الوفاء الدّائم

عضو مهمّ
منتدى تونس التربوي
    إستراتيجيا التّعليم/ التعلّم من أجل علاج صعوبات القراءة في المرحلة الإعدادية
  • #1
إستراتيجيا التّعليم/ التعلّم من أجل علاج صعوبات القراءة في المرحلة الإعدادية
سلوى العباسي نوفمبر 2017
مكونات الحلقة التكوينية
1- التعلّم الاستراتيجي/ التّعليم الاستراتيجي المفاهيم ، المبادئ ،الضوابط البيداغوجية التعليمية
2- صعوبات القراءة في الإعدادي المآتي والمستويات وسبل العلاج
3- أنشطة ورشية

I. التّعليم الإستراتيجيّ /التعلّم الإستراتيجيّ
إنّ انتقال مصطلح "إستراتيجيا" و"إستراتيجيّ" من السجّل العسكريّ إلى حقول عدّة منها الحقل التعليميّ التّربويّ يعدّ من أبلغ الاستعارات الدّالة على فنّ التخطيط الواعي لما يجب القيام به لإنجاح أيّ فعل تعليميّ / تعلّميّ.إذ تشير أبسط تعريفات المفهوم إلى: حذق عدد مترابط من العمليات المنظّمة ومن "المناورات" من أجل بلوغ هدف مّا"
فالإستراتيجيا في الميدان العسكري هي "فنّ إدارة المعارك والتخطيط لها وتنفيذها" وهي بذلك تنطوي على جانب عمليّ، مرتبط بمفهوم "الخطّة" أو "التّكتيك".
أمّا في الميدانين السياسي والاقتصادي اللذين راجت فيهما التّسمية أيضا وأضحت من أبرز الأسس والرّكائز في اقتصادي المؤسّسة والمشروع فهي حاضنة لكلّ مفردات" التصرّف في الموارد وذكاء التّخطيط المنظّم والتحّكم في السّوق والتحسّب للطّوارئ والقدرة على رفع الإنتاجيّة وضمان التّوازن وتوفير أقصى حظوظ التسويق.
والإستراتيجيا منهج في التّفكير المنظّم المتحسّب للطوارئ والمتغيّرات، القادر على" السنيرة" (بناء سيناريو العمل والفعل الاستراتيجيّ المدبّر) قدرته على ترتيب الأولويات و تبديل الخطط والتمشيّات وقطع المراحل بشكل تبصّريّ مدروس.
وفي المجال التربويّ التّعليمي البيداغوجيّ أصبحنا نتحدّث عن" تعليم استراتيجي" (un enseignement stratégique) يخصّ أدوار المدرّس وعن "تعلّم استراتيجيّ" (un apprentissage stratégique) يهمّ أداء المتعلّم وهو يبني معرفته بنفسه وبالتّفاعل مع مدرّسه وأترابه والمعرفة المدرّسة ووضعيتها المتغيّرة من سياق إلى سياق.
يكون التّعليم استراتيجيّا متى اعتمد على استراتيجيات التعلّم .والتعلّم متى كان استراتيجيا فهذا دليل على أنّ المتعلّم صار قادرا على "أن يغيّر ميكانيزمات تفكيره باستمرار" وذلك بالتفاعل بين أبعاد ثلاثة: الوجدانيّ(l’affectif) "العرفانيّ"le cognitif) و "العمليّ"(le conatif) والعلاقة الوطيدة بين هذا الثّالوث تؤسس لركائز البيداغوجيا الإستراتيجية:

ركائز التّعليم/ التعلّم الإستراتيجيّ


1- مبادئ التعليم الإستراتيجيّ:
- ان يكون نشطا لا تلقينيا ولا استجوابيا مفرطا (المتعلّم الفاعل)
- يقوم على الربط بين معارف سابقة ومكتسبات جديدة (يعوّل على مخزون التصورات والمفاهيم والمكتسبات المنهجية والمهارية المحصّلة في مراحل سابقة ويسعى إلى رتق الفجوة بين التعلّمات)
- يركّز على المهارات والمعارف الإجرائية والشرطية أكثر من المعارف التصريحية ويوفّر لذلك أدوات قيس وأجهزة تساعد في التشخيص ومعرفة أساليب العمل وتقويم النتائج وإصلاح الأخطاء
- يقوم على هيكلة مستمرة وإعادة بناء وتنظيم للأفكار وترجمة المفهوم المجرد إلى محسوس ملفوظ أومرسوم أو مخطط
- هو "ميتاعرفاني" بمعنى لا ينفكّ يسائل الذّوات المتعلّمة عن تعلمها ويدرّبها على منهجية التأمّل في الممارسة والتبصّر بالمناويل والطرق ومعرفة الأدوات والإمكانات والحاجات والنقائص
2- الضوابط:
 التّعلّم الإستراتجيّ منطلقه درس المعنى والوصول الى تحقيق اثر دالّ:
يكون التعلّم استراتيجيّا عندما يغدو ذا دلالة بالنّسبة إلى ذات المتعلّم، لذا فهو في وجهه الآخر تعلّم دال (Un apprentissage significatif). منطلقه الحاجة والقيمة والمتعة والارتباط الحينيّ بالسياق وحلّ المشكل واتّخاذ القرار، وهو بالأساس نابع ممّا تطرحه الذّات من تساؤلات وما تعبّر عنه من هواجس وما تصبو إليه من أهداف للتجاوز وبلوغ المطامح ،إضافة إلى اشتغاله بصورة منطقية وتعويله كليّا على المنطق أو الفهم المنطقي للظّواهر المدروسة (أن يتمثّل مسار عمله ويفكّر في أساليبه ويتخلّص من الاعتباطيّة وانعدام الجدوى والتّقليد الأعمى )
 هو "تعلّم وجدانيّ"(un apprentissage affectif)
مداره مخزون المشاعر والتصوّرات والتمثّلات الرمزية والإدراك المرجعيّ المتبيّن للسياقات المنتجة للمعارف وظروف القول.
فلقد بات من الواضح أنّه لا يمكننا التطرّق إلى موضوع التعلّم دون أن نعرض إلى دور الوجدان والعوامل الوجدانية (les facteurs affectifs) في بناء شخصيّة المتعلّم وحفزه نحو بناء معارفه بمفرده أو بالتّفاعل مع معلّمه والمادّة المدروسة وبقيّة المهامّ أو الأنشطة التي يؤدّيها صحبة اقرانه في سياق تعليميّ مخطّط له مدروس.
والوجدان لم يعد أمرا ثانويّا حينا نلحظ أنّه يمثّل شاغلا مركزيّا من شواغل الباحثين في حقول التربية متّصلا من جهة بمبحث "الداّفعية"(la motivation) ومن جهة ثانية، هو مرتبط بمسألة "المواقف " (les attitudes) دالاّ على معاني "تقدير الذّات" (l’estime de soi) وغيرها من المسائل.
والذّكاء – حسب النّتائج التي بلغها علم النّفس العرفاني- ليس إلاّ حصيلة تفاعل يقع بين قوانين الاشتغال النّفسي للجهاز العرفاني للمتعلّم منذ طفولته المبكّرة،ومنها فالأفكار التي تخلد في الذّهن هي استجابة ضرورية لعدّة ميكانزيمات نفسانية يختزلها فرويد في "ارتباط التّفكير باللذة":
- اللّذة / القرف (يستجيب التعلّم الى معادلة الانجذاب إلى ما نرغب فيه ومحاولة التخلّص مما نجده مقرفا ودرئه)
الواقع ( الواقع مجلبة للمتعة)
- هويّة الإدراك ( الرغبة في استطلاع ما يجري خارج الجسم)
- الفكرة ( عندما نرتاح إلى كون الآخر يشاركنا نفس الرأي)
....
والمشاعر(les émotions) التي تعترينا في الحياة تعرّف بكونها " تجربة من التجارب الاجتماعية النفسية المركّبة هي خلاصة مؤثرات بيولوجية داخلية وأخرى خارجية قادمة من المحيط"، وهي عند الإنسان من "ضروب السلوك النفسي المعبّر بصورة واعية"، فتتضّح عندئذ، صلتها المباشرة بما نتلقّاه من معلومات حسيّة ومن مواقف تنتج وعيا بما يجري حولنا وداخلنا في ذات الوقت، ليكون التعلّم اساسا قرين المشاعر المعروفة بكونها "عرفانية"(émotion cognitifs) أي ما يجري في وجدان المتعلم اثناء التعلّم.
ينجم التعلّم إذن، من اجتماع "سيرورات وجدانية محفّزة "(Des processus émotifs et motivés) داخل تجربة تؤدّي إلى حصول معرفة وذلك بهيكلة التصوّرات التي ترتسم في الذّهن لتجسّر الهوّة بين الإدراك واتّخاذ القرارات". يؤدّي التعلم بهذا المنحى النفسي الى حدوث حالات تنتاب المتعلّم وجب التفطّن إليها ،نذكر مثلا حالة الجزع(anxiété) الذي ينتاب للوهلة الأولى متعلّم لغة أجنبيّة" إضافة إلى الإحساس بالغربة الذي يصيب المتعلّم إزاء معرفة جديدة أو موضوعة غير مألوفة لم يأنسها بعد،وهي حالة لا مناص من اكتشافها ومعالجتها حسب "أرلوند وبراون" لأنّ الشعور بالجزع من ألدّ أعداء التعلّم كما يذهب إلى ذلك " روبيو"
وقد يتطوّر الإحساس بالغربة الى شعور بالاغتراب داخل الفصل يؤدي الى كمون، فعزلة، ثم استقالة، إنّ التلميذ المستقيل هو متعلم مغترب معرفيا جزع نفسيا ووجدانيا لم يجد من يذلل صعوبة إيلافه بما لم يعلم حتّى يستأنس بما يتعلّم ،وحلول العلاج التي وجب اتباعها منها:
- أن يسعى المدرّس الى جعل المتعلّم أوّلا يفلح في ترجمة أحاسيسه ووصفها ، ثم يساعده ثانيا، في تحويلها الى مشاعر إيجابية كالتحدّي والمراهنة على النّجاح والتّفاني من أجل بلوغ الهدف، ويهيئ له سبل الوعي الإستراتيجي والميتاعرفاني بأساليب تعلّمه ( الحسي الحركي السمعي البصري الاستدلالي التحليلي الذهني...)
- التعلّم عبر أسلوب التّعاقد وتحمّل المسؤولية وتوزيع الأدوار واكتساب قدرة على التواضع على شبكة معيارية للتقويم الذاتي والجماعي
- أن يضفي معنى على ما يتعلمه وأن يجد المعنى في ما يتعلّمه لنشره وتحويله واستثماره فكريا وروحيا وذوقيا عمليّا
-أن يرافقه في اكتشاف طرائق عمله وتقويمها وتصويبها أو تجويدها وتعديلها وإنضاج تجربته التعليميّة ومشاركة غيره في بناء المشاريع الجماعية التعليمية والتثقيفية من خلالها ، ويكون "التعلّم التعاونيّ" بتقاسم أعباء الأحاسيس السلبية والعمل على إذابتها وتبديدها داخل أنشطة فرقيّة من أفضل الطّرق لتجاوز كلّ ما يحبط العزائم ويفتر الدّافعية ويفقد التعلم معناه.
- الحرص على التشجيع والتثمين و"تقدير الذات" بدل تبخيسها باستثمار ضروب الذّكاء واستنفار الميول وتقصي الأمزجة واتباع أساليب تعلّم نشطة كالاستكشاف والمسرحة ولعبة الدور والعروض والمجلوبات وقراءة الواقع واستثمار الوضعيات الدّالة والمساهمة في تهيئة فضاء التعلم وتصميمه وتأثيثه ونقل آثار التعلّم إلى مقامات أخرى تلبي حاجة وتحقق فائدة واستخدام المهارات والبراعات اليدوية وتذليل تعامل المتعلم مع المفاهيم المجرّدة العويصة باتباع أسلوب "الاستحضار" (l’évocation) أو ترجمة مفهوم إلى محسوس مع توظيف الخرائط الذهنية والأنشطة الفنية و الوسائط السمعية البصرية والموارد الرقمية والتعويل على المعلومات التاريخية والجغرافية واستطلاع المحيط والإبحار عبر النات وخلق أرضية للتواصل الإيجابي عن بعد بين الاقران وبالتفاعل مع الظواهر المدروسة.
كل هذه الآليات والوسائل تجعل المتعلّم يشعر بأن تعليمه قائم على عقد وجداني تربوي ايجابي يعلّمه أن يحبّ مدرسته والمادّة التي يتعلّمها ومعلّمه ليكون بعدها نشر قيم المحبة في المجتمع بشكل فاعل مريد واع يحقق أهداف التربية ويمكن من بلوغ غائيات التعلم.
3- تعلّم عرفاني ينهض على سيرورات ذهنيّة ومنهجيّة منظّمة
ويعدّ مصطلحا التعليم /التعلّم الاستراتيجي (l’enseignement stratégique/ apprentissage stratégique) من مجلوبات المقاربة العرفانيّة للتعلّم(l’approche cognitive ) المعنيّة في أصولها النظريّة بـ"تحليل الوضعيات والسياقات التي تنجز فيها مهامّ معالجة المعلومة القادمة إلى الدّماغ أو منه والبحث في شروط ضمان نجاعتها .
تكمن أهميّة المنظور العرفاني للتعلّم إذن في كونه يعنى عناية كبيرة بقضايا المعالجة، معالجة المعلومة (le traitement de l’information) بشتى صنوفها (المعلومات الخارجية والداخلية الوجدانية والمنطقية والترابطية والشرطية والسياقية والإدماجية وتلك المتعلقة بمستويات الوعي الاستراتيجي بأساليب التعلم وأدواته والهدف من إنجاز المهام وسبل إنجاحها وتعديلها واستثمارها ونقلها والعمل بها...)
• إنّ العرفانيين لا يرون في الذّات المتعلّمة إلاّ ذاتا نشطة، بانية لمعارفها باستقلالية ووعي وإدراك، قادرة على الإدماج وإعادة الاستعمال والإنتاج، وإلاّ لا معنى لما نعلّمه إيّاها وما تتعلّمه. وهذا بالموازاة مع ما يعرفون به التعلم بوصفه "نسقا نشطا بنائيا يقتضي من الذات المتعلّمة ان تكون على وعي وانتباه دائمي الى ما يجري في الخارج والدّاخل" لذا من الضروريّ أن نميّز دائما بين مجرّد ذات متعلّمة وبين الذات المكتسبة و الذات العارفة، ولعلّ الثالثة أقدر من سواها على ترجمة الرؤية العرفانية لنظرية التعلم. واكتسابها في حقول البيداغوجيا ومناهج التدريس وممارسته، إذ تعنى بـ"تحليل الوضعيات والسياقات التي تنجز فيها مهامّ معالجة المعلومة القادمة إلى الدّماغ أو منه ،والبحث في شروط ضمان نجاعتها و توفر أقصى ممكنات تحققها ورسوخها "اكتسابا".
فالاكتساب ( l’acquisition) هو أقوى درجات التملّك لدى الذّات العارفة (لا المتعلّمة فحسب) حينما يتجاوز تعاملها مع ما تعلم حدود الصّناعي التطبيقيّ والاستجابة الشرطية أو المضغوطة بالخصائص الآلية أو الطورية للمثيرات، ليبلغ مرقى الحدسي الثابت الدّائم، ثم يصل إلى مرتبة القدرة على التمثل الذاتي المستقلّ لمعارفها تمثلا كليّا يسمح لها بالإدماج وإعادة الاستعمال وحتّى إعادة الإنتاج".
تكمن أهميّة المنظور العرفاني للتعلّم إذن، في كونه يعنى عناية كبيرة بقضايا" المعالجة الذهنية"، معالجة المعلومة (le traitement de l’information) بشتى صنوفها (المعلومات الخارجية والداخلية الوجدانية والمنطقية والترابطية والشرطية والسياقية والإدماجية وتلك المتعلقة بمستويات الوعي الاستراتيجي والميتاعرفاني بأساليب التعلم وأدواته والهدف من إنجاز المهام وسبل إنجاحها وتعديلها واستثمارها ونقلها والعمل بها...)
إنّ العرفانيين لايرون في الذّات المتعلّمة إلاّ ذاتا نشطة، بانية لمعارفها باستقلالية ووعي وإدراك، قادرة على الإدماج وإعادة الاستعمال والإنتاج، وإلاّ لا معنى لما نعلّمه إيّاها وما تتعلّمه.
وهذا يقتضي بالموازاة تعريف مفهوم التعلّم كونه "نسقا نشطا بنائيا يقتضي من الذات المتعلّمة ان تكون على وعي وانتباه دائمي الى ما يجري في الخارج والدّاخل"، لذا من الضروريّ أن نميّز بين أصناف ثلاثة من الذوات تعكس مستويات متباينة من العرفان، فهناك فرق بين مجرّد ذات متعلّمة وبين ذات مكتسبة و ذات عارفة، ولعلّ الثالثة أقدر من سواها على ترجمة الرؤية العرفانية لنظرية التعلم في نزوعها نحو الثبات والإقرار بضرورة النماء المتواصل للمعرفة.

والأمثلة على ذلك كثيرة منها :
- أنّ الذات العارفة باستطاعتها أن تختلق قواعد خاصّة بها تشير بها إلى استراتيجية عملها وتتبعها بوعي واختيار انتقائي لا يتوفّر لغيرها.لذا نتحدّث عن "سيرورة انتقاء وفرز"(un processus de sélection) بينما الذات المتعلّمة تكتفي بتطبيق ما تعلمتّه من قواعد.
- أنّ الذات العارفة تحسن استغلال معارفها السابقة لتوليد معارف جديدة وابتكار معاني لا توجد في أذهان غيرها، لايمكن ان نتغافل في المنظور البنائي عن المخزّن والمعلوم والمفهوم ولا ان نستغني عن العلائق المرجعية والدلالية والمنطقية والنحوية والسياقية بين مكونات المعرفة المنتجة نفسها. فالتعلم موكول إلى اليات المراكمة وميكانيزمات الملاحمة العصبية التي تقع في الدماغ عند حصول تعلّم جديد والاستذكار هامّ وشحذ المخزون التصوري والمفهومي أهمّ ،وكلّ معرفة جديدة هي حصيلة معارف سابقة أعيد تشكيلها بذكاء يفضل ان يكون مصرّحا به ملفوظا مفسّرا موثّقا في مدوّنة المتعلّم الشخصية وفي مسارات بنائه لمعرفته بنفسه وبالتفاعل مع غيره، كل هذا يجعل المعرفة تكتسب سمات التجربة.
- الذات العارفة ذات إستراتيجية بطبعها وبما اكتسبته ونفذته من مهام وبما تمكنت من تعديله ومتابعته وتوصيفه وتسريده من التجارب والخبرات انها الذات العليمة بمسرد تجاربها في العالم ومنها قيمة ما يسمى "البورتفوليو" في تسجيل المسار النّمائي وتوثيقه واعتماده موردا من موارد التعليم والتعلّم.
4- آليات تطبيق التعليم الإستراتجيّ:
ينطلق غالبا من طرح إشكال: أيّ الطّرق التعليميّة توصل إلى تعلّم مجد أو ذي جدوى بالنّسبة إلى الذّات العارفة تجعلها أقدر على اتّخاذ قرار؟
وهذا يقتضي بداهة أن يعي هذا المتعلّم مختلف الطّرائق والوسائل التي قد توصله أو أوصلته إلى تحصيل معرفة أو فهم معيّن، ليتمكّن إثر ذلك من نقل معارفه إلى مقامات أخرى.
فللتعلّم الإستراتيجي لحظتان أساسيتان لا غنى عنهما وهما : لحظة التخطيط ولحظة التّقويم
وهو ينجز بتمش مقطعي يقسم إلى ثلاثة أطوار:
1- طور التهيئة (مناقشة الأهداف، سبر التصورات، الإثارة والتحفيز، تشخيص المكتسب، التعاقد على منهجية العمل وضبط الحاجات)
2- طور بالبناء: عرض المحتوى ، درسه، إدماج المعارف، الهيكلة المفاهيمية الإجرائية، التطبيقات، الدعم والعلاج)
3- طور النقل: قيس الأثر تقويم النتائج إعادة الإنتاج

II. صعوبات القراءة في الإعدادي المآتي والمؤشّرات وسبل الدّعم والعلاج بمنوال إستراتيجيّ
يذهب الباحث "برنار دوناي" (Bernard Daunay)إلى الإقرار بـ "أنّ المرحلة الإعداديّة التي تبدو في ظاهرها أكثر وحدة واتّساقا وتماسكا تعدّ الطّور التعليميّ الأضعف والأكثر هشاشة من بقيّة الأطوار، نظرا لكونها تستقطب متعلّمين من مدارس مختلفة بمستويات تحصيل متباينة وبأنواع مختلفة من الصّعوبات ومعظم تلك الصّعوبات مردّها تراكم مشاكل في القراءة قد لا تنطلق المرحلة الإعدادية من التّفكير جدّيا في علاجها وهي مشاكل تؤثّر بشكل بالغ في بقيّة التعلّمات وقد تحدّد مصير المتعلّم ومدى قدرته على المواصلة بالصّورة المطلوبة حتّى استيفاء بقيّة المراحل وقطع مساره التعليميّ بنجاح
فمن الملاحظ أنّ عددا غير قليل من متعلّمي الابتدائي يمرون إلى المرحلة الإعداديّة وهم يجدون صعوبة في تقصّي رموز المكتوب/ المقروء ولا يتوصّلون بالقدر المطلوب إلى استنطاق أبنية المشروح من النصّوص ومنها يعجزون عن إقامة علاقات معنويّة تمكّنهم من التّفاعل المجدي مع المدروس من برامج الإعدادي وتحقيق الأهداف من تعليم القراءة في هذه المرحلة. والأمر يبدو أنّه غير خاصّ بمنظومتنا التعليميّة فهو شائع في أغلب الأنظمة التي عني خبراؤها التربويون بمحاصرة المشكل ومحاولة إيجاد حلول تعليميّة ناجعة نذكر الوضع في فرنسا مثلا (10" من كل 100 تلميذ يصلون سنّ العاشرة وهم يتهجّون بصعوبة نصّا قصيرا و 20 % لا يتمكّنون من فهم جوانب بسيطة تتعلّق بالمبنى النصيّ ومعناه" )
وطرح المسألة في تعليميّة العربيّة للمرحلة الإعداديّة أكثر من ضروريّ حينما ندرك مدى تأثير صعوبات القراءة في بقيّة التعلّمات ومدى عرقلته النموّ المعرفيّ لكفايات الطّفل في جميع المواد التي تتطلّب التّعامل مع المادّة النصيّة باللّغة العربيّة، ولا ننسى تأثير ذلك في تعلّم بقيّة اللّغات الأجنبيّة أيضا،لأنّ من لم يحذق لغته الأصليّة بالقدر الكافي قد يصعب تعليمه لغة ثانية وثالثة لأنّ نفس الصعوبات وبدرجات أقوى ستظل تلاحقه و تجعله غير قادر حتّى على قراءة تعليمة أو عنوان وفهم مقصوده ليكون مصيره الفشل ثمّ إلى الانقطاع وهذه حال أغلب من يغادر المدرسة لأنّه لم يكتسب الحدّ الأدنى المطلوب من الكفايات التّواصلية عبر اللغات لمواصلة دراسته ، فالعجز عن القراءة يؤدّي بالضّرورة إلى العجز عن الكتابة الإنشائيّة فالمقاليّة بأنواعها.
وجب هنا أن نتحدّث عن ظاهرة "الأميّة القرائيّة"(l’illettrisme) التي تعني أداء نصّ دون فهمه
تعدّ صعوبات القراءة إذن قضيّة تعليميّة بيداغوجيّة على غاية من الأهميّة تتطلّب تفسيرا وتمعّنا وبحثا عن الحلول العلاجية التي نروم جعلها في هذا المضمار عملا إستراتيجيا سواء، أ من المدرّس أم من المتعلّم.
ولفضّ هذا الإشكال التعليميّ علينا أن نقوم بعمليّة جرد لأبرز العوامل المسهمة في تراجع مستوى تعلّم القراءة في الإعدادي وأهمّها:
"حدوث تغيّر مفاجئ في مقتضيات الدرس القرائي تحدث نوعا من القطيعة مع المرحلة الابتدائية حينما يقفز المتعلّم من "القراءة مهارة" نحو"القراءة معرفة نصية" ومن قراءة البسيط إلى قراءة المركّب "
فيجد المتعلّم نفسه قبالة شبكة معقّدة من المفاهيم النصيّة ذات الخلفية النحوية الجديدة التي لم تستعدّ لها البرامج والمقاربات بالقدر الكافي (التحوّل من نحو الجملة إلى نحو النصّ) ومن النّمط الواحد (هيمنة السردي) إلى قراءة الأنماط معا.
ينضاف إلى ذلك ضمور الاهتمام بلذة النصّ وإدراك أطره المرجعية الإحالية مقابل ما نتعنّاه من جهود مضنية في سبيل ملاحقة أبنية نصية متشاكلة متراكبة في ذات الوقت تفضي إلى بناء متعلّم الإعدادي إلى صنافة الطّراز أو النّمط أو النّوع بمقارنة النصوص ومقارعتها وتصنيفها وترتيبها (سرد ، وصف، حوار، حجاج/ انواع المسرودات والموصوفات والبنى الحوارية الحجاجية) دون أن نتناسى المحور بصفته وحدة معنوية مدخلية جامعة تأتلف شتاتا من المدونات النصية ليست على ذلك القدر من الانتظام الذي نتصوّره في مستوى سياقات القول وظروف الإنتاج واختلاف أساليب الكتابة وصعوبة تبيّن مقاصد القول الثاوية في خلفية كلّ كاتب ومؤثرات الجنس وإستراتيجيا الخطاب النصيّ أدبيا أكان أم غير أدبي.
وإذا كانت القراءة نشاطا عرفانيا لا يخرج عن المعلومة المستخلصة من فهم رموز الكتابة ومعانيها التي تعطي مفهوم تقصي رموز الشفرة(le déchiffrage) الذي ينجم عنه نشاط التهجئة ثم "فكّ الشفرة "(le décodage) فكلّ مشاكل التّعامل مع المقروء تنحصر في القدرة على تقصي النّظام الشفريّ للمكتوب بمستوياته المتدرّجة صعدا في سلّم التّعقيد (معنى الحرفم ، معنى الصوتم، معنى الكلمة/ معنى الجملة / معنى متوالية من الجمل/ معنى نظام نصيّ يعطي مفهوم النّمط/ معنى نوع من الأنواع النصيّة المرتبطة بقواعد ذلك النّمط وتنويعاته الغرضية والأجناسيّة والخطابيّة) وهذا لا ينفي أن مراكز الاهتمام في المرحلة الابتدائية تشمل فهم مضمون النصّ (فكرة عامّة وحدة معنوية تقبل التّلخيص) ومبنى قصصيا يقبل إعادة التسريد أوترتيب أحداثه أو اختيار وبنى وصفية تثري السرد وأحداثا متسلسلة أو غير متسلسلة ، دون أغفال بعض مقوماته الأخرى المتّصلة بالأطر وأعمال الشّخصيات والعلاقات بينها مع تقويم غير معمّق لبعض المناحي القيميّة والدلاليّة في سلوكها و مواقفها وملامحها .
وتعدّ "القراءة الشمعية" (استعارة صغناها تجوّزا) في المرحلة الثانوية من مخلّفات المرحلة الإعدادية نتيجة قطيعة ثانية لا تحسن البرامج سدّها والتحسّب لسبل تجاوزها من "المعرفة النصيّة" إلى "المعرفة الأدبيّة
يقرأ متعلّمو الثّانوي النّصوص قراءة لا تعبّر عن أيّ تعمّق في الإلمام بماهيّة المقروء، يؤدّون النّصوص بروح صامتة وبسطحيّة وعدم تمعّن وعجز عن التوقّف عند الأجزاء التي تستدعي انتباها إلى ميزاتها الفنيّة والأسلوبية وكثيرا ما يتكهّن أحدهم بعبارات غير موجودة في ذلك النصّ ، لكنّها تتشابه مع ما فيه من عبارات أخرى تجانسا صوتيّا أو اشتباها معنويّا ويقفزون على المقاطع الوصفيّة ويستعجلون بلوغ نهاية القصّ ، يؤدّون أروع الآثار الأدبيّة أداء متهدّجا ، متقطّعا واهن النّفس ، خائر القوى ولا تتقمّص قراءتهم ما فيه من منطوق أصوات ولا ما يتميّز به من خطابة وتوقيع حماسيّ ملحميّ أو إشجائيّ غنائيّ أو ما يسمه من مياسم التفرّد البلاغي وضروب المجازات والانزياحات وكلّ هذا دليل عدم استمتاع من ناحية واستعجام فهم أو قصور عن إدراك المعاني الصّريحة والمباشرة من ناحية ثانية.
بينما يتعدّى فعل القراءة مجرّد تقصيّ رموز الكتابة وفهم معانيها والقدرة على الأداء الصّوتي والجسدي الموائم لأصوات النّصوص إلى الحضور الكليّ للذات القراءة وجدانا وذاكرة وذهنا وذائقة
يعبر المتعلّم القارئ المرحلة الإعداديّة مجرّدا من ذائقته ومن الطّاقات التخييليّة المطلوبة لتلقيّ النصّ الأدبيّ ومن ثقافة الأثر الأدبيّ وما تقتضيه المعرفة بالأجناس منظومها ومنثورها ، ثمّ يأتي إلى الثّانويّ محمّلا بكمّ هائل من المعارف الصوريّة الشكلانيّة عن السرد والوصف والحجاج التي لا تتعدّى في معظمها القراءات المصندقة والمقولبة داخل بنيات مغلقة منغلقة على ذاتها لا تنفتح على سياقات الإبداع وتجارب الذّوات الكاتبة الحيّة ومثال ذلك :البنية الثلاثية للنصّ السّردي و البنية الثلاثيّة للنصّ الحجاجيّ.
وما نستنتجه من كلّ ذلك أنّ جلّ مشاكل القراءة من مرحلة إلى أخرى مردّها وجود فجوات وثلمات وانقطاعات بينها في مستوى هيكلة المعرفة برموز المكتب / المقروء وغياب الأجهزة التعليميّة المساعدة في رتق تلك الفجوات والتهيئة لاستقبال نوع جديد من المقروء دون استشعار "الوحشة" و"الجزع" ودون مرور على النصّ لا يتقصّى نصيّته من الخارج قبل الدّاخل ومن ظروف إنتاجه التي يجب إبقاؤها حيّة ولا معنى لدرس بناها دون إدراك كليّ أو وظيفيّ لسياقاتها التّداوليّة المنجبة .
الحلول:
يبقى الحلّ التعليميّ الأنجع هو أن نجدّد درس شرح النصّ بتوظيف مداخل وموارد ونستغلّ أجهزة تضفي على الشرّح معنى وتمنحه حياة متجدّدة وتحلّ القارئ في عوالم النصوص حتّى يتمكّن من إدراكها وتخييلها وتلخيصها وتفسير ظواهرها وتبريرها ومقارنتها بما يعلمه عنها بالاستكشاف والمحاورة وإدراج الوسائط السمعية البصرية واستخدام الخرائط والربط مع الآثار بالمطالعة والتربية على الشعرية (شحذ مهارات السماع والإنشاد والأداء والتلقّي، محاكاة المبنى النصيّ وأسلبته ونشر مزاياه المعجمية والتركيبية الأسلوبيّة وتجسيد المعنى النصيّ بالمعنى المجسّد تمثيلا وتشكيلا ومنها نقل آثار التعلّم وجعل حصص الشرح مجمع وجدان وعرفان وفعل باللغة ومن خلالها (l’affectif/le cognitif/ le conatif)
ولهذا نقترح:
- الاعتناء بأداء النصّ موقّعا ممسرحا محفوظا
- بناء وضعيات تواصلية شبيهة بمحتوى النصّ قبل القراءة (تلفيظ المقروء مسموعا أو متخيلا ، التواصل المهيئ للقراءة)
- الربط بين حصة المطالعة وحصة شرح النصّ وبقية الحصص (درس نحوأو صرف انطلاقا من أثر مقروء)
- الشرح السياقيّ والقراءة الوسائطية المصاحبة بتوظيف الفيديو والصورة
- الانفتاح على بقيّة المواد واستثمار التجارب واستدعاء التصوّرات ومرافقة المتعلمين في جعل المشروع القرائي صوغا لإشكال وحلاّ لمشكل
- الاعتناء بالمجازات والاستعارات بالتدّرج إفهاما وتبسيطا وتذليلا لفهمهم مدلولات النّقل ومسافات العدول من الحقيقي صوب المجازي
- المقاربة المعجمية في مستوييها التوزيعيّ والمركّبي واستجلاء آثار المورد المعجمي في تشكيل أسلوب النصّ
- تشجيعهم على أنشطة التّلخيص والتّفسير وإعادة التّلفيظ واستحضارالمفهوم والتّعبير عنه بطرق مختلفة
- بلوغ مرقى التذوّق والبحث عن مراتب التأويل وإيلافهم بالقراءة الشعريّة مع إبداء الرأي
- التصرّف في النصوص تكملة وتبديلا ونشرا وتوسعا ومحاكاة للأساليب الفنيّة والسجلات المعجمية
- جعل المحور مدار اهتمام ومساءلة ومنابر نقاش وكتابات حرّة ومادة لمشاريع ذاتية وجماعية (القصص المصوّرة، الموسوعات والأنطولوجيات والمذكرات واليوميات والمجلات الحائطية والرقمية والفيديو والمنتجة)

أنشطة ورشية:
1- من خلال ما جمّعته من معطيات عبر التقرير التأليفي التشخيصيّ لمستويات الصّعوبة في كفاية القراءة بالنّسبة إلى الأقسام المدرّسة أو المؤسسة الواحدة ابحث عن أنشطة تعليمية علاجية تبني التعلّم على:
- الهدف الإستراتيجي الجامع لتعلمات المادّة
- الهدف الإستراتيجي المميّز للمحور
- الهدف الإستراتيجي الإجرائي من الحصّة الواحدة

2- صل مستوى صعوبة ملاحظة عبر شبكة كفاية تلقّي نصّ مقروء بإستراتيجيا علاجية توظّف بقيّة تعلّمات المادّة بالاشتغال على أمثلة محسوسة من النّصوص المدرّسة

شبكة تشخيص كفايات القراءة
مستويات الكفاية
7 إبداء الرأي/ التأويل/ التذوّق/ بناء مشارع الاستثمار والامتداد
6 التأليف بين المبنى والمعنى صريحا وضمنيا
5 التفكيك/ الشرح المعجميّ والسياقيّ/ وصف النصّ / تفسيره / تحليله
4 الفهم الخاصّ لمكوّن بنائيّ أو معنويّ أو أكثر من النصّ
3 الفهم العام (سياقيا/ معنويا/ بنائيا)
2 الأداء السّليم المنغّم للمقروء وصلا وفصلا ووقفا وتنغيما للأعمال اللغويّة
1 التقصّي البصري وفكّ رموز الكتابة

3- ابن مقطعا تعليميا بمنوال علاجي إستراتيجيّ يوظّف موارد سمعية بصرية أو مهارات يدوية فنيّة يجعل القارئ حاضرا في بناء المعنى النصيّ
4- قدّم تصوّرا عن دور حصّة المطالعة في العلاج الإستراتيجيّ لمشاكل فهم النصّ القصير
5- اجعل حصّة المحفوظات والعروض ذات صلات إستراتيجيّة بحصّة القراءة
6- ابن مقطعا تعليميّا قائما على ثنائيّة قراءة / كتابة يكون في حصّة تدريب على الإنشاء
 
  • المشاهدات
    877
  • الرّدود
    0
  • أعلى أسفل