المنصف الحامدي

عضو نشيط
منتدى تونس التربوي
ناشر الموضوع
المشاركات
182
الدّولة
تونس
الولاية
صفاقس
المستوى الدّراسي
جامعي
الاختصاص
عربية
المهنة
أستاذ تعليم ثانوي
غير متّصل
    تحليل المقامة البغداذية
  • #1
الــقسم : شرح نصّ
المقامة البغداذيّة
حدّثنا عيسى بن هشام قال : اشتهيتُ الأزاذ وأنا ببغداذ و ليس معي عَقْدٌ على نَقْدٍ ، فخرجتُ أنتهز محالَّه حتّى أحلّني الكرخَ ، فإذا أنا بسواديٍّ يسوق بالجهد حماره ، ويطرّف بالعقد إزاره ، فقلتُ ظفرنا والله بصيد ، وحيّاك الله أبازيد من أين أقبلت ؟ و أين نزلت ؟ ومتى وافيت ؟ وهلمَّ إلى البيت ، فقال السواديُّ : لستُ بأبي زيد ولكنّي أبو عبيد، فقلت : نعم ، لعن الله الشيطان وأبعد النّسيان ، أنسانيك طولُ العهد واتصالُ البعد ، فكيف حال أبيك ؟ أشابٌّ كعهدي أم شاب بعدي ؟| فقال : قد نبت الرّبيع على دمنته ، وأرجو أن يصيّره الله إلى جنّته ، فقلت : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليِّ العظيم ، ومددتُ يد البدار إلى الصّدار أريد تمزيقه فقبض السواديّ على خصري بجُمْعِهِ وقـــــــال : نشدتك الله لا مزّقته ، فقلتُ : هلُمَّ إلى البيت نُصِبْ غداءً أو إلى السّوق نشتـــــــرِ شواءً والسوقُ أقرب وطعامه أطيب ، فاستفزّته حمّة القرم ، وعطفته عاطفة اللّقم ، وطمع ولم يعلم أنّه وقع .
ثمّ أتينا شوّاء يتقاطر شواؤه عرقا وتتسايل جوذاباته مرقا فقلت : أفرزْ لأبي زيد من هذا الشّواء ، ثمّ زن له من تلك الحلواء، واختر له من تلك الأطباق وانضد عليها أوراق الرقاق ، ورُشَّ عليها شيئا من ماء السّماق ،ليأكله أبو زيد هنيّا ، فانحنى الشّوّاء بساطوره على زبْدة تنّوره ، فجعلها كالكُحل سحقا وكالطّحن دقّا ، ثم جلس وجلست ، ولا يئس ولا يئست ، حتى استوفينا ، وقلت لصاحب الحلوى : زنْ لأبي زيد من اللوزينج رطلين فهو أجرى في الحلوق، و أمضى في العروق ، ولْيكنْ ليليّ العمر يوميّ النشر ، رقيق القشر ، كثيف الحشو ، لؤلؤيّ الدّهن ، كوكبيّ اللون ، يذوب كالصمغ قبل المضغ ، ليأكله أبو زيد هنيّا ، قال : فوزنه ثمّ قعد وقعدت ، وجرّ وجرّدت ، حتّى استوفيناه ، ثمّ قلتُ : يا أبا زيد ما أحوجنا إلى ماء يشعشع بالثلج ، ليقمع هذه الصّارّة ويفثأ هذه اللّقم الحارّة ، اجلس يا أبا زيد حتّ نأتيك بسقّاء ـ يأتيك بشربة ماء ، ثم خرجت وجلست بحيث أراه ولا يراني أنظر ما يصنع ، فلما أبطأت عليه قام السواديّ إلى حماره ، فاعتلق الشّوّاءُ بإزاره ، وقال : أين ثمن ما أكلت ؟ فقال أبو زيد : أكلته ضيفا فلكمه لكمة ، وثنّى عليه بلطمة ، ثم ّ قال الشوّاء : هاكَ ، ومتى دعوناك ؟ زنْ يا أخا القحّة عشرين ، فجعل السّواديُّ يبكي ويحلّ عقده بأسنانه ويقول : كم قلت لذاك القريد ، أنا أبو عبيد ، وهو يقول أنت أبو زيد ، فأنشدتُ :
اعمل لرزقك كلّ آله لا تقعدنّ بكلّ حالــــهْ
وانهضْ بكلّ عظيمة فالمرءُ يعجز لا محالهْ

كتاب النصوص ( 3 آداب )

تحليل المقامة
التمهيــــــــــــد
المقامة البغدادية عند النقاد لا تنافسها في الشهرة سوى المقامة المضيريّة ، بلغ من خلالها الهمذاني الشأو البعيد في رونق اللفظ و جمالية الوصف و متعة الحدث وبعد المقصد ، وهي إلى ذلك مثال في تفشي الهزل وشيوع الفكاهة .
الموضـــــــوع
يتحيل ابن هشام على السوادي فيورّطه ويضحك عليه من سذاجته .
الوحــــــــدات
أ - الحدث القادح : من بداية المتن إلى الكرخ .
ب - الحيلـــــــة : من فإذا أنا إلى شربة ماء .

ج - التـــــــوريــط : بقيـــــــة النص.

الوحدة الأولى : الحدث القادح

المكان : بغداد ( ضاحية الكرخ )
الشخصية : ابن هشام : الراوي / بطل القصّة ( اشتهيت - أنا - خرجت ...)
يوهم السارد بواقعيّة الحدث وصدقه لإثارة اهتمام المتلقي وتحفيزا له على القراءة .
الأزمة : تمثل القادح إلى الحركة القصصية وركيزة تنامي الأحداث ( غالبا ما تنطلق المقامة بوضع تأزّم) = الهمذاني متمكن من أدوات السرد وطرق إضفاء التشويق ، محكم لبنية المقامة الحدثيّة .
حالة الافتقار أوالأزمة في المقامة مزدوجة :
* الجوع " اشتهيت الأزاذ " : قادح فطري غريزي
* افتقاد المال " ليس معي عقد على نقد" : قادح اجتماعي ( الفقر)

مشروع السارد / الشخصيّة ( ابن هشام ) : سدّ النقص ومؤدّاه تطوّر الأحداث وتناميها
خرجت : فعل + فاعل : حركة جسد
أنتهز : حال : توق نفس + إعمال عقل : إخضاع الفطرة للعقل فهو المتحكم بها.
أنتهز = ايحاء بطبيعة الأحداث اللاّحقة التي ستبنى على مبدإ الشخصيّة في الحركة وهو انتهاز الفرص .
الوحــــــدة الثانيـــــــة
الحيلـــــة
تدرج ابن هشام في تحيله على الضحية تمهيدا لتوريطه من التمويه عليه إلى إثارة شهوته و استغلال ثقته به .
أ - التمويه : تكشف عنه الأساليب المتظافرة سردا ووصفا وحوارا .
* الوصف : تركز ابتداء على شخصيّة السوادي ظاهريا فهو غريب منهك يجهد بعد سفر في جرّ حماره توحي هيأته بسذاجته وهو يمتلك مالا ( يطرّف بالعقد إزاره )
هذه سمات مساعدة على تحقق الكدية التي تقوم على اقتناص الضحية المناسبة ، فالمكدّي خبير بالناس ذو حدس قوي صنيعة تمرّس بالدهر و آفاته وهو ما كشفه الحوار الباطني بقول ابن هشام " ظفرنا والله بصيد " .
المكدي مقتنص ماهر يجيد تصيد الضحايا قوي الحدس شديد الفطنة يؤسس حيلته على الخبرة والعقل ويستند إلى معطيات واقعية واضحة وخبرة واسعة .


الحوار : تقنية غالبة ، يهيمن عليه ابن هشام ما يبين هيمنته على الموقف برمته وتحكمه التام في شخصية السوادي المنقاد إليه انقيادا .
الحوار خطاب يقوم على إعمال ملكات العقل وعلى فصاحة اللسان تأثيرا وإقناعا : المكدي محاور بارع ومبادر جرئ ومحاجّ مقنع : مبادءة السوادي بالترحيب والانهيال عليه بوابل من الأسئلة و ايهامه بالصحبة والتظاهر بالتكوّي و التقمص الوجداني لدور الحزين الجزع والتحرّق لفقد الأب مع الايهام بقوة الايمان بذكر الآيتين وادّعاء الكرم بالدعوة إلى البيت ثم التراجع عنها سريعا بحجة (تعلة) قرب السوق وطيب المأكل فيه .

إنّه خطاب واع ناشئ على جملة من المغالطات ما يكشف الحذق والاحتراف في فنّ الكدية الذي تفشّى في عصر الهمذاني وهو ينبني على زائف القيم كرم ولا كرم وصحبة ولا صحبة ووفاء مزعوم وتعاطف موهوم وتديّن مفتعل.
إنّ حذق المكدي فنّ التمويه لا يعدله إلاّ حذق الهمذاني لفنّ التأليف وخلق التكامل بين الأساليب السردية فقد تخللت الحوارَ جملٌ سردية ووصفية زادت من بيان معابثة المكدي بنفسية السوادي وخاصة في مبادرته إلى القميص يريد تمزيقه فَرَقًا على موت الأب ما أوقع السوادي في تصديق ابن هشام بل والتعاطف معه ( نشدتك الله لا مزّقته )
التمويه مقدمة لتحريك الشهوة و إثارة الغرائز.
ب : إثارة الشهوة
الترغيب و الإطماع في الأكل بوصف طِيبِ الطعام في السوق من لدن ابن هشام الذي استغلّ وضعية سوادي خائر القوى مكدود البدن خاوي البطن متثاقل الحركة تغلب عليه غرائزه قليل استخدام العقل في ذلك الظرف منقاد إلى شهوته مصدق لمن معه .
وصف الأطعمة : إغراء في وصف الشِّوَاءِ والحلوى والماء .
الأسلوب بديع متناسق منغم مطرب ( الجمالية الفنيّة ) مثير مورّط
هو وصف شهوي لأديب فصيح فقير كدّاء محروم ( ابن هشام ) متلائم مع حالة بدوي بسيط مكدود جائع منهوم ( السوادي)
.
يساهم الإطناب في الوصف في مزيد من الإلغاء لعقل السوادي و في انغماسه في وهم الضيافة فيقبل على صنوف مشتهاة من الطعام يُطَعِّمُ اطمئنانَه إلى التهامها مجانا الصّديقُ المزعومُ لأبيه حسنُ الاستقبال و الوفادة ، ابن هشام المردّد بين الفينة والفينة : "ليأكله أبو زيد هنيا". (( لم ينتبه السوادي إلى الخطإ في ترديد ابن هشام لكنيته( أبو زيد) فقد جرّدته الشهوة من النباهة و العقل)).
- يستوفي ابن هشام الطعام فيستوفي معه الحيلة بالتعلل بجلب السقاء مغريا ببرودة الماء بعد التنعم بالشواء .

التأليف : الوحدة الثانية
* التدرج في الحيلة من التمويه إلى إثارة الشهوة .
* المكدي متسول يحذق مهنته فهو مموّه بارع ومغالط ماهر .
* كان العبث بالضحية في بعديها النفسي والغريزي طمسا للعقل وإلغاء له ، وكان لفصاحة اللسان وسمات الجرأة والمبادرة مع سرعة تصديق السوادي الدافع الأكبر للوقوع في مصيدة المكدي واستيفاء مشروعه الذي من أجله خرج ( خرجت أنتهز ...).

الوحدة الثالثة : التوريط

الأحداث :
- خروج ابن هشام وإبطاؤه.
- نهوض السوادي إلى حماره يبتغي الانصراف .
- اعتلاق الشوّاء بإزاره والمطالبة بثمن الأكل .
- السوادي يعلل عدم الدفع بكونه ضيفا .
- التعرّض للعنف الجسدي واللفظي و إجبارالسّواديّ على دفع الثمن.

- حلّ السّواديّ العقد ودفع المال باكيا .
- هذه الأحداث تجسد موقفا ناضحا بضروب الفكاهة وفنون الإضحاك تـَـبَدّى ذلك في الأفعال والأقوال والأحوال .

- الأفعال : اللكم واللطم وشد الإزار وفك العقد.
- الأقوال: غلظة الشواء وشراسة ألفاظه (هاك ومتى../ زن يا أخا القحة )
سذاجة السوادي و عفوية ألفاظه ( أكلته ضيفا / كم قلت لذلك القريد.. )
- الأحوال : غضب وعنف يقابلهما ذهول وعجز وبكاء .

* موقف التورّط يعج بألوان الفكاهة.
إنّ أبرز ما يلفت الانتباه قدرة الهمذاني على تحويل المأساة ملهاة .
- الموقف عصيب ملؤه البكاء والنحيب فالسوادي ضحيّة مغلوبة مأزومة واقعة تحت غائلة الفظاظة في المعاملة والعنف يفيض دمعها بيد أن تلك المحنة تصبح في المقامة مصدرا للفكاهة والمتعة .

المتعة المتحققة أضافها ابن هشام إلى متعة الأكل فمراقبته لهذا الموقف أتاحت له متعة الفرجة = تغذية بدنيّة ونفسية .
الخاتمة الشعرية
مبنية على الانشاء أمرا ونهيا .

الخطاب فيها موجه إلى الإنسان عامة .
الحكمة المراد إبلاغها والعبرة المرغوب استخلاصها : كسب الرزق بكل الوسائل وهي حكمة تبرّر وتشرّع .
المتمعن في الألفاظ يتبين استعمال سجل فخري مصدره رصيد مأثور من القيم وهي : العمل / الارتزاق / إنكار القعود وذمه / النهوض لعظائم الأمور.
أما الباطن فهو زيغ عن أصيل القيم إلى زائفها وعدول بالفصاحة والتفوّق اللغوي عن الثابت إلى المتحول وعن الحقيقي إلى المزيّف.

أقوال المكدي قائمة على عدد كثيف من المغالطات من بداية المقامة جلّها في الحيّز الأخلاقي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تستبطن هذه المقامة البغدادية ذات البنية المحكمة والفكاهة الشائعة واللغة المتفوقة على دلالات معمقة تبين وعي الهمذاني بصنوف شاذة وعجيبة من السلوك الاجتماعي في عصره مأتاها الفقر والاحتياج جراء ضعف السلطة وعجزها وهذه السلوكات العجيبة ظريفة طريفة تخفي بين أعطافها نقدا لانقلاب القيم في مجتمع ملئ بالتناقضات .
فللصّحبة معنى غير معناها الأصيل وللصدق والعمل والكرم و الفضائل عامة عند المكدين وأهل القرن الرابع معان أُخر .



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ








 
التعديل الأخير:

الوفاء الدّائم

عضو مهمّ
منتدى تونس التربوي
المشاركات
775
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
المستوى الدّراسي
خيار آخر
الاختصاص
-
المهنة
-
غير متّصل
    تحليل المقامة البغداذية
  • #2
تحليل متميز
 

آلاء حسني

ضيف جديد
منتدى تونس التربوي
المشاركات
3
الدّولة
tunisie
الولاية
sfax
المستوى الدّراسي
ثانوي
الاختصاص
آداب
المهنة
تلميذة
غير متّصل
    تحليل المقامة البغداذية
  • #3
التحليل متماسك ولكن هل الفقرة الأخيرة تقييم أم تأليف ؟
 

KHALED REO

ضيف جديد
منتدى تونس التربوي
المشاركات
1
الدّولة
الجزائر
الولاية
برج بوعريريج
المستوى الدّراسي
جامعي
الاختصاص
شعبة آداب
المهنة
استاذ
غير متّصل
    تحليل المقامة البغداذية
  • #4
واؤه عرقا وتتسايل جوذاباته مرقا فقلت : أفرزْ لأبي زيد من هذا الشّواء ، ثمّ زن له من تلك الحلواء، واختر له من تلك الأطباق وانضد عليها أوراق الرقاق ، ورُشَّ عليها شيئا من ماء السّماق ،ليأكله أبو زيد هنيّا ، فانحنى الشّوّاء بساطوره على زبْدة تنّوره ، فجعلها كالكُحل سحقا وكالطّحن دقّا ، ثم جلس وجلست ، ولا يئس ولا يئست ، حتى استوفينا ، وقلت لصاحب الحلوى : زنْ لأبي زيد من اللوزينج رطلين فهو أجرى في الحلوق، و أمضى في العروق ، ولْيكنْ ليليّ العمر يوميّ النشر ، رقيق القشر ، كثيف الحشو ، لؤلؤيّ الدّهن ، كوكبيّ اللون ، يذوب كالصمغ قبل المضغ ، ليأكله أبو زيد هنيّا ، قال : فوزنه ثمّ قعد وقعدت ، وجرّ وجرّدت ، حتّى استوفيناه ، ثمّ قلتُ : يا أبا زيد ما أحوجنا إلى ماء يشعشع بالثلج ، ليقمع هذه الصّارّة ويفثأ هذه اللّقم الحارّة ، اجلس يا أبا زيد حتّ نأتيك بسقّاء ـ يأتيك بشربة ماء ، ثم خرجت وجلست بحيث أ
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:

أعلى أسفل