الوفاء الدّائم

عضو مهمّ
منتدى تونس التربوي
    الشخصيات بين الأطروحة والبناء الفني قراءة في رواية الشراع والعاصفة لحنا مينة
  • #1
الــقسم : بحوث و دراسات

الشخصيات بين الأطروحة والبناء الفني

قراءة في رواية الشراع والعاصفة لحنا مينة

النسق الإيديولوجي و بناء الشخصيات

سعيد بنگـراد

سنحاول في هذا الفصل تقديم دراسة تطبيقية تتخذ من رواية حنا مينة : الشراع والعاصفة (1 ) موضوعا لها. وسنحاول في هذه الدراسة إعطاء وجه تطبيقي لما تم عرضه لحد الآن نظريا. فالنظرية لا تغنى ولا تخضع للمراقبة إلا من خلال احتكاكها بالنصوص، والنصوص وحدها هي الكفيلة بالكشف عن مردودية النظرية أو محدوديتها.

وبناء عليه، سنأخذ بعين الاعتبار مجموع العناصر النظرية التي تمت الإشارة إليها مع محاولة دمجها واستيعابها داخل التعريف الذي يعطيه گريماص للممثل باعتبارة بؤرة تقاطع بين مكونين اثنين : مكون تركيبي ومكون دلالي. > فلكي يتشكل اللكسيم باعتباره ممثلا يجب أن يكون حاملا لدورين على الأقل : دور عاملي و دور ثيمي < ( 2 ). وأية محاولة للإمساك بنمط الاستثمار الدلالي للشخصية يجب أن تتم من جهة عبر رصد سلسلة الأدوار العاملية التي تعد استعادة استبدالية لمجموع التحولات المسجلة داخل النص، وتتم، من جهة ثانية، من خلال رصد سلسلة القيم المسجلة في الأدوار الثيمية كقيم مثمنة أو مرفوضة داخل النص.


وبناء عليه، فإن تحديد ماهية الشخصية داخل النص الروائي يجب أن يتم من خلال تحديد مجموع العناصر المشكلة للكون الدلالي المؤطر للنص. فالصور اللفظية التي تصف كينونة الشخصيات وأفعالها تلتقي وتتداخل لكي تخلق شبكة تتحدد داخلها مجموع العلاقات الرابطة بين الوحدات المعنوية : التراتب، التشابه، التقابل. إن هذا المظهرالمعماري للمعنى يفرض علينا اتباع سبيل يأخذ في الاعتبار مواصفات وأفعال الشخصيات في الآن نفسه، وتبعا لذلك القيام - في تناول المعنى ( المعاني ) - بعملية مزج بين إجرائين : الأول إجراء ذو طابع سكوني ويتجه نحو تحديد مواصفات الشخصية. والثاني ديناميكي ويتحدد من خلال رصد الوظائف ونمط تحققها وعلاقتها بوظائف الشخصيات الأخرى. وهذا ما سيسمح لنا برصد مدى تطابق الكينونة مع الفعل داخل الميكانيزم المؤدي إلى استشراف نهاية محددة لكل التحولات المسجلة داخل النص الروائي.

في ضوء المعطيات السابقة سنتناول العناصر التالية:

I - تحديد الخطاب الميتاسردي المؤدي الى الانتشار السردي العام، وداخل هذا الخطاب سنحاول تحديد مقاييس التمييز التي تقود الى التفكير في الشخصية الرئيسية.

II - تحديد بنية الممثلين.

على أن نتناول في الفصل الثاني الترسيمة العاملية .


I - الخطاب المؤطر

1 - مقاييس التمييز

يشكل الخطاب المؤطر داخل الرواية فصلا مستقلا ضمن القسم الأول. ورغم انتماء هذا الفصل إلى القسم الأول، فإنه منفصل عنه من حيث الوظيفة والوضع والاشتغال. في البداية يكون الكلام للسارد، ويأتي كلامه على شكل حكمة :

"المسافة بين العين ومرمى البصر ليست المسافة الوحيدة للرؤية وليست كذلك الأكثر طولا " (3).

من خلال هذا الكلام القريب من الحكمة، تبرز مجموعة من التحديدات التي تلقي بظلالها على مجموع عناصر القصة وتسمها بميسمها. فهناك أولا تعيين للسارد، وهو سارد يتشكل تلفظيا من خلال ضميرالغائب " هو "، إنه سارد متعالي، مالك لحقيقة مطلقة. إنه داخل الشخصيات وخارجها، يجمع بين يديه وظيفة السرد ووظيفة التأويل. إنه يصرح منذ البداية أن بين يديه قصة، وأنه سيروي هذه القصة. والحكمة التي تتصدر كلامه، وتفتتح بها الرواية هي خلاصة لهذه القصة ( الحكمة سابقة على الأحداث على مستوى السرد، ولاحقة عليها على مستوى القصة ). وبما أنه مالك لهاتين الوظيفتين، فإن خطابه يتحول إلى وظيفة ميتا-سردية أي إلى خطاب يتحدث من خلاله عن الحكي وعن القصة (4). وتعتبر الحكمة في هذاالسياق بالذات الحكمة نصا نسقيا ( في اصطلاح أ ندري جولز) (5) قابلا للتسريد في أي وقت، وقابلا لتوليد قصة يدعم بها المضمون الحكمي.

ومن هنا ستكون هذه الحكمة منطلقا لمجموعة من التمييزات تبدأ بالحواس وتنتهي بالمواصفات والوظائف التي تلتقطها عين السارد لتودعها داخل كيان الشخصيات الفاعلة داخل نص الرواية. وأولى هذه التمييزات هي التمييز بين القلب والعين، بين الحاسة الداخلية وإدراك الأشياء الخارجية، بين التعامل بالقلب والتعامل بالعين وحدها. بين التعامل " السطحي " مع الأشياء والتعامل الوجداني معها.

إن هذا التمييز سيكون هو أصل التمييزات اللاحقة ومنطلقها. ففي الفقرات الثلاث الأولى يضعنا النص الروائي أمام مجموعة من الملفوظات التقريرية الخالية من أي طابع سردي؛ ملفوظات لها طابع المطلق، وتشتغل وكأنها مفصولة عن الزمان وعن المكان. إنها صيغ شبه حكمية. وما دامت كذلك، فإن ما يربطها بالزمن هو كثافة التجربة الإنسانية لا غير.

إن غياب هذا الطابع السردي هو ما يضفي على هذه الملفوظات طابع اللازمنية ( إن أهم ما يميز الفعل السردي هو الزمن، فلا يمكن الحديث عن قصة إلا من خلال الزمن ). وهذه اللازمنية في حد ذاتها نتاج لزمنية معينة قد تنبعث في أية لحظة على شكل سلوك أو عادة أو ممارسة اجتماعية ما. فلهذه اللازمنية طابع المطلق والعام والمجرد واللامحدد.

استنادا إلى هذا، فإن الانتقال من الزمنية إلى اللازمنية هو انتقال من ممارسات متكررة إلى تثبيت هذه الممارسات في " عادة " تتجاوز المعطى لبسط سلطتها ونشر خيوطها نحو المستقبل والحاضر في آن واحد. فالتكثيف تجاوز للزمن وخروج عنه. ولكن سلطته أقوى وأخطر من المعطى المباشر. فالعادة هي انعكاس الممارسة الخارج-سميائية داخل الممارسة السميائية. إنها حصيلة تجربة سميائية سابقة (بورس ) تتحدد داخل المنظور السميائي البورسي كمؤول نهائي ( عادة عامة )، أي كتثبيت لسلسلة من الممارسات في دلالة قارة وثابتة. وتعد هذه الدلالة من حيث موقعها النهائي داخل سلسلة الإحالات ( المؤول الديناميكي ) نقطة نهائية داخل هذه السلسلة ونقطة بدئية داخل سيرورة جديدة من الإحالات. فالنهائي ليس كذلك إلا في علاقته بما هو سابق، والبدئي ليس كذلك إلا في علاقته بما هو آت أو بما هو حاضر. وبهذا يمكن تصنيفها ضمن العلامات العملية، أي علامة تعد تسنينا لكون إيديولوجي داخل النص الثقافي العام المكتوب أو الشفهي ( 6 ).

إن توقفنا عند تحديد موقع الحكمة داخل النص الروائي له ما يسوغه. فالحكمة سلسلة من الأفعال الممكنة المسننة داخل نسق ثقافي معين. فكما كانت هذه الحكمة نتيجة سيرورة من الأفعال الإنسانية، فإنها ستكون منطلقا لسلسلة من الأفعال الممكنة. إنها تحتوي في داخلها على برامج سردية ممكنة قابلة لأن تتحين في أية لحظة. وكما هو الشأن مع الصفات الاجتماعية، حيث إن كل نعت هو في حد ذاته فعل ممكن ( فلاح، طبيب، عامل الخ ) ( 7) فإن الحكمة هي الأخرى تختزل في طياتها برامج للفعل محددة لدائرة فعل الذات وراسمة لتخوم وطبيعة هذا الفعل. كما أنها تحتوي على سلسلة من النعوت تسهم، استقبالا، في تمييز الذات عن باقي الشخصيات الأخرى، وتحديدها كبطل أي كمركز توجيه داخل السرد وداخل القصة.

وإذا كانت الحكمة ( أو مجموع الكلام الحكمي ) كما هو مثبت في الفصل التمهيدي، لا تشير إلى فعل واضح يتحين بدخول الذات إلى مسرح الأحداث، فإنها في المقابل تعمل على طرح سلسلة من المواصفات، أي سلسلة من النعوت الضمنية ستبنى الذات على أساسها كبطل، ويبنى على أساسها أيضا الكون الروائي كعالم من القيم يحيل على نفسه بنفسه. فإرساء عالم من القيم داخل الفصل التمهيدي هو بالأساس إرساء لمرجعية داخلية لا تغني عن المرجعية الخارجية ولكنها تقوم بتكثيفها عبر فصلها عن المعطى الإنساني الخام ( الحكمة مصفاة للأفعال الانسانية ). وعلى هذا الأساس يتم الانتقال من العام إلى الخاص، من الحكمة كتكثيف للفعل إلى الممارسة الفعلية. إنه الانتقال أيضا من الصفات في حالتها المطلقة إلى الصفات في حالة تجسدها في ذات معينة. فالحديث عن " القلب "و" العين " والحديث عن "البر" و"البحر"، يتخذ مسارا جديدا حين يرد إلى ذات بعينها، أي إلى فاعل إنساني يعيش في الحاضر، ما تم تكثيفه في الماضي كحكمة.

إن هذه الحكمة في لازمنيتها تنشر خيوطها في مسارات متعددة، وتشتغل على هذا الأساس كصدى لباقي فصول الرواية. وفي هذا الاتجاه، تأتي الفقرة الرابعة لتكسر هذا الاسترسال اللازمني من خلال إقحام عنصر الزمن، لتضع السرد في مداره الزمني الحقيقي ( الحاضر ) ولتطرح القصة في مدارها الزمني أيضا باعتبارها مجموعة من الأفعال المسننة المولدة للحكمة. إن الملفوظ:

" وقد وجد على شاطئ اللاذقية يوما قلب كهذا القلب، تلفت ورجا وعاش على الرجاء ... وبقي وفيا لرجائه، مخلصا لأمانيه " ( 8)

يعتبر ملفوظا سرديا ننتقل من خلاله من العام إلى الخاص، ومن المجرد إلى الملموس، من الكلام العام إلى بداية القصة بحصر المعنى. والصيغة اللغوية " قد " تعد أساسا لهذا الانتقال. فهي في ارتكازها على مقول سابق تؤسس مقولا جديدا لا يفهم إلا في علاقته بما قيل سابقا. إنها فاتحة لحدث مستقبلي على مستوى الحكي وركيزة لحدث ماضي على مستوى القصة. إنها في توسطها لملفوظين متمايزين تعين المظهر الابتدائي للملفوظ السردي ( 9 ).

من هنا يكون دخول العنصر السردي بمثابة اختراق لطولية التجربة الإنسانية (10) ومفصلتها في عناصر وتحديدها من خلال ردها إلى كائن حي يملك - داخل الرواية - مرجعه الإخباري الخاص. والتحديد (المؤدي إلى تمييز الذات عن باقي الشخصيات الأخرى) ينطلق من القلب لا كعضو يقوم من الناحية البيولوجية بحفظ التوازن داخل الجسم الإنساني، ولكن كحاسة إدراكية خاصة ليست في متناول الجميع. إنها ميزة البعض فقط. إنه عنصر تمييزي بالمعنى الواسع للكلمة ( إن الحرف " قد " يشير، بالإضافة إلى التحقق، إلى القلة أوالندرة ). فالانطلاقة السردية المدشنة للقصة تجد نقطتها الحقيقية في الملفوظ السردي المذكور سابقا. ( هذا الملفوظ يحتوي كما هو واضح على عنصرين : الزمان " الماضي " والمكان "اللاذقية " ).

وإذا كان الملفوظ السردي يقوم دائما إما بتدشين إمكانية، وإما بتقريرها وإما بغلقها، ( وهو ما يتطابق مع المقولات الجيهية : الابتدائية، الاستمرارية، النهائية ) فإن عملية الافتتاح السردي تنطلق من التمييز ( التمييز المولد للقصة ) كنقطة حاسمة في تنصيب الذات ( المركز التوجيهي ) كمحفل رئيسي داخل الكون الروائي. إنها تقوم بتثبيت هذه الأفعال في زمان ومكان محددين : إننا أمام نقطة التواصل الأولى بين السارد والمسرود له، وهو تواصل لا يمكن أن يتم في شكله الأفضل من خلال " الكلام الحكمي "، ولكنه يتم من خلال التجسيد الزماني والتجسيد الفضائي. فالتجسيد هو ما يعطي المصداقية للمسرود الآتي، وهو ما يرسي عناصر سنن مشترك بين محفل البث ومحفل التلقي. " فهذا الذي وجد " وجد في زمان محدد ومكان محدد. و" هذا الذي وجد " يشكل أيضا وأساسا قلة.

ومادام هذا هو طابعه، فإنه يستحق أن يكون منطلقا لتحديد البطل، لأن الأبطال قليلون. فليس مهما أن يكون هذا القلب هو منطلق الأحداث، وليس مهما أن يكون هو العنصر الحاسم في عملية الأنتشار السردي، ذلك أن المهم في استراتيجية السارد هو أن هذا القلب يعود لشخص محدد، وأن هذا القلب قلب خاص( حاسة تدرك أكثر مما تدرك العين ). ذلك أن التعامل مع هذا الشخص بهذه الصفة لا يتم إلا من خلال انخراطه في الفعل. وهذا الفعل يقتضي تحديدا للزمان وتحديدا للمكان. فإذا كان التمييز هو ترشيح كائن مميز للقيام بفعل مميز، فإن نمط وجود هذا الفعل لا يتحدد إلا باعتبار الإمكان . فكل شيء جائز وممكن، ما دمنا نقف عند حدود الإمكان. وعلى هذا الأساس، يلعب الإرساء الفضائي وكذا الإرساء الزماني دورا حاسما في رسم معالم الفعل الآتي.

وإذا كان التمييز يأتي عبر إدراك خاص للأشياء، فإن هذه الأشياء ( المرجع بصفة عامة ) ستتبدى في صورة تختلف عن صورتها المرجعية، فالأهمية تكمن في الرؤية لا في الأشياء المنظور إليها كما يقال. وهذا ما سيدفعنا إلى طرح بعض عناصر الفضاء والزمان وتحليلها وبيان وظيفتها داخل الفعل السردي.

إن الأنتقال من العمومية الخاصة بالحكمة إلى الخصوصية المتجسدة في شخص بعينه كما يبدو في الملفوظ المشار إليه سابقا، يتم من خلال التقابل الموجود بين الملفوظين الآتيين : من جهة هناك الملفوظ :

"المسافة بين العين ومرمى البصر، ليست المسافة الوحيدة للرؤية وليست كذلك الأكثر طولا أو بهجة "

في مقابل :

" و قد وجد على شاطئ اللاذقية قلب كهذا القلب ..."

وهذا التقابل لا يأخذ كافة أبعاده إلا من خلال طرح عنصر الفضاء الذي تتجسد داخله هذه الخصوصية. فإذا كنا نعتبر الفضاء عنصرا مرادفا للزمن، فلأن العنصر الزمني في حد ذاته لا يدرك إلا من خلال تفضيئه. فطرح الفضاء يقتضي، وبشكل آلي من أجل التشخيص السردي، طرح العنصر الزمني. والفضاء كما هو مطروح في النص الروائي له أبعاد خاصة. فهو إن كان يعد بنية ثابتة الوجود ( الوجود الموضوعي المستقل عن الذات )، فإنه يعتبر سندا لمضامين بالغة التنوع في علاقته بالذات المتلقية. ذلك أن الفضاء يخضع أثناء عملية التسنين الفني لعملية اقتلاع تخرجه من بنيته الأصلية ( الواقع ) لتلقي به داخل بنية أخرى غريبة عنه هي التي تمنحه قيمة جديدة. إن هذه البنية الجديدة هي بنية النص التخييلي. > فالنص ينتقي من السجل النصي العنصر أو العناصر التي سيعالجها مزيلا عنها، بطريقة ما، جانبها النفعي. إن هذا السجل يتطابق بصفة عامـة مع سياق اجتماعي ثقافي< (11).

إن عملية الأنتقاء هذه في "براءتها" تعد في ذاتها تقليصا لسلطة المرجع الموضوعي، وتثمينا للنص الثقافي العام الذي تمت داخله عملية التسنين الفني. من هنا، فإن المكان عندما يتشكل كفضاء (12) داخل النص الروائي، عوض أن يحيل على مرجع بعينه، فإنه يحيل على حساسية الذات المستهلكة من جهة، وحساسية الذات الفاعلة داخل النص الروائي من جهة ثانية.

فإذا كان السارد يميز بين العين كحاسة إدراكية تظل، في إدراكها، محاصرة في حدود ما توفره الأشياء من عناصر خاضعة لعملية التنسيق الذي يتطلبه الإدراك المشترك، فإن القلب كحاسة إدراكية من نوع خاص لا يملكها إلا القلة من الناس، تتجاوز هذه الحدود لتقيم علاقة تأثير متبادل بين الذات المدرِكة والاشياء المدرَكة. وكما هو معروف، فالفضاء لا يكون فضاء إلا إذا كان فضاء للفعل : فعل المتعة أو فعل المنفعة.

استنادا إلي هذا، فإن عملية الارساء الفضائي داخل عملية التسريد، بالاضافة إلى كونها تحدد الإطار الذي ستتم داخله مجمل الأفعال التأهيلية والإنجازية، تقوم بتحديد العنصر الذي ستتم من خلاله عملية مقابلة الشخصيات فيما بينها. فالإطار الفضائي الذي تتحرك داخله مجموع الشخصيات واحد، ولكن طبيعة العلاقة التي تربط كل شخصية على حدة مع البحر ( الشاطئ ) مختلفة. صحيح أن الشاطئ هو الشاطئ، والبحر هو البحر، واللاذقية هي اللاذقية، لكن هذه العناصر التي تشكل فسيفساء الفضاء الروائي لا تدرك في حرفيتها ( كمرجع محايد )، و بتعبير الرواية لا تدرك بنفس الحواس :

"القلب هو الذي يتلفت إلى الاشياء مذ تغيب الاشياء، و حين يتلفت القلب تتبدى له التهأويل صورا مجسدة على لوحة الفضاء " ( 13)

فإذا كان البحر وما يحيطه، متعة عند البعض (المستحمون، العابرون ) فهو عند البعض الآخر موطن ووطن، وماضي وحاضر ومستقبل ( الطروسي ). فإذا كان السارد يركز على عنصر الفضاء هذا، كما يركز على تحديد نوعين من الأفعال الممكنة على الشاطئ اللاذقي، فلأن ذلك سيقوده إلى طرح عنصر الاستمرارية السردية المؤدية إلى تشكيل مجموعة من الأحداث كقصة. فطبيعة التعامل مع الأشياء ( الشاطئ كمرجع خارجي، والفضاء كتشكيل فني لهذا الشاطئ ) هي التي تجعل من هذه الشخصية أو تلك ذاتا داخل قصة بعينها: قصتها الخاصة، وقصة الآخرين أيضا.

وليس غريبا أن يخصص النص الروائي سلسلة من الفقرات لوصف شاطئ اللاذقية بكل جزئياته مؤكدا أن المستحمين (من وصفهم بالعاديين ) يقفون عند حدود السطح : عنصر المتعة العابرة التي يوفرها الموج الهادئ. أما البحرعند الطروسي فهو سلطان، إنه مسرح للفعل كما هو الأخ والصديق والعدو، إنه القدر الذي يلاحقه. فالطروسي يتوق إلى الهروب ولكنه لايستطيع ذلك، فالبحر يوجد في داخله على شكل موانئ وخمارات ومعارك وعاهرات. وعلى هذا الأساس تطرح الوظيفة الأساسية للفضاء : إنه ليس واقعا معطى بشكل مباشر، لكي نتعرف عليه يكفي أن نكون ملمين بتاريخ منطقة أو بلد. إنه فضاء مبني، فضاء يحدده ويتحدد من خلاله فعل السرد. وخارج هذا الفعل لا يمكن الحديث عن وجود سميائي للفضاء، لأننا آنذاك سنكون أمام موضوع موجود خارج مدار التجربة الإنسانية.

وإذا كان الفضاء يشتغل كعنصر وظيفي داخل الخطاطة السردية، فإن الزمن، باعتباره رديفا للفضاء، يقوم هو الآخر بنفس الوظيفة. وهذا الزمن ليس زمن القصة ولا زمن الحكي، ولكنه زمن المرجعية الداخلية. وما نعنيه بالمرجعية الداخلية هو زمن العلاقة مع البحر (الشاطئ ) : علاقة الشخصيات داخل الزمن بالبحر، إنه زمن نفسي، زمن العذاب والتربص والتصبر والانتظار عند البعض (الطروسي ) وزمن الانفلات من قيود اليومي والعادي عند البعض الاخر ( زمن على هامش الزمن الحقيقي ).

فإذا كان فعل المتعة محدودا في الزمان فإنه عند الطروسي نقطة بداية لرحلة ستبدأ: هنا زمن التيه والغربة ( الطروسي يعيش لحظة الاغتراب على الشاطئ ) وهناك زمن الاسترخاء والفرجة ( المستحمون يعيشون الشاطئ كفرجة ).

وهكذا نلاحظ أن المقابلة بين الشخصيات على المستوى السردي تتم من خلال عنصري الزمان والفضاء. وهنا ينتصب محمد بن زهدي الطروسي كشخصية تقف على النقيض من الشخصيات الأخرى ( المستحمون ). فكيف تمت هذه المقابلة؟ وماهي مردوديتها على المستوى السردي ؟

إذا كانت الشخصية الروائية لا تتحدد فقط من خلال الفعل الذي تقوم به ( الوظائف )، ولكن تتحدد أيضا من خلال علاقتها بالشخصيات الأخرى، فإن عملية توزيع المواصفات داخل النص الروائي على شخصيات متعددة، تعد عنصرا رئيسا في تشكل الذات، وفي بناء عالمها القيمي، وكذا في دخولها في علاقة تقابل أو تكامل أو تطابق مع شخصية أخرى. ويبدو أنه من السابق لأوانه الحديث عن الوظائف في هذه المرحلة من السرد ( إن الأمر يتعلق بخطاب تمهيدي، أي حالة بدئية ترسم تخوم العالم الروائي الآتي )، فإن المواصفات وحدها هي التي ستكون سبيلنا للتمييز بين هذه الشخصية أو تلك. وهذه المواصفات تعد جزءا من عملية تسريد الزمان والمكان. فالمحدودية الزمنية التي تسم علاقة المستحمين بالبحر تقابلها لامحدودية علاقة الطروسي بالبحر.

إن السارد قد حدد لنا منذ الوهلة الأولى، إطارا زمكانيا يتلخص في البحر ومحيطه داخل فترة زمنية محددة كفصول، وفي نفس الوقت يطرح لنا مجموعة من الممثلين تتحرك داخل هذا الإطار. وهذا الإطار الزمكاني ليس منفصلا عن الممثلين ولا غريبا عنهم، ولا يشتغل كصورة محايدة. فنحن لا ندرك هؤلاء إلا من خلال علاقتهم بهذا الاطار. > فالاطار الزمكاني ليس إطارا شكليا فقط، إنه مكان تحركات وتنقلات ذوات السرد. وعليه فإن العلاقات بين الممثلين والأمكنة، بين اسم العلم، واسم المكان، وكذا تنوع هذه العلاقات، أمور دالة على المستوى السردي < ( 14). فبالإضافة إلى أن الصور المكانية، وكذا الصور الزمانية تسهم في رسم هذا الكون الكبير الذي يتحرك الممثلون داخله، فإنها تشير أيضا إلى قدرهم وإلى طبيعة الأفعال التي من الممكن أن تصدر عنهم.

من هنا يمكن تقسيم الخطاب المؤطر إلى قسمين :

- القسم الأول تهيمن عليه الملفوظات الوصفية.

- القسم الثاني تسوده الملفوظات السردية.

وهذا التقسيم لا يعني غياب الملفوظات الوصفية في القسم الذي يحتوي على الملفوظات السردية، ولا غياب الملفوظات السردية في الملفوظ الأول. فكل قصة تحتوي، وإن بشكل متفاوت، على تمثيل للأحداث والأفعال، وهو ما يشكل السرد في حالته الخالصة؛ وتحتوي من جهة أخرى على تمثيل للموضوعات أو الشخصيات التي تعد نتاجا لما يسمى حاليا بالوصف (15).

وبالرغم من أنه يستحيل الفصل بين ما هو وصفي وما هو سردي، فإن لكل وحدة ( وصفية أو سردية ) وظيفتها. ووظيفة الملفوظات الوصفية تكمن أساسا في تحديد هوية الذات من خلال تمييزها عن باقي الشخصيات الأخرى. إن هذا الوصف جزء من استراتيجية السارد، وهي استراتيجية تهدف إلى استخراج مجموعة من الموضوعات من هذه الكتلة المرجعية العامة وذلك في أفق طرحها داخل النسيج السردي كعناصر تمييزية. وهذه الموضوعات ليست سوى عنصر داخل السجل النصي الذي يحتوي الكون الروائي. فعلى المستوى التركيبي، تشتغل هذه الموضوعات المتضمنة في الملفوظات الوصفية كإطار يحدد إمكان الفعل الذي تختزنه الذات. أما على المستوى الدلالي، فإن هذه الموضوعات تحدد، من خلال الادوار الثيمية، الكون الأخلاقي الذي تصدر عنه الذات والسارد كلاهما.

استنادا إلى ما سبق، يمكن القول إن هذه الملفوظات تلعب دورا أساسا في استقامة الفعل السردي. > فالموضوعات لا تطرح بشكل معزول في قدرتها على الإحالة على شيء في العالم الخارجي، بل تدخل ضمن المشروع المعرفي للذات التي تقوم بإنتاج هذه الموضوعات وتحددها وفق نسقها الإدراكي (و في هذا الاتجاه، فإن الذات تعطي للفضاء بعدا مرجعيا )، والعكس صحيح أيضا، فإن الصور الفضائية، وهي عناصر وصفية بشكل خالص، يتم الإمساك بها داخل نسق تثميني يعين الذات ويرسم حدود دائرتها الأخلاقية < (16). إن الملفوظات الوصفية هاته، تضعنا كما رأينا سابقا، أمام فئتين من الشخصيات :

- من ناحية هناك المستحمون وكل من له علاقة بالبحر.

- و من جهة ثانية هناك الطروسي.

إن التمييز بين فئتين من الشخصيات مرده، كما هو جلي من خلال النص، إلى طريقة التقديم التي اعتمدها السارد في بناء عالمه الروائي. والفصل بين هاتين الفئتين قائم على عنصرين : التسمية من جهة، والفردنة من جهة ثأنية. وكلا العنصرين استخدم بهدف استخراج ذات ستتحول إلى عنصر رئيس داخل التحولات التي سيشهدها عالم القصة.

- بالنسبة للعنصر الأول ( التسمية ) يعمد السارد إلى منح فئة اسم علم مرفوق بتحديد جغرافي : محمد بن زهدي الطروسي ( نسبة إلى طرطوس )، وحرمان فئة أخرى من هذا الاسم والاكتفاء بالصفة : المستحمون. وهذه الصفة نفسها غير لازمة ( على عكس التحديد الجغرافي ) لأنها مرتبطة بالفضاء الذي تم داخله التقديم، ومرتبطة كذلك بالفترة الزمنية التي يمارس فيها الاستحمام ( فصل الصيف ). واسم العلم كما يقول بارث هو أمير الدوال (17). وإذا كان اسم العلم حدا محروما من أي سياق ( أي بدون مدلول )، فإن قيمته تكمن في غياب هذا الاسم عند الآخرين :

محمد بن زهدي الطروسى # المستحمون

إن الاسم تمييز وتفضيل، فأن تسمي معناه أن تميز هذا عن ذاك، وأن تمنح شخصية اسما وتحرم أخرى من هذا الاسم معناه تفضيل الأولى على الثانية. إن السارد، وهو يمنح هذه الشخصية اسما، فإنه إنما يقوم بتحديد قدرها المستقبلي من خلال فصلها عن المجموع غير المتميز ( 18) .

- أما مسألة الفرندة، فإنها تعود إلى عملية الظهور الخاص بالشخصيات. وهو ظهور له تقنياته الخاصة، لأنه مرتبط باستراتيجية السارد وموقع هذه الشخصية أو تلك داخل الخطاطة السردية. وبتعبير آخر، فإن أي ظهور هو ظهور وظيفي. فأن تدخل شخصية ما إلى مسرح الأفعال وحدها لا يشبه في شيء دخول شخصية أخرى إلى مسرح الأحداث مرفوقة بشخصية أو بمجموعة من الشخصيات(19).

وهكذا، إذا كانت الفئة الأولى (المستحمون ) كتلة كبيرة غير محددة الملامح، ولا تدرك إلا من خلال الصفة المسندة إليها ( وهي صفة محددة للفعل أيضا، لأن المحمول الثابت يشير إلى المحمول الديناميكي : مستحم =استحم )، فإن الطروسي، باعتباره يتحدد من خلال اسم علم، متفرد في الظهور والفعل والقدر. متفرد من حيث إنه يتحرك خارج إطار فعل الآخرين. فوجود المستحمين لا وظيفة له إلا من خلال وجود الطروسي (التمييز بالسلب). ووظيفة هذا الوجود الوحيدة هي المساهمة في تمييز الطروسي عن باقي رواد البحر (الشاطئ). وعلى هذا الأساس كانت الصفات الأخرى تعميقا لهذه الهوة، وبالتالي تمييزا جديدا يضاف إلى التمييزات الأخرى : العاشقون، المغتربون، المحزونون (20) .

إن إضافة هذه المواصفات إلى العناصر الأخري هي في نهاية الأمر تثبيت لعالمين مختلفين : عالم عادي ( المستحمون ) وعالم غير عادي ( المغتربون العاشقون المحزونون ). إن كلا العالمين لا يتحدد الا في علاقته بالمكان والزمان (البحرـــــــ فصول السنة) :

المستحمون : علاقة عادية مع البحر عابر ( محدود في الزمان ) الفضاء مدرك كمرجع محايد .

المغتربون : علاقة خاصة مع البحر ثابت ( لامحدود في الزمان ) الفضاء مدرك كحساسية ذاتية .

يقوم السارد، من خلال هذا التقابل الذي يجمع بين عالمين، بفصل الطروسي عن فئة (محددة من خلال صفة ) وضمه إلى فئة أخرى. إنها فئة تمتاز بكونها تجسيدا لصفات محددة في الذاكرة الإنسانية كمرجعية تمتلك صفة الكونية. وعلى هذا الأساس، فإن السارد يحاول تثمين محمد بن زهدي الطروسي لاعتباره يحيل على قيم رمزية، من خلال موقعه داخل القصة، ومن خلال ما يحيل عليه من سلوك، فهو يعد تكثيفا مطلقا لهذه الصفات مجتمعة ( العاشقون، والمغتربون، والمحزونون )، ويصعب تصنيفه ضمن فئة بعينها. فهو عاشق، وكل بحار عاشق، عاشق للخمرة والبحر ونساء الموانئ البعيدة، ومغترب لأنه خرج من البحر وطنه وموطنه، وقذف به إلى البر الذي لا يثير عنده إلا الصداع، وهو محزون لأنه فقد مركبه " المنصورة " وتحول إلى قهوجي :

" ما أصعب أن يتخلى الأنسان عن مهنته ليزاول مهنة أخرى؟ البحار يصبح قهوجيا "

تشكل هذه الصفات ،بنمط توزيعها، أسلوبا سرديا قائما على انتقاء العناصر القادرة على توليد قصة. والقصة ذاتها لا تتحدد ميكانيزماتها الأولية إلا داخل هذا الانتقاء نفسه. فمن خلال جملة التحديدات المشار إليها سابقا، يتم في مرحلة أولى ( سنتناول المرحلة الثانية عند حديثنا عن الملفوظات السردية ) تمييز الطروسي عن باقي الشخصيات الأخرى. وهذا يعني أننا أمام أول عملية انتقاء يقوم بها الخطاب السردي.

إن الحديث عن أول عملية انتقاء معناه أن الخطاب السردي لا يكف عن الأنتقاء. ففي كل مرحلة من مراحل السرد يقوم هذا الخطاب بانتقاء إمكان ضمن ما تختزنه اللحظة التي وصل اليها السرد : إنه التقليص المؤدي إلى الاستنفاد، أو هو، بلغة گريماص، "لحظة امتلاء العلامات ". فإذا كانت سلسلة التحديدات هاته تقوم بإلغاء عالم موصوف بالعادي ( عالم معطى بشكل كلي داخل الكون الروائي، لكنه رغم ذلك لا يرقى إلى مستوى توليد قصة )، فإنها في نفس الوقت تعمد إلـى تثبيت وانتقاء عالم آخر لا يستقيم إلا على أنقاض العالم الأول، ويوصف هذا العالم المنتقى، بالغرابة واللاعادي والتميز في كل شيء.

إن هذا الأسلوب ليس غريبا على عالم الأساطير والخرافات، خاصة فيما يتعلق بطرق تعاملها مع الأبطال باعتبارهم كائنات غير عادية. إن إلغاء عالم هو في نفس الوقت إلغاء لمجموعة من المواصفات وما يترتب عن ذلك من إلغاء أي دور ثيمي أو وظيفي. في حين لا يتم انتقاء العالم الثاني ( أي طرحه كموضوع قابل للتحول وفق خطاطة سردية معينة ) إلا من خلال إبراز المواصفات و الأدوار الثيمية التي تبرر انتقاءه. ويمكن توضيح عملية الانتقاء هاته على الشكل التي :

المواصفــات الطروسي = عالم ممكن اداة إمكانه : العشق والحزن و الغرابة

و الادوار المستحمون = عالم ملغى أداة إلغائه : صفة العادي

الثيمية

وإذا كانت المواصفات هي ما يحدد العالمين معا وليس الوظائف، فإن ما يلاحظ هو أن المواصفات التي تعود إلى العالم الثاني ( العالم الذي تم انتقاؤه على مستوى السرد ومستوى التلقي ) قابلة لأن تولد سلسلة من الوظائف ستتكثف في برنامج سردي ( برنامج للفعل ) ينقل القصة من حالة الإمكان إلى حالة التحقق. فالمواصفات هي الخالقة للوظائف، وتبعا لذلك فهي الخالقة للعوامل. وعلى هذا الأساس تم إقصاء الشخصيات المندرجة ضمن العالم الأول (المستحمون ) لأنها تفتقد إلى مواصفات تجعل منها ذواتا سردية، وذلك لأن هذه المواصفات غير لازمة كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

إن هذا التمييز بين عالمين ( عادي ـ غريب) هو الذي يحدد التأطير الشخوصي للملفوظ الوصفي، من خلال الإحالة على أدوار ثيمية مختلفة. وهذه الأدوار من خلال اختزانها لأفعال ممكنة، تقوم بإسقاط أدوار عاملية تعد من الوجهة التركيبية قلبا للدور الثيمي وتحويله إلى فعل ملموس.

فإذا كان الدور الثيمي "مستحم " يحدد الشخصيات المرتبطة به كذات عابرة داخل الكون الروائي، فإن الدورالثيمي بحار ( الطروسي ) يجعل من هذه الذات محفلا له امتداد في الزمن ( الماضي- المستقبل ) وامتداد في المكان ( شاطئ - أعماق البحار، الموانئ البعيدة ) :

" وحتى إذا اشتدت الأنواء فإنه لا يبرح الشاطى، هنا مقره وهنا بيت، هنا ماضيه ومستقبلـه كلاهما، هنا يجلس وينظر إلى بعيد، الـى الآفاق وما وراءها، إلى عوالم حبيبة، و موانئ كثيرة زارها على مركبه "المنصورة " الذي حطمته العاصفة واستقر أشلاء في الأعماق"(21).

إلى هنا كانت الملفوظات الوصفية هي أداتنا في الكشف عن استراتيجية السارد المتمثلة في تشكيل عالمه الروائي عبر انتقاء محافل سردية وإلغاء أخرى. فعملية الوصف رغم مجانيتها الظاهرية أحيانا، من حيث إنها قد تقتصر على " تنبيه القارئ إلى الآثار الأسلوبية للغطاء اللفظي " ( 22 ) فإن موقعها داخل الفعل السردي موقع وظيفي، > فالوصف، حتى في الحالة التي يكون فيها مجرد بؤرة للبرهنة أو الفخفخة، أو بؤرة لأثر لفظي يخلقه السارد، فإنه مرتبط بطبيعة الحال بروابط متينة بالبنيات السردية العامة ( العميقة التحول ) للملفوظ، وخاصة تلك الروابط التي تجمع الوصف من جهة، والشخصية من جهة أخرى <( 23 ).

فإذا كنا قد تحدثنا عن عملية تمييز أولى قادتنا إلى طرح الطروسي كذات ممكنة مالكة لمستقبل سردي ( أو على الأقل هناك ما يرشحها للقيام بإنجاز ما) في مقابل ذات تم إقصاؤها من الخطاطة السردية، فإننا سنحاول الأن تناول الملفوظات السردية، وتحديد موقعها داخل هذه الخطاطة من حيث إنها فتح لآفاق سردية جديدة، ومن حيث إنها إلغاء لامكانات وتحيين لأخرى.

إن هذا الأنتقال (من الوصفي إلى السردي ) فرضه النص نفسه. فبعد سلسلة من الفقرات المخصصة للوصف (وصف للمكان والزمان، وصف للشخصيات المرتبطة بهذين العنصرين ) ينتقل النص إلي الحديث عن الطروسي، من خلال ربطه بشخصيات أخرى ( أبو محمد، رواد المقهى)، ثم من خلال الإشارة إلى أحداث هامة تمت في الماضي، وآفاق مستقبلية، ثم الحديث بعد ذلك عما يبرر بقاء الطروسي على شاطئ البحر على مدار السنة خلافا للمستحمين. هذا الانتقال يتزامن خطابيا مع الانتقال من التقديم العام إلى طرح العناصر الأولية للقصة، كما يتزامن سرديا مع الانتقال من التمييز كمقولة تشير إلى كينونة غامضة، إلى الإمكان كإرادة للفعل مرتبطة بموضوع طرح للتداول :

الخروج من البحر (م ) العودة إلى البحر

ولكي لا يضيع الخيط السردي في متاهات وصفية لا حدود لها، كان لا بد من إيقاف سلسلة الملفوظات الوصفية والتحول إلى المستوى السردي من خلال إرساء قيمة تشتغل كحد نهائي داخل سلسلة وكحد بدئي داخل سلسلة أخرى :

ولقد اعتاد الناس أن يهربوا حين يرشقهم البحر أن يتراجــــعوا، أن يغادروا الشاطئ متفادين البلل، أما محمد بن زهدي الطروسي فلم يكن يفعل ذلك قط، إنه لا يتراجع ولا يهــــرب ولا يخشى البلل" .(24)

يعد هذا الملفوظ، من الوجهة الوصفية، قمة الفصل بين عالمين، والقيمة التي يحتويها تعد نقطة نهائية لسلسلة التحديدات السابقة وتثبيتا لحكم يجعل من الطروسي العنصر المتبقي من عالم تم اقصاؤه. إن هذه القيمة ستطرح ضمن عالم جديد وستشكل بذلك نقطة بدئية، لأن هذا الملفوظ تدشين لسيرورة سردية جديدة سيكون الطروسي هو بؤرة التحولات داخلها. وعلى هذا الأساس، تقوم الملفوظات السردية بتشخيص القيم المنقاة داخل الملفوظات الوصفية. والتشخيص هنا معناه الانتقال بالقيم من وضعها المقولي المجرد وطرحها كسلوك صادر عن ممثل أو مجموعة من الممثلين. ولعل هذا ما يفسر كون عملية التمييز الأولى تمت من خلال الفعل الوصفي، في حين تم التمييز الثاني من خلال الفعل السردي.

وبناء عليه، فإن الملفوظات السردية هاته تشكل نقلة نوعية في اتجاه ارساء توجه جديد للسرد يأخذ على عاتقه مهمة استثمار العناصر المنتقاة وصفيا داخل الخطاطة السردية. وهذه النقلة هي نتاج تقليص مزدوج :

- تقليص على المستوى الوصفي ( الجانب المتعلق بوصف الفضاء )، ويتجلى ذلك في تضييق الدائرة الفضائية التي تتحرك داخلها الشخصيات من خلال طرح موضوع مرجعي جديد : المقهى.

- وتقليص على المستوى السردي، ويتجلى ذلك في كون الفعل السردي قد حدد لنفسه مركزا توجيهيا قارا ( أو يبدو كذلك على الأقل ) يتلخص شخوصيا في "الطروسي" كنقطة استدلالية لمجموع الشخصيات الأخرى. وبنفس القوة ستصبح المقهى هي النقطة الفضائية المركزية لكل الاحداث التي سيعرفها النص الروائي لاحقا.

إن هذين البعدين : البعد السردي ( البرنامج التداولي للذات ) والبعد الوصفي ( الأشكال المكانية الأولى للفضاء الروائي، وهي عناصر رئيسة للمرجعية اللاحقة ) يلتقيان في نقطة تحدد المسار السردي العام للذات. ولقد طرحت الأشكال الأولى لهذا المسار من خلال سلسلة من الإشارات يلقي بعضها أضواء على الماضي، ويبرز بعضها الآخر نمط الحياة الحاضرة للذات. وفي نفس الوقت هناك إشارات أخرى تسقط المستقبل كرغبة في تجاوز الحاضر :

"مركبه > المنصورة < الذي حطمته العاصفة " (25 ) .

" افتتح مقهاه ليبقى على صلة دائمة بالبحر" ( 26 ) .

" كأن يؤمن بمجيئ ساعته " ( 27 ) .

فسلسلة الأوصاف المؤدية إلى الفعل تتزامن في نهايتها مع سرد هذا الفعل. ذلك أن عناصر الغرابة التي كانت تحيط بالطروسي تجد لها حلا من خلال هذه الإشارات. وهي الإشارات نفسها التي ستلقي أضواء على حياة الطروسي، لتتكثف وتصبح الأدوات التحفيزية الكامنة وراء إرادة الفعل التي تفسر رفض الطروسي لمغادرة البحر.

وبناء عليه، فإن علاقة الطروسي هي علاقة إقصائية عندما يتعلق الأمر بالمستحمين، وهذا الإقصاء يتم من خلال لعبة سردية قائمة خطابيا على وجود دورين ثيميين متقابلين : الدور الثيمي " بحار " وهو الدور المسند إلى الطروسي، والدور الثيمي " مستحم " وهو الدور الذي يميز المستحمين. وقائمة سرديا على منح الطروسي دورا عامليا يشتغل كوجه فعلي ( الفعل ) للدور الثيمي. في حين يحرم المستحمون من هذا الدور. وبغياب هذا الدور يكون انسحاب هذه الفئة هو الحكم السردي القاضي باستبعادها من حلبة الفعل.

وهي احتوائية عندما يتعلق الأمر بالشخصيات الأخرى ( أبو محمد، رواد المقهى ..) . والاحتواء من حيث إنه قبول بوجود الآخرومن حيث تحديده لطبيعة هذا الوجود، فإنه يسحب عن هذا الآخر أي مستقبل مستقل عن الذات. فأن يكون الآخرون بحارة، فالطروسي " ريس " للبحارة. وأن تكون الشخصيات الأخرى فاعلة داخل النص الروائي، فإن الطروسي هو الذات التي تعود إليها كل الأفعال الأخرى. إنها تشكل العناصر الضرورية لتحيين الذات في أفق تحققها. فكما كان المستحمون وراء الوجود الاحتمالي للذات، فإن الشخصيات الجديدة التي دخلت النص عبرالملفوظات السردية هي الضمانة الوحيدة لتحيين الذات.

ويتجلى هذا التحيين من خلال الملفوظات السردية التي تشير إلى الحالة. وهي حالة ديناميكية من حيث إنها تحتوي داخلها على عناصر تحولها. فإذا كان المحمول " بحار" محمولا سكونيا، فإنه في نفس الوقت يحتوي على عناصر تمنحه وجها ديناميكيا، وذلك لأنه قابل لأن يولد الفعل.

إن الاحتواء الذي طرحناه في مقابل الإقصاء، إن كان يضمن للشخصيات الجديدة موقعا داخل الخطاطة السردية، فإنه في نفس الوقت يقلص من دائرة تحركها ويحددها كرديف هامشي للذات الطروسي. فمنذ اللحظات الأولى يتميز الطروسي بمزاجه الخاص وقوته واستقلاليته :

" ويعرف السائلون عندئذ ماذا تعني إشارة أبي محمد، فيشفقون على أنفسهم من الذهاب إلى الطروسي، لأنه لا يحب أن يفسد عليه جلسته أحد"( 28 ).

فإذا كانت غرابة الطروسي تفسر من خلال تميزه في مرحلة أولى عن المستحمين من حيث إن له وجودا عامليا ووجودا ثيميا، فإن الغرابة تفسر هنا من خلال غياب فعل مستقل يضمن للشخصيات الجديدة وجودا داخل قصة مستقلة عن قصة الطروسي.

إن غياب الفعل هذا يعبر، على مستوى "التجارب"، عن الموقع التركيبي الذي يمكن أن تحتله هذه الشخصيات. وكذا عن الوظائف التي يمكن أن تضطلع بها. فإذا كان غياب الفعل يعني، من الوجهة السردية، غياب البرنامج المنظم للفعل، فإن كينونة هذه الشخصيات لا يتم البحث عنها إلا داخل قصة الطروسي : أي داخل البرنامج السردي الخاص بالذات. وهنا نصل إلى آخر نقطة يمكن مناقشتها داخل الخطاب المؤطر : البرنامج السردي.

فإذا كنا قد تحدثنا لحد الآن عن فعل مستقبلي ممكن الأنجاز، وما كان لنا أن نفعل غير ذلك ما دمنا نتحرك داخل خطاب مؤطر تقديمي فقط ، فإن هذا الفعل يستدعي بالضرورة البرنامج الذي يحتويه، ويحدد له في كل مرحلة من مراحل السرد موقعه داخل الخطاطة السردية. وما دام لهذا الفعل طابع الإمكان فقط، فلن يكون للبرنامج السردي المرتبط به سوى طابع الإمكان أيضا : فعل ممكن داخل برنامج ممكن.

وإذا كان البرنامج السردي يتشكل - داخل التركيب السردي - من ملفوظ فعل يحكم وينظم ملفوظ حالة ( 29 )، فإن وضع الفعل هو ما يحدد وضع البرنامج السردي. وبناء عليه لا يمكن الحديث عن وجهه المتحقق إلا من خلال حركية الفعل السردي وما يقوم به من تقطيع داخل هذا الفعل. وعلى هذا الأساس، يمكن فهم طبيعة الخطاب المؤطر. فالرواية تحدثنا عن الطروسي : عن ماضيه وحاضره وتضع بين أيدينا في نفس الوقت مفاتيح المستقبل، أي تمنح القارئ فرصة استشراف الآتي أنطلاقا مما توفره اللحظة الحاضرة. ففي هذه المرحلة من السرد تكتفي الرواية بطرح سلسلة من الوضعيات القابلة لأن تتحقق داخل هذا البرنامج أو ذاك المرتبط بهذه الشخصية أو تلك.

لقد حاولنا فيما تقدم أن نحيط بمكونات الخطاب المؤطر، كما حاولنا أن نحدد نمط اشتغال هذا الخطاب وموقعه داخل الاقتصاد العام للرواية. ولعل القارئ يدرك أن هذا الموقع - كما حاولنا إثبات ذلك- موقع بالغ الأهمية. فعلى أساس العناصر المطروحة في هذه المرحلة يتحدد المسار العام للقصة من خلال الفعل الذي يأخذ على عاتقه تسريد هذه القصة.

II - بنية الممثلين

1 - المواصفة والنسق الثقافي

لقد حاولنا في الصفحات السابقة أن نقدم سلسلة من الوقائع النصية ( أسلوب التقديم، صياغة القصة ....) بهدف الكشف عن الأساليب التي اعتمدها السارد في تمييز الشخصية الرئيسة وتنصيبها كمركز توجيه على مستوى السرد وعلى مستوى التلقي. وسنحاول الآن تجاوز حدود ما هو معطى في الخطاب المؤطر، لكي نضع هذه الشخصية ضمن السياق العام للنص الروائي، وضمن النسق الدلالي العام الذي يؤطر هذا النص. وسنركز على المواصفات المؤدية إلى تحديد سلسلة من المحاور الدلالية التي قد تقودنا إلى تحديد بنية عامة قابلة لاستيعاب كل هذه المعطيات ضمن ترسيمة تركيبية دلالية عامة.

إن وظيفة المحمولات المواصفاتية تكمن في تحديد الشخصية إما بالاحالة على خصائصها الطبيعية ( الخصائص الفزيولوجية، الانتماء العائلي أو الطبقي أو الجغرافي ..) وإما بالإحالة على مواصفات شخصيات أخرى مالكة لمواصفات مشابهة أو مخالفة للأولى. وبعبارة أخرى، فإن الأمر يتعلق بتحديد الشخصية إما إيجابيا ( الإحالة على خصائصها الذاتية ) وإما سلبيا ( وضع الشخصية في تقابل مع الشخصيات الأخرى ). وكلا التحديدين يستند إلى وضع وموقع كل فعل صادر عن هذه الشخصية أو تلك داخل النص الروائي.

يتميز الطروسي عن باقي الشخصيات الأخرى بالاستمرارية على مستوى السرد وعلى مستوى القصة. فكل الأحداث المسجلة في الرواية لها مرجع واحد هو هذه الشخصية : كمشارك، أو متفرج، أو صاحب مصلحة، أو موضوع لفعل ما. وإذا كانت هذه الخاصة لا تحدد ماهية الطروسي، ولا دور لها في تشكيل هذه الماهية، فإنها على مستوى آخر، تعد الخيط الرئيسي المؤدي إلى تشكيل كينونة الشخصيات الأخرى. فالطروسي يمكن النظر إليه كمرجعية قيمية تقاس عليها كل القيم المبثوثة في النص. فالطروسي، بالإضافة إلى كونه محددا من خلال اسم علم كامل ( محمد بن زهدي الطروسي )، فإنه مميز من خلال امتلاكه لقصة، وهذه القصة هي من الجدة والأصالة لدرجة أن السارد يمهد لها بتقديم يتخذ شكل حكم مسترسلة كخلاصه لما سيروى فيما بعد. فالوجه المجرد للقصة ( الحد المفهومي الذي يتخذ شكل حكمة )، يسبق وجهها المتحقق، أي ما سابق على إدراكها من لدن القارئ كمجموعة من الأحداث المترابطة(30).

فإذا كان اسم العلم قابلا لاستيعاب كل المحمولات الممكنة، فإن القصة من جهتها تعد أهم عنصر يمكن الاستناد إليه في تمييز هذه الشخصية عن تلك ( 31 ). فالإشارة إلى وجود قصة تتعلق بشخصية ما هي في نفس الوقت تمييز لهذه الشخصية ووعد بأحداث، وعد سيتحقق من خلال الحديث عن مجموعة أخرى من الشخصيات سيكون لها موقع ما داخل هذه القصة.

وسنلاحظ فيما سيأتي أن هذا الوجه التجريدي (الحكمة) رغم مظهره الجزئي ( علاقة الإنسان بالبحر ) فإنه يحتوي في داخله على كل الأبعاد المشكلة للإنسان ككائن كلي (بأبعاده الفردية والاجتماعية والثقافية والسياسية )، وهذا ما ستؤكده الأقسام الثلاثة المكونة للنص الروائي.

إن تنصيب الطروسي كشخصية رئيسة داخل الرواية واستيعابها داخل الفعل السردي كقوام لهذا الفعل، يتم أيضا من خلال عملية توزيع الوظائف ( الوظيفة بمفهومها العادي، أي كدور ثيمي : بحار، قهوجي، عامل ... ).

فعملية توزيع الوظائف، تخضع لمقتضيات السنن الخاص بكل وظيفة. فإسناد وظيفة ما لشخصية ما، سيترتب عنه اختيار سردي خاص ومتطابق مع هذه الوظيفة وأبعادها من جهة، ويخضع من جهة ثانية لعملية توزيع الشخصيات داخل الكون الروائي وتحديد موقع كل شخصية من الحدث الرئيس ومن الشخصية الرئيسة. إذ لا يمكن أن نتصور وجود نص روائي تسكنه مجموعة من الشخصيات لها نفس الوظيفة ونفس الموقع الاجتماعي. وعملية توزيع الوظائف داخل النص الروائي تتبع نمطا خاصا لا يفهم إلا من خلال الاستراتيجية العامة لهذا النص : الطروسي محدد سلبا، بوظيفة يرفضها القهوجي)، ومحدد إيجابا بوظيفة يحلم بالعودة إليها (البحار).

فمنذ الصفحات الأولى للرواية، يقدم لنا السارد وظيفتين: إحداهما غائبة وتعد أصلا للفعل السردي، والأخرى حاضرة ومتحققة داخل الكون الروائي، لكنها مرفوضة. إن الأنتقال من الأولى إلى الثانية، يعلن عن ميلاد قصة والانتقال من الثانية إلى الأولى يؤدي إلى موت هذه القصة. فوجود هذه الوظيفة أوتلك هو المتحكم في المسار العام للقصة، وطرح الوظيفتين دفعة واحدة لا يتم بهدف الاختيار بينهما، أو عقد مصالحة بين هاته الوظيفة أو تلك، أو سرد قصةرجل تحول من بحار إلى قهوجي؛ بل يتم من أجل تأزيم الفعل السردي وتعقيد اختياراته. "فالقهوجي" كوظيفة اجتماعية ليست مرفوضة إلا لكونها تعد مقابلا سلبيا لوظيفة أخرى سابقة عليها ومرتبطة بماضي الشخصية. ومرفوضة أيضا لأنها لا تستجيب للسنن الوصفي ( المواصفاتي ) المطروح داخل الفصل التمهيدي الذي يقدم الطروسي في حالة القهوجي كمأساة فردية. فالسارد يريد لهذا السنن أن يظل سائدا على مستوى الفعل، وعلى مستوى السلوك ( الوظيفة والمواصفة). والحديث أولا عن ماضي البحار ( قبل الحديث عن حاضر القهوجي ) هو الحديث عن بحار محتمل، والحديث عن قهوجي مزيف هو الحديث عن إمكان إلغاء هذه الوظيفة.

ومن جهة أخرى، فإن هذا السنن لا وجود له إلا من خلال ارتباطه بالسنن العام المحدد من خلال الكون الدلالي للنص الروائي باعتباره شبكة من العلاقات بين مجموعة من العناصر. وبناء عليه، فإن دراسة المواصفات والصفات المميزة للشخصية الرئيسة داخل النص الروائي لا يتم إلا من خلال شبكة من الارتباطات ."و يمكن أن نميز بين نوعين من الارتباطات : النوع الأول يتعلق بتوزيع الشخصيات إلى طبقات ( الطبقة هنا ليس بالمفهوم الاجتماعي للكلمة، ولكن بمفهوم القاسم المشترك بين الشخصيات )، والنوع الثاني يتعلق بموقع ووظيفة كل شخصية داخل السيرورة السردية، وهذه السيرورة تسهم هي الأخرى في إنتاج المعنى ". ( 32 )

إن هذا التخصيص ( التعامل الخاص مع الطروسي )، وهذا التعميم الخاص بمجموع الشخصيات، هو ما يحدد وجود سنن خاص بالطروسي، وسنن عام يحتوي التوزيع العام للشخصيات. وبالإضافة إلى هذا، فإن السارد، من خلال تقديمه لشخصية محددة عبر وظيفتين متقابلتين، يقدم لنا إطارين فضائيين، وكل فضاء مرتبط بوظيفة. فالبر مرتبط بوظيفة القهوجي، والبحر مرتبط بوظيفة البحار. وكل وظيفة لها علاقة ما مع الإطار الفضائي الذي يحتويها.

وبعبارة أخرى هناك تطابق على مستوى بعض المعانم المكونة لكل عنصر على حدة : فالقهوجي يشير إلى المقهى كعنصر ثابت في الفضاء ( ثبات الفضاء + ثبات الوظيفة )، والبحار يحيل على البحر كفضاء مفتوح دائم الحركة والتنقل من ميناء إلى ميناء ( البحر فضاء ثابت، لكن الفعل الذي يمارس داخله فعل دائم التجدد ). الأول ثابت على مستوى العلاقات الإنسانية ( القهوجي لا يكتشف، إنه موضوع للكشف )، والثاني متحول ويحيل على الكشف، وعلى الدهشة المستمرة. من هنا كان التقابل على مستوى نمط الوجود : حضور الـ"هنا " على مستوى الوجود الفعلي، وحضور الـ"هناك " على مستوى الوجود الحلمي (الحلم ). فالطروسي هنا من حيث إن له وجودا في الماضي. وهذا الماضي هو ما يجعل منه شخصية رئيسة تقف على النقيض من الشخصيات الأخرى. كل شيء عنده يذكر بنقيضه : أم حسن تذكر بماريا، البر يذكر بالبحر، والقهوجي يحن إلى البحار. فلكي يتشكل كشخصية رئيسة داخل الكون الروائي ( أي كأحداث جديدة تلغي الأحداث الماضية)، كان لابد من تأسيس حياة جديدة، حياة تقوم بإلغاء هذا التقابل وتدخل الطروسي ضمن علاقات جديدة.

وهذا الفراغ الوظيفي سيملأ من خلال طرح البعد السياسي أولا كتسلية ومجاملة لأبي حميد ( مناصرة هتلر والسماع لإذاعة برلين )، ثم ثانيا كموقف مسؤول حين ارتبط الطروسي بالأستاذ كامل. انطلاقا من هذه اللحظة السردية، ستتبدى معالم الكون المؤسس للشخصيات العاملة داخل النص الروائي. ولحظتها أيضا ستتبدى معالم شخصية الطروسي من خلال سرد أفعال تنتمي إلى الحاضر، ومن خلال إبراز سلوك نمطي يحيل على دائرة مرسومة بدقة. إن أساليب التقديم المشار إليها سابقا، والهادفة إلى عزل الطروسي وتمييزه أولا، ثم إلى إدماجه داخل نسق أرحب، هي ما يجعل من مضمون الملفوظ متطابقا مع مضمون التلفظ : أي وجود مضمون واحد لمستويين مختلفين ( ما تقوله الإرسالية يتطابق مع غايتها ). وهذه الغاية تكمن في محاصرة القارئ داخل دائرة تأويلية واحدة، بحيث إنها تطرح شخصية، وتقوم ببسط مجموعة من المواصفات وتحديد أبعادها، دون إعطاء القارئ فرصة القيام بتأويله الخاص من غير مساعدة السارد.

إن توزيع المواصفات وتحديد الإطار الوظيفي القادر على استيعاب هذه المواصفات يرتكزان على خلق انشطار داخل المادة المسرودة، بحيث يتم توزيعها على قصتين، وكل قصة محددة داخل حيز فضائي يمنحها خصوصيتها : قصة البحار، وقصة القهوجي ( قصة الماضي وقصة الحاضر ). وإخل إنجاز هذا الانشطار يقوم الفعل السردي بتمثيل مزدوج : إنه يمثل أحداث الماضي ويمثل أحداث الحاضر وفق استراتيجية تهدف إلى وصل الماضي بالحاضر في اتجاه خلق نوع من الاستمرارية على مستوى القيم.

إن هذا المبدأ هو الذي يحكم الاستراتيجية السردية المرسومة منذ اللحظات الأولى للرواية، وتكمن أهمية هذه الاستراتيجية في التركيز على خاصية أساسية في المحكي تتلخص في ضمان استمرارية القيم الأصيلة عند البطل كصوت ثان للسارد. فقد تتغير بعض المواصفات، وقد يعدل بعضها، لكنها تحتقظ، في كل الوضعيات بعمقها الأصيل. ومن هذه الزاوية بالضبط تم تناول إحدى ركائز البنية التركيبية العامة : التحول من حالة إلى حالة، أي من لاسياسي إلى سياسي، ومن جهل النفس إلى معرفة النفس، ومن الفرد إلى الجماعة. إلا أن هذا التحول لا ينقلنا من حالة خام أي حالة اللاوعي المطلق إلى حالة وعي كامل. بل يتم ذلك من خلال عملية تأويل المادة القصصية الماضية، أي الأفعال الصادرة عن البطل في الماضي وربطها بأفعال منجزة في الحاضر. والربط بين الفعلين هو ربط قياسي ( أصالة هذا الفعل تقاس بالفعل السابق عليه ) وهو من جهة ثانية ربط يؤكد استمرارية في الزمان ( هذا الفعل يؤكد استمرارية القيم من خلال الاشارة إلى فعل سابق ) .

انطلاقا من هذه الملاحظات العامة سنحاول في الصفحات الآتية تحديد نسق الشخصيات انطلاقا من التسنين الإيديولوجي السابق عن الفعل السردي من جهة، وانطلاقا من تحديد موقع الشخصية الرئيسة من مجموع الشخصيات التي تتحرك داخل النص.

2 - النسق الإيديولوجي وبنية الممثلين

حاولنا فيما تقدم استنطاق بعض العناصر السردية والخطابية بهدف تحديد المواصفات والوظائف المشكلة لكيان الشخصية الرئيسة، أي تحديد العناصر التي كانت، في تداخلها وتظافرها، وراء ميلاد ما يسمى بالأثر/ شخصية. إن محاولتنا هذه اعتمدت، في تحديدها لهذه الصورة العامة على تعريف إيجابي للشخصية : أي مساءلة المواصفات في ذاتها ولذاتها خارج أي سياق ( السياق الذي يحكم مجموع الشخصيات )، والنظر إلى بعض المواصفات باعتبارها قيما عامة وكونية. إن هذه الصورة ستظل بالتأكيد ناقصة لأنها صورة معطاة خارج السياق المشار إليه.

إن تدعيم هذه الصورة، وتحديد كامل أبعادها يستدعيان، في هذه المرحلة من التحليل، إدماج الشخصية الرئيسة (الطروسي ) داخل النسق العام للشخصيات. فوجود هذا النسق هو الذي يحدد معنى أية مواصفة وأي فعل صادر عن هذه الشخصية أو تلك. وهذا يتطلب تحديد المحاور العامة التي تحكم مجموع الشخصيات وموضعة الطروسي داخل هذا النسق كقطب مرجعي أساسي. ذلك أن أفعاله ومواصفاته لا تكتسب كافة دلالاتها إلا من خلال ارتباطها- كيفما كان نوع هذا الارتباط - بكون قيمي معين. فكل فعل أو مواصفة لا يفهمان إلا في إطار ارتباطهما بالكون الذي يمثله الطروسي. "والسبيل إلى دراسة نسق الشخصيات ككل، يكمن في تفكيك كل صورة إلى صفات مميزة وجعل هذه الصفات في علاقة تقابل أو علاقة تطابق مع الصفات المميزة للشخصيات الأخرى المنتمية إلى نفس النسق. حينها سنحصل على عدد ضئيل من المحاور التقابلية التي تسمح تأليفاتها المتنوعة بتجميع هذه المحاور في شبكات لها صفة التمثيلية " (33).

وعلى هذا الأساس، سنستعيد كل ما طرحناه سابقا، وفق نظرة جديدة تأخذ على عاتقها مقابلة الشخصيات فيما بينها، ومقابلة الطروسي بمجموع الشخصيات. إن الهدف من وراء دراسة نسق الشخصيات لا يقف عند حدود تحديد مجموعة من العلاقات الثابتة الرابطة بين مجموعة من الكائنات الورقية. إن الأمر يتجاوز هذه الحدود. إننا نهدف من وراء هذه المحاولة الإمساك بكون دلالي (إيديولوجيا) يؤطر النص بشكل صريح أو ضمني، والتعرف عليه من خلال قراءة للسلوك وللخطاب في ضوء مجموعة من الأسنن التي تعد عماد أي نص ثقافي. " وهذا التعرف لا يكمن بطبيعة الحال في الكشف عن الإيديولوجيا في سلوك معين، أو خطاب معين، ولكنه يكمن في البحث عن هذه الإيديولوجيا في اللاوعي، سواء تعلق الأمر بالخطاب الحامل لحقيقة مطلقة ( الحكم مثلا ) أو تعلق بموقف يجب إسقاطه على سلوك مرجعي والتماهي مع صورة " مؤستتة " للفرد من طرف الوعي الجماعي " ( 34 ) .

وفي طرحنا لهوية الطروسي لم نكن نقصد من وراء ذلك التعريف بهذه الشخصية. لقد كان الهدف من وراء ذلك هو استخراج مجموعة من المحاور الدلالية التي ستشكل، فيما يبدو، وعاء لمجموعة من العلاقات ( التقابل والتطابق والتشابه ). ولقد كان من الضروري في مرحلة ما، إيجاد نقطة مركزية تشتغل كمنطلق لطرح سلسلة من المقارنات، هدفها الوصول إلى تقديم تركيب يضم هذا المجموع المتنافر من الشخصيات. وعلى هذا الأساس، جعلنا من الطروسي ( أو بالأحرى جعل السارد من الطروسي) هذه النقطة المركزية التي ستحدد من خلالها هوية وموقع كل الشخصيات داخل المعادلة الضابطة للتنظيم النصي العام. إن الرواية تشتمل على عدد هائل من الشخصيات موزعة على مجموعتين. المجموعة الأولى تضم : الطروسي، الاستاذ كامل، أبو حميد، خليل العريان، مصطفى، أبو سمرا، أحمد، البحارة، أم حسن، الرحموني.

وتضم المجموعة الثانية : أبو رشيد، نديم مظهر، اسماعيل كوسا، صالح بن برو. وهناك شخصيات أخرى لا تشارك مباشرة في الفعل ويصعب تصنيفها ضمن هذه الخانة أو تلك كماريا، المرأة التي عشقها الطروسي في ميناء من الموانئ العديدة التي زارها على مركبه "المنصورة"، وجميل سعود والايطالي.

و إذا كان هذا التصنيف قائما على وجود علاقة تقابلية يحددها، في المقام الأول، التباين في المواقف السياسية ( كل مجموعة تتميز بفضائها وقيمها وأسننها الثقافية والإيديولوجية )، فإن كل مجموعة على حدة تتمتع بسلسلة من العلاقات التي يجب تحديدها وتحليلها. وسيكون أسلوبنا في تناول هذا النسق العام كالتالي : سنتناول المجموعة الأولى لنكشف عن مجموع العلاقات الرابطة بين شخصياتها، وبنفس الطريقة سنتناول المجموعة الثانية. وسنتناول داخل المجموعة الأولى من جهة العلاقة : الطروسي/ مجموع الشخصيات، وسنتناول من جهة ثانية العلاقة الطروسي / الاستاذ كامل.

- العلاقة الطروسي / مجموع الشخصيات.

لقد أشرنا فيما سبق إلى المواصفات والوظائف التي تميز الطروسي كشخصية رئيسة، وهي نفس العناصر التي قادتنا إلى اعتباره محورا رئيسا لكل الأفعال المسجلة داخل النص الروائي. وسنبحث الآن عن عنصر مقابل، أو مشابه لها في الشخصيات الاخرى.

إن أول ملاحظة يمكن تسجيلها بصدد هذه الفئة هي أن الشخصيات المكونة لها فقيرة من حيث المواصفات، ومن حيث الوظائف. فعلى مستوى المواصفات لا نعلم أي شيء عن هاته الشخصيات سوى ما يتعلق بالأنتماء الاجتماعي ( الفقر) والانتماء المهني ( بحارة أو عمال في الميناء )، وما يتعلق بالهوية الاسمية ( عند البعض على الأقل ). ذلك أن السارد يتحدث أحيانا عن مجموعة كبيرة من الشخصيات من خلال تحديد مهني ( بحارة قدري الجانودي ). فهذا الاسم نفسه يشتغل كمؤشر تمييزي بسيط لا امتداد له خارج هذه الدائرة، ولا يحيل على كيان مستقل وممتلئ. فلا وجود لإمارات أو مخبرات ( بالمفهوم البارثي ) تخبر عن هذه الشخصيات وتمنحها عمقا أنسانيا يميزها عن غيرها. إذ لا معنى لوجودها إلا من خلال وجود الطروسي ( كإحدى الصور الممكنة لوجود هذه الفئة )، أو من خلال الانتماء المهني، فالطروسي بحار، والآخرون إما بحارة وإما لهم علاقة ما بالبحر ( عالم الميناء ). إن وجود هذه الفئة مرتبط بأسلوب سردي يسعى إلى تدعيم الطروسي وتزكية تلك الصورة التي نحتت له، كما يشكل هذا الوجود المادة التي سيدور حولها الصراع بين الطروسي والمجموعة الثانية.

إن ندرة المواصفات، تجعل من هذه الشخصيات عناصر رمزية بالمعنى العميق للكلمة. فالرمزية تتحدد من خلال العام والمجرد والغامض والقابل للتأويلات المتعددة. فإذا كانت هذه الشخصيات غائبة على مستوى المواصفات، فإن حضورها مع ذلك حضور وظيفي. إذ أن موقعها داخل الأفعال الوظيفية يتحدد من خلال موقعها الاجتماعي. إنها الشعب أو جزء من الشعب الذي يجب أن يربى وأن ينظم ( مناقشة الاستاذ كامل لقانون العمل أمام مجموعة من العمال ). إن غياب هذا التحديد الوظيفي تفرضه مقروئية واستراتيجة النص العامة المبنية على وجود نص إيديولوجي جاهز يوجه هذا النص ويحدد له نمط تحققه. وما تحدثنا عنه سابقا كظاهرة طغيان الوظيفة على الشخصية التي تقوم بها، يعود إلى وجود هذه الاستراتيجية التي تعد تحققا لمقولة سياسية لها حضورها في السنن السياسي ( الطبقة العاملة، المثقف الثوري، البرجوازي الصغير ..) وما تقوم به الرواية لا يتجاوز حدود إعداد معادل " فنى " لنص إيديولوجي متكامل. إن المواصفة الوحيدة التي يمكن إسنادها إلى هاته المجموعة تتحدد وفق إحدى الثنائيات :

واع ( م ) لاواع

رافض ( م ) مستسلم

مستغِل ( م ) مستغَل

وهي مواصفة معطاة مرة واحدة لحظة الظهور الأول. إن هذا التقليص في المواصفات هو ما يوسع من الهوة الفاصلة بين عالم الممكنات والعالم الواقعي. فإذا كان الإكثار من المواصفات والإشارات وكل ما يمكن أن يخبر عن كيان هذه السخصية أو تلك ( تحديد الشخصية من خلال فعل، تحديدها داخل مقهى، داخل جلسسة حميمية مع امرأة ...) يقلص، بشكل كبير، من المسافة الرابطة بين عالم الرواية وبين عالم الممكنات هذا (35) (التوقعية الكبيرة في مقابل ضحالتها أو أنعدامها)، فإن غياب هذه المواصفات أو ندرتها يوسع من هذه المسافة، ويجعل من عنصر التوقعية محصورا في دائرة محددة سلفا بسنن يثبت ويعين صورة نملكها عن كيان ما.

إن التوقعية المشار إليها منحصرة في احتمالين : إما أن الاستاذ كامل سيقنع الطروسي، ومن ثم سيتم إقناع مجموع الشخصيات المرافقة له بضرورة الانتماء السياسي، وإما أنه سيفشل، وسيستمر أبو رشيد في ممارسة جبروته داخل الميناء. ما عدا هذين الاحتمالين، لا يمكن أن نقدم أي تصور يتعلق بمصير هاته الشخصيات، لأنها تتحرك كأشباح لا تمتلك قصة تحدد لها مصيرا آخر غير ما ذكرنا.

- العلاقة : الطروسي / الاستاذ كامل

بانتقالنا من العلاقة الأولى إلى العلاقة الثانية ننتقل في واقع الأمر من نمط وجودي لشخصيات معينة، إلى نمط وجودي لشخصية تعد، هي الأخرى، عنصرا محوريا ولو بطريقة مختلفة. وهذا الانتقال يعني أيضا مقابلة شخصية محورية على مستوى القصة أوعلى مستوى الفعل السردي (الطروسي )، بشخصية محورية على مستوى الكون المعرفي المبثوث في النص. هذا الكون المعرفي يعتبر المرجعية الإيديولوجية للنص ككل.

إن عناصر هذه المقابلة تتلخص في :

أ - العلاقة الرابطة بين الطروسي والاستاذ كامل علاقة قائمة على عنصرين : الفعل من جهة، والمعرفة من جهة ثانية. هناك طرف مالك لسلسلة من المواصفات والوظائف تقوم في تضافرها، بالإحالة على حياة بأكملها. وهناك طرف ثان مالك للمعرفة كجهاز نظري إيديولوجي. فإذا كان الطروسي هو التجسيد الأمثل لسلوك يتمفصل في مواصفات وأفعال، فإن الاستاذ كامل هو صوت المعرفة الصافية بدون منازع. إن هذه العلاقة تحيل على تقابل بين المعرفة والسلوك ( بين الحياة بكل تناقضاتها، وبين المعرفة كجهاز مجرد ). فمرجعية هذا الطرف تختلف عن مرجعية الطرف الثاني. فالمعرفة كونية وعامة ولا تحيل إلا على عالم النظريات المجردة، أما السلوك فهو فردي وواحد، ولا يتحقق بنفس الطريقة إلا مرة واحدة.

ب - تعد هذه المقابلة أيضا مقابلة بين سلسلة من الوظائف والإشارات والمواصفات المتحققة في النص كنتائج ملموسة لأفعال ولسلوك يسند هذه الأفعال، وبين وظيفة واحدة ووحيدة. ومكان تحقق هذه الوظيفة ليس النص الروائى، لأن النص هو أحد تحققاتها الممكنة، ولكنه عالم المعرفة السياسي والايديولوجي. إن مقروئية هذه الشخصية تتحدد من خلال تطابق بين صورتها المثلى (المثقف الثوري ) داخل سنن إيديولوجي بالغ الخصوصية، مع إمكانات تحققها جزئيا أو كليا داخل فضاء إنسأني ملموس. ويجب ألا نخلط بين السنن الخاص الذي تنمو وتتحرك داخله هذه الشخصية، وبين السنن العام ( الذي يحتوي على أسنن فرعية) كصورة كلية معطاة من خلال سلوك ما. فليس هناك شك في أن الطروسي هو الآخرنتاج سنن معين سواء على مستوى المواصفات ( البحار وتفريعاته ) أو على مستوى الوظائف ( إمكانات الفعل التي يحددها السنن )، إلا أن هذا السنن محدد من خلال مجموع العناصر الثقافية المتحكمة في مقروئية النص ومقبوليته، باعتبار هذا السنن مجموعة من السلوكات المتنوعة. > ومقروئية نص ما ( بالنسبة لمجتمع معين وفي حقبة معينة ) تتحقق بوجود تطابق بين البطل وفضاء أخلاقي مثمن ومقبول من لدن القارئ < (36).

صحيح أن الشخصيتين معا تنتميان إلى عالم مخيالي ( ائنات من ورق )، لكن طريقة هذا الانتماء تختلف من الشخصية الأولى إلى الشخصية الثانية. فالأول (الطروسي) محدد من خلال سنن عام : إنه سنن الأخلاق والثقافة والسياسة والدين، وبالتحديد من خلال العنصر الحضاري الذي نحتت منه عناصر تشكيل وخلق شخصية مقبولة من لدن المتلقي. أما الثاني فمحدد من خلال سنن خاص، إنه سنن إيديولوجي ضيق (الماركسية) ولا يشكل هذا السنن داخل السنن العام سوى جزء بسيط، وهو الجزء الذي يعمل النص على رسم معالمه كسلوك مخيالي قابل للتحقق في الواقع.

ج - إن الإشارة إلى ماضي الطروسي - مع كل ما تعنيه هذه الإشارة من نبش في حياته الماضية للكشف عن الجوأنب المتنوعة لديه - هي المبرر الرئيس للوظائف التي قام بإنجازها. فلا يمكن أن نحذف وظيفة من وظائفه ( معركته مع صالح بن برو مثلا ) دون أن نخل بقصته الكاملة. ولا يمكن أن نحذف أمارة من الأمارات الدالة عليه دون أن نخل بالصورة التي رسمت له.

إن الوظائف والمواصفات لم تتشكل من خلال فعل تم في الحاضر، ولا من خلال فعل ينتمي إلى الماضي، إنها وليدة هذا الكل المكون من الماضي والحاضر. في حين لا يتحدد الأستاذ كامل إلا من خلال حاضره البسيط والفقير في الآن نفسه ( الرواية لا تشير إلى حياته الخاصة إلا مرة واحدة). فنحن لا نعرف هواياته ولا رغباته، كما لا نعرف الأشياء التي يحب والأشياء التي يكره. إن قصته تستمد وجودها من قصة السياسة في سوريا وفي الوطن العربي. إنه عنصر داخل قصة لا نرى منها إلا فعلا واحدا هو الفعل الذي يحتويه النص الروائي.

د - و إذا كانت كل شخصية تحيل على عالمها الخاص، وهو عالم محدد بقواعد تحكم عملية توزيع المواصفات والوظائف وفق استراتيجية شاملة، فأين يكمن اللقاء بينهما ؟ وما الذي يجعل من الطروسي عنصرا مقبولا داخل عالم الأستاذ كامل ؟ وما الذي يجعل من الاستاذ كامل عنصرا مقبولا داخل عالم الطروسي ؟ إن نقطة اللقاء بينهما، رغم كل الاختلافات المسجلة أعلاه يجب البحث عنها في خطاب السارد باعتباره مرجعية عامة تحتوي على العالمين معا. فالسارد من خلال تدخلاته المستمرة يجعل من عالمي الشخصيتين عالما واحدا وذلك عبر تبرير سلوك الطروسي ومنح الجانب العملي فيه بعدا معرفيا. فكل حركة وكل فعل صادر عن الطروسي يجد له صدى في عالم المعرفة الذي يمثله الاستاذ كامل. والقيم الفردية التي أشرنا إليها سابقا، والتي تشغل حيزا هاما داخل الكون الروائي، يتم تمديدها، والتنظير لها لتصبح بشكل من الأشكال، جزءا من عالم إيديولوجي جديد يؤسس انطلاقا من الحس السليم الذي يمثله الطروسي. ولقد سبق أن لاحظنا في الفقرة الأولى من هذه الدراسة التطبيقية أن الرواية في كليتها قائمة على هذا التعارض بين الفردي والجماعي، وقائمة زيضا على إلغاء هذا التعارض عبر دمج الفردي في الجماعي.

- العلاقة : المجموعة الأولى / المجموعة الثانية

إن جل الخلاصات التي قمنا بصياغتها حول المجموعة الأولى يمكن سحبها على المجموعة الثانية مع وجود بعض الاختلافات التي سنعود إليها بعد حين. فهذه المجموعة - كما سبق القول - متكونة من ثلاث شخصيات رئيسة : أبو رشيد، نديم مظهر، اسماعيل كوسا. يضاف إلى هؤلاء مجموعة أخرى غير محددة اسميا، أي تلك الكائنات التي تتحرك داخل دائرة هذه الشخصية أو تلك، وهذه الدائرة محددة من خلال عنصرين اثنين :

- الانتماء السياسي. فكل شخصية محددة من خلال انتماء إلى حزب سياسي معين.

- الانتماء الاجتماعي / الطبقي. فكل الشخصيات محددة طبقيا بانتمائها إلى فئة المستغِلين ( الميناء أبو رشيد، النقل نديم مظهر، المقاهي اسماعيل كوسا).

وخارج هذين العنصرين لا نعثر على أي شيء آخر يسهم في تحديد كينونة كل شخصية على حدة. صحيح أن هناك وصفا دقيقا لبعض الجوانب في سلوك أبي رشيد مثلا. فالسارد يحدثنا عن تعامله مع عماله، وعن تصرفاته ومواقفه، إلا أن هذا الوصف لا يتم إلا من زاوية واحدة. فالنعوت التي يطرحها السارد كعناصر مميزة لابي رشيد هي نعوت جزئية لأنها مرتبطة بفضاء واحد : الميناء، أي فضاء نفوذه الاقتصادي. لهذا فهي نعوت غير مميزة لأنها تصدق على كل شخصية تحتل موقعا مشابها، أي موقعا طبقيا يحددها كعنصر داخل طبقة لا كفرد مميز في حياته بكل دقائقها. فمن هو أبو رشيد خارج الميناء، وخارج هذه الصفات ؟ نحن لا نعرف عنه إلا أنه شرير لا يعرف الرحمة والشفقة، وكل شيء جائز عنده للحفاظ على مصالحه. هل هو متزوج؟ هل لديه أبناء ؟ هل له أصدقاء ؟ هل يحب زوجته أم يكرهها إذا كان متزوجا ؟ لا نعرف عن هذه الجوانب أي شيء.

وإذا كانت هذه العناصر هي ما يجمع بين المجموعتين، فإن هناك عناصر أخرى تفرق بينهما. ذلك أن المجموعتين معا لا تتحددان من خلال المواصفات، فمواصفاتهما معطاة داخل النص الثقافي العام، وليس من خلال سلوك فردي مميز. ذلك أن المجموعة الثانية - عكس الأولى - تتميز بوظائفها ( أي احتلالها لمواقع تركيبية دافعة للخيط السردي). فأبو رشيد، وكذا نديم مظهر يملكان برنامجا سرديا محددا في النص الروائي كبرنامج استعمالي، وهذا لا يعني أن الفئة الأولى محرومة من أي وجود يتحقق على شكل برنامج قد تكون له امتداداته السردية. إن نمط وجود هذه الفئة داخل نص الثقافة هو ما يحدد نمط وجودها داخل النص الروائي. فالنص يقدم هذه الفئة لحظة انخراطها في حركة كبرى من أجل بلورة وعي يعيد لها ذاتها.

انطلاقا من هذه الخلاصة، فإن نفس المنطق الذي تشكلت وفقه شخصيات المجموعة الأولى ( باستثناء الطروسي ) هو الذي يحكم عملية تشكيل الشخصيات المنتمية إلى المجموعة الثانية. فهذه المجموعة محددة من خلال موقع طبقي يحيل على مجموعة من السلوكات المسننة داخل النص الثقافي العام. فحالة الانتظار الناتجة عن تجسيد الإيديولوجيا داخل جهاز معين ( الأسرة، الطبقة، المؤسسة ) هو ما يحدد سلوك القارئ تجاه هذا السلوك أو ذاك. وهذا ما يحكم أيضا عملية استهلاك النص وفك رموزه. وبالرغم من ذلك، فإن هذا النص الثقافي، بالنسبة للمجموعتين معا، لا يتحقق إلا بشكل جزئي وانتقائي : أي لا يتحقق إلا من زاوية نظر معينة. وهي الزاوية هي المتحكمة في عملية توزيع المواصفات والوظائف. وما يتحقق داخل النص ليس السنن الثقافي بكل عناصره في تناقضاتها، بل جزء منه فقط ؛ وهو جزء مرتبط بنظرة خاصة للتاريخ تحدد موقع كل فئة داخله : الإيجابي من جهة (الفئة الأولى، الشعب )، والسلبي من جهة ثانية ( الفئة الثانية : المستغِلون ).

وخلاصة القول إننا أمام تعريف إيديولوجي للشخصيات. فكل ما يقوم به النص - انطلاقا من هذا التعريف - هو انتقاء شخصية ما من هذا الركام الثقافي الاقتصادي السياسي، وإسناد وظيفة ومواصفة لهذه الشخصية وذلك في أفق تحقيق مقبوليتها ومقروئيتها عند القارئ.

وإذا أخذنا النسق في مجمله ونظرنا إلى نقط التقاطع بين عناصره، لاحظنا وجود ترسيمة قائمة على وجود عنصر وصل بين المجموعتين :

المجموعة الأولى المجموعة الثانية

المؤيدون

الطروسي

الاستاذ كامل أبورشيد ، ن . مظهر

اسماعيل كوسا

وهذه الترسيمة تستدعي الملاحظات التالية :

أ - إن نقطة التقاطع بين المجموعتين يمثلها الطروسي من خلال موقعه المتأرجح بين المجموعتين. إنه مرتبط بعلاقة وطيدة مع نديم مظهر، ومرتبط بعلاقة مشابهة مع الأستاذ كامل. وهذا التأرجح يفسر بالغموض الذي يكتنف وضعه الاجتماعي. فهو فقير من حيث الوضع الحالي، وغني من حيث الوضع الآتي، أي من حيث إمكان تحوله إلى " ريس ". وقد عبر عن ذلك الاستاذ كامل بعبارات واضحة " صحيح أنه ليس عاملا ولا فلاحا ولكنه من سنديانة شعبنا". إن غياب تصنيف اجتماعي يحدد وضعه الطبقي هو ما يجعل منه، كما رأينا سابقا، موضوعا لاستقطابات متنوعة فكل مجموعة حاولت ضمه إليها سواء بالإقناع أو الترغيب أو التهديد. ولن يحسم هذا التأرجح الا بالتركيز على عنصرين:

- الحديث المستمر عن سلوكه وأخلاقه، مما يحيد به عن الفئة الثانية باعتبارها ممثلة للشر.

- إبراز عناصر الحس الوطني والقومي عنده، مما يؤهله للانضمام إلى الفئة الأولى باعتبارها تمثل سياسيا ما يجسده هو سلوكيا.

ومن جانب آخر، فإن هذا التأرجح مقصود في ذاته، فإصرار السارد على استمرارية الصداقة بين الطروسي ونديم مظهر، هو ما سيسمح للرواية بضم هذا الأخير إلى الصف الوطني.

ب - الملاحظة الثانية تتعلق بالعلاقات الممكنة داخل كل مجموعة. فكل مجموعة تحتوي في داخلها على عناصر متناقضة. إنها تحتوي على تناقض داخلي يسم العلاقة التي تربط مجموع أفراد الفئة، وتناقض خارجي يضبط العلاقة بين المجموعتين.

فداخل المجموعة الأولى هناك، من جهة، العمال والبحارة ككتلة لا تعبر عن نفسها إلا من خلال صوت السارد. وهناك من جهة ثانية، أبو حميد والأستاذ كامل ( الأول مناصر لألمانيا والثاني مناصر لروسيا ). والصراع منحصر بين هاتين الشخصيتين، فكلاهما يحب الوطن، وكلاهما يصبو لغد أفضل، لكن لكل واحد منهما مُثله وأخلاقه وقيمه ومواقفه السياسية. إن هذا التناقض سيتم استيعابه سرديا من خلال هشاشة الوضع السردي لأبي حميد، ( أحيانا يكون ظهور أبو حميد استراحة للفعل السردي). ويتم استيعابه خطابيا من خلال وجود مجموعة من المواصفات التي تجعل منه شخصية مهزوزة وكاريكاتورية محكوما عليها بالفشل منذ اللحظات الأولى لظهورها : جاهل، غبي، علاقاته هامشية ( أبو سمرة بائع الخضر العفنة ). إن استيعاب هذا التناقض، يعد من الوجهة السياسية، إيذانا بالمرور من الوعي " المزيف " إلى الوعي" الحقيقي".

وأما داخل المجموعة الثانية، فهناك أبو رشيد من جهة ونديم مظهر واسماعيل كوسا من جهة ثانية ( الرواية في أغلب الأحيان تركز على ثنائية الصراع : أبو رشيد / ن . مظهر). وعلى عكس المجموعة الأولى، فإن الصراع بين الشخصيتين لا تحدده أي مُثل عليا ولا أية إيديولوجيا (كلاهما ينتمي إلى نفس المثل ونفس الإيديولوجيا )، بل تحدده المصلحة الاقتصادية والصراع من أجل توسيع مناطق النفوذ.

ج - الملاحظة الثالثة تتعلق بالكون الدلالي الذي يضم داخله مجموع النسق. فإذا كانت المجموعة الأولى هي الفئة التي تقاس من خلالها درجة التحول وحجمه ونوعيته، سواء على مستوى المواصفات، أو على مستوى الوظائف، فإن الترسيمة تقدم لنا عالما ميكيافيليا : كتلتين متقابلتين بشكل كلي ومطلق، هناك من جهة الخير ولا شيء غير الخير، وهناك من جهة ثانية الشر ولا شيء غير الشر. فالفئة الأولى هي خيرة بطبيعتها، والآخرون (الفئة الثانية ) أشرار بطبيعتهم أيضا. وقد يكون هذا التصنيف مقبولا في مقالة سياسية أو في تحليل إيديولوجي لحركة التاريخ، لكنه لن يكون كذلك في نص أدبي، ذلك أنه يحول هذه الشخصيات إلى أشباح أو مقولات عامة.

3 - نمط توزيع المواصفات

إن نمط توزيع المواصفات والوظائف لا يختلف في شيء عن نمط اشتغالهما. فكلا الحالتين محكومة بالاستراتيجية العامة للنص الروائي. فإذا كان الهم الرئيس للفعل السردي هو ربط الحاضر بالماضي (فضائيا وقيميا ) ، فإن عملية توزيع المواصفات تأخذ هذه الخاصية منطلقا رئيسا لها. وأهم ما يميز هذه العملية هو التقاطع. والتقاطع صفة ملازمة للفعل السردي من بداية النص إلى نهايته. فالحديث عن مواصفة يتم دائما من خلال تقاطع لحظتين سرديتين متباعدتين : الأولى تنتمي إلى الماضي والثانية تنتمي إلى الحاضر. وكل مواصفة لا تأتي إلا لتؤكد مواصفة سابقة.

وبإمكاننا التأكيد أن الهدف من وراء هذا الأسلوب يتلخص أولا في تأكيد استمرارية السلوك الإنساني المستند إلى قيم تتسم بالعمومية والكونية ( الطروسي = مجموعة من القيم الثابتة ماضيا وحاضرا ). وتتلخص ثانيا في إعطاء صورة كاملة عن الطروسي لا تشوبها شائبة. إنه البطل الكامل الواعد بأحداث وتحولات. وخدمة لهذه الاستراتيجية، فإن السارد، في عملية توزيعه للمواصفات، يعمد إما إلى سرد وقائع حادثة تنتمي إلى الماضي وربطها بحادثة في الحاضر، وإما إلى خلق وضعية إنسانية تتحرك داخلها شخصية أو مجموعة من الشخصيات ( الأمر يتعلق في غالب الأحيان بالطروسي ).

ففيما يتعلق بالأسلوب الأول، فإن الحادثة في ذاتها هي ما يخبر عن وجود هذه المواصفة أو تلك. إذ أن الحادثة تعد تمثيلا مشخصا لمقولة ثيمية مجردة ( ذات طابع مفهومي ). وهذا الأسلوب يحيلنا على أشتغال خاص للخطاب. > فالشيء يمكن أن يمثل بطريقة بسيطة أو بطريقة مركبة، كما أن كلمة بسيطة يمكن أن توضع في مقابل ما تصورناه بشكل مفصل ...]. فالمعجمانية تكمن في استبدال لكسيم بمقطع أوبمجموعة من المقاطع متطابقة معه. ولكنها من الناحية التركيبية تعد أوسع وأشمل، وذلك حسب عدد السميمات التي يحملها هذا اللكسيم< ( 37 ). إلا أن عملية التمثيل التشخيصي لا تتطابق كلية ولا تستنفد كل ما تحتويه الثيمة في داخلها. فالواقع المسرود لا يشكل إلا تحققا خاصا ضمن تحققات أخرى ممكنة ( دوال لمدلول واحد ).

وبناء عليه، فإن اختيار هذا الأسلوب أو ذاك (الانتقال من المواصفة إلى وجهها المشخص، مثلا عيسى وطني، أو الانتقال من الوجه المشخص إلى المواصفة من خلال سرد مجموعة من الوقائع التي تحيل على المواصفة " وطني" ) ليس اختيارا بريئا. فإذا كان الأسلوبان يتطابقان من حيث الغاية النهائية ( تشكيل كينونة معينة )، فإنهما يختلفان من حيث وقع كل أسلوب على القارئ. فإسناد مواصفة لشخصية معينة من خلال تقديمها داخل حكاية لا يشبه في شيء إسناد نفس المواصفة لشخصية خارج أي سياق. فللحكاية سلطتها وقوتها من جهة، كما أن هذه الحادثة التي تحتوي في داخلها على المواصفة تعد توجيها - من حيث إنها تحقق خاص - لفعل القراءة، وتحديدا للمادة المسرودة التي ستأتي. فما يدرك كسلوك مجسد، يتحول بفعل القراءة إلى وجه مفهومي لهذا السلوك.

ومن جهة ثانية، فإن نمط تقديم هذه المواصفات، نمط وظيفي على مستوى التلقي، فهو عنصر مسهم في تحقيق مقروئية وانسجام البنية السردية. >إنه التحفيز السيكلوجي للشخصيات، ويشتغل كملء تبريري بعدي للشبكة الوظيفية للحكاية ( التتابع المنطقي للوظائف بالممفهوم البروبي ) كما يشتغل كشرح للمنطق السردي القائم على تعلق السابق باللاحق< ( 38 ).

وبالإضافة إلى ذلك يمكن تكرار المواصفة على شكل حوادث مختلة، ولكن الحادثة لا يمكن سردها بنفس الطريقة أكثر من مرة درءا للابتذال والميوعة السردية. فإذا كانت كل حادثة تحيل على حادثة أخرى تكملها، أو تضيف إلى الفعل السردي نفسا جديدا، فإنها تحمل في داخلها مواصفة أعمق وأوسع من المواصفة السابقة، ومن جهة ثالثة، فإن تسريب المواصفات من خلال العنصر القصصي، يتيح للسارد فرصة معانقة نص التاريخ ونص الثقافة، وتسجيل نصه ضمن هذا التاريخ وضمن هذه الثقافة، لأن طرح المواصفة داخل قصة أكبر منها وأعم، هو في حقيقة الأمر، استنجاد بنص سابق لتدعيم نص لاحق ( النص الغائب في خدمة النص الحاضر)، من خلال موضعة الشخصية - وهميا - داخل إطار تاريخي محدد يمكن العودة إلى جزئياته للتأكد منه. فكل القصص ( الحكايات الصغيرة التي تروي جوانب من حياة الطروسي ) المشار إليها سابقا تحتوي على مجموعة من العناصر الواقعية سواء فيما يتعلق بالعنصر الزمني ( الحرب العالمية الثانية، الصراعات السياسية في سورية)، أو فيما يتعلق بالعنصر الفضائي ( اللاذقية، طرابلس، أرواد، قبرص، حلب ...) أو فيما يتعلق بأسماء الأعلام ( موسولوني، عمر المختار، المرشد، هتلر ...) .

استنادا إلى هذا، فإن القصة في مجملها - ومن خلال وجود هذه العناصر - موصولة بقصة خارجة عنها تقوم بتوضيحها، كما تقوم بمنحها مصداقيتها المرجعية. على أن هذه الوقائع نفسها تشتغل كعنصر يحد من حرية السارد في التأليف. فالنص التاريخي باعتباره ضمانة على مقروئية النص ومصداقية مرجعيته، يصبح قيدا لهذا النص. فهو الذي يحدد ويؤطر كل ما يمكن أن يصبح مادة سردية داخل نص خيالي. وبقدر ما يحضر التاريخ، بقدر ما يصبح النص الروائي متعلقا ومحكوما بوقائع هذا التاريخ.

أما فيما يتعلق بالأسلوب الثاني - أي خلق وضعية إنسانية ودمج الشخصية داخلها - فإنه لا يختلف عن الأسلوب الأول إلا من حيث الوقائع النصية. فالاول، كما رأينا، يعتمد على العنصر الحكائي والثاني يعتمد على لقطات قصيرة تصف الشخصية داخل موقف محدد ( زيارة الطروسي للميناء واكتشافه للاستغلال البشع الذي يمارسه أبو رشيد، إحدى جلساته الحميمية مع أم حسن ... ). وهذه اللقطات السريعة تتميز بكونها لا تكشف دفعة واحدة عن مواصفة أو مواصفات. ذلك، أنه من الصعب جدا - انطلاقا من لقطة واحدة - استنساخ مواصفة متطابقة مع سلوك معين. وعليه فإن تراكم مجموعة من اللقطات هو ما يسمح للقارئ بإسناد مواصفة لهذه الشخصية أو تلك تتناسب والسلوك الذي صدر عنها. من هنا كان التركيز في كل مرة على جانب من الجوانب المشكلة لكينونة الطروسي من خلال خلق هذه الوضعيات الإنسانية.

وفي كلتا الحالتين، فإن الاستراتيجية السردية تهدف من خلال هذا الأسلوب أو ذاك، إلى محاصرة القارئ داخل قصة أو داخل وضعية إنسانية محددة. وهذا يحد من حرية القارئ في التأويل، لأن المواصفة تعطى مؤولة من خلال خطاب السارد نفسه.

الهوامش

1) مينه، حنا " الشراع و العاصفة" دار الاداب بيروت، الطبعة الرابعة 1982

2) Greimas, Courtès : Dictionnaire raisonné de la théorie du langage article Acteur

3 ) الرواية ص 13

4 ) Lintvelt , Jaap : Typologie narrative p 62

5 ) Jolles ,André : Formes simples, ed, Seuil Paris 1973

6 ) Carontini , Enrico : Action du signe, p p. 28, 29

7 ) Hamon , Philippe : Pour un statut sémiologique du personnage p 140

8 ) الرواية ص 13

9 )Greimas, Courtès : Dictionnaire , Aspectualisation

10 ) يعرف گريماس السردية بقوله : " السردية هي اقتحام اللامتواصل للطولية الخطابية في حياة أو قصة أو فرد أو ثقافة. إن هذا الاقتحام يقوم بمفصلة هذه الطولية إلى حالات منفصلة جاعلا بينها تحولات. إن هذا يسمح بوصفها في مرحلة أولى كملفوظات فعل تغير من وضع ملفوظات حالة، هذه الملفوظات الأخيرة هي الضمانة على الوجود السميائي لذوات في اتصال أو انفصال عن موضوعات قيمة " انظر du sens p p 46, 47

11 ) Gilli , Y : Apropos du texte littéraire et de Kafka p 37

12 ) Bal ,Mieke : Narratologie p 7, 8

13 ) الرواية ص 13

14 )Greimas : Du sens II p 143

15 ) Genette , Gérard : Figures II, p. 56

16 ) Bertrand , Denis : L'espace et le sens, p/ 78

17 ) انظر الدراسةالتي قام بها بارث لاسم Valdemar منشورة فيSémiotique narrative et textuelle

18 ) نستثني بطبيعة الحال الحالات التي يكون فيها غياب الاسم جزءا من استراتيجية سردية قائمة على اللغز بحيث إن معرفة الاسم تترافق مع الاستنفاد الكلي للامكانات السردية.

19 )Hamon : Pour un statut sémiologique, p/ 155

20 ) الرواية ص 13

21 ) الرواية ص 15

22 ) Hamon ,P : Introduction à l'analyse du descriptif p 110

23 ) Hamon op cit p 110

24 ) الرواية ص 15

25 ) نفسه ص 15

26 ) نفسه ص 15

27 ) نفسه ص 15

28 ) نفسه ص 15

29 )Greimas , Courtès : Dictionnaire , Programme narratif

30 ) انظر الرواية ص 13

31 ) يلاحظ تودوروف بصدد ألف ليلة وليلة، أن الشخصية لكي تضمن لنفسها البقاء عليها أن تروي قصة. ونحن نأخذ بهذا المبدأ من زاوية موقع الشخصية المالكة لقصة داخل الكون الروائي، فلكي يكون للشخصية كيان متميز عليها أن تكون مالكة لقصة. انظر

:Todorov : Poetique de la prose, p 89

32 ) Mitterand , Henri : le discours du roman , p 61

33 ) Todorov op cit p 15

34 )Mitterand H : op cit p

35 ) يعرف أومبرتو إيكو العالم الممكن بقوله " يتحدد العالم الممكن باعتباره حالة معبرا عنها من خلال مجموعة من الملفوظات بحيث إن كل ملفوظ يتطابق إما مع الحالة (أ) وإما مع الحالة ( ب )، وعليه فإن العالم الممكن يتكون من مجموعة من الأفراد المالكين لخصائص، وبما أن بعض هذه الخصائص أو المحمولات هي أفعال، يمكن النظر إلى العالم الممكن بصفته سيرورة حدثية " انظرLector in fabula p 168

36 )Hamon : Pour un statut p 153

37 ) : Sémantique structurale, p. 73 Greimas

38) Hamon P : Un discours contraint , in littérature et réalité, p.13
سيميولوجية الشخصيات الروائية
 
  • المشاهدات
    733
  • الرّدود
    0

  • أعلى أسفل