- المشاركات
- 735
- الدّولة
- تونس
- الولاية
- بنزرت
- م. الدّراسي
- خيار آخر
- الاختصاص
- -
- المهنة
- -
البنيوية التكوينية
بيير بورديو
نظمت الجمعية اللبنانية لعلم الاجتماع 2001 ندوة حول أعمال الباحث الاجتماعي الفرنسي الراحل بيار بورديو في مقر عمادة معهد العلوم الاجتماعية. وقدم للندوة الدكتور احمد بعلبكي رئيس الجمعية، مشيراً إلى أن هذا اللقاء هو للتعرف على أفكار بورديو في محورين:
- محور قراءاته للفلسفات الاجتماعية الكلاسيكية (ماكس فيبر، دوركايم، ماركس وبارسونز)
- ومحور تركيبته المفهومية والمنهجية في أبحاثه السوسيولوجية حول التأزم في قطاعات متعددة ( فن، مسرح، موسيقى وتربية ...الخ) في المجتمعات الشمالية. وعرض الدكتور بعلبكي عدداً من التساؤلات هي:
1- كيف أثرت الثقافة الفلسفية والانتروبولوجيا خاصة في تميز إسهام بيار بورديو في علم الاجتماع الحديث؟
2- هل أن هذه الثقافة الفلسفية والانتربولوجية هي التي أوصلته إلى مفهوم بنيوي للحقل الاجتماعي الذي يعصى على غير الاختصاصيين من أمثاله وهم القادرين على تمييز الصفات المخفية والأساسية من العلاقات والممارسات عن الصفات الثانوية المرئية التي يغرق فيها التجريبيون ممن يفتقرون إلى مثل تلك الثقافة الفلسفية والانتربولوجية؟
3- لماذا يرى بورديو أن كل علم من علوم المجتمع والإنسان يحتاج لإسهام علم الاجتماع الذي يحصنه من الوقوع تحت تأثير أجهزة القمع الرمزية؟
4- هل أن بورديو كما يبدو للبعض توفيقي بين ماكس فيبر و كارل ماركس أم أنه متمركس جديد يرى أهمية ثورة المعلوماتية و الاتصالات، فيرجح إمكانية التغيير النضالي الناتج عن دافع إبداعي ذاتي في تجاوز القوانين الموضوعية، هذه القوانين التي تحكم التغير وتعيد إنتاج آليات السيطرة في اللعبة الاجتماعية. وهذا ما جعله ينتهي في أخر نص كتبه ( في المجلة الشهرية Manierè de voir العدد 61 الصادرة عن جريدة ليموند) بمثابة وصية يدعو فيها إلى أممية جديدة في مواجهة النيوليبرالية المتعولمة.
بعد ذلك تحدث الدكتور علي سالم متناولاً هذه التساؤلات، إلى جانب نقاط محورية في فكر المؤلف، مشيراً إلى نظرته للمجتمع وإلى تركيزه على مفهومي المجال الاجتماعي والحقل الاجتماعي، وكيف أن الحقل الاجتماعي مثلاً هو عبارة عن سوق، مواقع، علاقات، أشخاص، مؤسسات، توزيع مختلف للسلطة أو لرأس المال، لعبة معينة، هيمنة، خضوع، منطق معين، ميزان قوى، قواعد، أهداف، رهانات، صراعات، منافسة، استراتيجيات، تاريخ معين، اتجاهات، ممارسات، مصالح أو أشكال من المصالح، تحولات، إشكاليات، معاني وقيم، تأثيرات، ميزان قوى رمزي... وإذا كانت هذه هي خصائص الحقل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي بشكل عام، فإن الحقول الأخرى، مثل الحقل الثقافي، الحقل الأدبي، الحقل الفني، الحقل الفلسفي والحقل العلمي تتميز بخصائص متشابهة بعض الشيء. ومع أن بورديو يؤكد على استقلالية كل حقل من هذه الحقول، فإنه يؤكد أيضاً على الترابط والتشابك والتداخل بينها. وتهدف الاستراتيجيات في الحقول إلى زيادة رأس المال وتحسين الوضع الاجتماعي وزيادة رأس المال الرمزي...
وانتقل الدكتور سالم بعد ذلك إلى الحديث عن مسألة إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية، وكيف أن الحقل يعيد إنتاج نفسه، ووفق أية آليات؟. وإذا كانت إعادة الإنتاج ترتكز على استراتيجيات محددة وعلى التوافق بين أنظمة الاستعدادات والتصورات والبنى الموضوعية، فكيف يحصل التغيُر أو التحول الاجتماعي؟ وإذا كان بورديو قد أجاب عن هذا التساؤل بأن الهيمنة أو السيطرة قد تفرض نوعاً من المقاومة، أو نوعاً من الثورة الرمزية، وبأن هذه الثورة هي التي تؤدي إلى التحول أو التغيّر، فهل هذه الإجابة تعتبر كافية لإزالة الالتباس أو الغموض حول إشكالية التغير الاجتماعي والتنظير لهذه المسألة؟
أما حول كيفية تحديد تصرفات الأفراد والجماعات ضمن الحقل، وهل تتحدد بأسباب خارجية ( شروط اقتصادية، اجتماعية، تاريخية) أم بأسباب داخلية ( حوافز ودوافع شخصية)؟ وكيف يمكن التوفيق بين الحتمية والموضوعية من جهة والحرية الذاتية من جهة أخرى. وما هو موقف بورديو من هذه المسألة؟ يجيب الدكتور سالم بأن هذه الممارسات والتصورات ليست محددة كلياً بالخارج وليست حرة كليا، بمعنى أن المعارف ضمن الحقل هي معارف عملية، والمنطق هو منطق عملي، وإذا كانت هناك عقلانية ووعي وإدراك وإرادة وتخطيط ووضوح في الأهداف، فإن هذه العقلانية تبقى محددة... وينهي سالم بتساؤل حول ما إذا كانت هذه الإجابة تمنع تولد أسئلة إشكالية؟
أما حول منهجية بورديو السوسيولوجية البنيوية والتكوينية أو البنيوية النقدية البنائية، بمعنى التولد الاجتماعي لصور الإدراك والتفكير والفعل وتولد البنى الاجتماعية، أشار سالم كيف أن بورديو طرح القطيعة مع المعنى المشترك وعلم الاجتماع العفوي، وشدد على الحذر الابستمولوجي وبناء الواقعة، وشرح الاجتماعي بالاجتماعي وإمكانية تغيير أو تعديل الإشكالية والفرضيات والمتغيرات خلال البحث وبناء مفاهيم جديدة، وكيف تميز عن دوركايم و فيبر وماركس، وكيف تخطى الاتجاه الموضوعي والاتجاه الذاتي.
وأشار الدكتور سالم إلى أن مفهوم رأس المال وأشكاله عند بورديو يشمل رأس المال الاقتصادي، رأس المال الثقافي، رأس المال الاجتماعي، رأس المال الرمزي، رأس المال القانوني، رأس المال الصحافي، رأس المال العلمي. أما حول مفهوم الـ Habitus أو نظام الاستعدادات والتصورات، فقد جرى نقاش حول كيف يبنى هذا المفهوم أو يتكون، وما هي خصائصه وأدواره، وكيف ينظم التصرفات، وهل يسمح فعلاً بفهم منطق الممارسات الفردية والجماعية؟ وكيف ينظم الحظوظ الخارجية والدوافع الداخلية؟ كما تم الإشارة إلى مفهوم أخر هو الهيمنة أو السيطرة.
هذه صورة عامة عن اهتمامات بورديو السوسيولوجية كما طرحتها ندوة الجمعية اللبنانية لعلم الاجتماع، وقد رأينا من المفيد إدراج الملخص أعلاه الكائن على موقع الجمعية على الشبكة الدولية. ولكن السؤال هو: ما هي تاريخية اهتمامات بورديو؟ بمعنى إلامَ يمكن رد إسهاماته الفذة في علم الاجتماع؟ وما هو محتواها؟ وكيف يمكن تعليلها؟
في واقع الأمر فالبنيوية إجمالا كانت تعطي صورة تقليدية عن المجتمعات لاسيما القديمة منها بحيث تظهر البنى وكأنها ساكنة لا حراك فيها. ولما ظهر كتاب كلود ليفي شتراوس حول " البنى الأولية للقرابة، 1949 " تغيرت المفاهيم فس وقت كان فيه بورديو حتى العام 1955 يتكون سوسيولوجيا ومعرفيا على نحو ملفت للانتباه. وفي وقت كانت البنيوية كنظرية اجتماعية تتجه للهيمنة على ساحات البحث الاجتماعي.
لقد كافح بورديو على جبهة ندر أن ماثله فيها أحد من السابقين واللاحقين عليه، فعندما كان بصدد تسجيل أطروحته في الدكتوراه فاجأ الأوساط العلمية والمعرفية برفضه الانصياع للقوانين السائدة والأطر التنظيمية والتحكيمية للمعرفة التي تسمح له بنيل شهادة الدكتوراه مبررا ذلك بأن على المرء ألا يلتزم بما لا يعتقد به ولا يؤمن بجدواه. ولعل بورديو بهذه الخطوة يكاد يكون وحيدا من بين العلماء الأفذاذ في العصر الراهن الذين لا يحملون شهادة الدكتوراه، ومع ذلك فقد تفتقت ذهنيته عن عبقرية مبكرة جدا تستحق التقدير والاحترام.
وقبل الخوض في بعض تفاصيل أروع المفاهيم التي قدمها لعلم الاجتماع يجد بنا التتطرق لمفهوم البنية والتغيرات التي طرأت عليه خلال فالحقب الزمنية المختلفة.
مفهوم البنية
ظل لفظ " البنية " حتى القرن17 محصورا على استعمالات الإطار المعماري، ولكن بدء منه استعمل اللفظ في الإطار البايولوجي بواسطة هربرت سبنسر الذي نقل استعماله من الحيز المعماري إلى إطار علم الاجتماع في أواخر القرن19 دون أن يتجاوز اللفظ حدود اللغة والأدب والفلسفة. بيد أن علماء الاجتماع التقليديين أمثال كارل ماركس ودوركايم وباريتو وماكس فيبر استعملوا اللفظ بهدف تعيين الخصائص الاجتماعية. وفي أواخر القرن19 غدا اللفظ مفهوما ملازما للدراسات الاجتماعية وأصبح من الممكن رؤية البنية على أنها: " تتواجد ضمنا في تحليل العلاقات والمؤسسات الاجتماعية. وأن أي رؤية للأحداث الاجتماعية كعوامل متعاقبة ومترابطة هي بنيوية ".
ومع أعمال ألتوسير وميشيل فوكو وجاك لاكان ورولان بارت تطور مفهوم البنية واكتست إرثا جديدا، ويمكن النظر إلى كلود ليفي شتراوس باعتباره أبا حقيقيا للبنيوية. وبهذا التطور باتت البنيوية عبارة عن عدة تيارات فكرية واجتماعية مما يحتم الإحاطة بمبادئها وركائزها.
ركائز البنيوية
• انطلاقا من اللغة فقد اعتبرت البنيوية أن الظواهر الثقافية هي أنظمة لغوية لا بد أن تحلل باتساق بواسطة تقنيات ومناهج مستقاة ومشتقة من الألسنية كالتركيب اللغوي، الصوت اللفظي، وحدة الأصوات، التضاد الثنائي، الاستعارة، الكتابة، ... إلخ
• كل ظاهرة ثقافية ينبغي أن يتم التعامل معها كما يتم التعامل مع اللغة. أي أن لها دال ومدلول، وبالتالي لا بد من علاقة تظهر الكوامن بمجرد تسليط الضوء على الأول.
• من المفترض أن ينصب التحليل البنيوي على الجانب التزامني وليس التعاقبي( التاريخي ) أو التطوري.
• التحليل البنيوي يتعامل مع القطيعة المعرفية واللاستمرارية. إذ أن مختلف التحولات التاريخية تعكس نماذج من القطائع المعرفية واللااستمرارية، فكل مرحلة أو حقبة زمنية لها هوسها وهواجسها المركزية التي تعكسها النصوص التاريخية التي تسمها.
• لا تعطي البنيوية للإنسان مكانة خاصة في العالَم الاجتماعي، فهو ليس شيئ ولا معنى خارج نطاق البنية والتفاعل البنيوي.
• يلاحظ في التحليل البنيوي ارتباط الظواهر الثقافية عن قرب بالسلطة. إذ كيف يمكن ملاحظة بنية أو دراستها خارج نطاق السلطة؟ إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الانضباط، العقاب، الخطاب الأيديولوجي، ... موجودة أصلا ضمن نطاق ممارسة السلطة؟
• تنظر البنيوية إلى عالمية( وحدة) المعايير التي تتحكم في دراسة المظاهر الثقافية. إذ أن تنوع الثقافات يؤدي إلى تنوع التعبير عنها، لكن البنى التي تتحكم في هذه المعايير متماثلة.
• البحث البنيوي يقوم على ملاحظات إمبريقية تشكل خطوة مركزية لاكتشاف البنى اللاشعورية للمظاهر الثقافية.
بنيوية بيير بورديو
لا شك أن بيير بورديو عالم اجتماع موسوعي لم يقدم على مغامرة علمية قبل أن يستطلع الطروحات التي سبقته لصياغة نظريته. وعليه فقد شكلت بنيوية ليفي شتراوس مفتاحا لدراسات بنيوية أشد عمقا وفهما وجدة بما أنها انطلقت من رؤية تكرار البنى باعتبارها عملية ليست جامدة بقدر ما هي متحركة ونشطة، هذا التصور لشتراوس جاء معاكسا تماما للدراسات البنيوية التقليدية حول الجماعات الإثنية والتي كانت تكتفي بملاحظة ثبات البنيات وتكرارها دون أن تبحث عن تفسير لهذا الثبات. وهي في واقع تصورات الأمر ذات طبيعة استعمارية رافقت الحركة الاستعمارية الأوروبية التي انطلقت في القرن19 ولم تر حينذاك في المجتمعات القديمة إلا بنى ثابتة أو مجتمعات بلا تاريخ. وعلى العكس من ذلك جاءت بنيوية شتراوس عبر " البنى الأولية للقرابة " لتفضح هذا التوجه من خلال مهمة حددها شتراوس لنفسه وهي " كشف الأنساق المستترة للعلاقات والقيام بتنظيمها" لتفتح بابا للتقصي بلا حدود. هذه الأطروحة جاءت حتى بخلاف ما ذهب إليه الطرح الماركسي الذي حصر تفسير البنية بالعامل الاقتصادي بما في ذلك البنيوية الفيبرية التي حاولت التعمق أكثر حين ركزت على الدراسات الطبقية ولاحظت مدى الصعوبة في تحديد المعايير الطبقية.
في البنيوية التكوينية ينطلق بورديو من رؤية المدى الاجتماعي (المدى الحيوي) كحقل من الصراعات الاجتماعية التي تقع في نطاق الطبقات. هذه الصراعات الطبقية التي ينبغي النظر إليها بعيدا عن المحتوى الماركسي التقليدي للصراع الطبقي، بل بمحتوى أحد المفاهيم المركزية في البنيوية التكوينية وهو الهابيتوس بوصفه منهجية ذات محتوى ثقافي وظيفتها إعادة إنتاج الصراع الطبقي بل وتكريسه عبر المحتوى الثقافي.
إذن الكلمات التي يستعملها بورديو مستعارة حقيقة من الماركسية، ويقدمها بمحتوى جديد عبر مفهوم " الرأسمال الثقافي " بوصفه رأسمال رمزي مقابل الرأسمال الاقتصادى بوصفه مفهوم مادي. بمعنى أن التمايز الاجتماعي لا يقع بالضرورة ولا يمكن رؤيته فقط في نطاق الرأسمال الاقتصادي كمدى حيوي بل في نطاق الرأسمال الثقافي ( الهابيتوس ) الذي يسعى إلى تكريس التمايز وإعادة إنتاج الطبقات لا شعوريا، لهذا فهو يتسم بالعنف الرمزي تماما مثلما هو الرأسمال الاقتصادي الذي يتسم هو الآخر بعنف مادي.
هكذا هي البنيوية التكوينية. فكيف عمل بورديو على إخراجها منهجيا؟ وما هي منطلقاته المركزية؟
أولا: الانطلاقة المنهجية
في محاولته لتحديد عمل البنيات وكيفية اشتغالها، وخلال سنوات تكوينه الأولى طرح بورديو سؤالا منهجيا: كيف تتجدد البنيات؟ وكيف تعيد إنتاج نفسها؟
للإجابة على السؤال كان على بورديو أن يقوم بمسح علمي سوسيولوجي ومعرفي ليتعرف على ما هو كائن من النظريات وما تقدمه وما هو محتواها، ومن ثم الاطلاع على النظرية البنيوية بكل تفرعاتها فماذا وجد؟ لأنه ركز بداية على سلوك الفاعلين بوصفهم معيدي إنتاج البنية فقد وجد أطروحتين في طريقه هما:
• الأطروحة الظواهرية
وهي التي تتمسك بسبر المقاصد دون النظر إلى جذورها الاجتماعية، لذلك فهي تحاول تحليل الوقائع الظاهرة للعيان، ولأنها كذلك فقد تخلى عنها بورديو باعتبارها لا تستجيب للبنيوية من حيث كونها تبحث عن الكوامن في الظواهر الكائنة.
• الأطروحة التي تركز على الانمحاء الجذري للفرد. وهي أطروحة غير محايدة. صحيح أن بورديو ركز اهتمامه على البنية وليس على الفرد، ولكن بما أن الفرد، بحسب الفهم الفيبري والبارسونزي، هو فاعل اجتماعي في نسق، فما قيمة أطروحة تغفل هذا الفاعل؟ وكيف يمكن لأطروحة من هذا النوع الذي لا يقيم وزنا للفرد أن تساهم في إظهار تفاعلات النسق من خلال السلوكات الفردية؟
ثانيا: التصورات النظرية
انطلاقا من هاتين الأطروحتين عديمتي الجدوى بالنسبة لبورديو فإن إجابته ستنتظم حول ثلاثة تصورات يسعى من خلالها إلى تحديد موضوع البحث الاجتماعي. هذه التصورات هي:
1- التصور الأول: نسق المواقف والعلاقات
فالموضوع الاجتماعي في هذا التصور هو الموضوع الذي يكشف عن مجموعة العلاقات الداخلية في البنية، أو هو نسق من العلاقات الذي يسمح لنا التحليل بالوصول إلى وِظافتها. أي التعرف على الطريقة التي تشتغل بها العناصر النسقية المكونة للبنى وكيفية ترابطها وأدائها واشتغالها.
وفي هذا السياق فإن هدف البحث الاجتماعي هو السعي إلى إظهار منطق النسق من خلال ثلاث عمليات:
• أولها إسقاط بعض الظواهر والقيام بعملية استكشاف متعددة. أي الكشف عن نسق العلاقات المحدِّدة واستبعاد المعطيات الحكائية والتاريخية والاقتصادية
• ثانيها تعليم النسق. أي الكشف عن أنساق التفاعل الداخلية والخارجية معا. فلو أخذنا أنساق المواقف داخل الجامعة مثلا لتوجب علينا النظر في نسقسن هما: النسق الداخلي، أي موقف السلطة الجامعية والنسق العلمي الذي يربط الجامعة بالخارج.
• أخيرا تطوير النسق عبر البحث عن تمييز كل الحلقات المترابطة العملية والرمزية والأيديولوجية وكل السلوكات الفردية التي يحددها نسق العلاقات.
هكذا يتوصل بورديو إلى استعمال مقولة الحقل الذي ينتظم بداخله كل أنساق المواقف والتفاعلات الآنفة الذكر. ومن الواضح أننا إزاء منهجية تبين لنا مشروعية استخدام مفهوم الحقل الاجتماعي ضمن الشروط المحددة ( الإسقاط، التعيين، التطوير).
2- التصور الثاني: الهابيتوس
تترجمه بعض المؤلفات بـ (الآبيتوس). ويكاد في الواقع أن يشكل جوهر نظرية بورديو في البنيوية، وهو أداة منهجية اختبارية يستطيع حتى الفرد المتخصص أن يسقطه على نفسه ليتعرف على مكانته الطبقية والاجتماعية بشكل عام. كما يمكن الفرد من قراءة المجتمع وتكويناته الطبقية بسلاسة ومتعة لا يعكر صفوها إلا شعور الفرد حقيقة وواقعا بالمدى الحيوي الذي ينتمي إليه. فما هو الهابتوس؟
يعرفه بورديو بأنه: " نسق الاستعدادات المكتسبة وتصورات الإدراك والتقويم والفعل التي طبعها المحيط في لحظة محددة وموقع خاص ". هو إذن موجه لسلوكات الفرد اعتمادا على مرجعية معينة تقع في البنية الذهنية وبالتحديد فيما يسمى بعلم النفس بالأنا الأعلى، أي الذي يتحكم بإجمالي الممارسات والسلوكات الناتجة عن الفرد بشكل لا شعوري. لذا يعتبر الهابيتوس من جانب آخر منتج الممارسات وأصل الإدراكات وعمليات التقويم والأعمال أو مجموعة القواعد المولدة للمارسات. أما موقعه فهو يتوسط بين العلاقات الموضوعية والسلوكات الفردية، وهو في آن معا ناتج عن استبطان الشروط الموضوعية مثلما هو الشرط اللازم للممارسات الفردية. ولأنه كذلك وكل ذلك فهو يضفي الشرعية على الترتيبات (الصراع الطبقي) والتمايز(العنف الرمزي والثقافي) دون حدوث أي صدام ظاهري بين الطبقات.
3- التصور الثالث: إعادة الإنتاج
تميل البنيوية التقليدية في دراستها للمجتمعات التقليدية إلى الاعتقاد بأن ثبات البنى هو أمر مكتسب دون أن تتحمل مسؤولية التساؤل عن الشروط المولدة لعمليات التكرار هذه. فقد حاولت الماركسية تقديم إجابة إجمالية لمشكلة إعادة إنتاج نسق الطبقات عبر التحليل الاقتصادي وتضخيمه إلى أقصى حد باعتماد علاقة وحيدة هي مدى تملك رأس المال.
ومن جهته حاول بورديو تحليل جميع أفعال إعادة الإنتاج من خلال دراسته للنسق المدرسي ووظيفته محاولا إدخال مفاهيم للتفسير مثل:
• العنف الرمزي
• الرأسمال الثقافي
• استراتيجيا إعادة الإنتاج
ثالثا: الصراع الطبقي
كيف يقع الصراع الطبقي؟ وأيهما أشد وقعا وتأثيرا على الفرد والمجتمع: الصراع الطبقي المادي؟ أم الصراع الطبقي الرمزي؟
يبدو الصراع الطبقي واضحا للعيان إذا ما انطلقنا من الرأسمال الاقتصادي. فمن خلال عملية إحصائية يمكن ملاحظة التدرج الطبقي اعتمادا على المهنة أو الدخل أو حتى المكانة الاجتماعية أو السلم القيمي الذي لا ينفصل كثيرا عن السلم الطبقي التقليدي. وهكذا يمكن معاينة الصراع باعتباره صراعا حادا ومكشوفا بما أن العامل الاقتصادي هو الذي يرسي هنا حجر الأساس في التفاضل الاجتماعي بحيث يمكن ملاحظة، وبحدود فاصلة، مختلف الطبقات الاجتماعية من الأكثر غنى حتى الأشد حرمانا.
ولكن ثمة رأسمال آخر يكشف عن صراع أعمق وأشد رسوخا، ومن الملفت للانتباه أنه يشرع التمايز حتى داخل الطبقة الواحدة دون أن يثير حساسية هنا أو هناك. هذا الرأسمال يسميه بورديو بـ "الرأسمال الرمزي " وهو ذاته " الرأسمال الثقافي " التعسفي الكائن مقابل الرأسمال الاقتصادي. هذا الرأسمال بمختلف مكوناته هو الذي يكشف عن هابيتوس أي طبقة ويجعل الصراع الاجتماعي الطبقي قائما ليس على أساس التنافس على فائض القيمة بل على استملاك كل الثروات المادية والرمزية. وعلى هذا الأساس يتنوع رأس المال بحيث نجد:
• برجوازية صغيرة متوسطة ذات رأسمال ثقافي أعلى من الرأسمال الاقتصادي كمتوسطي التجار والأطباء والمهندسين...إلخ
• وبرجوازية مثلها ذات رأسمال اقتصادي عال ورأسمال ثقافي محدود كصغار أرباب العمل.
• رأسمال اجتماعي ناجم عن قوة العلاقات الاجتماعية المستندة إلى أصول اجتماعية ذات نفوذ أصلا.
• رأسمال مكتسب كالرأسمال المدرسي والموروث.
• رأسمال الجسد كالجمال، الجاذبية...إلخ
هكذا يبدو الرأسمال بأنواعه طاقة جبارة مستخدمة وتتيح بناء المدى الاجتماعي وتشكيله وإعادة إنتاجه من جديد.
رابعا: الحقل الاجتماعي نموذج للدراسة
عندما يستعمل بورديو الحقل الاجتماعي في الدراسة والبحث فهو ينطلق من كونه يشتمل على:
• عملاء
• مشرعين
• واستقلالية
وعند دراسته للحقل المدرسي لاحظ أن فيها تعسفا رمزيا تشرعه القوانين والتقاليد المدرسية التي تشتمل في مكوناتها الظاهرة على عدالة مصدرها تكافؤ الفرص وخضوع الجميع للقانون. وعليه فالسلطة المدرسية تتسلم في واقع الأمر تفويضا من الطبقات المهيمنة لفرض التعسف الثقافي، فعن طريق هذا التفويض يتم تمرير العنف الرمزي بلطف.
فلو أخذنا مثالا كاللغة سنجد أن التلميذ الغني يختزن في ذاكرته رصيدا لغويا هائلا بالمقارنة مع التلميذ الفقير. فالأول يستعمل لغة تجريدية وله بروتوكول وإتيكيت عالي المستوى وله اهتمامات ثقافية ومدى اجتماعي واسع من العلاقات ورصيد من السلوكات والخبرات لم تكن متاحة لزميله الفقير، وحين يتقدم الاثنان إلى الامتحانات من الطبيعي أن تكون فرصة الطالب الغني في النجاح وتحصيل القدر الأكبر من العلامات أكثر من فرصة الطالب الفقير. هذا الواقع ينطوي على تعسف ثقافي مشروع يعترف به الجميع دون أن يدركوا ظلمه وفداحته، فليس من العدل أن يخضع التلميذان لامتحان من نفس النوع والمستوى في حين يتمايزان بشدة فيما لديهما من رصيد وفرص للنجاح. ومن الواضح أن التمايز الطبقي واضحا على الغم من أن المدرسة ذات سلط ونظام حياديين.
حقول أخرى للدراسة
لقد درس بورديو الكثير من الظواهر الاجتماعية والتي مست أدق تفاصيل الحياة اليومية مبينا فيها كيفية وقوع التمايز الاجتماعي وعنف الرأسمال الرمزي، ففي حقل الاستهلاك يمكن ملاحظة التمايز الطبقي في نوعية الأسواق وتعددها بحيث يبدو لكل شريحة أو طبقة اجتماعية أسواقها ومنتجاتها. ولو أخذنا هواية التصوير الفوتوغرافي مثلا لوجدنا أن رخص الأجهزة وتمكن مختلف الشرائح الاجتماعية من شرائها بهدف ممارسة الهواية كثقافة يمكن من خلالها استعادة الذكريات وحفظ تاريخ العائلة قد نزع من يد الطبقات الغنية أداة للتميز لاسيما وأنها تحولت إلى عادة مبتذلة وأصبحت شائعة بين الناس. ولكن لو أخذنا الفلاح في المجتمع الريفي لبدا التصوير الفوتوغرافي له نوعا من الترف الاجتماعي دون أن يكون للمسألة أي اعتبار للقيمة الجمالية أو الفنية كما هو الحال عند العامل في المدينة. كما أن للعمال أنماط ملابس خاصة تركز على الرخص و المتانة والبساطة دون اعتبار للذوق الجمالي أو الإتيكيت.
أما القوة الجسدية فتمثل بعدا من أبعاد الرجولة يمكن تنميتها ببعض الأطعمة أو التمارين الرياضية بحيث يمثل الجسد بجماله وقوته مظهرا من مظاهر التمايز حتى داخل الأسرة والحي والشارع والمدرسة... .
ومن جهتها لا تبدو الطبقات الفقيرة تقيم كبير وزن للثقافة مثلما يفعل أفراد الطبقات المسيطرة. فالفن التشكيلي والمسرح والنوادي الثقافية والاجتماعية والرياضية الخاصة كلها ممارسات من اختصاصات الطبقات الغنية.
وفي الحقيقة واعتمادا على الهابيتوس فيمكن لنا تعيين مظاهر التمايز الاجتماعي بلا حدود حتى في السلوك اليومي للفرد في الشارع والمؤسسة والبيت والمشي والجلوس والنوم والعمل والمراجعات وفي القيم والإتيكيت والأخلاق والمسكن وفي نمط المعيش والسفر وقضاء أوقات الفراغ والتسوق والدراسة والاستطباب والهوايات...إلخ
بيير بورديو
نظمت الجمعية اللبنانية لعلم الاجتماع 2001 ندوة حول أعمال الباحث الاجتماعي الفرنسي الراحل بيار بورديو في مقر عمادة معهد العلوم الاجتماعية. وقدم للندوة الدكتور احمد بعلبكي رئيس الجمعية، مشيراً إلى أن هذا اللقاء هو للتعرف على أفكار بورديو في محورين:
- محور قراءاته للفلسفات الاجتماعية الكلاسيكية (ماكس فيبر، دوركايم، ماركس وبارسونز)
- ومحور تركيبته المفهومية والمنهجية في أبحاثه السوسيولوجية حول التأزم في قطاعات متعددة ( فن، مسرح، موسيقى وتربية ...الخ) في المجتمعات الشمالية. وعرض الدكتور بعلبكي عدداً من التساؤلات هي:
1- كيف أثرت الثقافة الفلسفية والانتروبولوجيا خاصة في تميز إسهام بيار بورديو في علم الاجتماع الحديث؟
2- هل أن هذه الثقافة الفلسفية والانتربولوجية هي التي أوصلته إلى مفهوم بنيوي للحقل الاجتماعي الذي يعصى على غير الاختصاصيين من أمثاله وهم القادرين على تمييز الصفات المخفية والأساسية من العلاقات والممارسات عن الصفات الثانوية المرئية التي يغرق فيها التجريبيون ممن يفتقرون إلى مثل تلك الثقافة الفلسفية والانتربولوجية؟
3- لماذا يرى بورديو أن كل علم من علوم المجتمع والإنسان يحتاج لإسهام علم الاجتماع الذي يحصنه من الوقوع تحت تأثير أجهزة القمع الرمزية؟
4- هل أن بورديو كما يبدو للبعض توفيقي بين ماكس فيبر و كارل ماركس أم أنه متمركس جديد يرى أهمية ثورة المعلوماتية و الاتصالات، فيرجح إمكانية التغيير النضالي الناتج عن دافع إبداعي ذاتي في تجاوز القوانين الموضوعية، هذه القوانين التي تحكم التغير وتعيد إنتاج آليات السيطرة في اللعبة الاجتماعية. وهذا ما جعله ينتهي في أخر نص كتبه ( في المجلة الشهرية Manierè de voir العدد 61 الصادرة عن جريدة ليموند) بمثابة وصية يدعو فيها إلى أممية جديدة في مواجهة النيوليبرالية المتعولمة.
بعد ذلك تحدث الدكتور علي سالم متناولاً هذه التساؤلات، إلى جانب نقاط محورية في فكر المؤلف، مشيراً إلى نظرته للمجتمع وإلى تركيزه على مفهومي المجال الاجتماعي والحقل الاجتماعي، وكيف أن الحقل الاجتماعي مثلاً هو عبارة عن سوق، مواقع، علاقات، أشخاص، مؤسسات، توزيع مختلف للسلطة أو لرأس المال، لعبة معينة، هيمنة، خضوع، منطق معين، ميزان قوى، قواعد، أهداف، رهانات، صراعات، منافسة، استراتيجيات، تاريخ معين، اتجاهات، ممارسات، مصالح أو أشكال من المصالح، تحولات، إشكاليات، معاني وقيم، تأثيرات، ميزان قوى رمزي... وإذا كانت هذه هي خصائص الحقل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي بشكل عام، فإن الحقول الأخرى، مثل الحقل الثقافي، الحقل الأدبي، الحقل الفني، الحقل الفلسفي والحقل العلمي تتميز بخصائص متشابهة بعض الشيء. ومع أن بورديو يؤكد على استقلالية كل حقل من هذه الحقول، فإنه يؤكد أيضاً على الترابط والتشابك والتداخل بينها. وتهدف الاستراتيجيات في الحقول إلى زيادة رأس المال وتحسين الوضع الاجتماعي وزيادة رأس المال الرمزي...
وانتقل الدكتور سالم بعد ذلك إلى الحديث عن مسألة إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية، وكيف أن الحقل يعيد إنتاج نفسه، ووفق أية آليات؟. وإذا كانت إعادة الإنتاج ترتكز على استراتيجيات محددة وعلى التوافق بين أنظمة الاستعدادات والتصورات والبنى الموضوعية، فكيف يحصل التغيُر أو التحول الاجتماعي؟ وإذا كان بورديو قد أجاب عن هذا التساؤل بأن الهيمنة أو السيطرة قد تفرض نوعاً من المقاومة، أو نوعاً من الثورة الرمزية، وبأن هذه الثورة هي التي تؤدي إلى التحول أو التغيّر، فهل هذه الإجابة تعتبر كافية لإزالة الالتباس أو الغموض حول إشكالية التغير الاجتماعي والتنظير لهذه المسألة؟
أما حول كيفية تحديد تصرفات الأفراد والجماعات ضمن الحقل، وهل تتحدد بأسباب خارجية ( شروط اقتصادية، اجتماعية، تاريخية) أم بأسباب داخلية ( حوافز ودوافع شخصية)؟ وكيف يمكن التوفيق بين الحتمية والموضوعية من جهة والحرية الذاتية من جهة أخرى. وما هو موقف بورديو من هذه المسألة؟ يجيب الدكتور سالم بأن هذه الممارسات والتصورات ليست محددة كلياً بالخارج وليست حرة كليا، بمعنى أن المعارف ضمن الحقل هي معارف عملية، والمنطق هو منطق عملي، وإذا كانت هناك عقلانية ووعي وإدراك وإرادة وتخطيط ووضوح في الأهداف، فإن هذه العقلانية تبقى محددة... وينهي سالم بتساؤل حول ما إذا كانت هذه الإجابة تمنع تولد أسئلة إشكالية؟
أما حول منهجية بورديو السوسيولوجية البنيوية والتكوينية أو البنيوية النقدية البنائية، بمعنى التولد الاجتماعي لصور الإدراك والتفكير والفعل وتولد البنى الاجتماعية، أشار سالم كيف أن بورديو طرح القطيعة مع المعنى المشترك وعلم الاجتماع العفوي، وشدد على الحذر الابستمولوجي وبناء الواقعة، وشرح الاجتماعي بالاجتماعي وإمكانية تغيير أو تعديل الإشكالية والفرضيات والمتغيرات خلال البحث وبناء مفاهيم جديدة، وكيف تميز عن دوركايم و فيبر وماركس، وكيف تخطى الاتجاه الموضوعي والاتجاه الذاتي.
وأشار الدكتور سالم إلى أن مفهوم رأس المال وأشكاله عند بورديو يشمل رأس المال الاقتصادي، رأس المال الثقافي، رأس المال الاجتماعي، رأس المال الرمزي، رأس المال القانوني، رأس المال الصحافي، رأس المال العلمي. أما حول مفهوم الـ Habitus أو نظام الاستعدادات والتصورات، فقد جرى نقاش حول كيف يبنى هذا المفهوم أو يتكون، وما هي خصائصه وأدواره، وكيف ينظم التصرفات، وهل يسمح فعلاً بفهم منطق الممارسات الفردية والجماعية؟ وكيف ينظم الحظوظ الخارجية والدوافع الداخلية؟ كما تم الإشارة إلى مفهوم أخر هو الهيمنة أو السيطرة.
هذه صورة عامة عن اهتمامات بورديو السوسيولوجية كما طرحتها ندوة الجمعية اللبنانية لعلم الاجتماع، وقد رأينا من المفيد إدراج الملخص أعلاه الكائن على موقع الجمعية على الشبكة الدولية. ولكن السؤال هو: ما هي تاريخية اهتمامات بورديو؟ بمعنى إلامَ يمكن رد إسهاماته الفذة في علم الاجتماع؟ وما هو محتواها؟ وكيف يمكن تعليلها؟
في واقع الأمر فالبنيوية إجمالا كانت تعطي صورة تقليدية عن المجتمعات لاسيما القديمة منها بحيث تظهر البنى وكأنها ساكنة لا حراك فيها. ولما ظهر كتاب كلود ليفي شتراوس حول " البنى الأولية للقرابة، 1949 " تغيرت المفاهيم فس وقت كان فيه بورديو حتى العام 1955 يتكون سوسيولوجيا ومعرفيا على نحو ملفت للانتباه. وفي وقت كانت البنيوية كنظرية اجتماعية تتجه للهيمنة على ساحات البحث الاجتماعي.
لقد كافح بورديو على جبهة ندر أن ماثله فيها أحد من السابقين واللاحقين عليه، فعندما كان بصدد تسجيل أطروحته في الدكتوراه فاجأ الأوساط العلمية والمعرفية برفضه الانصياع للقوانين السائدة والأطر التنظيمية والتحكيمية للمعرفة التي تسمح له بنيل شهادة الدكتوراه مبررا ذلك بأن على المرء ألا يلتزم بما لا يعتقد به ولا يؤمن بجدواه. ولعل بورديو بهذه الخطوة يكاد يكون وحيدا من بين العلماء الأفذاذ في العصر الراهن الذين لا يحملون شهادة الدكتوراه، ومع ذلك فقد تفتقت ذهنيته عن عبقرية مبكرة جدا تستحق التقدير والاحترام.
وقبل الخوض في بعض تفاصيل أروع المفاهيم التي قدمها لعلم الاجتماع يجد بنا التتطرق لمفهوم البنية والتغيرات التي طرأت عليه خلال فالحقب الزمنية المختلفة.
مفهوم البنية
ظل لفظ " البنية " حتى القرن17 محصورا على استعمالات الإطار المعماري، ولكن بدء منه استعمل اللفظ في الإطار البايولوجي بواسطة هربرت سبنسر الذي نقل استعماله من الحيز المعماري إلى إطار علم الاجتماع في أواخر القرن19 دون أن يتجاوز اللفظ حدود اللغة والأدب والفلسفة. بيد أن علماء الاجتماع التقليديين أمثال كارل ماركس ودوركايم وباريتو وماكس فيبر استعملوا اللفظ بهدف تعيين الخصائص الاجتماعية. وفي أواخر القرن19 غدا اللفظ مفهوما ملازما للدراسات الاجتماعية وأصبح من الممكن رؤية البنية على أنها: " تتواجد ضمنا في تحليل العلاقات والمؤسسات الاجتماعية. وأن أي رؤية للأحداث الاجتماعية كعوامل متعاقبة ومترابطة هي بنيوية ".
ومع أعمال ألتوسير وميشيل فوكو وجاك لاكان ورولان بارت تطور مفهوم البنية واكتست إرثا جديدا، ويمكن النظر إلى كلود ليفي شتراوس باعتباره أبا حقيقيا للبنيوية. وبهذا التطور باتت البنيوية عبارة عن عدة تيارات فكرية واجتماعية مما يحتم الإحاطة بمبادئها وركائزها.
ركائز البنيوية
• انطلاقا من اللغة فقد اعتبرت البنيوية أن الظواهر الثقافية هي أنظمة لغوية لا بد أن تحلل باتساق بواسطة تقنيات ومناهج مستقاة ومشتقة من الألسنية كالتركيب اللغوي، الصوت اللفظي، وحدة الأصوات، التضاد الثنائي، الاستعارة، الكتابة، ... إلخ
• كل ظاهرة ثقافية ينبغي أن يتم التعامل معها كما يتم التعامل مع اللغة. أي أن لها دال ومدلول، وبالتالي لا بد من علاقة تظهر الكوامن بمجرد تسليط الضوء على الأول.
• من المفترض أن ينصب التحليل البنيوي على الجانب التزامني وليس التعاقبي( التاريخي ) أو التطوري.
• التحليل البنيوي يتعامل مع القطيعة المعرفية واللاستمرارية. إذ أن مختلف التحولات التاريخية تعكس نماذج من القطائع المعرفية واللااستمرارية، فكل مرحلة أو حقبة زمنية لها هوسها وهواجسها المركزية التي تعكسها النصوص التاريخية التي تسمها.
• لا تعطي البنيوية للإنسان مكانة خاصة في العالَم الاجتماعي، فهو ليس شيئ ولا معنى خارج نطاق البنية والتفاعل البنيوي.
• يلاحظ في التحليل البنيوي ارتباط الظواهر الثقافية عن قرب بالسلطة. إذ كيف يمكن ملاحظة بنية أو دراستها خارج نطاق السلطة؟ إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الانضباط، العقاب، الخطاب الأيديولوجي، ... موجودة أصلا ضمن نطاق ممارسة السلطة؟
• تنظر البنيوية إلى عالمية( وحدة) المعايير التي تتحكم في دراسة المظاهر الثقافية. إذ أن تنوع الثقافات يؤدي إلى تنوع التعبير عنها، لكن البنى التي تتحكم في هذه المعايير متماثلة.
• البحث البنيوي يقوم على ملاحظات إمبريقية تشكل خطوة مركزية لاكتشاف البنى اللاشعورية للمظاهر الثقافية.
بنيوية بيير بورديو
لا شك أن بيير بورديو عالم اجتماع موسوعي لم يقدم على مغامرة علمية قبل أن يستطلع الطروحات التي سبقته لصياغة نظريته. وعليه فقد شكلت بنيوية ليفي شتراوس مفتاحا لدراسات بنيوية أشد عمقا وفهما وجدة بما أنها انطلقت من رؤية تكرار البنى باعتبارها عملية ليست جامدة بقدر ما هي متحركة ونشطة، هذا التصور لشتراوس جاء معاكسا تماما للدراسات البنيوية التقليدية حول الجماعات الإثنية والتي كانت تكتفي بملاحظة ثبات البنيات وتكرارها دون أن تبحث عن تفسير لهذا الثبات. وهي في واقع تصورات الأمر ذات طبيعة استعمارية رافقت الحركة الاستعمارية الأوروبية التي انطلقت في القرن19 ولم تر حينذاك في المجتمعات القديمة إلا بنى ثابتة أو مجتمعات بلا تاريخ. وعلى العكس من ذلك جاءت بنيوية شتراوس عبر " البنى الأولية للقرابة " لتفضح هذا التوجه من خلال مهمة حددها شتراوس لنفسه وهي " كشف الأنساق المستترة للعلاقات والقيام بتنظيمها" لتفتح بابا للتقصي بلا حدود. هذه الأطروحة جاءت حتى بخلاف ما ذهب إليه الطرح الماركسي الذي حصر تفسير البنية بالعامل الاقتصادي بما في ذلك البنيوية الفيبرية التي حاولت التعمق أكثر حين ركزت على الدراسات الطبقية ولاحظت مدى الصعوبة في تحديد المعايير الطبقية.
في البنيوية التكوينية ينطلق بورديو من رؤية المدى الاجتماعي (المدى الحيوي) كحقل من الصراعات الاجتماعية التي تقع في نطاق الطبقات. هذه الصراعات الطبقية التي ينبغي النظر إليها بعيدا عن المحتوى الماركسي التقليدي للصراع الطبقي، بل بمحتوى أحد المفاهيم المركزية في البنيوية التكوينية وهو الهابيتوس بوصفه منهجية ذات محتوى ثقافي وظيفتها إعادة إنتاج الصراع الطبقي بل وتكريسه عبر المحتوى الثقافي.
إذن الكلمات التي يستعملها بورديو مستعارة حقيقة من الماركسية، ويقدمها بمحتوى جديد عبر مفهوم " الرأسمال الثقافي " بوصفه رأسمال رمزي مقابل الرأسمال الاقتصادى بوصفه مفهوم مادي. بمعنى أن التمايز الاجتماعي لا يقع بالضرورة ولا يمكن رؤيته فقط في نطاق الرأسمال الاقتصادي كمدى حيوي بل في نطاق الرأسمال الثقافي ( الهابيتوس ) الذي يسعى إلى تكريس التمايز وإعادة إنتاج الطبقات لا شعوريا، لهذا فهو يتسم بالعنف الرمزي تماما مثلما هو الرأسمال الاقتصادي الذي يتسم هو الآخر بعنف مادي.
هكذا هي البنيوية التكوينية. فكيف عمل بورديو على إخراجها منهجيا؟ وما هي منطلقاته المركزية؟
أولا: الانطلاقة المنهجية
في محاولته لتحديد عمل البنيات وكيفية اشتغالها، وخلال سنوات تكوينه الأولى طرح بورديو سؤالا منهجيا: كيف تتجدد البنيات؟ وكيف تعيد إنتاج نفسها؟
للإجابة على السؤال كان على بورديو أن يقوم بمسح علمي سوسيولوجي ومعرفي ليتعرف على ما هو كائن من النظريات وما تقدمه وما هو محتواها، ومن ثم الاطلاع على النظرية البنيوية بكل تفرعاتها فماذا وجد؟ لأنه ركز بداية على سلوك الفاعلين بوصفهم معيدي إنتاج البنية فقد وجد أطروحتين في طريقه هما:
• الأطروحة الظواهرية
وهي التي تتمسك بسبر المقاصد دون النظر إلى جذورها الاجتماعية، لذلك فهي تحاول تحليل الوقائع الظاهرة للعيان، ولأنها كذلك فقد تخلى عنها بورديو باعتبارها لا تستجيب للبنيوية من حيث كونها تبحث عن الكوامن في الظواهر الكائنة.
• الأطروحة التي تركز على الانمحاء الجذري للفرد. وهي أطروحة غير محايدة. صحيح أن بورديو ركز اهتمامه على البنية وليس على الفرد، ولكن بما أن الفرد، بحسب الفهم الفيبري والبارسونزي، هو فاعل اجتماعي في نسق، فما قيمة أطروحة تغفل هذا الفاعل؟ وكيف يمكن لأطروحة من هذا النوع الذي لا يقيم وزنا للفرد أن تساهم في إظهار تفاعلات النسق من خلال السلوكات الفردية؟
ثانيا: التصورات النظرية
انطلاقا من هاتين الأطروحتين عديمتي الجدوى بالنسبة لبورديو فإن إجابته ستنتظم حول ثلاثة تصورات يسعى من خلالها إلى تحديد موضوع البحث الاجتماعي. هذه التصورات هي:
1- التصور الأول: نسق المواقف والعلاقات
فالموضوع الاجتماعي في هذا التصور هو الموضوع الذي يكشف عن مجموعة العلاقات الداخلية في البنية، أو هو نسق من العلاقات الذي يسمح لنا التحليل بالوصول إلى وِظافتها. أي التعرف على الطريقة التي تشتغل بها العناصر النسقية المكونة للبنى وكيفية ترابطها وأدائها واشتغالها.
وفي هذا السياق فإن هدف البحث الاجتماعي هو السعي إلى إظهار منطق النسق من خلال ثلاث عمليات:
• أولها إسقاط بعض الظواهر والقيام بعملية استكشاف متعددة. أي الكشف عن نسق العلاقات المحدِّدة واستبعاد المعطيات الحكائية والتاريخية والاقتصادية
• ثانيها تعليم النسق. أي الكشف عن أنساق التفاعل الداخلية والخارجية معا. فلو أخذنا أنساق المواقف داخل الجامعة مثلا لتوجب علينا النظر في نسقسن هما: النسق الداخلي، أي موقف السلطة الجامعية والنسق العلمي الذي يربط الجامعة بالخارج.
• أخيرا تطوير النسق عبر البحث عن تمييز كل الحلقات المترابطة العملية والرمزية والأيديولوجية وكل السلوكات الفردية التي يحددها نسق العلاقات.
هكذا يتوصل بورديو إلى استعمال مقولة الحقل الذي ينتظم بداخله كل أنساق المواقف والتفاعلات الآنفة الذكر. ومن الواضح أننا إزاء منهجية تبين لنا مشروعية استخدام مفهوم الحقل الاجتماعي ضمن الشروط المحددة ( الإسقاط، التعيين، التطوير).
2- التصور الثاني: الهابيتوس
تترجمه بعض المؤلفات بـ (الآبيتوس). ويكاد في الواقع أن يشكل جوهر نظرية بورديو في البنيوية، وهو أداة منهجية اختبارية يستطيع حتى الفرد المتخصص أن يسقطه على نفسه ليتعرف على مكانته الطبقية والاجتماعية بشكل عام. كما يمكن الفرد من قراءة المجتمع وتكويناته الطبقية بسلاسة ومتعة لا يعكر صفوها إلا شعور الفرد حقيقة وواقعا بالمدى الحيوي الذي ينتمي إليه. فما هو الهابتوس؟
يعرفه بورديو بأنه: " نسق الاستعدادات المكتسبة وتصورات الإدراك والتقويم والفعل التي طبعها المحيط في لحظة محددة وموقع خاص ". هو إذن موجه لسلوكات الفرد اعتمادا على مرجعية معينة تقع في البنية الذهنية وبالتحديد فيما يسمى بعلم النفس بالأنا الأعلى، أي الذي يتحكم بإجمالي الممارسات والسلوكات الناتجة عن الفرد بشكل لا شعوري. لذا يعتبر الهابيتوس من جانب آخر منتج الممارسات وأصل الإدراكات وعمليات التقويم والأعمال أو مجموعة القواعد المولدة للمارسات. أما موقعه فهو يتوسط بين العلاقات الموضوعية والسلوكات الفردية، وهو في آن معا ناتج عن استبطان الشروط الموضوعية مثلما هو الشرط اللازم للممارسات الفردية. ولأنه كذلك وكل ذلك فهو يضفي الشرعية على الترتيبات (الصراع الطبقي) والتمايز(العنف الرمزي والثقافي) دون حدوث أي صدام ظاهري بين الطبقات.
3- التصور الثالث: إعادة الإنتاج
تميل البنيوية التقليدية في دراستها للمجتمعات التقليدية إلى الاعتقاد بأن ثبات البنى هو أمر مكتسب دون أن تتحمل مسؤولية التساؤل عن الشروط المولدة لعمليات التكرار هذه. فقد حاولت الماركسية تقديم إجابة إجمالية لمشكلة إعادة إنتاج نسق الطبقات عبر التحليل الاقتصادي وتضخيمه إلى أقصى حد باعتماد علاقة وحيدة هي مدى تملك رأس المال.
ومن جهته حاول بورديو تحليل جميع أفعال إعادة الإنتاج من خلال دراسته للنسق المدرسي ووظيفته محاولا إدخال مفاهيم للتفسير مثل:
• العنف الرمزي
• الرأسمال الثقافي
• استراتيجيا إعادة الإنتاج
ثالثا: الصراع الطبقي
كيف يقع الصراع الطبقي؟ وأيهما أشد وقعا وتأثيرا على الفرد والمجتمع: الصراع الطبقي المادي؟ أم الصراع الطبقي الرمزي؟
يبدو الصراع الطبقي واضحا للعيان إذا ما انطلقنا من الرأسمال الاقتصادي. فمن خلال عملية إحصائية يمكن ملاحظة التدرج الطبقي اعتمادا على المهنة أو الدخل أو حتى المكانة الاجتماعية أو السلم القيمي الذي لا ينفصل كثيرا عن السلم الطبقي التقليدي. وهكذا يمكن معاينة الصراع باعتباره صراعا حادا ومكشوفا بما أن العامل الاقتصادي هو الذي يرسي هنا حجر الأساس في التفاضل الاجتماعي بحيث يمكن ملاحظة، وبحدود فاصلة، مختلف الطبقات الاجتماعية من الأكثر غنى حتى الأشد حرمانا.
ولكن ثمة رأسمال آخر يكشف عن صراع أعمق وأشد رسوخا، ومن الملفت للانتباه أنه يشرع التمايز حتى داخل الطبقة الواحدة دون أن يثير حساسية هنا أو هناك. هذا الرأسمال يسميه بورديو بـ "الرأسمال الرمزي " وهو ذاته " الرأسمال الثقافي " التعسفي الكائن مقابل الرأسمال الاقتصادي. هذا الرأسمال بمختلف مكوناته هو الذي يكشف عن هابيتوس أي طبقة ويجعل الصراع الاجتماعي الطبقي قائما ليس على أساس التنافس على فائض القيمة بل على استملاك كل الثروات المادية والرمزية. وعلى هذا الأساس يتنوع رأس المال بحيث نجد:
• برجوازية صغيرة متوسطة ذات رأسمال ثقافي أعلى من الرأسمال الاقتصادي كمتوسطي التجار والأطباء والمهندسين...إلخ
• وبرجوازية مثلها ذات رأسمال اقتصادي عال ورأسمال ثقافي محدود كصغار أرباب العمل.
• رأسمال اجتماعي ناجم عن قوة العلاقات الاجتماعية المستندة إلى أصول اجتماعية ذات نفوذ أصلا.
• رأسمال مكتسب كالرأسمال المدرسي والموروث.
• رأسمال الجسد كالجمال، الجاذبية...إلخ
هكذا يبدو الرأسمال بأنواعه طاقة جبارة مستخدمة وتتيح بناء المدى الاجتماعي وتشكيله وإعادة إنتاجه من جديد.
رابعا: الحقل الاجتماعي نموذج للدراسة
عندما يستعمل بورديو الحقل الاجتماعي في الدراسة والبحث فهو ينطلق من كونه يشتمل على:
• عملاء
• مشرعين
• واستقلالية
وعند دراسته للحقل المدرسي لاحظ أن فيها تعسفا رمزيا تشرعه القوانين والتقاليد المدرسية التي تشتمل في مكوناتها الظاهرة على عدالة مصدرها تكافؤ الفرص وخضوع الجميع للقانون. وعليه فالسلطة المدرسية تتسلم في واقع الأمر تفويضا من الطبقات المهيمنة لفرض التعسف الثقافي، فعن طريق هذا التفويض يتم تمرير العنف الرمزي بلطف.
فلو أخذنا مثالا كاللغة سنجد أن التلميذ الغني يختزن في ذاكرته رصيدا لغويا هائلا بالمقارنة مع التلميذ الفقير. فالأول يستعمل لغة تجريدية وله بروتوكول وإتيكيت عالي المستوى وله اهتمامات ثقافية ومدى اجتماعي واسع من العلاقات ورصيد من السلوكات والخبرات لم تكن متاحة لزميله الفقير، وحين يتقدم الاثنان إلى الامتحانات من الطبيعي أن تكون فرصة الطالب الغني في النجاح وتحصيل القدر الأكبر من العلامات أكثر من فرصة الطالب الفقير. هذا الواقع ينطوي على تعسف ثقافي مشروع يعترف به الجميع دون أن يدركوا ظلمه وفداحته، فليس من العدل أن يخضع التلميذان لامتحان من نفس النوع والمستوى في حين يتمايزان بشدة فيما لديهما من رصيد وفرص للنجاح. ومن الواضح أن التمايز الطبقي واضحا على الغم من أن المدرسة ذات سلط ونظام حياديين.
حقول أخرى للدراسة
لقد درس بورديو الكثير من الظواهر الاجتماعية والتي مست أدق تفاصيل الحياة اليومية مبينا فيها كيفية وقوع التمايز الاجتماعي وعنف الرأسمال الرمزي، ففي حقل الاستهلاك يمكن ملاحظة التمايز الطبقي في نوعية الأسواق وتعددها بحيث يبدو لكل شريحة أو طبقة اجتماعية أسواقها ومنتجاتها. ولو أخذنا هواية التصوير الفوتوغرافي مثلا لوجدنا أن رخص الأجهزة وتمكن مختلف الشرائح الاجتماعية من شرائها بهدف ممارسة الهواية كثقافة يمكن من خلالها استعادة الذكريات وحفظ تاريخ العائلة قد نزع من يد الطبقات الغنية أداة للتميز لاسيما وأنها تحولت إلى عادة مبتذلة وأصبحت شائعة بين الناس. ولكن لو أخذنا الفلاح في المجتمع الريفي لبدا التصوير الفوتوغرافي له نوعا من الترف الاجتماعي دون أن يكون للمسألة أي اعتبار للقيمة الجمالية أو الفنية كما هو الحال عند العامل في المدينة. كما أن للعمال أنماط ملابس خاصة تركز على الرخص و المتانة والبساطة دون اعتبار للذوق الجمالي أو الإتيكيت.
أما القوة الجسدية فتمثل بعدا من أبعاد الرجولة يمكن تنميتها ببعض الأطعمة أو التمارين الرياضية بحيث يمثل الجسد بجماله وقوته مظهرا من مظاهر التمايز حتى داخل الأسرة والحي والشارع والمدرسة... .
ومن جهتها لا تبدو الطبقات الفقيرة تقيم كبير وزن للثقافة مثلما يفعل أفراد الطبقات المسيطرة. فالفن التشكيلي والمسرح والنوادي الثقافية والاجتماعية والرياضية الخاصة كلها ممارسات من اختصاصات الطبقات الغنية.
وفي الحقيقة واعتمادا على الهابيتوس فيمكن لنا تعيين مظاهر التمايز الاجتماعي بلا حدود حتى في السلوك اليومي للفرد في الشارع والمؤسسة والبيت والمشي والجلوس والنوم والعمل والمراجعات وفي القيم والإتيكيت والأخلاق والمسكن وفي نمط المعيش والسفر وقضاء أوقات الفراغ والتسوق والدراسة والاستطباب والهوايات...إلخ