريح يذهب
    أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992، جـ2، ص 94.
    [96] راجع تأويل النابلسي لرموز هذه الأبيات فى شرحه للديوان، 138.2: 147.
    [97] د. محمود رجب، الاغتراب، ص 242-243.
    [98] ابن الفارض، الديوان، ص 206.
    [99] النابلسي، شرح الديوان، 165.2، 166.
    [100] التلمساني، الديوان، 88.1.
    [101] المصدر نفسه، 94.1.
    [102] المصدر نفسه، 83.1.
    [103] المصدر نفسه، 98.1. وعلوة محبوبة عربية دار اسمها على ألسنة الشعراء. يقول ابن النبيه المصري:
    حبذا طيف علوة حين أسرى من زياراتــه ففــك الأســـرا
    راجع الديوان، تحقيق عمر الأسعد، دار الفكر العربي 1969، ص 466.
    [104] التلمساني، المصدر نفسه، (حاشية المحقق).
    [105] المصدر نفسه، 221.1.
    [106] د. عاطف جودة نصر، الرمز الشعري عند الصوفية، ص 291.
    [107] التلسماني، الديوان، 210.1.
    [108] المصدر نفسه، 211.1.
    [109] د. عاطف جودة نصر، الرمز الشعري عند الصوفية، ص 255.
    [110] التلمساني، الديوان، 234.1.
    [111] المصدر نفسه، 235.1.
    [112] د. زكريا إبراهيم، مشكلة الحب، ص 110-111.
    [113] ابن الخيمي، الديوان.
    [114] د. يوسف زيدان، التقاء البحرين (نصوص نقدية)، الدار المصرية اللبنانية، ط1، 1997، ص 145.
    [115] الدسوقي، جوهرة الدسوقي، ص 109.
    [116] راجع: د. عاطف جودة نصر، الرمز الشعري عند الصوفية، ص 174.
    [117] نقلاً عن ابن عطاء الله السكندري، لطائف المنن، ص 51.
    [118] د. عاطف جودة نصر، الرمز الشعري عند الصوفية، ص 233.
    [119] المرجع نفسه، ص 174.
    [120] د. إبراهيم بسيوني، نشأة التصوف الإسلامي، دار المعارف، 1969، ص 217-218.
    [121] راجع: التصوف الإسلامي للدكتور زكي مبارك 291.1. الرمزية فى الأدب العربي لدرويش الجندى، ص 356. ومن الأمثلة: يقال إن ابن الفارض صعد منارة المسجد فرأى امراة جميلة فوق سطح بيت، فاشتغل قلبه وهام مع الهائمين، ويقال إن تلك المرأة كانت زوجة أحد القضاة، ويكاد يكون من اليقين أن حبه الأول هو السر في وقدة حبه الثاني. زكى مبارك، 291.1.
    [122] ابن الفارض، الديوان، ص 239.
    [123] النابلسي، شرح الديوان، 345.1-347.
    [124] د. زكريا إبراهيم، مشكلة الحب، ص 110.
    [125] د. أبو العلا عفيفي، شرح فصوص الحكم لابن عربى، جـ2، ص 329. وما يتلوها نقلاً عن د. إبراهيم منصور، الشعر والتصوف، ص 304. وراجع تفسير أدونيس للعلاقة الجنسية والرغبة الشهوانية في المرجع نفسه، ص 301-304، وفي الثابت والمتحول "الأصول"، ص 106-126، وفي خواطر فى النقد، مجلة فصول، عدد 30، المجلد التاسع، القاهرة 1991، ص 164-165.
    [126] اليزابيث درو، الشعر كيف نفهمه ونتذوقه، ص 71. نقلاً عن الرمز والرمزية، د. أحمد فتوح أحمد، ص 306.
    [127] ابن الفارض، الديوان، ص 105-206.
    [128] ابن الفارض، الديوان، ص 118.
    [129] د. محمد عبد المنعم خفاجي، من تراث الأدب الصوفي، ص 182.
    [130] أنا بلكيان، الرمزية: دراسة تقويمية، ص 43.
    [131] التلمساني، الديوان، 119.1، 120.
    [132] نيكليسون، الصوفية في الإسلام، ص 101-102.
    [133] د. فوزي أمين، أدب العصر المملوكي الأول، ص 192.
    [134] الكاشاني، معجم اصطلاحات الصوفية، ص 156.
    [135] creative imagination، نقلاً عن الرمز الشعري عند الصوفية، د. عاطف جودة نصر، ص 149.
    [136] التلمساني، الديوان، 141.1، 142. وراجع تكراره لكلمة الحب فى قصيدته:
    بدا علم للحب يممت نحوه فلم أنقلب حتى احتسبت به قلبي
    الديوان 144.1، وما بعدها ففيها تكرار كلمة الحب ومشتقاتها بأسلوب تلويحي ملفت للانتباه.
    [137] د. عاطف جودة نصر، الرمز الشعري عند الصوفية، ص 152.
  2. hind

    hind عضو نشيط

    497
    47
    28
    الدّولة:
    تونس
    الولاية:
    تونس
    المستوى الدّراسي:
    جامعي
    الاختصاص:
    آداب
    المهنة:
    طالبة
    الرمز الشعري واغتراب اللغة في المنظور الصوفي 2
    شعبان أحمد بدير٭

    ب. رموز الطبيعة أو الإلهام الروحي للطبيعة:
    لقد نظر الصوفي إلى الطبيعة بوصفها تعينات وفيوضات مادية للجمال الإلهي فحاول استنطاقها والتوصل من خلالها إلى فك شيفراتها التي يخاطبنا بها العلو، وهذا يئول بنا إلى فرق جوهري يحيل إلى اختلاف أساسي بين نمطين: الأول عيني حسي خالص في وضع لاتجاوزي، والثاني عيني حسي يتعالى بواسطة الكيف الحسي الخيالي إلى تركيب شهود عياني لسريان الألوهية في الطبيعة التي تحولت، من خلال الموقف الروحي والتشكل الغنوصي للتجربة الصوفية في إهابتها بالعلو المحاديث، إلى شيفرة أو شيفرات يقرأ الصوفي فيها، بضرب من الكشف، لغةً ذات حدين إحاليين أحدهما حسي فيزيائي والآخر روحي إلهي[1]، فيرسي تصورًا عرفانيًا للطبيعة يعتقد في سريان الجوهر الإلهي فيها جامدها وحيها، وتحليلاً للعلاقة بين الوحدة والكثرة المنبثقة فيها، فعالم الطبيعة، على حد قول ابن عربي، "صور في مرآة واحدة بل صورة واحدة في مرايا مختلفة"[2].
    ولظهور الوجود الواحد الحق في مرايا الحقائق والأعيان فإن العارف يستطيع، عن طريق التراسل، أن يصل إلى جوهرها ويضايف بينهما وبين الحقائق العلوية. وبذلك يحدث التضايف بين المفاهيم المجردة والمرائي المادية والتعينات التي عينها الوجود الحق. وبالطبع لا نستطيع أن نحصي كل الرموز المأخوذة من الطبيعة، ولكن نقتطف منها بعضها.
    1. رمز الطير:
    نظرت العرفانية الصوفية إلى الطير نظرة خاصة رمزوا بها عن النفس الكلية والروح المنفوخ في الصور المسواة، كما يقول الكاشاني:
    الورقاء هي النفس الكلية التي هي قلب العالم وهو اللوح المحفوظ والكتاب المبين[3].
    والنفس هنا لا تعني الحقيقة الذميمة في الجسد الترابي، ولكن ربما رمز الشعراء بالطير إلى الروح، وهو رمز ميثولوجي صورت الروح بواسطته على هيئة طائر ذي رأس إنساني يحلق بعيدًا عن الجسم بعد الموت، ولكنه يتعشقه فيعود إليه كرة أخرى.
    وفي تراث الشعر الصوفي اكتسبت صورة الطير الدلالة ذاتها، ورمز الشعراء بها إلى تذكُّر الروح عالمها المثالي الأول، وحنينها إليه حنين الغريب إلى وطنه. ويظفر القارئ بهذه الدلالات في قصيدة ابن سينا العينية، وفي رسائل الطير، والمنظومات المطولة كالقصيدة المعروفة بـمنطق الطير لفريد الدين العطار...[4] الذي استخدم الطير أسلوبًا رمزيًا في صياغة شعرية حافلة بخيال واسع وصور مبتكرة متنوعة كما اتضح في كتابه منطق الطير[5].
    وكان لهذا السبق لابن سينا والعطار أثرهما فيمن جاء بعدهما من شعراء الصوفية الذين استخدموا الحمام (الورق) الذي يشير إلى الروح التي تحن إلى مصدرها النقي، فنجدها في تنازع بين العلو والهبوط، تشدو تارة وتبكي أخرى. يقول ابن الفارض في التائية الصغرى:
    ولولاك ما استهديت برقا، ولا شجت فؤادي فابكت إذ شدت ورق أيـكة
    فــذاك هــدى أهدى إلـي وهذه على العود إذ غنت عن العود أغنت[6]

    كنى بالورق عن الروحانيات الكاملات من أرواح المشايخ المحققين، وبالأيكة عن الجسم المختلف المزاج والطبيعة، وجمع الورق لكثرة اختلاف مشارب الأرواح وإفراد الأيكة لاتحاد الجسماني من العناصر والطبائع. فكل ورقاء على غصن من تلك الشجرة الواحدة[7]. ويكون البكاء والفرح على قدر قرب تلك الروح من حقائقها التي تبحث عنها أو بعدها عنها.
    وكان عفيف الدين التلمساني مغرمًا بذكر مظاهر الطبيعة الغنَّاء ومنها الطير والحمام على وجه الخصوص. يقول:
    وورق حمائم في كل فن إذا نطقت لها لحن صواب
    لها بالظل أزرار حـسان وأطواق ومن ورق ثياب[8]

    وفيها:
    وللأغصان هينمة تحاكي حبايب رق بينهم العتــاب
    تثنت والحمام لها يغنـي كشرب مدامة شربوا وطابوا[9]

    ويقول:
    على عطفة حتى من الورق غيرتي ألم ترها هاجت على الغصن الرطب[10]
    دعانـي انكسار الجفن منه لضمة فجاوبني: ما للغصون سوى الهضب
    وغردت تغريد الحمام توصـــلا إليه لما بين الحمائم والقضــــب
    وقلت زكاة الحسن فرضًا فقـال لا تميل الغصون الورق إلا على الندب[11]

    ومن خلال هذه الأمثلة وغيرها[12] في شعر التلمساني نلاحظ تخطي الشاعر لرمز الحمام ككون محسوس، وينعطف منه تجاه الحياة الباطنية وما تحمله النفس والروح من مجاهل وأعماق. فمثلما تحلق الطيور فرحًا ومرحًا وغناء، كذلك تحلق الروح فرحًا وغناء بحالة الاتحاد والفناء الذي يحقق لها القرب من المصدر النقي الذي يمثل الوطن الأصلي لها، وتبكي إذا نأت عنه، وتتطلع إلى العودة إليه مرة أخرى. يقول أبو الحسن الصباغ:
    حمام الأراك ألا فاخبرينــا بمن تهتفين ومن تندبينــا
    فقد سقت ويحك نوح القلوب فأجريت ويحك ماء معينــا
    تعالي نـقــم مأتمًا للغرام ونندب أحبابنا الظاعنينــا
    واسيتك بالنوح كي تسعدينا كذاك الحزين يواسي الحزينا[13]

    في هذه الأبيات، وفي غيرها التي يقول في مطلعها:
    أتبكي حمام الأيك من فقد إلفها واصبر عنـه كيف يكـون
    ولم لا أبكي ثم أندب ما مضى وداء الهوا بين الضلوع دفين[14]

    فعلام تبكي الحمام؟ إنها تبكي على فقد إلفها. وهنا إشارة إلى النفس والروح اللذين يبكيان لفقدانهما مصدرهما النقي. وهكذا يمثل الطير أو الحمام وسيلة ربط بين العلو والأرض، حيث أن الروح تتطلع إلى العلو ولكن الأرضي المادي يجذبها إليه ولا يوافق على فقدها، ولذا فهي تبكي.
    1. رمز الظباء والغزلان:
    يوظف الصوفية من الطبيعة رمز الغزال الذي تردد في الشعر العربي إشارة إلى الجمال، ولكن مع النفور وعدم الاستقرار، ولذلك نرى شعراء الصوفية يحسنون توظيف هذا الرمز بدلالتيه. يقول التلمساني:
    غزال الحي من أثلاث نجد لوجهك وجهتي وهواك قصدي
    ودينك في مداومة التصابي علي ولي وفي قلبي وعنـدي
    أحن إذا تبسمت النعامـى معطرة بمسحب زيل هنــد[15]

    إذا كان الغزال هنا ملمح جمال ورمز للذات الأهية التي يوجه إليها وجهه ويدين بهواها، منذ أخذ عليه العهد وهو في عالم الأرواح قبل خلق الأجساد، في يوم عرف عند الصوفية باسم "ألست" إشارة إلى قوله تعالى: "أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى". (الأعراف).
    ويرمز للذات النافرة عنه الجامحة بهواها عن مواصلته بظبي فلاة شرود:
    وظبي فلاة آنس فكأنــــه لرائيه عند الالتفات شرود
    ترقرق ماء الحسن في وجناته وليس لظمآن إليـه ورود[16]

    فالرؤية الفنية للتلمساني مختلطة بتجربته الصوفية وأفكاره الفلسفية التي لا يمكن تنحيتها جانبًا أثناء تحليلنا لشعره، ومن ثم فلفظ الظبي يمثل الذات الإلهية في حسنها وتعينها، ويؤكد هذا المعنى ابن الخيمي في قوله:
    بالشعب من شرقي نجد غزال حلو الجنايات مليح الســلال
    لا الأهل أهل حين يبدو لنـا حسن محياه ولا المال مــال
    هون شكواي الهوى عنــده زل المحين وعز الجمـــال
    أهلا وسهلا بوصال الضنـى في حبه إذ لم يجد بالوصــال
    لعلنــي ألقاه وقتـــًا إذا ما كان وسنانًا وجسمس خيال[17]

    وفي قصيدته:
    ما ضر من ملك فؤادي بأسره لو لم يضع بعض الجميل بهجره[18]
    يقول فيها:
    لم اسمه بالشمس حيث طلوعه ما كان إلا فـــي دجنة شعـره
    منح الغزال ملاحة من لحظـه وكســا الغزالة خلقة من بشره
    وأقــام في قلبي وأوقد ناره فيـــــه ورد فقيره عن بره
    تدعو محاسنه ويـزجر صده قد حرت في إذن الحبيب وزجره[19]

    في المثالية حدث تضايف بين الذات الإلهية كمحبوبة عليا حقيقية وبين الرموز التي ترمز إليها والمعاني الروحانية التي تتعلق بها. ولأن الرمزية بصفة عامة كانت مذهب الجمال الأمثل وكانت مظهرًا صرفًا للجماليات[20] فالرمزية الصوفية تفوق الرمزية الفنية وارتباطها بالجمال وبحثها عن مواطنه، ولهذا نرى الشاعر يرمز إلى الذات الإلهية بالغزال في جماله ورشاقته، وكذلك بالشمس في ملاحتها وضيائها، ولكنها محجبة خلف غلالة من الكثرة المادية. وهذا الرمز ليس بجديد، ونجده عند ابن عربي في قوله:
    بذي سلم والدير من حاضر الحمى ظباء تريك الشمس في صورة الدمى[21]
    وفي قوله:
    فللظبي أجيادًا وللشمس أوجها وللدمية البيضاء صدرًا معصما[22]
    ويفسر ابن عربي هذا الرمز في شرحه لـترجمان الأشواق بقوله و"للشمس أوجها" من قوله عليه السلام: "ترون ربكم كما ترون الشمس"[23]. والشمس هنا رمز أنثوي، وكذلك الغزال. ويغلف ابن الخيمي ذلك بحديثه الرائع عن الجمال، ويضع في طريق المتلقي القرائن الدالة على المعنى الحقيقي مثل كون الله في القلب، لأن "القلب بيت الله" كما جاء في الحديث الذي كان لمعناه شأن كبير عند الصوفية، وقرينة أخرى في كون ذكر هذا المحبوب شافع لغفران الذنوب.
    ويستخدم ابن الفارض رمز الغزال مشيرًا به إلى الجمال والحسن الإلهي، وكذلك إلى النفس النافرة حينًا والطبيعة حينًا آخر، ففي قصيدته:
    صد حمى ظمأى لماك لماذا؟ وهواك قلبي صار منه جذاذا[24]
    يقول فيها:
    عنـت الغزالة والغزال لوجهه متلفتًا، وبـــه عياذًا لاذا
    وبجزع ذياك الحمى ظبي حمى بظبي اللواحظ إذ أحاذ إخاذا[25]

    فالغزالة والغزال إشارة إلى النفس الإنسانية التي ألهمت صوابها. يقول النابلسي:
    كنى بالغزالة عن الروحانية الإنسانية المشرقة على العالم الجمساني، وبالغزال عن القلب الإنساني المتلفت بالفكر والخيال إلى عالم الإمكان. كنى بالحمى عن قلب العارف أيضًا، وكنى بالظبي عن جناب الغيب المطلق الذي لا يزال نافرًا عن الحصول لكمال تنزهه عن مدار العقول...[26]
    * * *
    ت. الرموز الدالة على الاغتراب:
    إنَّ الصوفي - كما أسبقت في الفصل الأول - كان في حالة اغتراب دائمة، لا تنقطع داخل وطنه وخارجه، بينه وبين ذاته، وكذلك كان دائم الشعور باغتراب الروح عن موطنها الأصلي الذي تحن إليه وتتطلع إلى اجتياز كل العقبات التي تمنعها من الوصول إليه[27]. وورد في شعر الصوفية بعض الرموز الدالة على الاغتراب نتناول أهمها فيما يلي:
    1. رمز الناقة والعيس:
    رمز شعراء الصوفية للنفس الإنسانية السالكة إلى ربها بالعيس والناقة والوجناء التي يركبها المريدون حتى توصلهم إلى مراتب المعرفة والولاية، وهذا يعني أنها وسيلتهم في سفرهم إلى الله. يقول ابن الفارض:
    يا راكب الوجناء، بلغت المنى عج بالحمى، إن جزت بالجرعاء
    متيممـًا تلعات وادي ضارج متيامنًا عن قاعة الوعســـاء[28]

    ويقول في قصيدة أخرى:
    يا راكب الوجناء، وقيـت الـردى إن جبت حزنًا، أو طويت بطاحا
    وسلكت نعمان الأراك، فعـج إلى واد هناك، عهدته فياحــــا
    فبأيمن العلمين مــــن شرقيه عرج، وأم أرينة الفواحــــا[29]

    نلاحظ التكرار بين الرمزين مما يعطينا دلالة على حرص ابن الفارض على ذكر الملامح البدوية والصحراوية ذات الدلالة في شعره، والتي تجمع أذواقه في صور مادية وطبيعية، وكذلك تدل على معايشته لتجربة روحانية واحدة. يقول النابلسي:
    كنى بالوجناء، أي الناقة الشديدة، على النفس المطمئنة فإنها شديدة القوة لإطمئنانها على أمر الله تعالى القائمة به، وهي نفس السالك الصادق في سلوكه، فإنه راكبها وهي مطمئنة معه ومطاوعة له، وكنى بالحمى عن الحضرة الإلهية، يعني أقم في مراقبتها، وكنى بالجرعاء عن مقام المجاهدات النفسانية والمكابدات الإنسانية في طريق الله تعالى[30].
    ويقول في موضع آخر:
    وهل نزل الركب العراقي معرفـًا وهل شرعت نحو الخيام شرائع
    وهل رقصت بالمأزمين قلائـص وهل للقباب البيض فيها تدافع[31]

    الركب كناية عن الأولياء العارفين بربهم، وقوله: "قلائص" كناية عن النفوس الإنسانية في حال سلوكها في طريق الله، وهي حاملة أثقال التكاليف الشرعية وعهود المشايخ"[32].
    ونلاحظ هذا الرمز كذلك عند ابن دقيق العيد في مثل قوله:
    لقد بعدت ليلى وعز وصالها كما عز بين العالمين مثالها
    فمن لي بنوق لا تزال تمدها قواها ولا يدنو إلى كلالهـا
    ولكنها جسم يذوب وصبـره يحول وأرواح يخاف زوالها[33]

    في هذه القصيدة نلاحظ أسلوبًا مكتملاً من الحب العذري والاغتراب للوصول إلى جانب هذه المحبوبة التي عز وصالها فتحركت الأنفس شوقًا - على الرغم من ضعف قدرتها -، في سفرها تركب مطايا الأجسام التي تفارقها عند وصولها إلى بغيتها. وفي قوله: "ولكنها جسم"، أي ما زالت تتعلق بالجسم الترابي وبصفاته الكثيفة، ولم تصل بعد إلى اللطافة المرجوة.
    ولا يخلو ديوان من دواوين الصوفية من رمز الناقة، لأنه يدل على صدق مجاهداتهم وسلوكهم المستمر إلى الله والرياضة النفسية التي يتبعونها لتنقية نفوسهم من شوائب الذنوب، حتى تصبح روحانية لطيفة، وهذا ما نلحظه في قول علي بن منصور الأرمنتي (ت 695 هـ):
    أقول وقد لاحت بروق عـلى قبا وعنق اشتياقي عن رفاقي لا يلوى
    وحادي المطايا بالركائب قد حدا بسفح اللوى وهنا ترنم بالشكـوى
    أأحبابنا بالبيت بالركن بالصفــا بزمزم زيحوا ما بقلبي من البلوى[34]

    وبعد أن وصلت إلى مرادها يقول ابن عطاء الله السكندري:
    قف بالديار فقد بدا مغناهــــا فلمن يسير وما المراد سواها
    وأرح قلوصك فقد بلغت المنـحنى فلطالما جهدت ودام سـراها
    ولطالما قطعت مهامة واغــتدت أرساغها مخضوبة بدماهـا
    تمسي وتصبح لا تمل من السرى حتى شكت بأنينها ووجاهـا[35]

    يمزج الوقوف على الديار بوصف الناقة، ويسقط على الأنماط الفنية الموروثة رموزًا وتلويحات يحكمها بناء عرفاني يستمد كيانه من ذاته، وهذا ما لاحظناه في رمز الناقة الذي ألبس – على يد الصوفية – لباسًا جديدًا معبقًا بروائح التقوى. ويشير بالحادي إلى الله الذي يسوق النفوس إلى مستقر الرحمة والرضوان.
    1. رمز الأماكن البدوية والحجازية:
    مثَّلث الأماكن البدوية والحجازية رمزًا صوفيًا ذا طبيعة غنوصية لما ترمز به على القرب من الحضرة الإلهية، ومن ثم أحالتها الصوفية رموزًا وتلويحات مشوبة بالوجدان والمعرفة، فخطت بها خطوات نحو تجريد ميتافيزيقي، والغوص فيما تنطوي عليه صورها من كيف حسي مفعم بالإيحاء.
    ونأخذ من ابن عربي مثالاً على التلويح بهذه الأماكن الحجازية. يقول في ترجمان الأشواق:
    ألا يا ثرى نجد تباركت من نجد سقتك سحاب المزن جودًا على جود
    وحياك من أحياك خمسين حجة يعود على بدء، وبدء علــى عود
    قطعت إليها كل قفر ومهمــة على الناقة الكوماء والجمل العـود

    أراد ثرى نجد مركب العقل وسحائب المعارف تسقيه على علم وخمسين حجة عمر المركب في هذا الوقت...[36]. فلقد أخذت الأماكن منحىً معرفيًا غنوصيًا بإشارتها إلى أمور معنوية لا يصل إلى جوهرها إلا العارفون. ولذلك أكثر منها شعراء الصوفية في القرن السابع بطريقة مفرطة، وهذا نابع من مقدار ما في داخلهم من أسرار وفيوضات أرادوا الرمز لها بأمور ذات شرف لقربها من أماكن الفتوحات الإلهية.
    ولضيق المجال ننتخب بعض الأمثلة السريعة التي يستطيع القارئ القياس عليها، فابن الفارض، مثلاً، كان يكثر من ذكر أماكن الفتوحات وخصوصًا الحجازية منها، وربما يعود ذلك إلى مقامه في الأراضي الحجازية طيلة خمسة عشر عامًا. ويتضح ذلك بجلاء في قصيدته:
    سائق الأظعان يطوي البيدطي منعمًا عرج على كثبان طي[37]
    فمن ينظر إلى هذه القصيدة يجد أنَّ ذكر الأماكن فيها وصل إلى ستة وثلاثين موضعًا، وجميعها تحمل دلالات وتلويحات تتفاعل مع غيرها في البناء الفني للصورة الكلية،
    وخصوصية الرمز في الصورة تكمن في تحقيق نوع من التفاعل في السياق العام به، تتجدد علاقات المعنى وتتوالد وبه يتحرك المعنى بقدرة الإيحاء الذي يعوض النقص في الدلالة المعجمية[38].
    ونأخذ بعضًا من أبيات هذه القصيدة للدلالة على الرمز بهذه الأماكن:
    خففي الوطء، فبالخيف سلمـ ـت على غير فؤادي لم تطى
    كان لي قلب بجرعاء الحمـى ضاع مني، هل له رد عـلى
    إن ثنى، ناشدتكم، نشدانكــم سجرائي، لي عينة عن عمى
    فاعهدوا بطحاء وادي سلــم فهو ما بين كداء وكـــدى
    ياسقى الله عقيفًا باللـــوى ورعى ثم فريقًا مــن لؤى[39]

    في رحلته إلى الله يناشد العيس أن تخفف الوطأ فإنها لا تدوس إلا على قلوب المحبين
    وكنى بالخيف عن مقام الهيبة والجلال في حضرة القرب من الله الحق المتعالي. الجرعاء كناية عن مقام المجاهده في الله وأضافها إلى الحمى أي حمى الحضرة الإلهية. كنى ببطحاء وادي سلم عن عالم الأرواح الذي هو الوادي المقدس... وبطحاؤه موضع قبول الفيض الإلهي...[40]
    ونشعر من تحليل النابلسي أنه يحاول إخضاع النص لمفاهيم وقياسات فلسفية قد تعارف عليها الصوفية الكبار في مسألة تأويل النص، إلا أن طبيعة النص - كما نلاحظ - يتحكم فيها فيض نفسي يحيط بها ويتغلغل في ثناياها، ويكفي أن نذكر أن الشاعر كانت تتلبسه حالات خاصة بين الصحو والإغماء، وهذه الحالات كانت عنده تمهيدًا للإبداع.
    وكان ابن الخيمي مفرطًا - كأستاذه - في حشد الأماكن الحجازية والبدوية في قصائده، وكأنه أراد لفت انتباه القارئ إلى مقدار ما في داخله من أسرار أراد أن يبثها من خلال هذه الأماكن بالإضافة إلى توفر روح التفصيل والتوضيح لما في داخله من مشاعر. ولا نعدم ذكر الأماكن في أيَّة قصيدة من قصائده، خصوصًا وأن ديوانه، كما أسلفت، معزوفة شوق نحو المحبوب الأعظم، وكل ما يشير إلى حضرته أو يمثل تعينات لجماله المطلق. وهذا ظاهر في قصيدته:
    لم توف أشواقي ولا لوعاتــي حق الهوى لكم ولا عبراتي[41]
    التي يقول فيها:
    لو أن دمعي في الغوير يكون في تلك الديار وغنيت عن دعواتي
    دمع على سفح الغوير سفحتـه شوقًا إلى زمن بذي الأثـلات
    أيام ماريع الوصال بجفـــوة فيها ولا شمل اللقا بشتــات
    وديار منعرج التنبة ما خلــت منهم ولا امتلأت من الحسرات
    والأنس روح في الديار وأهلـها فقد انقضى فالكل كالأمــوات
    ذاك الزمان هو الذي أصبـوا له وكذا ديار الخيف هن اللاتـي[42]

    إنَّ الأماكن الحجازية وما يدور حولها مثل: (الغوير، ذي الاثلات، منعرج الثنية، الخيف) كلها ترمز عنده إلى أماكن الحضرة الإلهية، وتجلي النور المحمدي ومهابط الوحي بالواردات الإلهية، ومن ثم فالبكاء على عتباتها بسبب ما أصابه من الاغتراب وانقطاع الأنس عنه. وما يؤكد الرمز في هذه الأماكن قوله:
    ورعى الإله على المصلى حيـرة ما زلت أرعاهم علـى العـلات
    قوم على الجمرات من وادي منى نزلوا ومن قلبي على الجمرات
    نصبوا علــى ماء النقا أبياتهم وهم معاني الحسن في الأبيات
    وتحجبوا عنا بنور جمالهـــم كتحجب المصباح بالمشكاة[43]

    فهؤلاء القوم إشارة إلى الذات الإلهية التي بحجب الحسن والنور، ولكنها أرسلت بفيض حسنها على الماديات فصارت انعكاسًا لهذا الجمال المطلق.
    أما عفيف الدين التلمساني، وإن كان حريصًا على تجريد الأماكن وتحويلها إلى رموز على مواجيده وأسراره، إلا أنه لم يحشدها في شعره، ولم يثقل بها النص الشعري، ولكن ذكرها وفق ما يقتضيه الموقف النفسي، وهذا راجع إلى أنه موغل في الرمز لا يعطي قيادة لمن أراد اقتناصه من قريب، إلى جانب عدم وضوح التجربة الحجازية في شعره كسابقيه، ولم يكن مغرمًا بذكر تفصيلات التجربة، مما جعل قصائده قصيرة نوعًا ما، كما أسبقت، يركز فيها على دفقات شعورية مركزة، يرسل خلالها الرمز مركزًا أو غير مشتت ولا متفرق الإيحاءات، كقوله:
    متى زرتم نجدًا فإني أراكـــم تضوع عليكم نفحة من شذى نجد
    أظن حمى ليلى حللتم بربعــه فضاع لكم منه شذى مسحب البرد
    عريب لهم عندي رعاية عهدهم وما عندهم لي: نقض عهد ولا عقد[44]

    فـ"نجد" ترمز إلى مواطن الحضرة الإلهية، وكذلك "حمى ليلى" أي خدرها ومأمن وجودها، ولذا فهو يشتاق إليهما ويذرف الدمع بل الدم على بعده وفراقه عن الحبيب الكامن فيهما.
    ونلاحظ في البيت الثالث ذكر التلمساني للفظ العرب مصغرًا (عريب) وهو لفظ ذكره التلمساني كثيرًا، ويشير به إلى مهد الرسالة المحمدية وما يحتوي عليه من الأماكن المقدسة، مما يجعله مناسبًا للإشارة به إلى الحضرة الإلهية ومكمن الأرواح الطيبة. ومثلما كانت الأماكن العربية مكانًا لتلقي الوحي فإنها أيضًا مكان لتلقي الواردات الإلهية. والعرب بالتالي إشارة إلى الذات الإلهية والمقامات المحمدية، وهذا واضح من تعليق النابلسي على بيتي ابن الفارض في التائية الصغرى:
    وعرج بذياك الفريق مبلغــا سلمت عريبًا، ثم عني تحيتي
    فلي بين هاتيك الخيام، ضنينة علي بجمعي، سمحه بتشتتي[45]

    وقوله "عريبًا" تصغير عرب من العروبة، وهي إشارة إلى المقامات المحمدية المشار إليها في البيت قبله[46].
    ويقول التلمساني:
    عرب نجد منا قبلتم فريقــا وفريقا بلحظكم تأسرونـــا
    مات من هجركم سمير هواكم فاطلبوا اليوم سامرًا تهجرونا[47]

    ويؤكد رمزية لفظ العرب ارتباطه الدائم عند التلمساني بالأماكن المقدسة، وما تمثله من إشارة إلى الحضرة الإلهية[48]، وهذا واضح في المثال السابق الذي يعبر فيه عن شوقه إلى الذات الإلهية بل الفناء فيها بالموت الإرادي الذي فقد فيه السمير، ومن ثم يقتبس من الآية القرآنية معنى لسمير جديد معرض للهجر.
    ويدعم الصوفية هذا الرمز برمز الأسماء البشرية خصوصًا اسمي (سعد وسعيد) الذي تردد في ثنايا قصائدهم. يقول ابن الفارض:
    يا أخت سعد من حبيبي جئتـــي برسالة أديتها بتلطــــــف
    فسمعت ما لم تسمعي، ونظرت ما لم تنظري، وعرفت ما لم تعرفي[49]

    يعلق النابلسي بقوله:
    أخت سعد كناية عن روحه المنفوخة فيه من روح الله، عن أمر الله؛ فكأن روح الله الذي هو أول مخلوق هو السعد المحض الذي لا شقاء معه، وهو روح أرباب العصمة من الأنبياء عليهم السلام. وتنكير سعد للتعظيم، والروح المنفوخة في غيرهم أخت لأنهما صادران عن أمر الله تعالى، وقوله برسالة يريد بالرسالة هنا العلوم الإلهية والمعارف الربانية والحقائق الرحمانية...[50]
    فاسم سعد قد تجرد من صفته كاسم يشار به إلى إنسان، وانتقلت منه طبيعته أو بعض متعلقاته، وهي صفة السعد المحض الذي لا شقاء معه لتشير إلى روح الله. ويقول التلمساني:
    عيناك إن سلبت نومي بلا سبب فالنهب يا أخت سعد شيمة العرب
    وقد سلبت رقاد الناس كلهــم لذاك جفنك كسلان مــن النقب[51]

    ويقول:
    وصل على رغم الحسود إليك سعدًا يا سعيــد
    فدنـــا البعيد ويا هنا المشتاق إذ يدنوا البعيد[52]

    إنه ينحي شخص "سعد" جانبًا لأنه نهائي، ويستعير منه صفة "السعد" اللانهائية للإشارة بها إلى عالم المثال. وحدث ذلك عن طريق تجاوز المادة وخلق المعادل الموضوعي بين أمرين جوهريين، وهو أول رمز يكتسب هذه الصفة.
    ويقول عبد الغفار الأقصري:
    وهم نهاية آمالي ومرتجعـي إليهم آل قصدي وانتهى الطلـب
    كرر حديثهم يا سعد في أذني فلست أنسى ولكن هزني الطرب[53]

    ويقول محمد بن أحمد بن عبد الرحمن المعروف بالشيخ تاج الدين الكندي المولود في قوص 646 هـ:
    يا سعد عرج بالمطى لروضها فبعرفه قد أرشد الظعـان
    وارفق بها فلقد غنيت بشوقها عن سوقها لما بدت نعمان[54]

    فالأمثلة السابقة ترمز بـ"سعد" إلى الذات الإلهية التي تدلي بحديثها إلى قلوب العارفين الذين وصلوا إلى درجة العرفانية بعد اجتيازهم لمقامات السلوك، ولذلك يأتي هذا الاسم دائمًا مع الظاعنين الراحلين، أو بمعنى آخر المغتربين الذين يفارقون صفاتهم الترابية، ويعرجون إلى ربهم فيركبون مطاياهم ويحدوهم الحادي أو "سعد" الذي يشار به إلى الله لما بين الرمز والمرموز له من عامل مشترك وهو تحقيق السعادة للخلق.
    * * *
    ث. رموز العبادات:
    لم تكن العبادات (الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج) عند الصوفية مجرد شعائر يؤديها المسلم أداء ظاهريًا وكفى، وإنما ينظرون إليها نظرة ذوقية خاصة عمادها الذوق وقوامها التحقيق، حيث تمثل تطهيرًا للقلب من النقائض الكونية والآفات الدنيوية التي تتعلق بها النفس الإنسانية. يقول الجيلي:
    أصلي إذا صلى الأنام وإنما صلاتي بأني لاعتزازك خاضع[55]
    فالحب لله هو الأساس في عباداتهم التي عاشوا فيها تجربة روحية وإيمانية عالية. ويؤسس ابن عربي باطن الشريعة على أساس أنه انعكاس لباطن الوجود، فكما أن للوجود ظاهرًا أو باطنًا، وكما أن للإنسان كذلك ظاهرًا وباطنًا، فالخطاب الإلهي يتضمن بالضرورة هذين الجانبين: الظاهر والباطن. ومن المنطقي إذن أن يكون للشريعة ظاهر وباطن، فالشريعة تطل من حيث الباطن، وليس من المعقول أن يكون الله سبحانه في خطابه إلى البشر قصد مخاطبة ظاهرهم دون باطنهم[56]. فاحتاج ذلك إلى التأويل للوصول إلى الحقائق المستورة خلف الظاهر.
    ونأخذ مثالاً لابن الفارض لبيان حقيقة ذلك. يقول:
    أصلي فأشدو حين أتلو بذكرهـا وأطرب في المحراب وهي إمامي
    وبالحج إن أحرمت لبيت باسامها وعنها أرى الإمساك فطر صيامي
    وشأني بشأني مغرب، وبما جرى جرى وإنتحابي معرب بهيامــي[57]

    يوجه الضمير في قوله ذكرها "إلى المحبوبة الحقيقة والحضرة الإلهية"[58]، وفي هذا دلالة على أنه إنما يعيش هذه المناسك بروحه لا بجسده، فالحج رمز للسفر الروحي وأول مراحله الحسية التي رأى فيها "البيت" (العالم) وإدراكه إدراكًا حسيًا. وفي الحج الثاني أدرك البيت وصاحب البيت أي إدراك "الاثنينية" إدراكًا عقليًا، وفرق بين الله والعالم. وفي الحج الثالث أدرك بقلبه شهوده الكل الذي لم يميز فيه بين البيت وصاحب البيت. فمراتب الحج ثلاث: إدراك الحسي فإدراك العقلي فشهود قلبي، أو فردية فثنوية فوحدة مطلقة تنمحي فيها الكثرة العقلية والحسية.
    وهذه المرتبة الأخيرة: مرتبة الفناء أو التوحيد الصوفي[59] التي نلمحها – أيضًا – في قول ابن الفارض في نفس المعنى:
    وفي حرم من باطني أمن ظاهـري ومن حوله يخشى تخطف جيرتي
    ونفسي بصومي من سواي تفـردًا زكت وبفضل الفيض عني زكت
    وشفع وجودي في شهودي، ظل في تحادى وترًا في تيقظ غفوتــي
    وإسراء سري عن خصوص حقيقة إلي كسيري في عموم الشريعـة[60]

    فعبادته عبادة خصوص الخصوص الذين يتطلعون من خلال ظاهر العبادة إلى تزكية باطنهم. يقول الهجويري:
    اعلم أن الصلاة عبادة يجد فيها المريدون طريق الحق من البداية إلى النهاية، وتتكشف فيها مقاماتهم[61].
    وأما الصوم - كما يذكر ابن الفارض- فهو صوم عما سوى الله أي الخلوة بالله والفناء فيه بالاغتراب عن الخلق وعن نفسه حتى تسمو، فيتمكن من مشاهدة الحق،
    فثمرة الجوع المشاهدة؛ لأن المجاهدة قائدته، فالشبع مع المشاهدة خير من الجوع مع المجاهدة؛ لأن المشاهدة معترك الرجال والمجاهدة ملاعب الصبيان، فالشبع بشاهد الحق خير من الجوع بشاهد الخلق[62]،
    وبذلك يستطيع الوصول عن طريق أتباعه لخطى الشريعة إلى المعرفة الإلهية التي يرجوها.
    ويفرق التلمساني بين نوعين من الصلاة في قوله:
    إذا صفت الأقدام منا وأمنا صلاة شهود لا صلاة تحجب[63]
    فالصلاة – عنده- ليست صلاة حركات وسكنات، وإنما تنضاف إلى ظواهرها حقائق تجعل منها صلاة شهود لا تحجب بالشكل الظاهر عن حقيقة هذا الفرض، وهي في حقيقتها معراج للوصول إلى الخالق سبحانه.
    يقول ابن الخيمي:
    يا حسن سجادة المصلى وهو يناجي ذاك الجنابا
    مقترنــًا بالسجود منه عند مناجاته اقترابــا
    صيرها دونة حجابــا رجاء أن يسمع الجوابا[64]

    فالنفس البشرية عند سجودها بين يدي خالقها تعرف حقيقتها، وتذل وتخضع لبارئها، وتجاهد من أجل مفارقة الأغيار، حتى لو كان زخرف السجادة التي تؤدى فوقها الصلاة؛ لأن هذا الزخرف يمثل نوعًا من الحجاب الذي يجب تجاوزه للوصول إلى الحقائق العلوية دون شاغل، فيحظى بالأنس والقرب من المحبوب.
    جـ. الخمـر الصوفي:
    مثَّل الخمر بابًا كبيرًا من أبواب الشعر العربي، وكان له عمق تاريخي يمتد - كما يقول د. محمد مصطفى هدارة - قبل الشعر الجاهلي،
    فالخمر، كما تروي الأساطير القديمة، قد عرفتها الإنسانية منذ نشأتها الأولى، ووصلت في بعض البيئات إلى حد التقديس، حتى أن اليونانيين جعلوا لها إلهًا هو باخوس كما تصوره الأساطير الإغريقية[65].
    ولم تأخذ الخمر حقها من الوصف والتعبير الأدبي المتعمق سوى في العصر العباسي، حيث استبدت شهوة الشراب بشعرائه
    فجعلتهم أسرى وعبيدًا لها، حتى إنهم في حديثهم عنها يصورونها معشوقة قد عشقوها، وتفانوا في حبها، وقد استطاعت هي أن تأسر قلوبهم وتسخرهم لها[66]
    فعبروا عن عواطفهم من خلالها، وربما بثوا بها بعضًا من آرائهم في الحياة، كما حدث في شعر أبي نواس الذي توسع في وصفها ولم يفته شيء من معانيها المعنوية أو الحسية.
    وورث المصريون الميراث الفني في وصف الخمر عن السابقين، وصار لهم في ذلك جولات لعب فيها خيال الشعراء، فظهر في شعرهم بعض المعاني الجديدة التي لم تخطر على بال الشعراء السابقين[67]. وكثرت عوامل الاغتراب النفسي والاجتماعي فلاذ كثير من شعراء العصرين الأيوبي والمملوكي إلى الخمر، وشغفوا بوصفها والاستغراق في عالمها هربًا من الواقع. فكما لاذ الصوفية بعالمهم إلى الباطني لاذ أدباء الخمر بعالمهم الحسي، يتفيأون فيه ظلال اللذة، ويجدون في عالمهم الكؤوس والأقداح ما ينسيهم الواقع أو يتلمسون عنده النسيان.
    حتى إذا وصلنا إلى شعراء الصوفية نراهم يستلهمون تراث الشعر الخمري بصورته وأخيلته وأساليبه، ولم تستلهم ما حفل به من مجون وإباحية، وإن كان هذا لا ينفي أن بعض الغلاة والإباحيين من فرق الصوفية كالمطاوعة والقلندرية كانوا يعاقرونها في الخفاء.
    وهكذا نخلص إلى حقيقتين أساسيتين: الأولى أن للخمريات الصوفية بواكير ترجع إلى النصف الأخير من القرن الثاني الهجري، والثانية أن الصوفية أفادوا من شعر الخمر الذي ازدهر في العصر الأموي وازداد ازدهارًا ونماء في العصر العباسي، وألموا منه في ألفاظهم التوفيقية بمصطلحين يسيطر عليهما طابع التقابل الوجداني، فعندهم أن السكر يقابله الصحو، كما أن البسط يقابله القبض...[68].
    وإذا كان الشعراء السابقون وقفوا عند ظاهر الخمر ولم يتعمقوا في بواطنها، فإن شعراء الصوفية لم يقفوا عند السطح وتوغلوا إلى حقيقة السكر والخمر، حيث أعملوا فيهما الخيال ومزجوهما بالذوق الصوفي، وبثوا فيهما مواجيدهم وأذواقهم، حتى صار وصفها ترجمة لحياتهم الروحية ورمزًا للمحبة الإلهية، ولمقدار ما وصلوا إليه من أحوال. فاستندوا إلى مسميات الخمر الحقيقية ومتعلقاتها من السكر والشراب والري والصحو، ويعبرون بذلك عما يجدونه من ثمرات التجلي، ونتائج الكشوفات، وبواده الواردات، وأول ذلك الذوق ثم الشرب ثم الري، فصفاء معاملاتهم يوجب لهم أدق المعاني، ووفاء منازلاتهم يوجب لهم الشرب، ودوام مواصلاتهم يقتضى لهم الري. فصاحب الذوق متساكر، وصاحب الشرب سكران، وصاحب الري صاح، ومن قوى حبه تسرمد شربه وأنشدوا:
    عجبت لمن يقول ذكرت ربي فهل أنسى فأذكر ما نسيت
    شربت الحـب كأسًا بعد كأس فما نفذ الشراب ولا رويت[69]

    فإذا كان الصوفي يتبع ميراث السابقين بعراقته وتقاليده، فإنه يتجاوزه ويتجاوز كذلك ظاهر الشريعة الذي يحرم الخمر المادية تحريمًا قاطعًا. ويلجأ الصوفي إلى التأويل لإيجاد أوجه إلتقاء بين جوهر الخمر، وما يحدث للصوفي من نشوة وتغيب أثناء الفناء في الذات الإلهية. فالسكر والغلبة "عبارة صاغها أرباب المعاني للتعبير عن غلبة محبة الحق تعالى، والصحو عبارة عن حصول المراد"[70]. ويعني السكر عند الصوفية أن يغيب عن تمييز الأشياء، ولا يغيب عن الأشياء، وأن لا يميز بين مرافقه وملاذه، وبين أضدادها في مرافقة الحق... والصحو الذي هو عقيب السكر هو أن يميز فيعرف المؤلم من الملذ فيختار المؤلم في موافقة الحق، ولا يشهد الألم بل يجد لذة في المؤلم... وانشدوا لبعض الكبار:
    كفاك بأن الصحو أوجد كآبتـي فكيف بحال السكر والسكر أجدر
    فحالاك لي حالان صحو وسكرة فلازلت في حالي أصحو وأسكر[71]

    وهكذا يكون السكر عند الصوفية مختلفًا عن السكر الناتج عن الخمر المادية في كونه يعقبه الصحو، ولا يعني الصحو هنا مفارقة حالة السكر بصورة تامة، وإنما الترقي إلى حال أرقى هو حال "صفاء العشق والذوق بأحدية الجمع والفرق"[72].
    وبهذا تعمق الصوفية في حقيقة الخمر، وأخذوا منها أثرها، وتحولوا به إلى رمز يعبرون به عن حالهم. يقول عبد الحكيم حسان:
    والصوفية في كلامهم عن الحب يعمدون في رمزهم إلى جانب آخر هو جانب الخمريات، فهم يتكلمون عن الحب على أنه شراب[73].
    وإذا بدأت في تناول الرمز الصوفي بالخمر عند شعراء الصوفية في مصر، نجد أنفسنا بالطبع أمام أبي حفص عمر بن الفارض الذي صوَّر نشوته بالحب الإلهي بنشوة الخمر، فاتخذ نفس لغة شعراء الخمر السابقين بما تحتوي عليه من دنان وسقاة وكؤوس، ولا شيء من ذلك
    إنما هو جمال الذات الإلهية التي دلع في قلبه الحب، وكأنما شرب من إناء قدسي رحيقه المسكر فهو لا يني منتشيًا ولا يني منجذبًا، وكأنه في غيبوبة لذيذة توشك أن تسلبه حواسه[74].
    يقول ابن الفارض في تائيته الكبرى:
    سقتنــي حميا الحب راحة مقلتــي وكأسي محيا من عن الحسن جلـت
    فأوهمت صحبي أن شرب شــرابهم به سر سري في انتشائي بنظــرة
    وبالحدق استغنيت عن قدحي ومــن شمائلها لا من شمولي نشوتـــي
    ففي حان سكري حان شكري لفتيــة بهم تم لي كتم الهوى مع شهــرتي
    ولما انقضى صحوي تقاضيت وصلها ولم يغشني في بسطها قبض خشيتي
    وأبثثتها ما بي ولم يك حاضـــري رقيب لهـــا حاظ بخلوة جلوتي
    وقلت وحالي بالصبابة شـــــاهد ووجدي بهــا ماحي والفقد مثبتي
    هبي قبل يفنى الحب منــــي بقية أراك بها لي نظــــرة المتلفت
    ومني على سمعي، بلن إن منعـت أن أراك فمن قبلي لغيري لــــذت[75]

    يستخدم ابن الفارض نفس ألفاظ الخمر الحقيقية من (شراب وحميا وقدح وشمول وحال وسكر وصحو) ولكنه يلجأ إلى تراسل الحواس، حيث تأخذ عينه صفة كفه التي تسقيه خمر المحبة الإلهية حيث تنعمت في الجمال الإلهي، فسرى أثر الخمر في عروقه وشعر بنشوته، وصارت روحه المحبوبة كأسه الذي يشرب منه، فأهلكه وأفناه حتى أوقع أصحابه في الوهم، لعدم إدراكهم، لأنهم من عشاق الصورة فكأن الجمال شراب، والحب حمياه، وهذا كله موهبة من الله. عندما ذهب صحوه مكنه سكره من المباسطة مع الحق، فأخبره بما أصابه من أثر العشق والهيام بالمحبوبة التي عاهدها بالولاء والإيمان يوم الصحو الميثاقي في عهد الربوبية المأخوذ على الذر.
    ونلاحظ أن المقطعة مثقلة بالمصطلحات الصوفية التي اندرجت في السياق فانطبعت عليها روح الرمز مثل: (السكر، الصحو، السر، النشوة، البسط، القبض، الخلوة، الجلوة، الصبابة، الوجد، المحو، الفقد، الإثبات، الفناء، الحضور، الشرب، الوهم)، فكلها مصلحات تشير إلى أحوال شريفة يعيشها الصوفي في تجربة الارتقاء لدرجة وصوله إلى النشوة والسكر، ثم الصحو بعد ذلك.
    وهكذا تقترن رمزية الخمر عند ابن الفارض بالحب الإلهي الذي ملك عليه كيانه، وكذلك بالمعرفة والفيوضات الإلهية التي وردت على قلبه، فأعقبت إبداعًا ذا قيمة كان يأتيه في الغالب بعد صحوه من غيبته[76] وسكره بغير مدامة.
    والرمزية الخمرية عند ابن الفارض رمزية ميتافيزيقية تصحبها نظرة فلسفية إلى النفس والكون، قبل أن تكون نظرة فنية في الأداء الشعري يتخطى المحسوس وتجرده وتنحو نحو الباطن بكل ما فيه من مجاهل وأعماق
    وتخطى المحسوس يتم في الآونة التي تنطوي فيها الذات باطنة في خفايا الروح وزوايا النفس عن ذلك العالم الحقيقي، وتلك نظرة مثالية تحتذي ما كان يحاوله الرمزيون من نقل الإحساس بالعالم الخارجي منعكسًا على صفحة الذات الشاعرة[77].
    وقد تجلت موهبة ابن الفارض الفنية، وقدرته على صياغة الرمز الشعري من الخمر المادية، في قصيدته الميمية التي تعد أروع ما كتب من شعر الخمر الصوفي على الإطلاق؛ ففي هذه القصيدة
    يبدو ابن الفارض شاعرًا بحق، لا مجرد صوفي يصوِّر مراحل الطريق والفناء والشهود والعروج القدسي كما في قصيدته نظم السلوك. وهو هنا يصنع رمزه الشعري في تصوير بديع، ويقدم عملاً مكتمل البناء. فالقصيدة من مطلعها إلى ختامها في موضوع واحد هو الخمر، والرمز فيها رمز فني لا اصطلاحي قابل للتأويل[78].
    ويبدأ ابن الفارض قصيدته بقوله:
    شربنا على ذكر الحبيب مدامـــة سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم
    لها البدر كأس وهي شمس يديرهـا هلال وكم يبدو إذا مزجت نجــم
    ولولا شذاها ما اهتديت لحانهـــا ولولا سناها مــا تصورها الوهم
    ولم يبق منها الدهر غير حشاشــة كأن خفاها، في صدور النهي كتـم
    فإن ذكرت في الحي أصبح أهلــه نشاوى ولا عار عليهم ولا إثــم
    ومن بين أحشاء الدنان تصاعـدت ولم يبق منها في الحقيقة إلا اسـم
    وإن خطرت يومًا على خاطر امرئ أقامت به الأفراح وارتحل الهـم[79]

    من بداية هذه القصيدة لا يستطيع القارئ إلا أن يحكم عليها بأنها في وصف الخمر المادية؛ لما يرى من صفاتها المتبدية من خلال الأبيات. إلا أن القصيدة تبدأ بتصوير الخمر في صورة أسطورية رمزية محملة بمعان وإيحاءات عميقة، حيث يرمز بها إلى المحبة الإلهية بوصفها أزلية قديمة، منزهة عن العلل، مجردة عن حدود الزمان والمكان. ولذلك يرى النابلسي أن هذه القصيدة مبنية على اصطلاح الصوفية؛ فإنهم يذكرون في عباراتهم الخمرة بأسمائها وأوصافها، أو يريدون بها ما أدار الله تعالى على ألبابهم من المعرفة أو من الشوق والمحبة، والحبيب في عبارته عن حضرة الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد يريدون ذات الخالق القديم جل وعلا[80].
    وهذه الخمر مثل المحبة: قديمة أزلية ظهرت بواسطتها الأشياء وتجلت الحقائق وأشرقت الأكوان
    وهي الخمر الأزلية التي شربتها الأرواح المجردة فانتشت، وأخذها السكر واستخفها الطرب قبل أن يخلق العالم[81].
    ويؤكد ابن عربي هذا المعنى في قوله:
    واشرب سلافة خمرها بخمارها واطرب على غرد هنالك ينشد
    وسلافة مــن عهد آدم أخبرت عن جنة المأوى حديثـًا يسند[82]

    ويعلِّق على البيتين بقوله: قال تعالى "وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ" (محمد 15)، وصرفه إلى المعاني والمعارف التي يكون عنها السرور والابتهاج والفرح، وإزالة الغموم والتجريد من الكم والكيف والهياكل. وجعل الخمر سلافة... فهي علوم ربانية ومعارف قدسية إلهية تورث ما ذكرناه... هذا ذكر ما جاء به الناطق الفرد المنشد في خطابه في نعت هذه العلوم الخمرية ومرتبتها والتنبيه على أصلها وأصل عطريتها وقدمها[83].
    وكون الخمر الإلهية تحمل علومًا خاصة، فهذا يسوغ لنا قبول أبيات ابن الفارض على وجهها الرمزي، حيث بثَّ فيها علومًا ومواجيد خمرية، فقد شرب هو والسالكون خمرة، والمعنى بها هنا شراب المحبة الإلهية الناشئة عن شهود آثار الأسماء الجمالية للحضرة العلية، فإنها توجب السكرة والغيبة بالكلية عن جميع الأعيان الكلية. وقوله: "من قبل أن يخلق الكرم" يعني أن مساره المذكور سابق في الحضرة العلمية قبل ظهور كل مقدور، وهو خمر الوجود الحق، والخطاب الصدق، ولكن بالندمان عن السالكين في طريق الله تعالى. وكنى بإنائها عن النفس الإنسانية، فإن الختم واقع عليها بالتجلي[84].
    وبعد أن يوضح الشاعر بعض طبيعة هذه الخمر، يبدأ في وصفها بوصف خاص نابع من خصوصية هذه الخمر الإلهية، وأيضًا خصوصية الحالة التي تتلبسه ساعة الإبداع. يقول:
    يقولون لي: صفها فأنت بوصفهــا خبير، أجل، عندي بأوصافها علـم
    صفاء ولا ماء، ولطف ولا هـــوا ونور ولا نار، وروح ولا جســم
    تقـــدم كل الكائنات وجـــودها قديمًا ولا شكل هناك ولا رســم
    وقامت بها الأشياء ثــــم لـحكمة بها احتجبت عن كل من لا له فهم
    وهامت بها روحي، بحيث تمازجا اتـ حــــادا ولا جرم تخلله جرم
    فخمر ولا كرم، وآدم لـــــي أب وكرم ولا خمر ولـــي أمها أم
    ولطف الأواني في الحقيقة تـــابع للطف المعاني، والمعاني بها تنمو
    وقد وقع التفريق، والكــــل واحد فأرواحنا خمــر، وأشباحنا كرم
    ولا قبلها قبل، ولا بـــــعدها بعد وقبلية الأبعاد، فهـــي لها ختم
    وعصر المدى من قبله كان عصرها وعهد أبينا بعـــدها، ولها اليتم[85]

    ويذكر القرينة في قوله:
    وقالوا شربت الإثم كلا، وإنمـا شربت التي في تركها عندي الإثم
    هنيئًا لأهل الدير كم سكروا بها وما شربوا منها، ولكنهم همــوا
    فعندي منها نشوة قبل نشأتـي معي أبدًا تبقى، وإن بلى العظــم[86]

    لأن الوصف والقرينة كلاهما نابع من المقدمات التي سبقت بأزلية هذه الخمرة النابعة من أسبقية المحبة الإلهية الدالة على
    التوحيد الخالص، وشهود الحق بالحق، والتحقق بفناء ما سواه، أما الخمر الممتزجة فحري أن تكون رمزًا عرفانيًا على مزج الوجود الحق بصور الكائنات العدمية...[87].
    ويفرق ابن الفارض – من خلال وصفه للخمر – بين الروح والجسد في قوله: "فأرواحنا خمر، وأشباحنا كرم"
    ولعلنا نلاحظ هذا التجريد المثالي في وصف الخمر العرفانية بالخلوص من كثافة العناصر، فهي صافية لطيفة نورانية بها قامت الأشياء، وإليها اشتاقت أرواح العرفاء حتى اتحدت بها[88].
    وهكذا نقل ابن الفارض الحديث عن الخمر من مجرد وصف حسي، إلى حالة وجدانية ميتافيزيقية تتجاوز الواقع، وتنفذ إلى باطن التجربة الصوفية الزاخرة بالمعاني والمعارف الكونية والوجودية والفلسفية التي لا تعترف بالحس لكونه، وإنما نتجت عن كيفه والمعادل الذي قد يحققه عن طريق التراسل الذي يتخطى حدود النهائي حتى يسبح في ملكوت اللانهائي.
    وأما إبراهيم الدسوقي، فكان شعره عبارة عن خمرية واحدة تدور حول خمر المحبة الإلهية وتناقشه من كافة الجوانب. فما من قصيدة، ولا مقطعة، إلا وذكر فيها الخمر وأوصافه ذكرًا مفصلاً أو إشارة إليه عن طريق ذكر الكأس والساقي أو الشاربين ودعوة الصاحب إلى السكر. يقول:
    على مـــذهبي كل المحبين يمنوا ونشأة خمــر هيمتهم فهمهموا
    وكـــل ملاح الحي أرخوا لثامهم علي وعـن غيري أبوا وتلثموا
    أنا الصاحي السكران في غير خمرة أنا الضاحك الباكي وسري مكتم[89]

    هذا السكر من غير خمرة يوحي بأنها ليست خمرة طبيعية، ولكنها خمرة المحبة التي أسكرته عند التأمل في جمال الخالق. ولذلك يقول الدسوقي نفسه:
    ولما دخل الأولياء، وهم أشباح الجنة، ونظروا إلى أرواح المؤمنين الذين يدخلون الجنة سكروا بغير مدام، وأسبلت الحور العين لثامهم فبكوا الأولياء، وضحكوا لما رأو ما أضحكهم وأبكاهم، ثم سكروا وطربوا ثانيًا بغير مدام، وهاموا وغابوا وتواجدوا، وأبكوا وضحكوا فلهذا قلت (الأبيات السابقة)...[90]
    فالسكر هنا بسبب رؤية وجه الذات الإلهية بعد كشف الحجب:
    رفع الساقي حجابـا وسقى العاني شرابا
    أبرز الكاس وفيهـا من سنا الوصل حبابا
    ادخلوا حان اتصالي تسمعوا فيه خطابا
    صن جمالاً قد تغالى وسنا أضحى مهابا[91]

    ويقول:
    سقاني محبوبي بكــأس المحبــة فتهت على العشاق سكرًا بخلوتـي
    ونادمني سرًّا بســرٍّ وحكمـــة فما كان أهنى جلوتي ثم خلوتــي
    ولاح لنا نور الجلالة لــو أضـا لصم الجبال الراسيات لدكــــت
    وكنت أنا الساقي لمن كان حاضرا أطوف عليهم كرة بعــــد كرة
    وكان دليل يوم حضرة قدســـه على المرتضى الكرار يوم الكريهة
    بإذن من المختار خير مهـــذب وإن رسول الله شيخي وقدوتــي[92]

    إن الدسوقي يجول في باطن الروحاني، فيستخرج ما في داخله من حالات وجدانية، ويعادل بينهما وبين صور الخمر الحقيقية، حيث يمثل صفاء الخمر الحقيقية بصفاء القلب وإشراقه. ومن ثم ارتبط وصف الخمر عنده باشراق القلب وتجلي الحق عليه دون حجاب، وتوالي المعارف اللدنية
    وهذا جعل الحلاج يقول: "ما في الجبة إلا الله"، وأبو يزيد البسطامي يقول: "سبحاني ما أعظم شأني". فتعددت الطرق بتعدد السالكين، وهذا تأكيد لخصوبة التجربة[93]
    فالخمر المحبة والله هو المنادم الذي ينادم أحبابه بإطلاعهم على جماله ونور معرفته، فيصيرون أولياء يفيضون على مريديهم من علمهم اللدني. فلقد
    استعمل الصوفية لفظ الخمر، وما في معناه، بمفهومات متعددة كان من بينها الإشارة إلى الذات الإلهية، والإشارة إلى الأسرار والتجليات الإلهية، والإشارة إلى الحب الإلهي، والإشارة إلى حقائق الغيب، والإشارة إلى التصوف أو علم الحقيقة، وغيرها الكثير من المعاني[94].
    وتتضح هذه المعانى في قول الدسوقي:
    أيها المنكر حـــالي وهو لا يعرف قدره
    قم فذق من كأس عشقي خمرة بل أي خمرة
    هــــي للقلب شفاء هــي للسر مسرة
    هـــي للعين إذا ما جلبت في الكأس قرة
    هــي للأرواح راح هي للأشباح خضرة
    هـــي للمشتاق نور هي للعشاق خمرة[95]

    الشاعر في وصفه هذا يصف أحوال الوجد الروحي الذي يمتلكه، ومن ثم نراه يضايف بين الحسي والمعنوي، ويؤلف بين الكم الحسي، والتركيب الميتافيزيقي. ولكن، نلاحظ أن الدسوقي - على الرغم من تأثره بابن الفارض في وصفه للخمر – لا يؤكد كثيرًا على المعاني الحسية للخمر إلا بقدر ما تؤدي المعنى الذي يريده، بل إن أحواله الوجدانية والروحية تطغى على حسية الخمر وكونها المادي.
    ويعلن التلسماني عن اتجاهه التجريدي للخمر الحسية من متعلقاتها المادية، والرمز بها على الخمر الإلهية، فاكتسب الرمز – عنده وعند سابقيه – ظلالاً جديدة، "ومن ثم أخذت طريقة الكتابة الرمزية، فيما يتصل بهذا، بالانسحاب إلى عالم الفكر الباطني، وأساليب الاتصال الخفية"[96] بالعالم الماورائي. والتلمساني دائمًا يؤكد على أن سكره ليس بخمر مادية، وإنما بنشوة النظر إلى وجه الحبيب ولواحظه، وكذلك من أثر الحب الإلهي فيهم[97]. يقول مثلاً:
    حلت لنا الراح من لـواحظه فليحرم الخـمر بعد والعنب
    خذا نديمي سلوتي لـــكما عطاء مــن لا يمن إذ يهب
    وخلياني وقهوة جــــليت ليست سوى الثغر فوقه حبب
    إني امرؤ من عصابة كرمت أذهب في الحب حيثما ذهبوا
    سقوا ولم يسكروا وكم فئـة أسكرهم عطرهم وما شربوا[98]

    فالسكر هنا من نشوة النظر إلى جمال المحبوب، وليس من العنب أو النبيذ المحرم ولذلك يشير إلى القهوة، وهي كثيرًا ما استخدمت كإشارة إلى كأس المحبة الإلهية، التي يشرب منها بعض الشاربين دون سكر لأنهم لم يصلوا إلى درجة القرب، أو التجلي، ولكن غيرهم يسكرهم عطرها لوصولهم إلى حقيقة الحب الإلهي.
    وهكذا جاءت رمزية الخمر عند الصوفية فوق مستوى الواقع، ينسحب خلالها الشعراء من العالم الحسي إلى عالم الحب الإلهي، والعلم اللدني اللذين يتسمان بالقدم والقدرة على النفاذ إلى حقائق الوجود.
    *** *** ***


    ٭ دكتوراة في الأدب والنقد، جامعة الإسكندرية، مصر.
    [1] د. عاطف جودة نصر، الرمز الشعري عند الصوفية، ص 290.
    [2] ابن عربي، فصوص الحكم: فص حكمة قدوسية فى كلمة إدريسية، ص 78.
    [3] الكاشاني، معجم اصطلاحات الصوفية، ص 76.
    [4] د. عاطف جودة نصر، الخيال مفهوماته ووظائفه، ص 250، 251. وراجع: الرمز الشعري عند الصوفية، ص 303، 304.
    [5] فريد الدين العطار النيسابوري، منطق الطير، ترجمة د. بديع محمد جمعة، دار الأندلس، ط 3، بيروت 1984م.
    [6] ابن الفارض، الديوان، ص 75.
    [7] راجع: النابلسي، شرح الديوان، 161.1: 163.
    [8] التلمساني، الديوان، 111.1، 112.
    [9] المصدر نفسه، 113.1.
    [10] المصدر نفسه، 128.1.
    [11] المصدر نفسه، 129.1.
    [12] راجع المصدر نفسه، 135.1، 188، 189، 230،231 – 226. قصيدته الميمية في فوات الوفيات 75.2.
    [13] بهجة الأسرار للشطنوفي. نقلاً عن د. علي صافي حسين، الأدب الصوفي في مصر، ص 413.
    [14] المرجع السابق، ص 418.
    [15] التلمساني، الديوان، 214.1.
    [16] المصدر نفسه، 222.1.
    [17] ابن الخيمي، الديوان.
    [18] المصدر نفسه.
    [19] المصدر السابق.
    [20] أنا بليكان، الرمزية: دراسة تقويمية، ص 188، 189.
    [21] ابن عربي، ترجمان الأشواق، ص 37.
    [22] المصدر نفسه، ص 39.
    [23] المصدر نفسه.
    [24] ابن الفارض، الديوان، ص 63.
    [25] المصدر نفسه، ص 65، 67.
    [26] النابسلي، شرح الديوان، 117.1، ص 125 – 126.
    [27] راجع: د. محمود رجب، الاغتراب، ص 76، 77.
    [28] ابن الفارض، الديوان، ص 173.
    [29] المصدر نفسه، ص 177.
    [30] النابلسي، شرح الديوان، 40.2.
    [31] ابن الفارض، الديوان، ص 229.
    [32] النابلسي، شرح الديوان، 147.2.
    [33] د. علي صافي حسين، ابن دقيق العيد حياته وشعره، ص 185.
    [34] الأدفوي، الطالع السعيد، ص 419.
    [35] ابن عطاء الله السكندري، لطائف المنن، ص 186.
    [36] ابن عربي، ترجمان الأشواق، ص 121.
    [37] ابن الفارض، الديوان، ص 45.
    [38] د. يوسف حسن نوفل، الصورة الشعرية واستيحاء الألوان، دار النهضة العربية، ط1، 1985، ص 22.
    [39] ابن الفارض، الديوان، ص 60، 61.
    [40] النابلسي، شرح الديوان، 99.1، ص 100.
    [41] ابن الخيمي، الديوان.
    [42] المصدر نفسه.
    [43] المصدر نفسه.
    [44] التلمساني، الديوان، 201.1.
    [45] ابن الفارض، الديوان، ص 72.
    [46] النابلسي، شرح الديوان، 144.1.
    [47] نقلاً عن الملحق في كتاب الأدب الصوفي في مصر، ص 415.
    [48] راجع التلمساني، الديوان، ص 95، 127.1، 130، 131،235، 236.
    [49] ابن الفارض، الديوان، ص 201.
    [50] النابلسي، شرح الديوان، 211.1.
    [51] التلمساني، الديوان، 147.1، 148.
    [52] المصدر نفسه 254.1. وراجع: 143.1، 233، 234 من المصدر نفسه.
    [53] الأدفوي، الطالع السعيد، ص 325.
    [54] المصدر نفسه، ص 492.
    [55] الجيلي، النادرات العينية، نقلاً عن كتاب فتوح الغيب للجلاني، شركة الحلبي، القاهرة، ط 3، 1392 هـ - 1973 م، ص 198.
    [56] د. نصر حامد أبو زيد، هكذا تكلم ابن عربي، ص 211. وراجع: د. يوسف زيدان، عبد الكريم الجيلي "فصل العبادة"، ص 97.
    [57] ابن الفارض، الديوان، ص 205.
    [58] النابلسي، شرح الديوان، 151.2.
    [59] د. أبو العلا عفيفي، التصوف الثورة الروحية فى الإسلام، ص 179. وراجع: الهجويري، كشف المحجوب، ص 573.2.
    [60] ابن الفارض، الديوان، ص 136.
    [61] الهجويري، كشف المحجوب، 543.2.
    [62] المصدر نفسه، 571.2.
    [63] التلمساني، الديوان، 135.1.
    [64] ابن الخيمي، الديوان.
    [65] د. محمد مصطفى هدارة، اتجاهات الشعر العربي في القرن الثاني الهجري، المكتب الإسلامي، ط 1، 1401 هـ - 1981، ص 500.
    [66] د. عثمان موافي، التيارات الأجنبية في الشعر العربي، دار المعرفة الجامعية، ص 312.
    [67] راجع: الشخصية المصرية في الأدبين الفاطمي والأيوبي، د. أحمد سيد محمد، ص 222، 224. ود. محمد كامل حسين، دراسات في الشعر فى عصر الأيوبيين، ص 147، 152.
    [68] د. عاطف جودة نصر، الرمز الشعري عند الصوفية، ص 339، 342.
    [69] القشيري، الرسالة القشيرية، 239.1.
    [70] الهجويري، كشف المحجوب، 414.2.
    [71] الكلابازي، التعرف بمذهب أهل التصوف، ص 85، 86. وراجع: الكاشاني، معجم اصطلاحات الصوفية، ص 355، 358. والهجويري، كشف المحجوب، 404.2: 417.
    [72] الكاشاني، معجم اصطلاحات الصوفية، ص 357، 358. ويقسم الهجويري السكر إلى نوعين: أحدهما بشراب المودة، والآخر بكأس المحبة. والصحو أيضًا على نوعين: أحدهما صحو الغفلة، والآخر صحو المحبة. راجع: كشف المحجوب، ص 417.2.
    [73] د. عبد الحكيم حسان، التصوف في الشعر العربي، ص 323.
    [74] د. شوقي ضيف، فصول فى الشعر ونقده، ص 220.
    [75] ابن الفارض، الديوان، ص 83، 84، 85.
    [76] يؤكد بعض من صحبوا ابن الفارض أنه لم ينظم قصيدته التائية الكبرى على حد نظم الشعراء أشعارهم، بل كانت تحصل له جذبات يغيب فيها عن حواسه نحو الأسبوع أو عشرة أيام، فإذا أفاق أملى ما فتح الله عليه منها. وإنه ليملي ثلاثين أو أربعين بيتًا ثم يدع الإملاء حتى يعاوده الحال. ديباجة الديوان.
    ولم يكن ابن الفارض في ذوقه ووجده وغيبته بدعًا من الصوفية أو أصحاب الشعور المرهف، وإنما هو في غيبته التي كانت من ثمراتها قصيدته التائية الكبرى كالقديسة كاترين st. caterine التي يقال إنها أملت حوارها العظيم وهي فى حال الوجد كجلال الدين الرومي الذي يحكى عنه أنه كلما كان يغرق فى محيط الحب كان لا يبرح يدور حول عمود فى بيته، ثم يأخذ عقب ذلك ينظم ويملي ويأخذ الناس فى كتابة ما يملى عنه من الشعر. د. محمد مصطفى حلمي، ابن الفارض الحب الإلهي، ص 62.
    [77] د. محمد فتوح احمد، الرمز والرمزية، ص 237.
    [78] د. إبراهيم منصور، الشعر والتصوف، ص 76.
    [79] ابن الفارض، الديوان، ص 189.
    [80] النابلسي، شرح ديوان ابن الفارض، 174.2.
    [81] د. عاطف جودة نصر، الرمز الشعري عند الصوفية، ص 366.
    [82] ابن عربي، ترجمان الأشواق، ص 97.
    [83] المصدر نفسه، ص 97.
    [84] النابلسي، شرح الديوان، 174.2، 178. بتصرف.
    [85] ابن الفارض، الديوان، ص 190، 191.
    [86] المصدر نفسه، ص 191، 192.
    [87] النابلسي، شرح الديوان، 176.2.
    [88] د. عاطف جودة نصر، الرمز الشعري عند الصوفية، ص 370، 371.
    [89] الدسوقي، جوهرة الدسوقي، ص 104.
    [90] المصدر نفسه.
    [91] الدسوقي، جوهرة الدسوقي، ص 109.
    [92] المصدر نفسه، ص 111.
    [93] د. نصر حامد أبو زيد، هكذا تكلم ابن عربي، ص 65، 66.
    [94] راجع: د. حسن الفاتح قريب الله، المفهوم الرمزي للخمر عند الصوفية، مكتبة الدار العربية للكتاب، ط1، 1420 هـ- 1999م، ص 78، 185.
    [95] الدسوقي، جوهرة الدسوقي، ص 108، 109. وراجع: في وصف الخمر، ص 116، 139، 127.
    [96] راجع: أنا بلكيان، الرمزية: دراسة تقويمية، ص 27.
    [97] راجع: التلمساني، الديوان، 97.1، 100، 102، 165، 184، 215، 216، 226، 233،234.
    [98] المصدر نفسه، 97.1.