- المشاركات
- 164
- الدّولة
- تونس
- الولاية
- صفاقس
- م. الدّراسي
- جامعي
- الاختصاص
- عربية
- المهنة
- أستاذ تعليم ثانوي
المستوى : 3 آداب
المحور الثاني : فن المقامة
تأليــــــــــف
تمهيد:
المقامة في اصطلاح الأدباء فن كتابي سردي ، وهي عبارة عن قصّة قصيرة بطلها نموذج إنساني متسوّل كدّاء ( مكدٍّ) ، لها راوٍ وبطل و تقوم على حدث طريف مغزاه إبراز المفارقات و التناقضات في المجتمع ، أو هي مغامرة مضحكة تحمل في طياتها سخرية لاذعة من الأوضاع السائدة ، وتتميز المقامة بتأنقها اللفظي ورونقها البلاغي ، ويتفق الدارسون أن بديع الزمان الهمذاني الذي عاش في القرن الرابع الهجري مبتكر هذا الفن السردي .
عوامل النشأة
ليس الأدب مرآة تعكس الواقع و إنّما هو رؤية جمالية له ، وموقف فكري نقدي إزاء ظواهره ، والمقامات فنّ تأثر عند ظهوره بعوامل مختلفة لم يؤرّخ لها الهمذاني بل أبدى بالمقامة نقده لها وسخريته منها .
العوامل السياسية
دبّ الوهن في جسد الدّولة العباسية بإغراق الخلفاء والأمراء في طلب الملـــــذات و الإقبال على المباهج وصنوف الزخرف الدنيوي وتنافسوا في بلوغها و تكالبوا فتطاحنوا حتّى غَدَوْا شتاتا وضعفت شوكتهم وعصفت بدولتهم رياح الصراع والخلاف مما أسهم في نشوء دويلات وإمارات متناحرة و فسد حالُ الرعيّة بفساد حال الملوك ، هذا الوهن السياسي إذن كان سببا رئيسا في الانحلال الاجتماعي و التدهور الأخلاقي و الضعف الديني و الاختلال الثقافي .
العوامل الاجتماعيّة
كان من الطبيعي و بسبب الحياة الباذخة للملوك و الأمراء أن يؤول أمر الدولة إلى التّهاوي وأن تكون الرّعيّة ضحيّة هذا الإسراف و الإعراض عن شـــــــؤون الناس
و معاشهم فتفشّى الفقر وكثرت المجاعات و ظهرت الفتن والقلاقل وانتشرت السرقات و ألوان من الفسق والفجور و شاعت الكدية و تفاقم الاستجداء .
العوامل الأخلاقية والدينية
إنّ العاملين السياسي والاجتماعي كان لهما تأثير بالغ على سلم القيم الأخلاقية و المفاهيم الدينية فكانت المعابثة بهذه الثوابت ظاهرة لافتة تنبه الهمذاني إلى خطورتها ، لقد انتشر الزيف وعمت الفوضى وساد الجهل بالدين فتفرّقت بالناس السبل وانحرفوا عن الفضائل ورغبوا عن الدين وزهدوا فيه مُعلين من قيمة المادة و تباروا في السعي إلى تحقيق المصلحة بكل وسيلة .
العوامل الفكرية والثقافية
تذهب كثير من الدراسات في التاريخ العربي الإسلامي إلى اعتبار أن الحضارة الإسلامية فقدت مكانتها بمحاربتها للعقل بعد أن كان شعارَها وأداتـَها في الارتقاء بالفكر والثقافة والفن والعلوم، إن الانقلاب على ما رسّخه المأمون والواثق والمعتصم (من خلفاء بني العباس في فترة التوطيد والازدهار) في عهد المتوكل الذي حارب الفلاسفة والمتكلمين وأهانهم - فهم عنده أهل بدع وضلالة - كان إيذانا بسقوط ذلك الصرح الحضاري العظيم الذي أرساه أسلافه ثم جاء مقتله لتتمزق دولة بني العباس و ترتد عن العقل إلى النقل وعن المنطق إلى الخرافة وعن العلم إلى الجهل فتغدو للأتراك والفرس والروم مطمعا ، هذا الانقلاب على حضارة الفكر والعقل والأدب والفن أدى إلى التهميش والتزييف و شيوع الخرافات وبرز الاستهتار بقيمة الأدب والفن والمعرفة والعقل فانحرفت عن دورها في ترسيخ الأصيل إلى الترويج للمزيف تساوقا مع الحالة السائدة وتفشي القيم البائدة .
المقامة بناء فنّي محكم
للمقامة دعائم فنية جعلت منها وحدة بنيوية محكمة البناء .
1 * لغة المقامة: أنيقة ساحرة جميلة مغوية تعابيرها ذات رونق وصورها أخاذة اعتمد الهمذاني في صياغتها أساليب بديعية متنوعة لعل السجع أبرزها وهو أسلوب تأنّق الكاتب في ترصيع عباراته واستواء فِقَرِهِ وفاصلاته وتولّد عنه الجناس ليعضده في تحقيق الغنّة والإيقاع فـﭑرتقت المقامة إلى مرتبة الإبداع ، ولم يقتصر الهمذاني على هذين المحسّنين البديعيين اللّفظيين بل تجاوزهما إلى محسنات معنويّة عمادها الطباق غالبا والمقابلات أحيانا علاوة على الاقتباس القرآني والتضمين الشعري ، و ينضاف إلى هذا الزخرف البديع ألوان من الصور ذات المنحى الشعري والعمق التصويري فتواترت التشابيه وتكثفت الاستعارات مزدانة في مواضع غزيرة ببديع الكنايات .
· لغة المقامات ثريّة منتقاة من سجلاّت قولية متنوّعة (الديني / الأخلاقي / الفلسفي / الخمري / الغزلي / الفخري / الرّثائي ..) وهذا الثراء المعجمي وظيفي متفق مع الأحوال و الأوضاع مساهم في الحيلة مطور للأحداث بحسب المواقف و الأطوار التي يوظف فيها فالمعجم الدّيني مثلا يوظفه أبو الفتح في المقامة الموصليّة استدراجا للناس وتمويها عليهم فتذبح له البقرة ويتزوج الجارية .
· ولعل أبرز الدعائم في لغة المقامة ازدواجية الشعر والنثر فهما "أخوان" متناسقان متناغمان يأخذ الواحد جماليته من الآخر و يحشدان متعاضدين الحسن والزينة والسحر الأدبي ولقد كانت رغبة الهمذاني واضحة في اصطفاء لغة مقاماته والإعلاء من قيمتها لتضاهي في رونقها لغة الشعر ، إنه السعي إلى محــــاكاة أنبل الفنون عند العرب وهو فن الشعر .
· هذا الإحكام في لغة المقامة والتجويد في عباراتها وصورها لم يكن مجرّد حِلْيَةٍ لفظية وتوشية مجانية بل وظفه الهمذاني في سياق القصّة توظيفا بارعا يظهر ذلك في وصف الشخصيات وكشف ظاهرها و باطنها وفي تطوير الأحداث وتصوير الأحوال وخلق التشويق فالشعر مثلا الوارد على لسان المكدّي غالبا ما يساهم في تصاعد وتيرة الأحداث بطاقته التأثيرية الهائلة على الضحية كما يكشف الشعر في الخاتمة فلسفتها ( شخصيّة المكدّي) و يوضح مواقفها ويبرّر تحيّلها و يشرّع له . و يرد الوصف المُوَشَّى بجميل العبارة في مواضع كثيرة مساهما في إظهار العناصر المساعدة على نشوء الكـدية و توضيح مقام انتهاز المكدّي للفرصة واقتناص الضحيّة.
2 – تكامل الأساليب السرديّة :
لئن صاغ الهمذاني مقاماته نثرا بقوانين الشعر وجمالياته فإننا نكتشف في إطار هذا النثر الشعري دراية كاملة بفنون الخطاب السردي : سرد الأحداث وسرد الأقوال ووصف المواقف والشخصيات والأحوال والأمكنة والأزمان في تنظيم وحبكة تمتع المتلقي وتبهجه وتأسره ، إنّ خطة السرد لا تُبنى على حبكة الحدث و حسب وإنّما على تظافر هذه التقنيات السرديّة وتكاملها لذلك نجد الهمذاني يراوح بين الأسلوب والآخر بحسب مقتضيات القصّة و تطوّر أحداثها فإذا عرّفنا إلى الأزمة بناها باعتماد السرد وإذا عرّفنا إلى الشخصيّة أو مقام الكدية توخّى الوصف فهيّأ للحدث دوافعه وبيّن به ( الوصف) عوامل نموّه وتطوّره ، وإذا طلب بيان الكدية عمد إلى الحوار الذي يهيمن عليه المكدّي عادة فيهيمن به على النفوس ويوجه به الحدث حيث شاء أن
يوجّهه ليعود إلى السرد ثانية بعد أن أدّى الحوار وظيفته في التأثير على الضحيّة وتطوير أحداث القصّة ، وهكذا يُكَمِّلُ الأسلوبُ الآخرَ في تناغم وانسجام . ونتبيّن من خلال هذا التناسق بنية خطابيّة سرديّة محكمة لا عبث بأصولها ولا زيغ عن شروطها .
3 * البنية الحدثيّة :
صاغ الهمذاني بلغته الأنيقة حكايات متينة البناء تتتابع فيها الأحداث تتابعا عِلِّيّا بدايتها حدث القادح ونهايتها موقف طريف صادم مثير للانتباه محقق للتشويق .
أ - الأزمة : عادة ما تنفتح الأحداث على أزمة تمثل القادح إلى تنامي الحركة القصصية تظهر فيه الشخصيّة في حالة من الافتقار هي غالبا مترتبة عن رحلة في مجاهل مجتمع جائر ، أوقع الشخصية ذات الحَظِّ العاثر في مآزق أو مخاطر : سطوة قطاع طرق أو فقر ولا زاد أو غربة ولا صاحب أو مسير على غير هدى أو غواية إبليسيّة تنقاد إليها الشخصيّة ( المقامة الخمريّة : نفاد الخمرة والخروج للاستزادة منها) .
ب - المغامرة : تخوض الشخصيّة القصصيّة مغامرة مدفوعة بحالة الافتقار فتعمل على سدّ الثغرة وتتوخّى في ذلك طريق الكدية وهي ذات مراحل بائنة منسّقة تبدأ بالترصّد للمقام المناسب ، يعقبها تمويه ومغالطة عبر الأقوال وتفضي إلى المنال بالحصول على المطلوب في النهاية .
وفي إطار هذه المغامرة تبرز شخصيّة المكدّي مُمَوِّهَةً مغالطة قويّة التأثير في ضحيّتها بارعة في أقوالها انتهازية في أعمالها لا يبرحها العقل وتطمسه عند الضحية بإثارة مخاوفها أو إيهامها بزيف الصّحبة أو استدراجها بوعد مكذوب و خلاص مرقوب ، كما يبرع المكدّي في المعابثة بالقيم و في التظاهر بالتُّقى والورع وحسن التوكل بل يدّعي أحيانا القدرة على إحياء الموتى و محاكاة بركات الأنبياء فتُذبح له البقرة الصفراء أو تسكن النفوس لحرز اخترعه أو دعاء ابتدعه .
هذه الطاقة التأثيرية القوية التي اكتسبها المكدّي من طول معاشرته للدّهر تنبني على جمال اللفظ فهو متكلم فصيح و خطيب بليغ و على إدعاء التدين فهو إمام الأئمة سليم الطّوِيَّةِ ذو نفس زكيّة ، لكتاب الله حافظ وللناس في محنهم مرشد وواعظ كما تنبني على التظاهر بالإشفاق حينا و إثارة الشفقة أحيانا و على ادّعاء الحكمة والقدرة مقدمة لنيل العطيّة عن رضا وطيب نفس من الضحيّة .
إنّ هذه المواهب الفذّة التي يمتلكها المكدّي عناصر جوهريّة توظف لإحكام البناء في أحداث المقامة وتنامي نسق أحداثها فبها يتم الإيقاع بالضحية ويتحقق المأرب و تنقلب أزمة المتحيّل انفراجا بعد أن زاد من تعقيد وضع ضحيّته وتورّطها ، تلك الضحية التي تساعد ببلاهتها وجهلها وغياب العقل عندها المكدّيَ على إتمام حيلته وتنفيذ خطته . ( المقامة البغداذية ففيها نال المكدّي طِلْبته من الأكل ومتعته من الفرجة على السّوادي ضحيته سريع التصديق المدفوع بجوعه وطمعه والذي وقع بالحيلة في مأزق مع الشواء فدفع المال وغنم البكاء خلافا للمتحيل الذي نال الوليمة وغنم الضحك) .
ج - موقف التعرّف وحصول المفاجأة : تنغلق أحداث المقامة عادة على هذا الموقف المقترن بالدهشة وتظهر شخصيّة المكدّي على حقيقتها بعد خلع ردائها الزائف ، وليست الدهشة متأتّية من التعرف إلى شخصيّة المتحيل فحسب وإنّما من طريقتها في التبرير والتشريع لفعلها الشاذ ، يندهش السارد ( ابن هشام) ويدهشنا الهمذاني من ورائه بما في فلسفة المكدّي من اختراع وابتداع ومفارقات عجيبة .
د – الصّراع : تبنى مقامات الهمذاني على مفهوم مركزي في السرد وهو مفهوم الصراع إذ أنّه من عناصرها البنيوية فبحضوره ينمو الحدث وتتطور القصّة وتتحقق الحبكة ، وهو عند الهمذاني متراوح بين الخفاء والتجلّي ، أمّا الخفاء فنستجليه من ظهور المكدّي صانع الحدث و محور السرد بخلاف ما يبطن فهو يضمر مشروعا هو التحيل ويبدي خلافه كالتقوى أو الفقر أو الذلّ أو القدرة الخارقة فيكون الصراع خفيّا لا ينكشف للضحيّة إلا مع نوال المتحيّل المطلوب ، وأما التجلّي فيبرز من خلال مواقف للصراع العنيف جسديا أو لفظيا بين شخصيات المقامة كالعراك في الحمام على رأس ابن هشام وتبادل العنف الجسدي واللفظي أو حدث انتقام أهل الميّت من المدّعي الكذّاب أو اللكم واللطم لسواديّ غريب من لدن شواّء فظّ .
الفكاهة في المقامات
في مقامات الهمذاني إشاعةٌ لألوان من المبالغات والمواقف الهزليّة الطريفة والأقوال العجيبة الظريفة تحقيقا للمتعة الأدبيّة ولقد تنوّعت طرق الإضحاك وتعددت أساليبه عند الهمذاني فعلا وقولا وحالا وموقفا .
الكدية : حدث رئيس و طرقه مضحكة و عجيبة :
· في إطار سرد حدث الكدية ينجلي الإضحاك بالأفعال والحركات تمويها وتأثيرا في الضحيّة للإيقاع بها في فخ المكدّي فتذهل الضحيّة و يتحقق للكدّاء مرامُه و للقارئ انشراحه كأن يتكوّى لفقد صديق مزعوم أو يتظاهر بفقر موهوم أو يجدّ في الصلاة والخفض والرفع ، فيشكو الناس وجع الضلع وقد استقرّ في وجدانهم إتيانه بالخوارق وقدرته على تخليصهم من المآزق .
وقد يقع المكدّي ضحيّة أفعاله و أطماعه وتفشل خطّته فينال بدل الطعام ضربا وبدل المال تبريحا أو تمزيقا للأثواب و إدماء للقفا ، فينقلب السحر على الســــــــــــــــاحر
و تتحقق الفكاهة و يشيع الضحك ، و يتعزّز هذا الأسلوب في الإضحاك بوجود الشخصيّة أحيانا في مأزق تعجز عن تجاوزه فتركن إلى الفرجة وتخضع لمشيئة الأقدار وتكتفي بالوصف لحركات الآخرين وتغالي في إظهار شراستهم و حماقــــاتهم ( المقامة الحلوانية )
· يبرَع المكدّي في التأثير على الضحية بحركات مضحكة مغالطة و بأقوال أكثر منها إضحاكا و إفشاء للسرور والدّعابة مقصدها التمويه ومغزاها النيل من مال الضحيّة أو طعامها فيتكثف العويل والنحيب أو التزييف والتدجيل بمقالات مضحكة أو أشعار مسلّية مغالطة . ( المقامة الأزاذيّة وادعاء الفقر ووصف الحرض والشظف بشعر فصيح) .
· يتقوّى هذا البعد الهزلي بعبارات مضحكة يستعملها الهمذاني في الوصف أو الحوار فهي غريبة طريفة تبعث على التندّر والضحك مثل لكع أو عمّيت وعفريت في وصف الإمام التائب أو طنّ بفيه أو خرديق (الثريد) أو حُزُقّة ( قصير ضخم البطن) أو قَرَنْبَى ( كالخنفساء ) ( المقامة الأهوازية ).
· موقف التعرّف : الضحك فيه متحقق بالمفاجأة والدهشة التي تصيب السارد و القارئ على السواء و بالمفارقة العجيبة في سلوك أبي الفتح الذي يُترك مثلا في المسجد تائبا فيعثر عليه في الخمارة مغنّيا أو لقدرته على تزييف حاله وصوته وبيانه فإذا انجلى أمره أضحك بقوله وأذهل بعجيب فلسفته.
الخلاصة : الفكاهة في المقامة متنوعة وطرقها متعدّدة وهي تمتع المتلقي وتسخر من الواقع وأوضاعه المتردّية ، إنها خفّة غير بريئة وضحكة مشحونة بالمواقف الساخرة اللاّذعة فهي إذن طريقة المبدع ( الهمذاني) المتواري خلف سارده وبطله في شد المتقبل إلى جميل الصنعة الأدبية التي أودعها رؤاه ومواقفه الفكريّة .
البعد النقدي
إنّ شأن الأدب التلميح لا التصريح والمجاز لا الحقيقة لأنّه أبعد ما يكون عن التأريخ أو التدوين للوقائع والأحداث الحقيقية فيعمد الأديب إلى الخيال وينهل من الجمال ويحفز بهما المتلقي على إدراك المقصد والمغزى ، ولقد أدرك الهمذاني الخلل في عصره في غير واحد من الأمصار في الدولة فكانت رحلاته فيها المُنْشَأَة بخيال أدبي خصيب كناية عن واقع تدهورت أوضاعه وساده الفقر الاجتماعي والثقافي والأدبي جرّاء أوضاع سياسية مأزومة وطائفة من الحكام إلى البذخ منهومة ، ما انجرّ عنه تهاوٍ في أوضاع المجتمع الذي أفرز الفقرُ فيه ظاهرةَ الكدية فتحوّلت إلى حرفة استساغ أصحابها الحصول على الرزق بوسيلتها وركنوا إلى طريقتها القائمة على المغالطة والتزييف والتشويه وزعزعة الثابت من القيم الدينية والأخلاقية والأدبيّة ، فغدا الكذب عقلا وأصبحت الحيلة مفخرة والأدب وسيلة للكدية والدين برقعا يخفي الوجه الحقيقي لمدّعي الالتزام بقيمه والثقافة العقلية زيفا وتخريبا للعقل والقيم ، في خضمّ هذا الاختلال على مختلف الأصعدة و هذا التحول في وظائف السياسة والدين والأدب والثقافة والعقل من مناهج للتطور وأعمدة للبناء الحضاري إلى معاول للهدم فلا تديّن ولا أدب ولا عقل ولا ثقافة إلاّ ما كان مزيّفا مغالطا ، كان الهمذاني شديد الوعي بالمخاطر التي تُحِيقُ بأمته لذلك كانت سخريته لاذعة جارحة .
التاريخ : 2016/12/26
ملاحظة : سعيت في هذا التأليف - ما عنّ لي ذلك - إلى مراعاة أهداف المحور و مستوى المتقبل ( تلاميذ الثالثة آداب ) .
المحور الثاني : فن المقامة
تأليــــــــــف
تمهيد:
المقامة في اصطلاح الأدباء فن كتابي سردي ، وهي عبارة عن قصّة قصيرة بطلها نموذج إنساني متسوّل كدّاء ( مكدٍّ) ، لها راوٍ وبطل و تقوم على حدث طريف مغزاه إبراز المفارقات و التناقضات في المجتمع ، أو هي مغامرة مضحكة تحمل في طياتها سخرية لاذعة من الأوضاع السائدة ، وتتميز المقامة بتأنقها اللفظي ورونقها البلاغي ، ويتفق الدارسون أن بديع الزمان الهمذاني الذي عاش في القرن الرابع الهجري مبتكر هذا الفن السردي .
عوامل النشأة
ليس الأدب مرآة تعكس الواقع و إنّما هو رؤية جمالية له ، وموقف فكري نقدي إزاء ظواهره ، والمقامات فنّ تأثر عند ظهوره بعوامل مختلفة لم يؤرّخ لها الهمذاني بل أبدى بالمقامة نقده لها وسخريته منها .
العوامل السياسية
دبّ الوهن في جسد الدّولة العباسية بإغراق الخلفاء والأمراء في طلب الملـــــذات و الإقبال على المباهج وصنوف الزخرف الدنيوي وتنافسوا في بلوغها و تكالبوا فتطاحنوا حتّى غَدَوْا شتاتا وضعفت شوكتهم وعصفت بدولتهم رياح الصراع والخلاف مما أسهم في نشوء دويلات وإمارات متناحرة و فسد حالُ الرعيّة بفساد حال الملوك ، هذا الوهن السياسي إذن كان سببا رئيسا في الانحلال الاجتماعي و التدهور الأخلاقي و الضعف الديني و الاختلال الثقافي .
العوامل الاجتماعيّة
كان من الطبيعي و بسبب الحياة الباذخة للملوك و الأمراء أن يؤول أمر الدولة إلى التّهاوي وأن تكون الرّعيّة ضحيّة هذا الإسراف و الإعراض عن شـــــــؤون الناس
و معاشهم فتفشّى الفقر وكثرت المجاعات و ظهرت الفتن والقلاقل وانتشرت السرقات و ألوان من الفسق والفجور و شاعت الكدية و تفاقم الاستجداء .
العوامل الأخلاقية والدينية
إنّ العاملين السياسي والاجتماعي كان لهما تأثير بالغ على سلم القيم الأخلاقية و المفاهيم الدينية فكانت المعابثة بهذه الثوابت ظاهرة لافتة تنبه الهمذاني إلى خطورتها ، لقد انتشر الزيف وعمت الفوضى وساد الجهل بالدين فتفرّقت بالناس السبل وانحرفوا عن الفضائل ورغبوا عن الدين وزهدوا فيه مُعلين من قيمة المادة و تباروا في السعي إلى تحقيق المصلحة بكل وسيلة .
العوامل الفكرية والثقافية
تذهب كثير من الدراسات في التاريخ العربي الإسلامي إلى اعتبار أن الحضارة الإسلامية فقدت مكانتها بمحاربتها للعقل بعد أن كان شعارَها وأداتـَها في الارتقاء بالفكر والثقافة والفن والعلوم، إن الانقلاب على ما رسّخه المأمون والواثق والمعتصم (من خلفاء بني العباس في فترة التوطيد والازدهار) في عهد المتوكل الذي حارب الفلاسفة والمتكلمين وأهانهم - فهم عنده أهل بدع وضلالة - كان إيذانا بسقوط ذلك الصرح الحضاري العظيم الذي أرساه أسلافه ثم جاء مقتله لتتمزق دولة بني العباس و ترتد عن العقل إلى النقل وعن المنطق إلى الخرافة وعن العلم إلى الجهل فتغدو للأتراك والفرس والروم مطمعا ، هذا الانقلاب على حضارة الفكر والعقل والأدب والفن أدى إلى التهميش والتزييف و شيوع الخرافات وبرز الاستهتار بقيمة الأدب والفن والمعرفة والعقل فانحرفت عن دورها في ترسيخ الأصيل إلى الترويج للمزيف تساوقا مع الحالة السائدة وتفشي القيم البائدة .
المقامة بناء فنّي محكم
للمقامة دعائم فنية جعلت منها وحدة بنيوية محكمة البناء .
1 * لغة المقامة: أنيقة ساحرة جميلة مغوية تعابيرها ذات رونق وصورها أخاذة اعتمد الهمذاني في صياغتها أساليب بديعية متنوعة لعل السجع أبرزها وهو أسلوب تأنّق الكاتب في ترصيع عباراته واستواء فِقَرِهِ وفاصلاته وتولّد عنه الجناس ليعضده في تحقيق الغنّة والإيقاع فـﭑرتقت المقامة إلى مرتبة الإبداع ، ولم يقتصر الهمذاني على هذين المحسّنين البديعيين اللّفظيين بل تجاوزهما إلى محسنات معنويّة عمادها الطباق غالبا والمقابلات أحيانا علاوة على الاقتباس القرآني والتضمين الشعري ، و ينضاف إلى هذا الزخرف البديع ألوان من الصور ذات المنحى الشعري والعمق التصويري فتواترت التشابيه وتكثفت الاستعارات مزدانة في مواضع غزيرة ببديع الكنايات .
· لغة المقامات ثريّة منتقاة من سجلاّت قولية متنوّعة (الديني / الأخلاقي / الفلسفي / الخمري / الغزلي / الفخري / الرّثائي ..) وهذا الثراء المعجمي وظيفي متفق مع الأحوال و الأوضاع مساهم في الحيلة مطور للأحداث بحسب المواقف و الأطوار التي يوظف فيها فالمعجم الدّيني مثلا يوظفه أبو الفتح في المقامة الموصليّة استدراجا للناس وتمويها عليهم فتذبح له البقرة ويتزوج الجارية .
· ولعل أبرز الدعائم في لغة المقامة ازدواجية الشعر والنثر فهما "أخوان" متناسقان متناغمان يأخذ الواحد جماليته من الآخر و يحشدان متعاضدين الحسن والزينة والسحر الأدبي ولقد كانت رغبة الهمذاني واضحة في اصطفاء لغة مقاماته والإعلاء من قيمتها لتضاهي في رونقها لغة الشعر ، إنه السعي إلى محــــاكاة أنبل الفنون عند العرب وهو فن الشعر .
· هذا الإحكام في لغة المقامة والتجويد في عباراتها وصورها لم يكن مجرّد حِلْيَةٍ لفظية وتوشية مجانية بل وظفه الهمذاني في سياق القصّة توظيفا بارعا يظهر ذلك في وصف الشخصيات وكشف ظاهرها و باطنها وفي تطوير الأحداث وتصوير الأحوال وخلق التشويق فالشعر مثلا الوارد على لسان المكدّي غالبا ما يساهم في تصاعد وتيرة الأحداث بطاقته التأثيرية الهائلة على الضحية كما يكشف الشعر في الخاتمة فلسفتها ( شخصيّة المكدّي) و يوضح مواقفها ويبرّر تحيّلها و يشرّع له . و يرد الوصف المُوَشَّى بجميل العبارة في مواضع كثيرة مساهما في إظهار العناصر المساعدة على نشوء الكـدية و توضيح مقام انتهاز المكدّي للفرصة واقتناص الضحيّة.
2 – تكامل الأساليب السرديّة :
لئن صاغ الهمذاني مقاماته نثرا بقوانين الشعر وجمالياته فإننا نكتشف في إطار هذا النثر الشعري دراية كاملة بفنون الخطاب السردي : سرد الأحداث وسرد الأقوال ووصف المواقف والشخصيات والأحوال والأمكنة والأزمان في تنظيم وحبكة تمتع المتلقي وتبهجه وتأسره ، إنّ خطة السرد لا تُبنى على حبكة الحدث و حسب وإنّما على تظافر هذه التقنيات السرديّة وتكاملها لذلك نجد الهمذاني يراوح بين الأسلوب والآخر بحسب مقتضيات القصّة و تطوّر أحداثها فإذا عرّفنا إلى الأزمة بناها باعتماد السرد وإذا عرّفنا إلى الشخصيّة أو مقام الكدية توخّى الوصف فهيّأ للحدث دوافعه وبيّن به ( الوصف) عوامل نموّه وتطوّره ، وإذا طلب بيان الكدية عمد إلى الحوار الذي يهيمن عليه المكدّي عادة فيهيمن به على النفوس ويوجه به الحدث حيث شاء أن
يوجّهه ليعود إلى السرد ثانية بعد أن أدّى الحوار وظيفته في التأثير على الضحيّة وتطوير أحداث القصّة ، وهكذا يُكَمِّلُ الأسلوبُ الآخرَ في تناغم وانسجام . ونتبيّن من خلال هذا التناسق بنية خطابيّة سرديّة محكمة لا عبث بأصولها ولا زيغ عن شروطها .
3 * البنية الحدثيّة :
صاغ الهمذاني بلغته الأنيقة حكايات متينة البناء تتتابع فيها الأحداث تتابعا عِلِّيّا بدايتها حدث القادح ونهايتها موقف طريف صادم مثير للانتباه محقق للتشويق .
أ - الأزمة : عادة ما تنفتح الأحداث على أزمة تمثل القادح إلى تنامي الحركة القصصية تظهر فيه الشخصيّة في حالة من الافتقار هي غالبا مترتبة عن رحلة في مجاهل مجتمع جائر ، أوقع الشخصية ذات الحَظِّ العاثر في مآزق أو مخاطر : سطوة قطاع طرق أو فقر ولا زاد أو غربة ولا صاحب أو مسير على غير هدى أو غواية إبليسيّة تنقاد إليها الشخصيّة ( المقامة الخمريّة : نفاد الخمرة والخروج للاستزادة منها) .
ب - المغامرة : تخوض الشخصيّة القصصيّة مغامرة مدفوعة بحالة الافتقار فتعمل على سدّ الثغرة وتتوخّى في ذلك طريق الكدية وهي ذات مراحل بائنة منسّقة تبدأ بالترصّد للمقام المناسب ، يعقبها تمويه ومغالطة عبر الأقوال وتفضي إلى المنال بالحصول على المطلوب في النهاية .
وفي إطار هذه المغامرة تبرز شخصيّة المكدّي مُمَوِّهَةً مغالطة قويّة التأثير في ضحيّتها بارعة في أقوالها انتهازية في أعمالها لا يبرحها العقل وتطمسه عند الضحية بإثارة مخاوفها أو إيهامها بزيف الصّحبة أو استدراجها بوعد مكذوب و خلاص مرقوب ، كما يبرع المكدّي في المعابثة بالقيم و في التظاهر بالتُّقى والورع وحسن التوكل بل يدّعي أحيانا القدرة على إحياء الموتى و محاكاة بركات الأنبياء فتُذبح له البقرة الصفراء أو تسكن النفوس لحرز اخترعه أو دعاء ابتدعه .
هذه الطاقة التأثيرية القوية التي اكتسبها المكدّي من طول معاشرته للدّهر تنبني على جمال اللفظ فهو متكلم فصيح و خطيب بليغ و على إدعاء التدين فهو إمام الأئمة سليم الطّوِيَّةِ ذو نفس زكيّة ، لكتاب الله حافظ وللناس في محنهم مرشد وواعظ كما تنبني على التظاهر بالإشفاق حينا و إثارة الشفقة أحيانا و على ادّعاء الحكمة والقدرة مقدمة لنيل العطيّة عن رضا وطيب نفس من الضحيّة .
إنّ هذه المواهب الفذّة التي يمتلكها المكدّي عناصر جوهريّة توظف لإحكام البناء في أحداث المقامة وتنامي نسق أحداثها فبها يتم الإيقاع بالضحية ويتحقق المأرب و تنقلب أزمة المتحيّل انفراجا بعد أن زاد من تعقيد وضع ضحيّته وتورّطها ، تلك الضحية التي تساعد ببلاهتها وجهلها وغياب العقل عندها المكدّيَ على إتمام حيلته وتنفيذ خطته . ( المقامة البغداذية ففيها نال المكدّي طِلْبته من الأكل ومتعته من الفرجة على السّوادي ضحيته سريع التصديق المدفوع بجوعه وطمعه والذي وقع بالحيلة في مأزق مع الشواء فدفع المال وغنم البكاء خلافا للمتحيل الذي نال الوليمة وغنم الضحك) .
ج - موقف التعرّف وحصول المفاجأة : تنغلق أحداث المقامة عادة على هذا الموقف المقترن بالدهشة وتظهر شخصيّة المكدّي على حقيقتها بعد خلع ردائها الزائف ، وليست الدهشة متأتّية من التعرف إلى شخصيّة المتحيل فحسب وإنّما من طريقتها في التبرير والتشريع لفعلها الشاذ ، يندهش السارد ( ابن هشام) ويدهشنا الهمذاني من ورائه بما في فلسفة المكدّي من اختراع وابتداع ومفارقات عجيبة .
د – الصّراع : تبنى مقامات الهمذاني على مفهوم مركزي في السرد وهو مفهوم الصراع إذ أنّه من عناصرها البنيوية فبحضوره ينمو الحدث وتتطور القصّة وتتحقق الحبكة ، وهو عند الهمذاني متراوح بين الخفاء والتجلّي ، أمّا الخفاء فنستجليه من ظهور المكدّي صانع الحدث و محور السرد بخلاف ما يبطن فهو يضمر مشروعا هو التحيل ويبدي خلافه كالتقوى أو الفقر أو الذلّ أو القدرة الخارقة فيكون الصراع خفيّا لا ينكشف للضحيّة إلا مع نوال المتحيّل المطلوب ، وأما التجلّي فيبرز من خلال مواقف للصراع العنيف جسديا أو لفظيا بين شخصيات المقامة كالعراك في الحمام على رأس ابن هشام وتبادل العنف الجسدي واللفظي أو حدث انتقام أهل الميّت من المدّعي الكذّاب أو اللكم واللطم لسواديّ غريب من لدن شواّء فظّ .
الفكاهة في المقامات
في مقامات الهمذاني إشاعةٌ لألوان من المبالغات والمواقف الهزليّة الطريفة والأقوال العجيبة الظريفة تحقيقا للمتعة الأدبيّة ولقد تنوّعت طرق الإضحاك وتعددت أساليبه عند الهمذاني فعلا وقولا وحالا وموقفا .
الكدية : حدث رئيس و طرقه مضحكة و عجيبة :
· في إطار سرد حدث الكدية ينجلي الإضحاك بالأفعال والحركات تمويها وتأثيرا في الضحيّة للإيقاع بها في فخ المكدّي فتذهل الضحيّة و يتحقق للكدّاء مرامُه و للقارئ انشراحه كأن يتكوّى لفقد صديق مزعوم أو يتظاهر بفقر موهوم أو يجدّ في الصلاة والخفض والرفع ، فيشكو الناس وجع الضلع وقد استقرّ في وجدانهم إتيانه بالخوارق وقدرته على تخليصهم من المآزق .
وقد يقع المكدّي ضحيّة أفعاله و أطماعه وتفشل خطّته فينال بدل الطعام ضربا وبدل المال تبريحا أو تمزيقا للأثواب و إدماء للقفا ، فينقلب السحر على الســــــــــــــــاحر
و تتحقق الفكاهة و يشيع الضحك ، و يتعزّز هذا الأسلوب في الإضحاك بوجود الشخصيّة أحيانا في مأزق تعجز عن تجاوزه فتركن إلى الفرجة وتخضع لمشيئة الأقدار وتكتفي بالوصف لحركات الآخرين وتغالي في إظهار شراستهم و حماقــــاتهم ( المقامة الحلوانية )
· يبرَع المكدّي في التأثير على الضحية بحركات مضحكة مغالطة و بأقوال أكثر منها إضحاكا و إفشاء للسرور والدّعابة مقصدها التمويه ومغزاها النيل من مال الضحيّة أو طعامها فيتكثف العويل والنحيب أو التزييف والتدجيل بمقالات مضحكة أو أشعار مسلّية مغالطة . ( المقامة الأزاذيّة وادعاء الفقر ووصف الحرض والشظف بشعر فصيح) .
· يتقوّى هذا البعد الهزلي بعبارات مضحكة يستعملها الهمذاني في الوصف أو الحوار فهي غريبة طريفة تبعث على التندّر والضحك مثل لكع أو عمّيت وعفريت في وصف الإمام التائب أو طنّ بفيه أو خرديق (الثريد) أو حُزُقّة ( قصير ضخم البطن) أو قَرَنْبَى ( كالخنفساء ) ( المقامة الأهوازية ).
· موقف التعرّف : الضحك فيه متحقق بالمفاجأة والدهشة التي تصيب السارد و القارئ على السواء و بالمفارقة العجيبة في سلوك أبي الفتح الذي يُترك مثلا في المسجد تائبا فيعثر عليه في الخمارة مغنّيا أو لقدرته على تزييف حاله وصوته وبيانه فإذا انجلى أمره أضحك بقوله وأذهل بعجيب فلسفته.
الخلاصة : الفكاهة في المقامة متنوعة وطرقها متعدّدة وهي تمتع المتلقي وتسخر من الواقع وأوضاعه المتردّية ، إنها خفّة غير بريئة وضحكة مشحونة بالمواقف الساخرة اللاّذعة فهي إذن طريقة المبدع ( الهمذاني) المتواري خلف سارده وبطله في شد المتقبل إلى جميل الصنعة الأدبية التي أودعها رؤاه ومواقفه الفكريّة .
البعد النقدي
إنّ شأن الأدب التلميح لا التصريح والمجاز لا الحقيقة لأنّه أبعد ما يكون عن التأريخ أو التدوين للوقائع والأحداث الحقيقية فيعمد الأديب إلى الخيال وينهل من الجمال ويحفز بهما المتلقي على إدراك المقصد والمغزى ، ولقد أدرك الهمذاني الخلل في عصره في غير واحد من الأمصار في الدولة فكانت رحلاته فيها المُنْشَأَة بخيال أدبي خصيب كناية عن واقع تدهورت أوضاعه وساده الفقر الاجتماعي والثقافي والأدبي جرّاء أوضاع سياسية مأزومة وطائفة من الحكام إلى البذخ منهومة ، ما انجرّ عنه تهاوٍ في أوضاع المجتمع الذي أفرز الفقرُ فيه ظاهرةَ الكدية فتحوّلت إلى حرفة استساغ أصحابها الحصول على الرزق بوسيلتها وركنوا إلى طريقتها القائمة على المغالطة والتزييف والتشويه وزعزعة الثابت من القيم الدينية والأخلاقية والأدبيّة ، فغدا الكذب عقلا وأصبحت الحيلة مفخرة والأدب وسيلة للكدية والدين برقعا يخفي الوجه الحقيقي لمدّعي الالتزام بقيمه والثقافة العقلية زيفا وتخريبا للعقل والقيم ، في خضمّ هذا الاختلال على مختلف الأصعدة و هذا التحول في وظائف السياسة والدين والأدب والثقافة والعقل من مناهج للتطور وأعمدة للبناء الحضاري إلى معاول للهدم فلا تديّن ولا أدب ولا عقل ولا ثقافة إلاّ ما كان مزيّفا مغالطا ، كان الهمذاني شديد الوعي بالمخاطر التي تُحِيقُ بأمته لذلك كانت سخريته لاذعة جارحة .
التاريخ : 2016/12/26
ملاحظة : سعيت في هذا التأليف - ما عنّ لي ذلك - إلى مراعاة أهداف المحور و مستوى المتقبل ( تلاميذ الثالثة آداب ) .
التعديل الأخير: