- المشاركات
- 164
- الدّولة
- تونس
- الولاية
- صفاقس
- م. الدّراسي
- جامعي
- الاختصاص
- عربية
- المهنة
- أستاذ تعليم ثانوي
هل مشكلة فلسطين هي مشكلة خاصة بشعب فلسطين؟
د . عصمت سيف الدولة
هل تتغير حقيقة مشكلة فلسطين فيما لو اعترفت باسرائيل احدى الدول العربية. أو الدول العربية مجتمعة، أو شعب فلسطين نفسه ممثلا بدولة مصنوعة أو بدون دولة؟
أبدا.
وهذا ينقلنا الى الجانب ” الداخلي “، من المشكلة كما نفهمها على ضوء نظريتنا القومية..
نعرف أن المميز الاساسي للامة عن الجماعات الانسانية السابقة عليها هو عنصر الارض الخاصة المشتركة. الخاصة بالجماعة البشرية المعينة دون غيرها من الجماعات الانسانية الاخرى المشتركة فيما بين الناس فيها “. بقي أن نعرف الموقف القومي من مشكلة فلسطين كما يحدده كون الارض العربية ” مشتركة “، فيما بين الشعب العربي . انه يحدده من ناحيتين:
الناحية الاولى : لما كانت الامة العربية تكوينا تاريخيا فان اشتراك الشعب العربي في الوطن العربي هو مشاركة تاريخية بين الاجيال المتعاقبة. وهذا يعني انه ليس من حق الشعب العربي كله، من الخليج الى المحيط ، ولو كان ممثلا في دولة الوحدة، ان يتنازل عن ارض فلسطين أو يقبل الوجود الصهيوني على الارض المغتصبة. ا نه بهذا يتصرف فيما لا يملكه وحده لانه ملك مشترك بينه وبين الاجيال العربية القادمة. ولو فعل لما كان ما يفعله حجة على الاجيال القادمة من الشعب العربي.
الناحية الثانية: انه لما كانت الارض العربية شركة بين الشعب العربي فليس من حق أي جزء من الشعب العربي ولو كان شعب فلسطين نفسه ان يتنازل عن ارض فلسطين أو يقبل الوجود الاسرائيلي على الارض العربية المغتصبة. انه بهذا يتصرف فيما لا يملكه وحده لانة ملك مشترك بينه وبين باقي شعب الامة العربية. ولو فعل لما كان ما فعله حجة على الشعب العربي.
ان هذه الناحية الثانية اكثر واقعية من الناحية الاولى . اذ ان دولة الوحدة لا تكتمل وجودا ما دامت ارض فلسطين مغتصبة ولو شملت باقي الوطن العربي . وانما أردنا أن ندفع بالفروض الى نهايتها لنؤكد بأوضح ما يمكن عدم شرعية التنازل عن ارض فلسطين أيا كان الجانب ” العربي ” المتنازل، ولو كان جيلا كاملا من الشعب العربي تمثله وتنوب عنه دولة وا حدة تعترف بالوجود الاسرا ئيلي على أرض فلسطين . ان أي جزء من الشعب العربي ممثلا في دولته أو الشعب العربي كله ممثلا في دولة واحدة، أو شعب فلسطين ممثلا في دولة أو بدون دولة، يعترف بدولة اسرا ئيل لن يفعل بهذا شيئا اكثر من الزام نفسه بالتعامل معها كدولة ولكن مشكلة الارض المغتصبة ستبقى قائمة يحلها حلها الصحيح باقي الشعب العربي ولواقتضى الامر تصفية المعترفين، أو يحلها حلها الصحيح جيل قادم من الشعب العربي يصحح خيانة جيل سبقه . ولن يستطيع أحد أن يحتج على الذين يتصدون لاسترداد الارض المغتصبة بالاعتراف الصادر من غيرهم أو بالاعتراف السابق على وجودهم، لانهم كشركاء في الارض العربية شركة تاريخية غير ملزمين بما فعله أو يفعله شركاؤهم الاخرون .
مشكلة فلسطين، اذن، لن تحل بالاعتراف بدولة اسرائيل يأتي من أي جانب عربي لانها مشكلة ارض مغتصبة، لا من أي جيل من الشعب العربي يملكها وحده فيملك التصرف فيها، ولا من أي جزء من الشعب العربي يملكها وحده فيملك ان يتنازل عنها، بل مغتصبة من الامة العربية واجيالها المتعاقبة. ومن هنا ندرك جسامة خطأين متداولين في طرح مشكلة فلسطين :
الخطأ الاول هو الزعم بأن العدوان الصهيوني موجه ضد دولة عربية أو بضعة دول عربية، وبالتالي تكون المشكلة قائمة بين اسرائيل وبين تلك الدولة أو الدول. صحيح ان الصهيونية المعتدية عندما استولت على الارض العربية كانت الارض التي اغتصبتها جزءا من اقليم (شبه) الدولة التي كانت قائمة في فلسطين تحت الانتداب البريطاني. وعندما اعتدت اسرائيل مرتين سنة 1956 وسنة 1967، ومرات عدة فيما بينهما، اصطدمت بالدول العربية القائمة على الأرض المعتدى عليها. وانها ان تتوسع اكثر تصطدم بدول عربية أخرى لم يدركها العدوان بعد . هذا صحيح لان الارض التي اغتصبتها الصهيونية أو احتلتها اسرائيل لم تكن خالية من البشر ومن الدول . وان الارض العربية التي حددتها لتكون وطنا لدولة اسرائيل ما بين الفرات والنيل ليست خالية من البشر ومن الدول ويثير كل هذا مشكلات جديدة بين اسرائيل والدولة أو الدول العربية المعتدى عليها. مشكلات الاستقلال والامن وضمان الحدود. وتضاف تلك المشكلات الى قائمة المشكلات القومية على أساس ان كل مشكلة في الامة العربية هي مشكلة قومية. صحيح أيضا انه كلما تحرر الشعب العربي في أية دولة عربية من قيود الاستعمار والاستبداد والاستغلال، وكلما نمت مقدرة الشعب العربي في أية دولة عربية على التقدم الاجتماعي، انتبهت الصهيونية الى المخاطر المقبلة التي تتعرض لها مخططاتها فيما لو سمحت لذلك النمو أن يبلغ غايته.
اولا: لأنه بقدر ما يتحرر الشعب العربي بقدر ما يستطيع أن يحل مشكلة فلسطين .
وثانيا : لان محاولات التقدم ولو في ظل الاقليمية لن تلبث أن تعلم الجادين فعلا في ممارسة التنمية انهم يفتقدون الامكانيات المادية والبشرية الوفيرة المتاحة في الامة العربية وان ” التقدم لا يقوم على أساس التجزئة ” عندئذ يعرفون ان مشكلة فلسطين هي مشكلة تخلف وان الوجود الاسرائيلي قيد ثقيل على محاولات التقدم الاجتماعي فيواجهون دولة الصهيونية بالارادة التي لا تهزم : ارادة التقدم الاجتماعي .
وثالثا : لان التنمية في ظل التحرر توفر افضل امكانيات التحرير، ومن هنا لا يكون غريبا مانلاحظه من أن مشكلة فلسطين تزداد حدة كلما تحققت في الوطن العربي خطوة تحررية. وان الصراع ضد الصهيونية يصبح اكثر شراسة كلما تحققت خطوة تقدمية. وان قواها العربية تفرز وتتبلور. رويدا رويدا، في القوى القومية التقدمية. ألم نر كيف انها الآن سنة 1971 أكثر حدة من سنة 1948. وان اسرائيل قد اصبحت اكثر شراسة من ذي قبل. وانها تدخر قوتها الضاربة وتعدها وتستعملها لهدم كل تقدم بناء في الجمهورية العربية المتحدة، حيث يعيش ثلث الامة العربية، وحيث تقوم اكثر الجهود جدية في البناء الاجتماعي . ويبدو الامر من تتابع العدوان وتوقيته كما لو كان الاسرائيليون يضعون خطط الهدم على أساس خطط التنمية في الجمهورية العربية المتحدة . عدوان يهدم ، ثم فترة ليتفرغ فيها الشعب العربي لاعادة البناء ويبذل في كل هذا ما يتجاوز طاقته من تضحيات بشرية ومادية ومالية، وعندما يقارب البناء مرحلة الاثمار، أي في تلك اللحظة المنتقاة حيث يكون الشعب العربي على وشك ان يذوق ثمار جهده ، تختلق الذرائع ويأتي عدوان اسرائيلي جديد ليهدم … وهكذا. ألم نر كيف تحول الصراع منذ سنة 1967 من معركة تهزم فيها القوات أو تنتصر ثم تنفض الى سباق حياة أو موت بيننا وبين اسرا ئيل . ولم تستطع اسرائيل – هذه المرة- أن تضرب ثم تعود فتسرح قواتها وتعد نفسها لجولة قادمة. بل اضطرت للبقاء في ساحة المعركة والدفاع حتى الموت عن وجودها بان تفرض حتى الموت ذلك الوجود والاعتراف به قبل ان تكمل القوى القومية في الوطن العربي مسيرتها التقدمية.
كل هذا صحيح وواقعي .
ولكنه يقوم على مستوى اسلوب الصراع الذي تثيره مشكلة فلسطين . انها مشكلات ولدتها المشكلة الاصيلة، تنصب مضامينها على متطلبات الصراع وعدة النصر فيه. فهو لا يطغى على مشكلة فلسطين ولا يغيرمن حقيقتها ولا يقوم بديلا عنها. ولو كانت اسرائيل تعلم ، أو حتى تتوهم ، ان التقدم الاجتماعي في أية دولة عربية، لن يبنى لها من بين ما يبنى، القبرالذي تدفن فيه، لما همّها في كثير أو قليل ان تقوم بجوارها دولة نامية تتبادل معها السلع والخدمات والخبرات. أو لما بلغ اهتمامها حد القتال لهدم البناء التقدمي في الدول العربية. انما هي تهدم لانها تعلم ان ذلك البناء أحد اساليب النصر في الصراع الذي تثيره مشكلة فلسطين. وهكذا تبقى مشكلة فلسطين، كما هي ، مشكلة اغتصاب الارض العربية بصرف النظر عن الدولة أو الدول التي كانت قائمة، والقائمة، والتي قد تقوم على تلك الارض. ذلك لان الأرض التي تقوم عليها الدول العربية ليست أرضا خاصة بتلك الدول أو بشعوبها . ان للشعب العربي في كل دولة حقا بينها مشتركا بينه وبين باقي، الشعب العربي خارج حدودها السياسية. ومن هنا لا نستطيع أن نفهم ، من الموقف القومي، كيف يمكن أن يكون اغتصاب أو احتلال أية ارض عربية هو مشكلة ” خاصة “ بين المعتدين وبين الدولة أو الدول العربية التي تلقت ضربة العدوان . فلا نفهم ان يكون اغتصاب الارض العربية سنة 1948 واحتلال مزيد من الارض والمياه الاقليمية في سنتي 1956، 1967 وما بينهما مشكلات اقليمية قائمة بين اسرائيل والدول العربية ” المعنية ” كما يقولون . وعندما لا نفهم المشكلات على هذا الوجه الزائف نرفض- من ناحية- ان تتنازل أية دولة عربية عن أرض فلسطين المغتصبة سنة 1948 فتعترف باسرائيل ولو في مقابل استردادها للارض المحتلة في سنة 1967. ونرفض- من ناحية ثانية- أن تتنازل أية دولة عربية عن ذرة من الارض التي تقوم عليها لاسرائيل ولو في مقابل استرداد ما يتبقى من ارض محتلة. ونرفض- من ناحية ثالثة- ان تكون مسؤولية تحرير الارض المحتلة والارض المغتصبة واقعة على عاتق جزء من الشعب العربي دون الشعب العربي كله من المحيط الى الخليج . كما نرفض ان تساوم بعض الدول العربية على جزء من الوطن العربي لتسترد جزءا منه، نرفض ان يهرب جزء من الشعب العربي من المعركة ليتحمل جزء منه مسؤولية الامة العربية كلها .
مشكلة فلسطين اذن مشكلة قومية وليست مشكلة اقليمية.
واذا كان الصهاينة وحلفاؤهم يزعمون ولا يكفون عن ترديد مزاعمهم بأن مشكلة فلسطين هي مشكلة حدود آمنة واعتراف متبادل بين اسرائيل وجاراتها من الدول العرببة فذلك ما يقوله المعتدون وحلفاؤهم ليكسبوا به جولة الصراع حول وجود اسرا ئيل وليبدأوا بعده مراحل بناء دولة الصهاينة، حربا حربا، ما بين الفرات والنيل . وعندما ننزلق نحن فننسى أن مشكلة فلسطين هي مشكلة اغتصاب ارض فلسطين ( أليس هذا بدهيا؟…) ونطرحها كما لو كانت مشكلة توسع على حساب دولة أو اكثر من الدول العربية نكون قد سلمنا للصهيونية بما اغتصبت من الارض العربية قبل سنة 1967.وعندما ينسى الاقليميون الامة العربية التي ينتمون اليها والواقع القومي الذي تثور فيه المشكلة ويرددون كالببغاوات العجماء ان لكل دولة ” عربية ” شعبها الخاص وأرضها الخاصة وتاريخها الخاص ومصيرها الخاص… ويناقضون القومية بالاقليمية، يناقضون الكل بالجزء، يناقضون الشامل بالمحدود، يناقضون العام بالخاص، فيفتعلون بكل هذا تناقضات غير قائمة، انما يخفون التناقض الحقيقي القائم بين الشعب العربي والوجود الاسرائيلي، وينتصرون فيه للصهيونية وحلفائها بترديد دعاواهم الزائفة. اذ عندما ينحرفون الى المواقع الاقليمية ويزعمون ان لكل دولة عربية وجودا ومصيرا خاصا مستقلا يواجهون بأن الاستقلال علاقة ذات طرفين . استقلال بالنفس عن الغير. والغير هنا هو شعب فلسطين وارضه المغتصبة. ويصبح تدخلهم في مشكلة فلسطين تجاوزا لاستقلالهم واعتداء ، أو تطفلا ، على ا ستقلال الاخرين يستحق الردع أو يستحق السخرية. ويسخر العالم كله فعلا من الذين يدعون انهم مستقلون بوجودهم ومصيرهم عن فلسطين ثم لا يتركون فلسطين لمصيرها. وعندما تطرح مشكلة فلسطين على الذين يرددون المنطلقات الاقليمية لا يكون امامهم الا الاحتكام الى القواعد الدولية التي تنظم علاقة الجوار فيها بين الدول : الاعتراف المتبادل وتبادل التمثيل السياسي ودعم الصداقة… أو- على الاقل- قبول حماية الدول لحدود دولهم لتضيع أرض فلسطين الواقعة خارج تلك الحدود. فهل يقبلون ما تنتهي اليه منطلقاتهم أم هي اخطاء غبية؟
الخطأ الثاني المتداول فيما يطرح عن مشكلة فلسطين ليس الا ” تطبيقا خاصا ” للخطأ الاول . انه الزعم بأن مشكلة فلسطين هي مشكلة خاصة بشعب فلسطين . يقولون ان شعب فلسطين هو الذي كان يعيش على الارض المغتصبة. وهو الذي طرد منها . وهو الذي ما يزال مشردا ” بدون أرض وبدون هوية ” . وهو الذي سيعود الى الارض عندما تسترد . فهي مشكلته الخاصة. هل يستطيع أحد أن ينكر أن اغلب الذين كانوا يعيشون على الأرض المغتصبة هم الذين طردوا منها بالامس ، المشردون خارجها اليوم، العائدون اليها غدا؟… لا أحد. ان ا حتجوا بالواقع غير المنكور ترسي القومية له أسسه العقائدية : ” ان وحدة الوجود القومي تعني اختصاص الشعب بالوطن . ولما كان الشعب امتدادآ من البشر على الارض فان وحدة الوجود القومي لا تناقض ولا تلغى ولا تنفى ولا تحول دون اقامة جزء من الشعب على جزء من الوطن . فتلك هي الممارسة الفعلية التي تجسد وحدة الوجود القومي ” . عودة المطرودين المشردين الى الارض المغتصبة ليست- اذن- مجرد استرداد للمزارع والمصانع والمتاجر والمنازل، ليست مجرد عملية انقاذ لسكان المخيمات ، انها اكثر من هذا عمقا وضرورة . انها الممارسة الفعلية التي تجسد وحدة الوجود القومي . ومع هذا فليست مشكلة فلسطين مشكلة ” خاصة ” بشعب فلسطين . اذ ان هذا هو الوجه الثاني من عملة الاقليمية الزائفة فحيث لا تتوافر لهم شجاعة الكشف عن الوجه الخاص بهم ليقولوا ان مشكلة فلسطين ليست مشكلتنا الخاصة، يكشفون الوجه الاخر فنقرأ ” مشكلة فلسطين هي مشكلة خاصة بشعب فلسطين ” ويسترون هذا الخداع بأكثر الصيغ عطفا على شعب فلسطين : رفع الوصاية عن شعب فلسطين، عدم التدخل في شئون شعب فلسطين ، حق تقرير المصير لشعب فلسطين ، الحقوق ” القومية ” لشعب فلسطين ، التحالف مع شعب فلسطين ، بطولة شعب فلسطين… الى آخر تلك الصيغ الزائفة مهما تكن عاطفية. اذ ان حصيلتها النهائيه ان اذهب شعب فلسطين وربك فقاتلا انا هنا قاعدون .
عندما يصدر هذا كله أو بعضه من الاقليميين الذين لم يطردوا ولم يشردوا من ارض فلسطين ولن يعودوا اليها ولو كانت خالية من اسرائيل يكون مفهوما تماما. انها الاقليمية الهاربة من الصراع من اجل استرداد ارض لا تعتبرها ارضها ، المتطلعة الى الافلات من مشكلة لا تعتبرها مشكلتها. والتي لا مانع لديها في كل الحالات ان يقبل المطرودون التعويض بدلا من العودة. ان يبيعوا ارض الوطن لمن يستطيع ان يدفع الثمن ، ثم تبقى اسرائيل . اما ان يصدر هذا كله او بعضه من المطرودين المشردين أنفسهم فذلك أمر غريب مريب . ان يقل المطرودون المشردون من الارض المغتصبة أن مشكلة فلسطين هي مشكلة خاصة بشعب فلسطين لا يفعلون شيئا سوى ابتلاع الطعم المسموم الذي القته الاقليمية في افواههم . ويكون عليهم ان يتمثلوا نتائجه القاتلة حتى النهاية : السماح للاقليميين بالهروب من المعركة، وصد القوميين عن الاسهام في المعركة، ومحاولة استرداد الارض الخاصة بهم من مواقعهم في الارض التي تخص غيرهم . وعندما يواجهون الاقليمية المخاتلة تقول لهم استردوا ارضكم كما تشاءون ولكن لا تمسوا سيادتنا على أرضنا ، وتدفعهم بالعطف المخادع أو بالقوة الغاشمة الى أن يقبلوا جزءأ من الارض المغتصبة ليقيموا عليها ” دولة فلسطينية ” تكون بمجرد قيامها اعترافا حيا بدولة اسرائيل… حينئذ سيشعرون ببرودة الموت الذي دفعتهم اليه الأقليمية. فهل يقبلون ما تنتهي اليه منطلقاتهم أم هي اخطاء غبية؟.
ليس ثمة أمة تخلو من الخونة. ولكنا لا نستطيع أن نسند الخيانة الى أي عربي لا نملك على خيانته دليلا غير قابل للشك. فقد علمتنا القومية أن مصيرنا مرتبط – بمصير أبناء امتنا حتى الاغبياء منهم والمخطئين . فلنقل اذن انهم لا يقبلون ما تنتهى اليه منطلقاتهم . كل هؤلاء الذين يشوهون مشكلة فلسطين، أو اغلبهم، فيطرحونها كما لو كانت مشكلة دينية، أو مشكلة نظم اجتماعية، أو مشكلة دولية، أو مشكلة اقليمية… لا يقبلون الوجود الاسرائيلي في فلسطين ويجتهدون- بحسن نية- لحل مشكلة لم يفهموها فهما قوميا فلم يفهموها فهما صحيحا، فتأتي الحلول خاطئة. انهم اذن يخذلون انفسهم وتلك قمة الغباء . الا يقولون جميعا ان مشكلة فلسطين مشكلة ” عربية ” ويستغيثون بالمائه مليون عربي بدون أن يقولوا انها مشكلة ” قومية ” ثم لا يفطنون الى ان العروبة التي لا تعني الانتماء الاجتماعي والمصيري الى الامة العربية. هي كلمة ” فارغة ” من أي مضمون لا يقوم عليها التزام بغاية. الا يقولون انه صراع ديني ولا يفطنون الى ان الوطن العربي هو مصدر الاديان وان حركة التقدم العربي في تاريخها الطويل قد جمعت الاديان جميعا. الا يتذكرون أن الصهيونية قد اعتدت أولا والنظم العربية عميلة للاستعمار، واعتدت ثانيا والنظم العربية متحررة، واعتدت اخيرا والنظم العربية تقدمية وفي كل مرة كانت تستهدف الارض لتخليها من البشر ثم يقولون انه صراع بين النظم الاجتماعية؟… الا يعرفون ان الدول الاستعمارية هي التي كانت وما تزال تصنع القرارات الدولية، بالقوة، ومع ذلك يحتجون بالقرارات الدولية؟… ألا يعلمون انه عندما وضعت الصهيونية مخططات اقامة دولتها على الارض، العربية واختارت فلسطين بداية في مؤتمر بال سنة 1897 لم تكن ثمة أية دولة عربية قائمة في الوطن العربي، لا في فلسطين ولا في غير فلسطين، بما تعنيه الدولة من سيادة على الارض، بل كان الوطن العربي اما جزءا من الدولة العثمانية واما أجزاء يحتلها المستعمرون الاوروبيون ، ثم يزعمون ان الصهيونية تقصد بالعدوان هذي أو تلك من الدول العربية… الا يرون أن ” الممارسة ” الفعلية للصراع بين الشعب العربي والحركة الصهيونية حول الارض المغتصبة في فلسطين يثبت ان مشكلة فلسطين مشكلة قومية، فتدخل حلبة الصراع الذي تثيره اجيال متعاقبة من الشعب العربي، من كل مكان في الوطن العربي، من كل دين، من كل طبقة، من كل دولة، بدون توقف على القرارات الدولية.. ولا يسمح الصراع ذاته لاي جيل عربي، أو أي جزء من الشعب العربي ، أو أية ” طبقة ” أو أية دولة ان تهرب من حلبته فيقتحم العدوان الصهيوني واثاره المخربة كل مكان في الوطن العربي لا يمنعه الهرب ولا تصده القرارات الدولية؟… فلماذا هذا الاصرار الغبي على انكار القومية وهي العلاقة الوحيدة التي تفسر الممارسة وتبررها وتمكننا من النصر فيها فلا تخذلهم ولا تهزم غايتهم ان كانوا- حقا- لا يقبلون الوجود الاسرائيلي في فلسطين؟..
ان كان كل هذا غائبا عن ” فطنة ” الذين يشوهون مشكلة فلسطين ، وعجز الموقف القومي عن ان ينبههم الى ما يخذلون به أنفسهم فلعلهم ينتبهون اليه عندما يعرفون الموقف الصهيوني من مشكلة فلسطين . لعلهم ، ان كانوا عاجزين عن تحديد مواقفهم ” عقائديا ” من مشكلة فلسطين أن يأخذوا الموقف المضاد لاعدائهم بعد أن يعرفوه، ولو عرفوه ثم أخذوا منه موقفا مضادا لوجدوا أنفسهم في الموقف القومي وان كانوا قد وصلوا اليه كرد فعل لا كفاعلين .
د . عصمت سيف الدولة
هل تتغير حقيقة مشكلة فلسطين فيما لو اعترفت باسرائيل احدى الدول العربية. أو الدول العربية مجتمعة، أو شعب فلسطين نفسه ممثلا بدولة مصنوعة أو بدون دولة؟
أبدا.
وهذا ينقلنا الى الجانب ” الداخلي “، من المشكلة كما نفهمها على ضوء نظريتنا القومية..
نعرف أن المميز الاساسي للامة عن الجماعات الانسانية السابقة عليها هو عنصر الارض الخاصة المشتركة. الخاصة بالجماعة البشرية المعينة دون غيرها من الجماعات الانسانية الاخرى المشتركة فيما بين الناس فيها “. بقي أن نعرف الموقف القومي من مشكلة فلسطين كما يحدده كون الارض العربية ” مشتركة “، فيما بين الشعب العربي . انه يحدده من ناحيتين:
الناحية الاولى : لما كانت الامة العربية تكوينا تاريخيا فان اشتراك الشعب العربي في الوطن العربي هو مشاركة تاريخية بين الاجيال المتعاقبة. وهذا يعني انه ليس من حق الشعب العربي كله، من الخليج الى المحيط ، ولو كان ممثلا في دولة الوحدة، ان يتنازل عن ارض فلسطين أو يقبل الوجود الصهيوني على الارض المغتصبة. ا نه بهذا يتصرف فيما لا يملكه وحده لانه ملك مشترك بينه وبين الاجيال العربية القادمة. ولو فعل لما كان ما يفعله حجة على الاجيال القادمة من الشعب العربي.
الناحية الثانية: انه لما كانت الارض العربية شركة بين الشعب العربي فليس من حق أي جزء من الشعب العربي ولو كان شعب فلسطين نفسه ان يتنازل عن ارض فلسطين أو يقبل الوجود الاسرائيلي على الارض العربية المغتصبة. انه بهذا يتصرف فيما لا يملكه وحده لانة ملك مشترك بينه وبين باقي شعب الامة العربية. ولو فعل لما كان ما فعله حجة على الشعب العربي.
ان هذه الناحية الثانية اكثر واقعية من الناحية الاولى . اذ ان دولة الوحدة لا تكتمل وجودا ما دامت ارض فلسطين مغتصبة ولو شملت باقي الوطن العربي . وانما أردنا أن ندفع بالفروض الى نهايتها لنؤكد بأوضح ما يمكن عدم شرعية التنازل عن ارض فلسطين أيا كان الجانب ” العربي ” المتنازل، ولو كان جيلا كاملا من الشعب العربي تمثله وتنوب عنه دولة وا حدة تعترف بالوجود الاسرا ئيلي على أرض فلسطين . ان أي جزء من الشعب العربي ممثلا في دولته أو الشعب العربي كله ممثلا في دولة واحدة، أو شعب فلسطين ممثلا في دولة أو بدون دولة، يعترف بدولة اسرا ئيل لن يفعل بهذا شيئا اكثر من الزام نفسه بالتعامل معها كدولة ولكن مشكلة الارض المغتصبة ستبقى قائمة يحلها حلها الصحيح باقي الشعب العربي ولواقتضى الامر تصفية المعترفين، أو يحلها حلها الصحيح جيل قادم من الشعب العربي يصحح خيانة جيل سبقه . ولن يستطيع أحد أن يحتج على الذين يتصدون لاسترداد الارض المغتصبة بالاعتراف الصادر من غيرهم أو بالاعتراف السابق على وجودهم، لانهم كشركاء في الارض العربية شركة تاريخية غير ملزمين بما فعله أو يفعله شركاؤهم الاخرون .
مشكلة فلسطين، اذن، لن تحل بالاعتراف بدولة اسرائيل يأتي من أي جانب عربي لانها مشكلة ارض مغتصبة، لا من أي جيل من الشعب العربي يملكها وحده فيملك التصرف فيها، ولا من أي جزء من الشعب العربي يملكها وحده فيملك ان يتنازل عنها، بل مغتصبة من الامة العربية واجيالها المتعاقبة. ومن هنا ندرك جسامة خطأين متداولين في طرح مشكلة فلسطين :
الخطأ الاول هو الزعم بأن العدوان الصهيوني موجه ضد دولة عربية أو بضعة دول عربية، وبالتالي تكون المشكلة قائمة بين اسرائيل وبين تلك الدولة أو الدول. صحيح ان الصهيونية المعتدية عندما استولت على الارض العربية كانت الارض التي اغتصبتها جزءا من اقليم (شبه) الدولة التي كانت قائمة في فلسطين تحت الانتداب البريطاني. وعندما اعتدت اسرائيل مرتين سنة 1956 وسنة 1967، ومرات عدة فيما بينهما، اصطدمت بالدول العربية القائمة على الأرض المعتدى عليها. وانها ان تتوسع اكثر تصطدم بدول عربية أخرى لم يدركها العدوان بعد . هذا صحيح لان الارض التي اغتصبتها الصهيونية أو احتلتها اسرائيل لم تكن خالية من البشر ومن الدول . وان الارض العربية التي حددتها لتكون وطنا لدولة اسرائيل ما بين الفرات والنيل ليست خالية من البشر ومن الدول ويثير كل هذا مشكلات جديدة بين اسرائيل والدولة أو الدول العربية المعتدى عليها. مشكلات الاستقلال والامن وضمان الحدود. وتضاف تلك المشكلات الى قائمة المشكلات القومية على أساس ان كل مشكلة في الامة العربية هي مشكلة قومية. صحيح أيضا انه كلما تحرر الشعب العربي في أية دولة عربية من قيود الاستعمار والاستبداد والاستغلال، وكلما نمت مقدرة الشعب العربي في أية دولة عربية على التقدم الاجتماعي، انتبهت الصهيونية الى المخاطر المقبلة التي تتعرض لها مخططاتها فيما لو سمحت لذلك النمو أن يبلغ غايته.
اولا: لأنه بقدر ما يتحرر الشعب العربي بقدر ما يستطيع أن يحل مشكلة فلسطين .
وثانيا : لان محاولات التقدم ولو في ظل الاقليمية لن تلبث أن تعلم الجادين فعلا في ممارسة التنمية انهم يفتقدون الامكانيات المادية والبشرية الوفيرة المتاحة في الامة العربية وان ” التقدم لا يقوم على أساس التجزئة ” عندئذ يعرفون ان مشكلة فلسطين هي مشكلة تخلف وان الوجود الاسرائيلي قيد ثقيل على محاولات التقدم الاجتماعي فيواجهون دولة الصهيونية بالارادة التي لا تهزم : ارادة التقدم الاجتماعي .
وثالثا : لان التنمية في ظل التحرر توفر افضل امكانيات التحرير، ومن هنا لا يكون غريبا مانلاحظه من أن مشكلة فلسطين تزداد حدة كلما تحققت في الوطن العربي خطوة تحررية. وان الصراع ضد الصهيونية يصبح اكثر شراسة كلما تحققت خطوة تقدمية. وان قواها العربية تفرز وتتبلور. رويدا رويدا، في القوى القومية التقدمية. ألم نر كيف انها الآن سنة 1971 أكثر حدة من سنة 1948. وان اسرائيل قد اصبحت اكثر شراسة من ذي قبل. وانها تدخر قوتها الضاربة وتعدها وتستعملها لهدم كل تقدم بناء في الجمهورية العربية المتحدة، حيث يعيش ثلث الامة العربية، وحيث تقوم اكثر الجهود جدية في البناء الاجتماعي . ويبدو الامر من تتابع العدوان وتوقيته كما لو كان الاسرائيليون يضعون خطط الهدم على أساس خطط التنمية في الجمهورية العربية المتحدة . عدوان يهدم ، ثم فترة ليتفرغ فيها الشعب العربي لاعادة البناء ويبذل في كل هذا ما يتجاوز طاقته من تضحيات بشرية ومادية ومالية، وعندما يقارب البناء مرحلة الاثمار، أي في تلك اللحظة المنتقاة حيث يكون الشعب العربي على وشك ان يذوق ثمار جهده ، تختلق الذرائع ويأتي عدوان اسرائيلي جديد ليهدم … وهكذا. ألم نر كيف تحول الصراع منذ سنة 1967 من معركة تهزم فيها القوات أو تنتصر ثم تنفض الى سباق حياة أو موت بيننا وبين اسرا ئيل . ولم تستطع اسرائيل – هذه المرة- أن تضرب ثم تعود فتسرح قواتها وتعد نفسها لجولة قادمة. بل اضطرت للبقاء في ساحة المعركة والدفاع حتى الموت عن وجودها بان تفرض حتى الموت ذلك الوجود والاعتراف به قبل ان تكمل القوى القومية في الوطن العربي مسيرتها التقدمية.
كل هذا صحيح وواقعي .
ولكنه يقوم على مستوى اسلوب الصراع الذي تثيره مشكلة فلسطين . انها مشكلات ولدتها المشكلة الاصيلة، تنصب مضامينها على متطلبات الصراع وعدة النصر فيه. فهو لا يطغى على مشكلة فلسطين ولا يغيرمن حقيقتها ولا يقوم بديلا عنها. ولو كانت اسرائيل تعلم ، أو حتى تتوهم ، ان التقدم الاجتماعي في أية دولة عربية، لن يبنى لها من بين ما يبنى، القبرالذي تدفن فيه، لما همّها في كثير أو قليل ان تقوم بجوارها دولة نامية تتبادل معها السلع والخدمات والخبرات. أو لما بلغ اهتمامها حد القتال لهدم البناء التقدمي في الدول العربية. انما هي تهدم لانها تعلم ان ذلك البناء أحد اساليب النصر في الصراع الذي تثيره مشكلة فلسطين. وهكذا تبقى مشكلة فلسطين، كما هي ، مشكلة اغتصاب الارض العربية بصرف النظر عن الدولة أو الدول التي كانت قائمة، والقائمة، والتي قد تقوم على تلك الارض. ذلك لان الأرض التي تقوم عليها الدول العربية ليست أرضا خاصة بتلك الدول أو بشعوبها . ان للشعب العربي في كل دولة حقا بينها مشتركا بينه وبين باقي، الشعب العربي خارج حدودها السياسية. ومن هنا لا نستطيع أن نفهم ، من الموقف القومي، كيف يمكن أن يكون اغتصاب أو احتلال أية ارض عربية هو مشكلة ” خاصة “ بين المعتدين وبين الدولة أو الدول العربية التي تلقت ضربة العدوان . فلا نفهم ان يكون اغتصاب الارض العربية سنة 1948 واحتلال مزيد من الارض والمياه الاقليمية في سنتي 1956، 1967 وما بينهما مشكلات اقليمية قائمة بين اسرائيل والدول العربية ” المعنية ” كما يقولون . وعندما لا نفهم المشكلات على هذا الوجه الزائف نرفض- من ناحية- ان تتنازل أية دولة عربية عن أرض فلسطين المغتصبة سنة 1948 فتعترف باسرائيل ولو في مقابل استردادها للارض المحتلة في سنة 1967. ونرفض- من ناحية ثانية- أن تتنازل أية دولة عربية عن ذرة من الارض التي تقوم عليها لاسرائيل ولو في مقابل استرداد ما يتبقى من ارض محتلة. ونرفض- من ناحية ثالثة- ان تكون مسؤولية تحرير الارض المحتلة والارض المغتصبة واقعة على عاتق جزء من الشعب العربي دون الشعب العربي كله من المحيط الى الخليج . كما نرفض ان تساوم بعض الدول العربية على جزء من الوطن العربي لتسترد جزءا منه، نرفض ان يهرب جزء من الشعب العربي من المعركة ليتحمل جزء منه مسؤولية الامة العربية كلها .
مشكلة فلسطين اذن مشكلة قومية وليست مشكلة اقليمية.
واذا كان الصهاينة وحلفاؤهم يزعمون ولا يكفون عن ترديد مزاعمهم بأن مشكلة فلسطين هي مشكلة حدود آمنة واعتراف متبادل بين اسرائيل وجاراتها من الدول العرببة فذلك ما يقوله المعتدون وحلفاؤهم ليكسبوا به جولة الصراع حول وجود اسرا ئيل وليبدأوا بعده مراحل بناء دولة الصهاينة، حربا حربا، ما بين الفرات والنيل . وعندما ننزلق نحن فننسى أن مشكلة فلسطين هي مشكلة اغتصاب ارض فلسطين ( أليس هذا بدهيا؟…) ونطرحها كما لو كانت مشكلة توسع على حساب دولة أو اكثر من الدول العربية نكون قد سلمنا للصهيونية بما اغتصبت من الارض العربية قبل سنة 1967.وعندما ينسى الاقليميون الامة العربية التي ينتمون اليها والواقع القومي الذي تثور فيه المشكلة ويرددون كالببغاوات العجماء ان لكل دولة ” عربية ” شعبها الخاص وأرضها الخاصة وتاريخها الخاص ومصيرها الخاص… ويناقضون القومية بالاقليمية، يناقضون الكل بالجزء، يناقضون الشامل بالمحدود، يناقضون العام بالخاص، فيفتعلون بكل هذا تناقضات غير قائمة، انما يخفون التناقض الحقيقي القائم بين الشعب العربي والوجود الاسرائيلي، وينتصرون فيه للصهيونية وحلفائها بترديد دعاواهم الزائفة. اذ عندما ينحرفون الى المواقع الاقليمية ويزعمون ان لكل دولة عربية وجودا ومصيرا خاصا مستقلا يواجهون بأن الاستقلال علاقة ذات طرفين . استقلال بالنفس عن الغير. والغير هنا هو شعب فلسطين وارضه المغتصبة. ويصبح تدخلهم في مشكلة فلسطين تجاوزا لاستقلالهم واعتداء ، أو تطفلا ، على ا ستقلال الاخرين يستحق الردع أو يستحق السخرية. ويسخر العالم كله فعلا من الذين يدعون انهم مستقلون بوجودهم ومصيرهم عن فلسطين ثم لا يتركون فلسطين لمصيرها. وعندما تطرح مشكلة فلسطين على الذين يرددون المنطلقات الاقليمية لا يكون امامهم الا الاحتكام الى القواعد الدولية التي تنظم علاقة الجوار فيها بين الدول : الاعتراف المتبادل وتبادل التمثيل السياسي ودعم الصداقة… أو- على الاقل- قبول حماية الدول لحدود دولهم لتضيع أرض فلسطين الواقعة خارج تلك الحدود. فهل يقبلون ما تنتهي اليه منطلقاتهم أم هي اخطاء غبية؟
الخطأ الثاني المتداول فيما يطرح عن مشكلة فلسطين ليس الا ” تطبيقا خاصا ” للخطأ الاول . انه الزعم بأن مشكلة فلسطين هي مشكلة خاصة بشعب فلسطين . يقولون ان شعب فلسطين هو الذي كان يعيش على الارض المغتصبة. وهو الذي طرد منها . وهو الذي ما يزال مشردا ” بدون أرض وبدون هوية ” . وهو الذي سيعود الى الارض عندما تسترد . فهي مشكلته الخاصة. هل يستطيع أحد أن ينكر أن اغلب الذين كانوا يعيشون على الأرض المغتصبة هم الذين طردوا منها بالامس ، المشردون خارجها اليوم، العائدون اليها غدا؟… لا أحد. ان ا حتجوا بالواقع غير المنكور ترسي القومية له أسسه العقائدية : ” ان وحدة الوجود القومي تعني اختصاص الشعب بالوطن . ولما كان الشعب امتدادآ من البشر على الارض فان وحدة الوجود القومي لا تناقض ولا تلغى ولا تنفى ولا تحول دون اقامة جزء من الشعب على جزء من الوطن . فتلك هي الممارسة الفعلية التي تجسد وحدة الوجود القومي ” . عودة المطرودين المشردين الى الارض المغتصبة ليست- اذن- مجرد استرداد للمزارع والمصانع والمتاجر والمنازل، ليست مجرد عملية انقاذ لسكان المخيمات ، انها اكثر من هذا عمقا وضرورة . انها الممارسة الفعلية التي تجسد وحدة الوجود القومي . ومع هذا فليست مشكلة فلسطين مشكلة ” خاصة ” بشعب فلسطين . اذ ان هذا هو الوجه الثاني من عملة الاقليمية الزائفة فحيث لا تتوافر لهم شجاعة الكشف عن الوجه الخاص بهم ليقولوا ان مشكلة فلسطين ليست مشكلتنا الخاصة، يكشفون الوجه الاخر فنقرأ ” مشكلة فلسطين هي مشكلة خاصة بشعب فلسطين ” ويسترون هذا الخداع بأكثر الصيغ عطفا على شعب فلسطين : رفع الوصاية عن شعب فلسطين، عدم التدخل في شئون شعب فلسطين ، حق تقرير المصير لشعب فلسطين ، الحقوق ” القومية ” لشعب فلسطين ، التحالف مع شعب فلسطين ، بطولة شعب فلسطين… الى آخر تلك الصيغ الزائفة مهما تكن عاطفية. اذ ان حصيلتها النهائيه ان اذهب شعب فلسطين وربك فقاتلا انا هنا قاعدون .
عندما يصدر هذا كله أو بعضه من الاقليميين الذين لم يطردوا ولم يشردوا من ارض فلسطين ولن يعودوا اليها ولو كانت خالية من اسرائيل يكون مفهوما تماما. انها الاقليمية الهاربة من الصراع من اجل استرداد ارض لا تعتبرها ارضها ، المتطلعة الى الافلات من مشكلة لا تعتبرها مشكلتها. والتي لا مانع لديها في كل الحالات ان يقبل المطرودون التعويض بدلا من العودة. ان يبيعوا ارض الوطن لمن يستطيع ان يدفع الثمن ، ثم تبقى اسرائيل . اما ان يصدر هذا كله او بعضه من المطرودين المشردين أنفسهم فذلك أمر غريب مريب . ان يقل المطرودون المشردون من الارض المغتصبة أن مشكلة فلسطين هي مشكلة خاصة بشعب فلسطين لا يفعلون شيئا سوى ابتلاع الطعم المسموم الذي القته الاقليمية في افواههم . ويكون عليهم ان يتمثلوا نتائجه القاتلة حتى النهاية : السماح للاقليميين بالهروب من المعركة، وصد القوميين عن الاسهام في المعركة، ومحاولة استرداد الارض الخاصة بهم من مواقعهم في الارض التي تخص غيرهم . وعندما يواجهون الاقليمية المخاتلة تقول لهم استردوا ارضكم كما تشاءون ولكن لا تمسوا سيادتنا على أرضنا ، وتدفعهم بالعطف المخادع أو بالقوة الغاشمة الى أن يقبلوا جزءأ من الارض المغتصبة ليقيموا عليها ” دولة فلسطينية ” تكون بمجرد قيامها اعترافا حيا بدولة اسرائيل… حينئذ سيشعرون ببرودة الموت الذي دفعتهم اليه الأقليمية. فهل يقبلون ما تنتهي اليه منطلقاتهم أم هي اخطاء غبية؟.
ليس ثمة أمة تخلو من الخونة. ولكنا لا نستطيع أن نسند الخيانة الى أي عربي لا نملك على خيانته دليلا غير قابل للشك. فقد علمتنا القومية أن مصيرنا مرتبط – بمصير أبناء امتنا حتى الاغبياء منهم والمخطئين . فلنقل اذن انهم لا يقبلون ما تنتهى اليه منطلقاتهم . كل هؤلاء الذين يشوهون مشكلة فلسطين، أو اغلبهم، فيطرحونها كما لو كانت مشكلة دينية، أو مشكلة نظم اجتماعية، أو مشكلة دولية، أو مشكلة اقليمية… لا يقبلون الوجود الاسرائيلي في فلسطين ويجتهدون- بحسن نية- لحل مشكلة لم يفهموها فهما قوميا فلم يفهموها فهما صحيحا، فتأتي الحلول خاطئة. انهم اذن يخذلون انفسهم وتلك قمة الغباء . الا يقولون جميعا ان مشكلة فلسطين مشكلة ” عربية ” ويستغيثون بالمائه مليون عربي بدون أن يقولوا انها مشكلة ” قومية ” ثم لا يفطنون الى ان العروبة التي لا تعني الانتماء الاجتماعي والمصيري الى الامة العربية. هي كلمة ” فارغة ” من أي مضمون لا يقوم عليها التزام بغاية. الا يقولون انه صراع ديني ولا يفطنون الى ان الوطن العربي هو مصدر الاديان وان حركة التقدم العربي في تاريخها الطويل قد جمعت الاديان جميعا. الا يتذكرون أن الصهيونية قد اعتدت أولا والنظم العربية عميلة للاستعمار، واعتدت ثانيا والنظم العربية متحررة، واعتدت اخيرا والنظم العربية تقدمية وفي كل مرة كانت تستهدف الارض لتخليها من البشر ثم يقولون انه صراع بين النظم الاجتماعية؟… الا يعرفون ان الدول الاستعمارية هي التي كانت وما تزال تصنع القرارات الدولية، بالقوة، ومع ذلك يحتجون بالقرارات الدولية؟… ألا يعلمون انه عندما وضعت الصهيونية مخططات اقامة دولتها على الارض، العربية واختارت فلسطين بداية في مؤتمر بال سنة 1897 لم تكن ثمة أية دولة عربية قائمة في الوطن العربي، لا في فلسطين ولا في غير فلسطين، بما تعنيه الدولة من سيادة على الارض، بل كان الوطن العربي اما جزءا من الدولة العثمانية واما أجزاء يحتلها المستعمرون الاوروبيون ، ثم يزعمون ان الصهيونية تقصد بالعدوان هذي أو تلك من الدول العربية… الا يرون أن ” الممارسة ” الفعلية للصراع بين الشعب العربي والحركة الصهيونية حول الارض المغتصبة في فلسطين يثبت ان مشكلة فلسطين مشكلة قومية، فتدخل حلبة الصراع الذي تثيره اجيال متعاقبة من الشعب العربي، من كل مكان في الوطن العربي، من كل دين، من كل طبقة، من كل دولة، بدون توقف على القرارات الدولية.. ولا يسمح الصراع ذاته لاي جيل عربي، أو أي جزء من الشعب العربي ، أو أية ” طبقة ” أو أية دولة ان تهرب من حلبته فيقتحم العدوان الصهيوني واثاره المخربة كل مكان في الوطن العربي لا يمنعه الهرب ولا تصده القرارات الدولية؟… فلماذا هذا الاصرار الغبي على انكار القومية وهي العلاقة الوحيدة التي تفسر الممارسة وتبررها وتمكننا من النصر فيها فلا تخذلهم ولا تهزم غايتهم ان كانوا- حقا- لا يقبلون الوجود الاسرائيلي في فلسطين؟..
ان كان كل هذا غائبا عن ” فطنة ” الذين يشوهون مشكلة فلسطين ، وعجز الموقف القومي عن ان ينبههم الى ما يخذلون به أنفسهم فلعلهم ينتبهون اليه عندما يعرفون الموقف الصهيوني من مشكلة فلسطين . لعلهم ، ان كانوا عاجزين عن تحديد مواقفهم ” عقائديا ” من مشكلة فلسطين أن يأخذوا الموقف المضاد لاعدائهم بعد أن يعرفوه، ولو عرفوه ثم أخذوا منه موقفا مضادا لوجدوا أنفسهم في الموقف القومي وان كانوا قد وصلوا اليه كرد فعل لا كفاعلين .