salma

نجم المنتدى
منتدى تونس التربوي
ناشر الموضوع
المشاركات
1,077
الدّولة
تونس
الولاية
نابل
المستوى الدّراسي
جامعي
الاختصاص
علوم
المهنة
طالبة: عربية
غير متّصل
    ملخص مسرحية شهرزاد لتوفيق الحكيم
  • #1
الــقسم : بحوث و دراسات
ملخص مسرحية شهرزاد لتوفيق الحكيم
________________

القسم 1 : تقديم مسرحية شهرزاد :
- أصدرها سنة 1943 : تشتمل على سبعة مناظر تنتمي إلى مسرح الأفكار أو المسرح الذهني يطغى عليه المنحى الفلسفي إذ يتحول الفضاء الفني إلى فضاء حيل فكري بحت.
- شهرزاد والأسطورة : اتخذ الحكيم من أسطورة "ألف ليلة وليلة" وعاء ليعالج قضية المكان والقلب والجسد ومدى إمكان انفلات الإنسان من قيود هذه الحدود الثلاث والعيش بالعقل للعقل فقط.
الأسطورة ليست جوهر البناء الدرامي إنما هي المقدمة أو "البرولوج" الذي يفترض الحكيم وجوده في مخيلة القارئ.
لم يتوقف الحكيم عند قصص "ألف ليلة وليلة" وإنما خلص منها إلى رحلة باطنة للملك شهريار. ولهذا السبب لا يتقيد الحكيم بالأسطورة ولا يحترم نسقها ولا يسعى إلى تفسيرها، يقول الحكيم : "إن الأسطورة لذاتها لم تكن هي المقصودة. فهذه القصص لم تكتب لإظهار جمال الأسطورة… بل وضعت كلها لخدمة قضية خاصة بالإنسان ومصيره". فهو يبدأ من النهاية التي تعلن انتصار شهرزاد البطلة الأسطورية. وتنطلق المسرحية ببيان أثر الهزيمة في حياة شهريار ذلك الرجل الذي ما إن سمعها تحدثه حديثها الساحر الممتع وتفتح له عوالم الخيال والشعر حتى تفتحت مغاليق قلبه الموصد وتحرك جامده. هذا التحول هو مرتكز البناء المأسوي للمسرحية. تحول شهريار من شهواني عبد للجسد إلى عاشق يحبها حب القلب والوجدان ثم سرعان ما يبتعد عن حياة الشعور إلى المعرفة ينشدها. وتبدأ رحلة البطل يغادر الأرض في طريقه إلى السماء باحثا طوال المسرحية عن التخلص من "اللحم ذي الدود" والانطلاق بعيدا إلى اللامحدود. "انطلق… انطلق…". معجزة شهرزاد إذن في ذلك التحول العميق الذي أحدثته وهو بتعبير البعض "تحول صوفي يخترق بصيرته الداخلية حجب الغيب". إنه أصيب بمرض الرحيل وهو تحرير الجسد من أسر المكان هكذا تغدو "شهرزاد" قصة الحياة التي يدخلها الإنسان وهو طفل يلهو ثم يتدرج إلى رجل يشعر ويحس لكي يتركها وهو يتأمل ويفكر.
القسم الثاني : الحدث الدرامي :
خصائص الحبكة المسرحية : الحبكة في المسرح هي البناء المسرحي وهي ترتيب خاص للأحداث وفق منطق معين، وتوزيع محكم للفضاء وتحديد دقيق للشخصيات وما تنطق به من حوار بحيث تتحدد معالمها بفضل تلك الحبكة ويتحقق الهدف من تأليف المسرحية أي إثارة الإنفعال.
أهم قواعد الحبكة ومبادئ إحكامها مقولة الوحدات الثلاث : الزمان، المكان، الحدث. ومقولة فصل الأنواع أي فصل التراجيديا عن الكوميديا فصلا تاما بحيث لا يتخلل المأساة مشاهد مضحكة. وتنتهي المأساة نهاية مفجعة. ويعتبر مبدأ وحدة الحدث العمود الفقري لبناء المسرحية حتى لا تأتي مفككة غير مترابطة أو متناقضة مما يذهب بالأثر النهائي الذي يسعى المؤلف إلى توليده في النفوس.
- مسرحة شهرزاد قامت على وحدة الموضوع وهذا الموضوع صراع الإنسان المأسوي مع المكان وهو قطب الرحى عليه تدور كل حركة وقول.
- لا يمكن الحديث عن حبكة جيدة وحركة دون عقدة وهي جوهر الحدث الدرامي ومولد الصراع التراجيدي. والعقدة هي مجموع العوائق الداخلية أو الخارجية التي تعترض الشخصيات الرئيسية وتساهم العقدة في خلق الانقلاب في الأحداث والأحوال ويجسم الاحتداد غالبا حدث مفاجئ غير متوقع يسمى "ضربة المسرحة" التي تغير فجأة حالة الشخصية. بالنسبة إلى شهريار : العوائق داخلية بالدرجة الأولى لأن الصراع يقع داخل الذات الواحدة تنازعها ميول مختلفة تعلن التمرد على الذات فتثور على غرائزها "سحقا لهذا الجسد" وعلى عواطفها "سحقا لهذا القلب" وحتى الصراع مع قمر أو مع شهرزاد رغم وجوده في الظاهر خارج الذات إلا أنه صراع داخلي لأنهما جوانب من ذاته أو عوائق ذاتية تشد حركة البطل إلى الجسد والقلب.
العوائق الخارجية تمثل القوى الفوقية أو الطبيعية وجودها خارج الذات مستقل تمارس عليها سلطانها بل تسجنها وتسحقها. وهذه القوى المعرقلة هي المكان وهي الأرض التي تسجنه داخل حلقة تدور وهي الطبيعة العدو اللدود للبطل كلها تدل على المكان وترمز إليه. غير أن هذا الصراع الخارجي في الظاهر يقع في الحقيقة داخل الذهن أو داخل الذات الواحدة التي لا يسلط عليها ضغط مباشر من قوى غيبية أو من المكان ذاته بل هي التي تفكر في ذلك وتفتعل الصراع مع هذه القوى المحايدة التي لا تعير حركة الإنسان اهتماما كما تقول شهرزاد "لا أظن أنها تقارعك أو تتكلف لك ما أنت إلا شعرة في رأس الطبيعة".
- بقي شهريار محور الصراع الداخلي الأفقي مع نوازعه وأفكاره مع شهرزاد وقمر كما بقي محور الصراع الخارجي / العمودي مع القوى الأخرى (المكان).
شهريار هو البؤرة يختزل الوظائف جميعا. ويجسد بحركته الاتصال والانفصال. وهو ممزق بينهما لتمزقه بين ملكاته (الغريزة – العاطفة – العقل). يعاني انشطارا في علاقته بشهرزاد :
انفصال :" سحقا لهذا الجسد" # اتصال :" بي رغبة أن ألثم هذا الجسد الفضي".
- التمهيد / البرولوج : تبدأ المسرحية من اللحظة التي انتهت فيها الأسطورة، تبدأ بمنظر يختزل كل ما أتى ويمهّد لكل ما سيأتي. ففيه تحتشد كل الشخوص المسرحية عبر الحضور المباشر (العبد – الجلاد – الساحرة) وعبر الحضور غير المباشر (قمر – شهرزاد – شهريار) + جوّ احتفالي كله غموض وتوجس وطلاسم يؤذن بالفاجعة "إن وحيا يحد ثني بشيء أحمر".
المنظر الأول يخبر عن ماضي البطل بإجمال + يخبر عن حاضره مع انطلاق مرحلة الكشف التراجيدي التي بدأت سرا قبل أن تتحول إلى إعلان صريح. كما ينذر بمستقبله الفاجع "واها لمن حكم عليه بالسير في الظلام".
ينذر بمصير بقية الشخصيات فيهيئ لموت قمر ونهايته التراجيدية آخر المسرحية.
إن تجدد رغبة القتل مؤشر على حدوث تغير ما في شخصية شهريار. هو إيذان بولادة شهريار جديد يقتل الجسد ولعله يقتل جسده هو في الحقيقة محررا نفسه من آدميته التي تخنقه وتخنق آفاقه المعرفية : "إني براء من الآدمية". أليس مشهد القتل في المنظر الأول هو ضربة البداية في المسرحية بداية ارتحال البطل عن الجسد والمكان والأرض ؟ أليس رأس زاهدة المقطوع المفصول عن بقية الجسد رمزا من رموز عديدة على تمزق البطل بين الجسد مأوى الغرائز والرأس مأوى العقل ؟ أليس وضع الآدمي أربعين يوما في دن مملوء بدهن السمسم حتى ذهب لحمه وما بقي إلا العروق وشؤون الرأس إلا بحثا رمزيا عن مدى إمكانية انفصال الجسد عن العقل ومدى إمكان البقاء دون لحم وما يتصل به من إشباع غرائز ؟
هذه التجربة الغريبة المثيرة تحيل على سؤال ذهني متكرر في مسرح الحكيم الذهني عموما : هل يمكن الحياة دون جسد وقلب ؟ هل يمكن للآدمي أن يكون عقلا محضا ؟
تنامي الحركة الدرامية : تسير الحركة الدرامية وفق خط زمني متسلسل من طور إلى طور يتنامى بتنامي الشخصية الرئيسية مركز التبئير في كامل المسرحية : وقفة تأمل أخذ قرار الرحيل فعل الرحيل فجأة تظهر صعوبة تعطي للحركة الدرامية نسقا آخر أو تولد أزمة: ما سمع في خان أبي ميسور من أمر خيانة شهرزاد هزّت قمر
بنية الأحداث في هذه المسرحية على حركتين :
- الأولى مادية : خارجية ظاهرة فيها أحداث تتوالد منطقيا : خروج من القصر دخول إلى بيت الساحر رجوع إلى القصر خروج إلى الفضاء الرحب عودة إلى المكان المغلق (خان أبي ميسور) عودة إلى القصر : حركة مغلقة تعود إلى مكان مغلق.
- الثانية : عميقة باطنية مجردة فلسفية مادتها السؤال تسير في خط دائري مغلق إنها حركة البحث عن الحقيقة الخالصة وعن التحرر من القيود. لا يخلو رغم طابعها التجريدي من التصاعد والاحتداد مقترن باهتزاز البطل وعمق إحساسه بالمأساة : "أنا أطلب شيئا واحدا" "ما هو" "أن أموت". اهتمام بالعالم الباطني للإنسان وأحواله لحمل المتقبل على التعاطف معه.
حركتان متراوحتان ومغلقتان لا تخلوان من تشويق ولا تنفصلان تقريبا.
طوال الخمسة مناظر الأولى سارت الحركة في تصاعد لكنها تمت في نسق بطيء نسبيا وإن كنا لا نعدم وجود التشويق غير أن المنظر السادس سيمتلئ بالأحداث الخارجية وستتأزم الأمور بحدة في خان أبي ميسور في مرحلة بداية النكوص.
- المنظر السادس : تقع المفاجأة : خبر الخيانة إثارة قمر يسقط في ما يشبه الانهيار ويغرق في يأس قاتل يترك العبرات تسيل من عينيه تعاطف معه القارئ + حركة رمزية : يعطي أبا ميسور مالا ويأخذ السيف في صمت" تمهيد لحركة الانتحار وهيأ للعودة إلى القصر وفي حذر شهرزاد بالتحديد في الليل المظلم نشهد النهاية التي جعلها نتاجا منطقيا لتنامي الأحداث.
- الحكيم حاول خلق نهاية تستجيب لشروط التراجيديا. فقد تصاعدت الأجواء وحلت الكارثة وكثر الصياح وتسارعت ردود الفعل وتباينت وفي ذلك خلق لجو تراجيدي مؤثر.
النهاية ناجحة من الناحية الفنية البحتة لأنها منطقية : سماع الخبر التثبت منه الانتحار. ولكنها فاشلة من الناحية التراجيدية فلا كارثة حقيقية حلت بالبطل ولا يثير الكاتب أي عطف عليه. بل إن شخصية تمر الثانوية هي التي لا تمت المصير القاتم وهي التي أثارت علا شفقتنا.
القسم 3 :الشخصية الدرامية :
الشخصيات والعلاقات بينها : اعتنى بها الحكيم ووزعها توزيعا محكما محترما مبدأ الوحدة وهو المنطلق لكل عمل فني في نظره.
لا يمكن دراسة هذه الشخصيات بمعزل عن بعضها كما لا يمكن أن ننظر في كل شخصية على حدة. فحين ندرس شخصية شهرزاد يلفت انتباهنا علاقتها بشهريار والوزير والعبد. تتشابك الشخصيات وتتداخل علاقاتها ولعلها تؤول جميعا وتنصهر في ذات واحدة هي الذات الإنسانية بكل تناقضاتها.
شهرزاد هي الجاذبية الساحرة الملغزة التي خلبت ألبابهم جميعا فوقفوا أمام سحرها مبهورين حائرين. كل واحد على اختلاف مكانته ورمزيته يتساءل عن ماهيتها وسرها الذي بقي غامضا إلى آخر المسرحية.
شهريار : من تكون شهرزاد
الوزير : إني أجهل حكمتك
العبد : يخيل إلى أنك امرأة لا ككل النساء.
شهرزاد لا تجيب وانعدام الأجوبة غلفها بالسحر أكثر فأكثر. عظمة شهرزاد لا تكمن في الأجوبة بل في كثرة الأسئلة.
السر لا يكمن فيها بل في نظرة كل واحد إليها. هي عقل كبير عند شهريار وهي جسد جميل عند العبد وهي قلب كبير عند قمر.
تبقى شهرزاد سرا غامضا. وأية إجابة هي إنزال لها عن عرش السحر وإضعاف من الناحية الفنية لقدرة الرمز والإيحاء.
الشخصيات محكومة بالاختلاف والائتلاف : هي في ظاهر النص شخصيات لها ملامحها النفسية والفكرية والوجدانية المستقلة ولكنها في الفضاء الرمزي الذهني شخصية واحدة هي الإنسان في مطلق تناقضاته وأبعاده المختلفة.
الشخصيات ترمز إلى الإنسان تنازعه أبعاد متناقضة : الشهوة – العاطفة – العقل.
لا بد من لفت النظر إلى بعد فني دقيق وهو تقنية الحكيم البارعة في تشكيل بطل تراجيدي يجمع في وحدانيته وتفرده نوازع الإنسان جميعا ويجمع في مسيرته مراحل نمو الإنسان مرورا بطور الطفولة إلى طور البلوغ إلى الكهولة واكتمال العقل.
الثبات في البناء الرمزي للشخصية : شخصيات ثابتة مسطحة لا تحول ولا تبدل ولا انقلاب أوضاع. وإن وجد التحول من السعادة إلى الشقاء بالنسبة إلى شهريار فقد تم ذلك قبل المغامرة التراجيدية الفعلية. حافظ على جميع ملامحه النفسية وعلى جميع ملامحه الفكرية فآراؤه في البدء هي ذاتها طوال الرحلة.
شبكة العلاقات بين الشخصيات : هذه العلاقات في مد وجزر وتخضع لتقلبات البطل ولمسار رحلته وأطوارها. فهو القطب ولا قيمة للشخصيات الأخرى إلا من خلاله أو من خلال موقعها من مسيرته:
الساحر : تحول من الاتصال / الانفصال السحر الذي كان مصدرا للمعرفة في منطلق المسيرة الدرامية يغدو عاجزا أمام ذلك الشوق العارم إلى معانقة المطلق في لحظة شد الرجال لمغادرة الدنيا.
العبد : نمت العلاقة بطريقة عكسية من عداء وحقد إلى لا مبلاة

الطفولة (الغيرة) النضج

شهرزاد : في البداية علاقة بجسد جميل : اتصال متعة / انفصال : ذبح. ثم تغدو علاقة بقلب كبير لها وجهان : الأول شعوري وهو إيقاظ المشاعر والثاني فكري وهو إيقاظ الفكر تصبح علاقة أرحب ذات رمزية وجدانية علاقة بالأرض بالطبيعة بالكون ككل. ولها وجهان : انفصال "الطبيعة كلها ليست سوى سجّان" واتصال "دعيني أتوسد حجرك " العلاقة بشهرزاد في طور العقل عدت مجادلة ومحطة تقييم مرحلي ككل طور من أطوار الرحلة. أصبحت آخر المسير خاصة.
العلاقة إذن متعددة الأوجه تنامت من رغبة في انتقام أو في الطور الحيواني إلى رغبة وجدانية ملتهبة في طور المصالحة والوصال معها حين كانت تروي له القصص إلى رغبة في الكشف عن أسرارها في الطور العقلاني حين ارتحل باحثا عن معنى جديد للوجود. علاقته بالوزير تتراوح بين الاتصال والانفصال : تتحول بحسب البطل من اتفاق إلى اختلاف وقد نجد الوجهين معا وقمر ممزق بينهما بين الولاء والإشفاق، بين الرفض (رفض الرحيل) والغيرة (من حب شهرزاد له).
إذا كانت الشخصيات فروضا ذهنية ومواقف فلسفية من الوجود تبين لنا أن قمر كغيره من الشخوص ليس إلا رمزا لطور من أطوار شهريار طور القلب وليس إلا فكرة أو موقفا سرّبه الكاتب ليخلق جدلا فكريا ليجعله يشارك البطل في إبحاره في عالم الفرضيات المستحيلة. لذلك تحولت الشخصيات إلى دمية يحركها الحكيم. فالصراع في بناء درامي ذهني ليس صراعا حيا مباشرا بل هو صراع أفكار. فلا غرابة أن تغيب المواجهة الفعلية الدرامية الضرورية في نص تراجيدي. ولا غرابة أن يكون الصراع في عمقه الذهني باهتا سلميّا لا يتجاوز لغو الكلام.
شخصية شهريار : شهريار وحلم البلوغ. شهريار هو البطل التراجيدي لأنه صاحب المغامرة التراجيدية. تحول على غرار أبطال المآسي من "السعادة إلى الشقاء" من الحياة الهادئة بين ذراعي شهرزاد ومن الرحلات الخيالية الممتعة في أجواء قصصها الخارقة إلى حياة الحيرة والقلق في رحلة وقودها السؤال ووجهتها السماء وغايتها الالتحام بالمطلق.
يريد أن يعرف حقيقة الكون حقيقة الإنسان داخله لأنّه ضاق بكل ما يصله بالوجود الذي أصبح في نظره سجنا ضيقا يمنعه من الانطلاق. فهو يضيق بالجسد فيبتعد عن جسد شهرزاد ويضيق بالقلب "سحقا للقلب الكبير" ويضيق بالمكان "إني أضيق ذرعا بالمكان".
أصيب بمرض الرحيل "هو مرض الرحيل كما تقولين من استطاع تحرير جسده مرة من عقال المكان أصابه مرض الرحيل فلن يقعد بعدئذ عن جوب الأرض حتى يموت" سيعدها رحلة لا نهائية وسيهيم وقت الغروب في فضاء لا نهاية له.
- منبع الشقاء : قصص شهرزاد ككتب الأنبياء حررت البطل من سجين الجسد، والمكان والزمان قادح خارجي" ليست تلك القصص هي التي تجعلني انطلق" إنما هو الضيق القلق من الموجود والتخمة من الأجساد هو منبع الشقاء "ليس في الحياة من جديد… استنفدت كل شيء".
من خصائص البطل المأسوي أنه لا يعاني مشاكل شخصية بل يحمل على كاهله قضايا الإنسانية جمعاء. "البطل لا يكفر عن خطاياه الشخصية بل عن الخطيئة الأصلية أي خطيئة الوجود نفسه" كما يقول شوبنهر خطيئة الوجود في مسرحية شهرزاد تكمن في خلق الإنسان وتكبيله بالغرائز والعواطف ونداء الحياة ثم وفي النهاية الحكم عيه بالفناء ونزعه بدون إرادة من الوجود كما تنزع الشعرة البيضاء.
شهريار إذن حمل على عاتقه قضية الوجود وكان طوال رحلته يطيل النظر في السماء كعباد النجوم ويتساءل عن القوانين التي تحكم الكون وعن الحتميات التي تكبله "النهاية تتلوها البداية في قانون الأبدية والدوران". أراد البطل تخطي هذه القيود فدعا إلى السير بغية الخلاص، السير في إقدام يليق بأبطال المآسي.
حاول الكاتب إحاطة بطله بأهم عناصر المأساة فهو قد استولى عليه القلق الجارف نحو المطلق وهو متمرد على الموجود وهو صادق في تمرده متجلد قوي عازم متطرف لا ترده قوة عن مشروعه الاستكشافي المعرفي ولا عن مشروعه الوجودي ككل : "قم تستكشف المكان" "اليوم نريد الحقائق يا قمر".
وصل شهريار إلى عدة حقائق كلها تشترك في حقيقة كبرى جامعة هي عجز الإنسان وانسحاقه داخل حلقة تدور داخل سجن الطبيعة معركة خاسرة الانتصار للقوي العلوية غير المنظورة وهذا مصدر معاناة كبرى للبطل مدرك لحتمية الموت ومع ذلك يبحث عن التجاوز، شرفه في المحاولة لا غير.
شهريار بطل مأسوي لأنه تحول من السعادة إلى الشقاء وهذا شرط حدد أرسطو. هو بطل لأنه يبحث عما هو جوهري في الوجود عبر السؤال المتكرر "من أنت" وعما هو مطلق بحيث لا يقنع بأنصاف الحلول وبالأنساب الواهية "لكنك تعلمين أني لست ممن تقنعهم هذه الأنساب". ما ينشده شهريار هو عالم السماء المطلق عالم الخلود عالم الله.
شهرزاد : حمالة أوجه : تختزل العدد لها وجوه عديدة.
* شهرزاد الأنثى : لصيقة بالأرض بجسدها وتحاول شد البطل إلى الأرض وإرجاعه عن رحلة الضياع وراء المطلق. لذلك لجأت إلى جسدها تهبه إلى عبد أسود علّها توقظ غيرة شهريار وآدميته وتعيد إليه الإحساس بالواقع الأرضي. "لقد حاولت أن أعيدك إلى الأرض فلم تفلح التجربة" نظرة دونية للمرأة الرجل رمز العقل : يقول الحكيم "بيولوجيا المرأة بالذات تشدها إلى الأرض : الأرداف الثقيلة الأثداء المشرئبة إلى الأرض الحوض الواسع القدرة على الإنجاب غريزة الأمومة".
شهرزاد أنثى تحاول أن تسترد ذكرها الذي أخرجته من طور الطفولة إلى طور البلوغ والرجولة حين أشبعت حاجاته الجسدية والعاطفية بل ملأته تخمة طيلة ألف ليلة وليلة.
هذا البعد لصيق بالعبد الذي جعله الحكيم رمزا للغريزة ولغياب العقل ولعلّه يمثل الطور الأول من أطوار البطل والإنسان : طور التوحش أو ما قبل الآدمية وفي ذلك نزعة عنصرية مثالية تحتقر الجسد وتعتبر الجنس سلوكا حيوانيا.
* شهرزاد المعرف : رمز العقل والحيلة حتى في الأسطورة لأنها استطاعت بالتدبير أن تحوّل المرأة من موضوع جنسي إلى موضوع للتخيل الرمزي في فضاء الحكي العجيب. وهي خطوة حاسمة في مسيرة شهرزاد وفي مسيرة شهريار إذ حركت عقله وفتفتت ذهنه. شهرزاد روضت هذا الوحش بواسطة العقل "أنت عقل كبير". أخرجته من طور طفولي بدائي متوحش إلى طور إنساني حين بعثت جسده وقلبه إلى طور ما فوق بشري طور المعرفة مراحل المجتمع البشري من طور بدائي ثم تطور وهاهو اليوم أي زمن كتابة المسرحية يقف متطلعا إلى عالم الكواكب.
الدهشة أمام المعرفة الهائلة بكل خفايا الكون العلوية والسفلية هي التي فجرت أسئلته وأقحمته في مغامرة مأسوية لإدراك سر الوجود.
ولن يدرك ذلك دون هذه" الصغيرة لم يكفها علم الأرض فصعدت إلى السماء ثحدّث عن تدبيرها" .عبر هذا البعد اتّصل شهريار بشهرزاد وحاول اكتشاف الحقائق كما اكتشف عبرها أيضا حقيقة الجسد والقلب في طوره الأوّل. لكن هيهات أن ينال المنشود. فقد جعل الحكيم بطله معلّقا بين السماء والأرض في تعطش دائم للمعرفة وفي قلق مستمر ربما لأنه نظر إلى شهرزاد وإلى العالم نظرة عقلية خالصة وأقصى والقلب معا ففشلت مسيرته من الناحية الدرامية لغياب الصرع الحي ومن الناحية الوجودية لأن العقل وحده قاصر في نظر الحكيم عن تحقيق الانطلاق والرقي وإدراك جواهر الأمور "فيقال إن رجلا بقلبه قد يصل إلى مالا يصل إليه آخر بعقله" اعلان الحكيم عن فشل العقل وفشل لعلم الحديث الذي لا يحتكم إلا إلى العقل والذي ينته المقدسات التي يحترمها الكاتب لأن إرادة الإنسان في نظره محدودة بإرادة ربانية مطلقة.
القسم الرابع : الفضاء الدرامي :
* الزمن المسرحي : رموزه وأبعاده : يقول أرسطو : "تنمو المأساة إلى حصر نفسها قدر المستطاع في زمان مقداره دورة شمسية واحدة أو لا تتجاوزه إلا قليلا".
شرط يتماشى ومبدأ القول المعلوم : تقول المسرحية فتؤدي إلى الملل مبدأ يحقق التماسط البنيوي للأحداث سلسلة مترابطة تأخذك من نقطة انطلاق وتشدك بقوة إلى نقطة انتهاء في فترة قصيرة من الزمن ليس الهام هو والقول بل مدى الزمن في امتداده قادر على استيعاب نسق الأحداث يمكنها من أن تكون مترابطة متسلسلة.
رغم كثرة الإشارات الزمنية في المسرحية فيمكن أن نشير إلى زمنين : الأول إطاري لا تخلو من تحديد والثاني داخلي تراجيدي متسم بالإطلاق :
أ- الزمن الدرامي الإطاري ورمزيته : هو الزمن الذي استغرقته الأحداث يقوم على نية ثلاثية:

لحظة ذروة

لحظة البداية الهاوية
- الظلام الظلام دورة شمسية واحدة
- رحيل غداة عودة : الليلة
التي انتحر فيها قمر

ثنائية الظلمة والنور يتماوجان في جميع المناظر بدرجات مختلفة فلا تكاد تحضر الظلمة إلا وأشباح النور تمازحها. يكاد يبهرنا الضياء حتى تحجبه عنا ستائر الظلمة . (مصباح مضيء : في جوف هذا الليل البهيم).
الظلمة والنور : وظيفة رمزية هي رموز لمغامرة البطل ممزقا بين اليأس والأمل. إذا طغت الظلمة فذلك دلالة على غربة البطل. وإذا تلألأ النور وملأ أرجاء الركح فذلك رمز لانطلاق البطل وأمله في التحرر ومعانقة السماء.
نظرة البطل الحالمة إلى الشمس لن تدوم طويلا وأرادها المؤلف ألا تدوم لبيان استحالة اختراق الحدود والالتحام بالمطلق اللامحدود. فمسعى البطل سيصطدم بالخيبة رمز الانكسار أو الانحدار والنزول إلى الهاوية.
ب- الزمن الداخلي التراجيدي ورمزيته :
زمن يتجاوز النسبي المحدد لا تواريخ ولا أرقام تضبطه هو زمن الديمومة لا يتوقف عن الحركة فيه يختلف الأمس واليوم والغد فيه يمتزج الماضي القريب والماضي الموغل في القدم في المنظر 1 : "أليس اليوم عيد العذاري" + "الجلاد : ماذا تريد أن تعلم عن شهرزاد أكثر مما علمت بالأمس" + "الجلاد : إن وحبا يحدثني بشيء أحمر". الحاضر والماضي ونبوءة المستقبل كل ذلك يتكثف في المنظر الأول الذي يهيء لما سيأتي الحيز الواحد متعدد الأبعاد : الماضي هو أكثر من ماضي : ماضي الخرافة والبداية / رمز لماضي البطل والتوحش… الزمن تراجيدي لأنه انفلت من قيود الزمن العادي ورتابة الحركة فغدا زمنا فرق الزمن.
ج- حدود التراجيديا في الزمن : الحركة العميقة للزمن في شهرزاد لا تخلو من كسر وتراجع يتنافى مع طبيعة العمل التراجيدي. ففي الحركة عود ورجوع بعد كل خروج : خرج إلى بيت الساحر وعودة يائسة منه إلى خدر شهرزاد… سفر ينتهي بالعودة إلى شهرزاد الزمن شديد الانكسار والتقطع وهذا ينقص من الطابع المأسوي إذ لا تراجع في التراجيديا + غياب الصراع الحي في حين تغرق المسرحية في المواقف التأملية البحتة والتفكير عوض متابعة نسق الخط الدرامي فيحدث ذلك ثغرة في الزمن الاحتفالي والمأسوي ويصير الزمن زمنا ثريا على حد عبارة أنطوان معلوف + بعض الوقفات التأملية لا معنى لها "إن الحجب الكثيفة لأشف من الصفاء" + "إن طاف بك في الظلام غمام أخضر فأذكر زاهدة المجنونة". + طغيان النثر في حين أن الزمن الاحتفالي "شعر".
* المكان المسرحي : أنواعه، وظائفه، علاقاته :
متراوح بين الانغلاق والانفتاح يجعلنا نستحضر تجربة البطل الذي انطلق في مسيرته من المكان المغلق "دار الساحر" مرورا "بالقصر" أو الغرفة النقيض فخروجا إلى "الفضاء الرحب" أي الفضاء الخارجي حيث انطلق الحدث الفعلي وبدا الهرب من المكان المحدود ووقف البطل في مواجهة المصير أو الموت.
للمكان أهمية كبرى في نص شهرزاد لأن الصراع الأساسي في المسرحية يدور بين البطل والمكان الذي يتجول في السياق الذهني إلى فاعل من الفواعل.
أ- التصنيف : أنواع الأماكن في شهرزاد :
- المكان الخارجي يحتضن أحداثا مادية + المكان يحتضن أسئلة فلسفية
- المكان المنغلق : يعبر عن انسداد الأفق المكان المنفتح : الأمل (ص 69)
- المكان المتناهي يوهم بالواقعية المكان اللامتناهي يوهم بالانطلاق
- المكان فضاء مادي يحتضن أحداثا المكان بطل عدو لدود
ب- قراءة في المكان ومأساة الإنسان داخله :
دلالة الأمكنة أو بلاغة المكان :
في الظاهر لا يعدو أن يكون فضاء ماديا يحوي أحداثا يوهم بالواقعية ويحمي المسرحية من الوقوع في التجـريد الخالـص لكنه في الباطن فضاء رمزي تتجاوز عناصره وأشياؤه الدلالة النصريحية المرجعية إلى دلالات حافة تلميحية تضطرك إلى التأويل.
أولى المكان سمة الاطلاق والتعميم فلا تحديد جغرافي ولا تسمية دقيقة فهو مكان عام لا تحدد بموقع ولا بتوقيت ولا بإنسان يتصل بكل إنسان تناغم مع طبيعة القضايا المطروحة التي ترم منزلة الإنسان في الوجود وبحثه الدائم عن المنشود عبر العقل.
المكان ممتد نكرة "طريق / منزل / قضاء / بيداء/" يزيدها النعت تعتيما ووحشة "قفز /منفرد/لا نهاية له" ولعل في ذلك دلالة على الوجود البشري العسير المضني الذي يلقي فيه الكائن غريبا وحيدا مستوحشا فيرتسم لنا بذلك أول خيط المأساة ومنه سينبع الحكيم بقية خيوط مأساة الإنسان داخل المكان بوصفه رمزا لمأساته في الوجود ككل.
المكان بكل ما فيه من معاني الضياع والغربة هو أساس البناء التراجيدي لكامل المسرحية إذا اعتبرنا أن صراع البطل سيكون ارتحالا دائما عن المكان المحدود لذلك سيكون غريبا : غربة مادية حين يشعر بالتقزز من آدمية (جسده).
- غربة تقنية حين يغرق في بحر من القلق ويضيق بكل شيء وبلا شيء
وهي أعراض التحول في البطل من طور الطفولة المستقرة إلى طور البلوغ وما يصاحبه من اهتزازات وصراع داخلي.
- غربة وجودية : حين يتيه في المكان وحين يصاب بقلق فلسفي ويغرق في بحر من التساؤلات وحين يفقد الروابط العادية مع الحياة.
ثنائيات توزيع المكان : مغلق/منفتح مظلم/ الخارج / الداخل تساهم في تأثيث الركح وفي تهيئة الجو الدرامي التراجيدي المنخفض عن تمزق الإنسان بين هذه الأبعاد جميعا. وهي عقدة المسرحية تختزل في عبارة واحدة : تمزق بين الموجود المغلق القاتم والمنشود المنفتح المشرق.
الحكيم يصور بشفافية كبيرة المكان البديل ويجعل الشرفة المظلمة مكانا واصلا/فاصلا بين المنزل والخارج وبين السفلي والعلوي أي بين الجهل والمعرفة.
القسم الخامس : الحوار المسرحي : خصائصه، أنظمة خطابه، وظائفه
I- الحوار المسرحي :
أ- خصائص الحوار :
* الخاصية الأولى المميزة للحوار الدراسي هي الخاصية الصراعية فالأقوال محكومة بالصراع أو السمة الصراعية وتضارب الأقوال ووجهات النظر من شأنه أن يخلق جوا صراعيا ضروريا لخلق فضاء درامي كله حركة وتصادم يتجلى هذا الطابع الصراعي عبر التدخلات القوية المشنجة التي تتخذ في أغلب الأحيان نسقا تصاعديا يعبر عن الاحتداد.
* الخاصية الثانية خاصية الوضوح : الشخصية تعبر عما بداخلها وتوجه حركاتها بل تخلق وجودها ذاته عبر منطوقها. لذا تفضح الشخصية نفسها بنفسها وهي تتكلم وتكشف عن خواطرها.
* الخاصية الثالثة : حوار مجهور قوي : ضرالة اللفظة وقوته
ب- أنظمة الخطاب في الحوار الدرامي في "شهرزاد"
في شهرزاد محاورات تعبق منها رائحة الشعر والفلسفة. يقول الكاتب في مقدمة مسرحية "بجماليون" : الصعوبة في إخراج مثل هذه المسرحيات إنما هي في إبقاء الشعر أو الفلسفة يشيعان في جو المسرح كما شاعا في جو الكتاب".
الطابع الشعري والطابع التأملي الذهني هما اللذان خلقا حوارا متراوحا بين عذوبة الشعر وعمق التأمل. الأول ينبعث من موسيقى رائعة تسري في شرايين النص وتولد سحرا والطابع الثاني يتولد من مادة دسمة من الأسئلة الذهنية.
والطابع الشعري : "الحوار في المسرحية شعري ممتع" مندور : حضور السجع / الجمل المتوازية والموقعة "بي شوى إلى مطالعة عينيك" لفة شعرية لها وظيفتان : أداة تواصل بين الشخصيات وأداة تأثير في المتقبل.
الحكيم اهتم بالإيقاع بل جعله سلاحه الذي يميز الكلام الدرامي عن الكلام العادي والحقيقة أن المسرحية تخلق نسقها الإيقاعي الخاص بها. وهو أكثر مرونة من الإيقاع الشعري وأشد تعقيدا وخفاء كما أن عناصر الإيقاع تتعدد لتفعل فعلها في المتقبل.
وفي شهرزاد مؤثرات إيقاعية تتضافر فيها إيقاعات اللفظ ومحسناته والإشارة والحركة لتتولد الأنشودة العميقة للنص ومن الأمثلة على ذلك تبادل الأسئلة والأجوبة والإيقاعات التركيبية تظهر في الجمل المتوازية وفي أساليب المفاضلة وفي الجمل الإنشائية واللهجة العاطفية.
الترديد لنفس الجملة يخلق إيقاعا داخليا كبيرا وتحدث في المتقبل شيئا من السحر "أليس لي جسد جميل؟" "أليس لي قلب كبير؟".
الطاغي على لغة الخطاب القصر الذي يجعل نسق الحركة سريعا والصراع حادا كما أن وقفات الصمت والتقطع والنقط المسترسلة ونقاط التعجب كل ذلك جزء من الحوار الدرامي لأن الصمت أو الفراغ هو موقف أو قول الفكرة ضمنيا + الآهات والموسيقى عناصر من لغة الخطاب تساهم في الرمز والدلالة على الأحوال الوجدانية والفكرية للشخصيات.
* الطابع الفلسفي التأملي في "شهرزاد" : طغت على لغة الحوار ظاهرة التفلسف والفرضيات الذهنية والتجريد حتى كادت مادة القول في مناظرها السبعة تغرق في جدل ذهني خالص. المحاورات على كثرة أطرافها هي مناقشة قضية ذهنية واحدة جامعة هي مدى القدرة على الانفلات من روابط الحياة : رابطة الجسد والقلب.
المقولات المبثوثة على لسان جميع الشخصيات اختزلت في الحقيقة مواقف فكرية ومضامين ذهنية لكن حرص السارد على عرض ذلك في شكل حركي فجعلها مواجهات محتدمة وضمّن كل صوت فكرة أو وجهة نظر تتضارب مع فكرة أو وجهة نظر أخرى مثال ذلك التصادم بين صوت العقل وصوت القلب الأول يدافع عن العلم والمعرفة ويعتبر العقل سبيل التحرر وتحقيق الكيان في الوجود والثاني يرى أن الحب والجمال سبيل تحقيق الكيان : شهريار "أن لم نعش لنعلم فلماذا نعيش إذن قمر لنعبد ما في الوجود من جمال".
هكذا ينطلق جدل فلسفي حول جوهر الوجود من زوايا نظر مختلفة : شهريار : "وما أجمل شيء في الوجود ؟" قمر : عينا امرأة" شهريار : أيها المسكين هذا كل ما في الوجود عندك" اعتماد كل شخصية على ملكة واحدة.
يقول الحكيم : "إذا قلنا مع القائلين إن العقل والقلب والغريزة ملكات ثلاث منفصلة إحداها عن الأخرى فإن هذا القول يؤدي حتما إلى نتائج غريبة"
ما يعنينا أن الفلسفة مادة أساسية في اللغة الدرامية في شهرزاد وهي قوام الخطاب الرمزي الذهني. وهذا يجذّر المسرحية في الأدب الذهني الذي يتحول فيه السؤال إلى بطل رئيسي بل هو محرك الدراما الذهنية وجوهرها وفي المسرحية حشد هائل من الأسئلة ترد على كل لسان + فراغات صمت عديدة ونقاط تعجب كثيفة تزيد المتقبل حيرة على حيرة.
2- الإشارات الركحية :
الإشارات الركحية ليست الإشارة الجسمانية التي تصدر عن شخصية درامية على الركح فقط بل هي جملة العلامات التي نجدها عادة في السرد داخل النص المكتوب ونجها على الركح ولا وجود لهذا الركح بدونها. فثمة علامات متعلقة بالزمن وعلامات متعلقة بالمكان وعلامات متعلقة بالحركة وعلامات متعلقة بالشخصية.
أ- الإشارة السردية : الوحدات المتعلقة بالحركة المادية المحسوسة والتي تخلق الحركة على الركح :
- حركة الصعود : توفرت في المسرحية مجلة من الإشارات ترسم لنا الحركة المندفعة نحو الأمام حركة الخروج أو الرحيل "يتحرك دون أن ينظر إليها" "يتحرك في نشاط عجيب" "يتحرك في عزم" "ينهض في تجلد وقوة" هذا الاندفاع إلى الأمام أو إلى الأعلى ليس إلا رمزا لرحلة الإنسان في الوجود عامة ولرحلة بطله الذهنية خاصة. وأفعال الخروج والنهوض والتقدم والانصراف والسير ما هي إلا إحالة رمزية على الطور الأول من مغامرة البطل الوجودية العسيرة.
- حركة الهبوط : كل حركة اندفاع صحبتها تقريبا حركة ارتداد وكل خروج عن المكان آل إلى عودة قسرية إليه. تواترت أفعال من قبيل "يقف" "لا يتحرك" "يدنو منها" "مستلقى على فراش وثير" ترمز إلى تقهقر حركة الإنسان وعودته الاضطرارية إلى الأرض.
ب- الإشارة الوصفية : تصور الأحوال التي سيجسمها الممثلون على الركح.
- ملامح الشخصية : ما توفر من إشارات وصفية جسمانية باهت ضئيل لا نجد ملامح دقيقة للوجه وللجسد عموما ولا غرابة فالشخصية إن هي إلا فكرة ورمز. والكاتب بقدر ما أشاح بوجهه عن تفاصيل الجسد واعتبره رمزا للغريزة الحيوانية، غاص في تفاصيل العالم الداخلي للشخصية وتفنن في تصوير أحوال الباطن فوضعنا أمام لوحة الصراع الداخلي العنيف الذي يعوض ضعف الصراع الخارجي في المسرحية.
- ملامح الديكور والأثاث : ديكور جمع النقائض، فيه عناصر وحشة وفراغ وغربة لصيقة بالموجود، وفيه عناصر وصل وجمال وحرية تعبيرا عن المنشود : النسيم والموسيقى والمصباح المضيء.
لا ننكر سمة التنويع في الديكور، فما يوجد في دار الساحر لن يكون مماثلا لما يوجد داخل القصر "قاعة الملكة في وسطها حوض من المرمر" وما يوجد في فضاء البيداء من كثبان رملية" بيداء… فضاء… الرمال عند الأفق البعيد" لن يوجد داخل خان الأفيون. رغم ما يبدو من تنويع في الأثاث والديكور لاختلاف الأماكن إلا أن الرموز لا تتغير تقريبا فهي دائما بين داخل منغلق وخارج منفتح فالكاتب أثث الخان مثلا بعناصر توهم بأننا في خان حقيقي لكنه فضاء فيه عناصر ترمز إلى الأرض والسكون ويرتبط بحركة الهبوط في مسيرة البطل "الفراش" وعناصر ترمز إلى السماء والطيران وترتبط بحركة الصعود في هذه المسيرة "البساط" والطير".
القسم السادس : القضايا الذهنية :
1- قضية المكان : صراع ضد الآدمية : المكان فاعل من الفواعل في المسرحية لا يوجد بفيزيائيته بل يوجد بعنفه التراجيدي كقوة جبارة قاهرة للإنسان الطرف الثاني في هذا الصراع التراجيدي.
شهريار هو الذي افتعل الصراع مع المكان بعقله فرأى فيه قوة ضاغطة فائقة ودخل في صراع وهمي معه. ولا نكاد نجد حميمية في علاقته بالمكان بل هو التصادم. إرادة شهريار تكمن في سعيه الدؤوب لمعانقة السماء وإزالة الحجب عن أسرار الكون "أريد أن أعرف الآن". "كنت أقتل لألهو واليوم أقتل لأعلم"، من هذه المحطة تبدأ رحلة البطل في الطريق المأسوية الشائكة ولكنة وهو يسعى إلى قتل صفة المكانية فيه يعود إلى المكان فكأن الطريق مسدود وكأن النهاية عود على بدء.
"دار وصار إلى نهاية دورة" وهذه الهزيمة ضرورية في التراجيديا. يقول لوسيان قولدمان" إن ما يميز التراجيديا هو كون الصراعات داخلها هي بالأساس لا حل لها".
الإنسان في نظر الحكيم أسير آدميته ولا معنى لوجوده أصلا خارج الجسد والأرض والحتميات وهذا من صلب فلسفته في جميع كتاباته الذهنية. هذه الفلسفة التي تجد الإرادة الإنسانية مكبلة، محدودة تواجه مصيرا واحدا محتوما هو الفناء.
2- قضية المصير : صراع بين الموجود والمنشود : المكان الموجود رمز للحياة كوجود تاريخي بها مطالب شتى وتوازع مادية متعددة إنها الحتميات المكبلة التي لا يستطيع المرء منها فكاكا – من ثمة ينبثق عنصر المأساة. وانطلق البطل في معركة عنيفة وصراع قاس مع كل من يخنقه ويحسبه في حدود ضيقة لا تتجاوز الآدمية التي يحلم البطل باختراقها علة يحقق الكمال ويلتحم بعالم السماء عالم الله.
لا وجود لكينونة في نظر الحكيم خارج المكان والزمان والجسد والغريزة والقلب ولا أمل للإنسانية إن هي حاولت أن تكون عقلا فقط لأن العقل ولده قاصر عن تحقيق منزلة بشرية أرقن ولا بد من القلب والجسد. وهذا التكاسل الذي يرومه الحكيم هو من صلب فلسفته التعادلية.
العلم لا يمكنه هلك أسرار الغيب ولا يمكنه مهما تطور قهر الموت. الحكيم لا يؤمن بحرية مطلقة للإنسان ولا إرادة للبشر خارج الإرادة الإلهية هذه الخلفية الذهنية حكمت على البطل بالفشل.
بين النص والركح : حدود الفرجة :
تنتمي شهرزاد إلى ذلك "المسرح في مقعد" أي الذي أعد للقراءة ولم يعد لكي يعر على الركح. وقد اعترف الحكيم بفشل مسرحياته الذهنية في مستوى العرض والتمثيل ورد ذلك إلى مقولاته العظيمة الصارمة وحساباته الرياضية الهندسية الجافة التي لاتتلائم مع عالم الحياة الحي. يقول الحكيم : "إن إسقاطي الحياة والعواطف كما هي وركوني إلى الطريقة الرياضية في تصريف أفكاري وتأملاتي لمصيبة كبرى".
فالحكيم يعترف بغياب الصراع الحي وبغلبة الفكرة وهاجس تحريك العقول قبل كل شيء.
لا يمكن أن نغفل أيضا عن السبب الجوهري الذي يبعد هذه المسرحيات عن الركح وهو نظرة الحكيم للفن الذي صنع له برجا من العاج منفصلا عن الحياة الآدمية وعن كل أوضاع البشر وأحوالهم وصراعاتهم "لقد كانت خير رسالة للقلم الارتفاع بالانسان إلى "براق" الفكر إلى حيث ينسى في لحظة أو لحظات أنه من تراب الأرض خلق".
من هنا كان لا بد أن يصطنع الصراع اصطناعا وأن يتخيله تخيلا وهذا ما يفسر اعتماده على الأساطير ولهذا تقوم معظم مسرحياته على ما أسماه محمد مندور "الفروض الذهنية" فقامت مسرحية شهرزاد على فرضية عقلية وهي أن شهريار قد تخلص من الجسد والقلب وتحول إلى عقل محض. وهذه الفرضية تبعد عن حرارة الحياة الواقعية وعن الصراع الإنساني الذي يجعل البطل مثيرا للشفقة والعطف والذي يجلب المشاهد وفق خط درامي متسلسل انطلاقا من لحظة بداية وصولا إلى أزمة ثم حل نهائي.
الحكيم قد أهمل في شهرزاد المواقف التمثيلية الدرامية أو كاد، تلك المواقف التي يرتكز عليها الأدب المسرحي ومنذ أقدم العصور.
الحكيم ضحّى بالمشاهد التمثيلية لصالح الحوار وجدل الفكر ولصالح القراءة "إن هدفي اليوم هو أن أجعل للحوار قيمة أدبية بحتة ليقرأ على أنه أدب وفكر".
الحكيم لا يربط جودة المسرح بالركح : "إن التمثيل أحيانا… إن هو إلا مجرد تفسير وليس ضرورة أو غاية".
هذا الإبراز للفكرة وجعلها الغاية والهدف كان على حساب الأحداث أو الفصول… فكيف يمكن تحقيق الإنفعال ووظيفة التطهير ؟ كيف يمكن استيعاب كافة المعاني دون فرجة تجعل المتقبل طرفا في العمل الإبداعي لأن النص المسرحي نص فرجوي بالأساس ؟ أما إذا نظرنا إلى المسرحية من الزاوية الفلسفية والفنية في آن واحد فإن استحالة التمثيل على الركح تتجسم أكثر إذا وجدنا أنفسنا أمام إنسان مفكك : فتحطيم وحدة الإنسان لا يضعنا أمام بطل واحد يصارع ويقف وحيدا يواجه مصيره أمام شخوص عدة وملكات منفصلة عن بعضها رمزا إليها بشخوص… وهذا التوزيع الآلي الاصطناعي يتنافى مع الكائن الإنساني الذي يحوي داخله الملكات جميعا وتلتقي فيه الأضرار. وهذا ما يمنع قوة درامية كبيرة فوق الركح لأنه يستثير بصراعاته صراعات المتفرج ويحرك بآلامه آلام المتفرج فيحرك سواكنه ويحدث شعور الشفقة والخوف… وهذا لم يحدث إطلاقا في شهرزاد لأن المتقبل ينصت إلى أصوات وآراء عقلية جاهزة هي آراء الكاتب صبها في قوالب محنطة أوردها بكثير من التكلف والبرود والكشف. وهي إن كانت تثير عقولنا فإنها لا تثير انفعالاتنا لضعف الطاقة الدرامية فيها وبقدر ما غابت الحرارة الدرامية فوق الركح غابت حرارة المأساة في الرحلة.
 

المواضيع المتشابهة


أعلى أسفل