salma

نجم المنتدى
منتدى تونس التربوي
ناشر الموضوع
المشاركات
1,077
الدّولة
تونس
الولاية
نابل
المستوى الدّراسي
جامعي
الاختصاص
علوم
المهنة
طالبة: عربية
غير متّصل
    تقنيّات الخطاب الروائيّ في الشحّاذ
  • #1
الــقسم : بحوث و دراسات
تقنيّات الخطاب الروائيّ في الشحّاذ

في رواية الشحاذّ ّ صورة بوجهين تستعيرهما من أصل اللغة كما يعرّفها أهل اللسانيّات : دالّ ومدلول ، لا فصل بينهما متّصلان يردّ أحدهما إلى الآخر فيجتمعان في الخروج عن المألوف و يشتركان في المغامرة : مغامرة بطل إنسان في الخبر ومغامرة كاتب فنّان في الخطاب . والعدول عن الرّتابة غاية توحّدهما ، و التحررّ هاجس مشترك وسعي مستمر يجمعهما : سعي عمر الحمزاوي البطل الإنسان للتحررّ من قيود المفرد و سجون المكان وحدود الزمان وقدر الإنسان ، وسعي نجيب محفوظ للتحررّ من قيود الرواية التقليديّة :حدود اللغة وسلطة الرّاوي وسلطان الزمن وجبروت انتظام السّرد لذلك كانت الحريّة هاجس رحلة الحركات ، ومميّز رحلة الكلمات ، تٌخرج مكوّنات القصّ على غير مخرج العادة في وجوهها المتعددّة.
• صيغ السّرد : لمّا كان الاضطراب مميّز الشخصيّة ، والتداخل علامة الأزمنة ، والاعتباط طابع الأحداث جاءت صيغ السّرد في النصّ متداخلة متنوعّة الشّكل و الدلالة، متقاطعة و متواترة في سياق التّداول والتّداخل ( سرد – حوار باطنيّ – وصف-حوار باطني- حوار خارجي- سرد) فتمّحي بينها الفواصل أو العلامات الدالّة على الانتقال . فيمتزج المنطوق بالمنقول ، والوصف بالرّصد ، والحركة الداخليّة بالحركة الخارجيّة ، وتتعالق الشخصيّات وتجتمع في فضاء القصّ ، وتختلط الأزمنة جمعا بين الماضي والحاضر والمستقبل باختلاط صيغ السّرد و تداولها في غير انتظام . فيتّصل السّرد بالحوار الباطنيّ"في حجرة الانتظار" رفع عينيه مرّة أخرى إلى الصّورة لم يزل الطفل ممتطيا جواده الخشبيّ متطلّعا إلى الأفق" أو الحوار الباطنيّ بالوصف "غام جوّ الصّباح الباكر باللّون الرماديّ المشعّ منها ولم تدبّ قدم بعد فوق الأرض ولم تنفتح نفسك لشيء ولم ينعشك الهواء .." أو الحوار الخارجي بالحوار الباطنيّ:
- إلى أين ؟
- مكان ما ..
- ولكن أين ؟
أو يستوعب التّداعي كلّ صيغ السّرد فيحتويها لذلك لا يمهّد الكاتب للانتقال من مستوى إلى آخر بالأدوات اللغويّة المعهودة بل يتركه في ديمومته وانسيابه ، لأنّها ليست إلاّ حريّة الترتيب و التشكيل يستعيض بها البطل عن سجن الواقع و الحياة فيتحررّ باللغة وصيغها والبيان وتداعيه . فإن لم يجد الحمزاوي حريّته ، وظلّ محاصرا بين حدود عجزه مسجونا في ثنايا السّؤال لا يجد له جوابا، فقد صوّرت الرّواية في مستوى الخطاب مغامرة أخرى وصراعا جديدا ، هو سعي اللّغة نحو الانعتاق من سجن لغة مألوفة ، وتشكيل رتيب للرّواية التقليديّة يمتلئ كأبقار اللوحة بالطمأنينة ، فإذا الوجه الآخر للحيرة /الكتابة ذاتها والبعد الآخر للمغامرة الانزياح عن مألوف الرّواية . فهل هي أزمة البطل المثقفّ الإنسان أم أزمة اللّغة و الكتابة ؟ هي أزمة الأوّل يعيها في داخله ويدركها في ذاته طلبا لحريّة لا يبلغها ، وأزمة الثانية تجد في مسار الكتابة انفراجا به تدرك انطلاقها نحو فضاء أرحب يتخلّص من رتابة الواقعيّ وتعاود المعهود : انطلاق اللّغة وحرّيتها تستمّد من فوضى التّداعي منتهى الإحساس بالاكتمال، منتهى إدراك معنى الوجود فتنطق عن فوضى الحواسّ ، فوضى الكتابة يصوّرها تداخل صيغ السّرد الذي اتصلّت دلالته أساسا بالمراوحة بين السّرد و الحوار الباطنيّ تحكم العلاقة بينهما ، ثنائيّة الاختزال و الامتداد . إذ بقدر ما بدا السّرد مختزلا منحصرا ينطق عن تقلّص حركة البطل الخارجيّة وانتصابها وسيلة لا غاية بقدر ما بدا الحوار الباطنيّ ممتدّا يحتل من النصّ أغلبه وينتشر على مساحات تجعل الرّواية لا رواية حركات بل رواية انفعالات ، لا ينقلها الرّاوي بأسلوب السّرد بل تصورّها الشخصيّة بالحوار الباطني باعتباره وسيلة فعاّلة في كشف أعماق الشخصيّة وتعرية كلّ عجزها عن الإفصاح عمّا في داخلها من أحاسيس ورؤى أمام أسوار الواقع السّميكة . ولصيغ السّرد في الرّواية دلالات تتراوح بين تأكيد البعد القصصيّ و الوفاء لوظائفها التقليديّة وبين التّعبير عن دلالات جديدة تكتسبها الصّيغ وترتيبها بغلبة الرّمز و طغيان الذهن .
• السّرد : ويتراوح حضوره بين وظيفتين :
* وظيفة قصصيّة تقليديّة تنصّبه وسيلة لنقل تفاصيل حركة حقيقيّة قوامها التحوّل في المكان والتدرّج في الزّمان ، و الانتقال بين الشخصيّات ، يؤطر الحكاية ويكسبها الخصائص التقليديّة للرّواية فيجعلها رسما لمغامرة عمر الحمزاوي ، و تفاصيل حركته في سعيه الدّؤوب من التأزمّ إلى الانفراج أو يمنح من خلالها الحركة الذهنيّة إطارا منطقيّا لأنّنا لا نظفر عادة بأفكار تسبح في الخيال بل تحتاج إلى إطار قصصيّ واقعيّ يكسبها ما به يكون القصّ قصّا لذلك أٌخرجت الأحاسيس في قالب حدثيّ .
* وظيفة ذهنيّة : يخرج بموجبها السّرد عن وظائفه التقليديّة فيستحيل رسما لحركة نفسيّة في الدّاخل لا حركة حقيقيّة في الخارج "كان يخففّ من ألمه بالاستسلام لجنون السرعة ") أو تصويرا للاضطراب داخل الذّات لا للحركة في المكان ممّا يجعله سردا محكوما بالاعتباط وغياب المنطق ."وغازلت شيئا لم يوجد بعد". بل إنّ السّرد وإن أوهم بوظائفه المألوفة فبدا تعاودا لحضوره في الرّواية الواقعيّة فإنّه يستحيل أشبه بالحوار الباطنيّ أو قائما مقامه ، محكوما بانكسار الخطيّة ، وإخراج الحركة وأطرها مكانا و زمانا لا كما هي في الواقع بل متداخلة تنطق عن التمزّق وفوضى الحوّاس وتصادم الانفعالات"وتعددت رحلاته بلا هدف إلى الفيّوم أو القناطر أو طنطا أو الإسكندرية . ويندفع بجنون حتىّ يثير الفزع و السخط . وكثيرا ما يغادر القاهرة صباحا ثمّ يرجع إليها في صباح اليوم الثاني دون نوم . وقد يدخل دكّان بقّال ليسكر أو يجلس في التريانون لينام أو يشيّع جنازة لا يعرفها و لا تعرفه أو يغلبه النوم عقب الفجر فينام في السيّارة او على شاطئ النيل حتىّ الصباح.." كما تبدو وظيفة السّرد الذهنيّة أطغى متى بدا في أغلب مراحل النصّ محكوما بالإختزال "وأراد عثمان أن يعرف ماذا صنع مصطفى بحياته فقصّ عليه هذا قصّته" أو الإسقاط "وقدّمت لهم القهوة في الشرفة وحوالي العاشرة اقترح مصطفى أن يجلس ثلاثتهم بالشرفة.."
• الوصف : ويتراوح حضوره بين وظيفتين :
* وظيفة قصصيّة : تبدو الوظيفة التقليديّة للوصف ترسم أحوال الشخصيّة"ابتسم مصطفى في سرور صبيانيّ لمعت به أسنانه النّاصعة البياض" أو تصوّر وجوه التحوّل فيها"في ضوء الشمس الغاربة تبدّت أنيقة وقورا رغم اكتناز جسمها الطويل" وملامح السّياق الزمنيّ والمكاني"وفوق المنضدة في وسط الحجرة جرائد ومجلاّت مبعثرة" إمّا مباشرة باعتماد تقنيات الوصف التقليديّة أو بتطويع بقيّة صيغ السّرد للاضطلاع بوظيفة وصفيّة كقيام السّرد مقام الوصف أو توظيف الحوار الخارجيّ لرسم الأحوال "لكنكّ سمنت جدّا كأنّك مدير شركة من العهد الخالي .." كما يتصاعد الوصف في أحيان كثيرة ليتصّل بالواقع التاريخيّ فينطق عن البعد التاريخي السياسيّ .
* وظيفة ذهنيّة : وتدعمها سيطرة الوصف الدّاخليّ على الخارجيّ ، و انتشاره في أغلب ثنايا النصّ انتشارا يجعله قراءة باطنيّة لأحاسيس الشخصيّة و انفعالاتها في خطاب كشف تمزّق البطل ، ونطق عن أزمته . فانتشرت الأفعال الدّالّّة على الإحساس ، وتعدّدت الصّفات الدّالّة على بواطن الذّات . فلم يعد الوصف مجرّد نقل محايد لملامح الشخصيّة و صفاتها بل صار إبحارا في باطنها ورحلة في انفعالاتها . بل لعلّ انزياح الوصف عن وظيفته التقليديّة طال صلته بمكوّنات السّياق فرسم الزّمان رسما إيحائيّا لم يحاك صورته الحقيقيّة بل مررّه عبر الذّات لتطبعه بأزمتها "ها هي الشمس تتهاوى للمغيب . قرص أحمر كبير امتصّ المجهول قوّته وحيويته الباطشة " وأٌخرج المكان لا كما هو بل إخراجا مجازيّا خضع لسلطة الشخصيّة وصّور انفعالاتها ، فلم يعد الوصف خارجيّا يؤثث واقعيّا لسياق الحدث و إطاره بل انفعاليّا يرسم إخراجا نفسيّا لمكوّنات الواقع و تطويعا لها لخدمة الفكرة "تكهرب جوّ الغرفة في سكون الفجر" وتصوير الإحساس " الليلة الماضية كان الحبّ تجربة مريرة" خاصّة متى تخلىّ السّارد في أغلب مراحل النصّ عن الوصف للشخصيّة . فحوّل الرّواية من منقولة إلى منطوقة والوصف من نقل للمكونّات إلى رصد للانفعالات. و الوصف في النصّ في أحيان كثيرة قائم مقام الحوار الباطنيّ ينطلق من الذّات ليرتدّ إليها في صوت مسموع . فيستعير من الإنشاء الاستفهام ليعمّق الحيرة"وهذه البسمة الغامضة... أهي للأفق؟" أو التعجبّ لينطق عن الأزمة"ما أضيعنا نحن العقلاء بين الاثنين .." ومن الخبر التقرير "هي هذه النشوة العجيبة الغامضة" ليوقن بالهزيمة التي يتوهمّ التطهّر منها حريّة و انعتاقا فيودعها ذات القارئ صورة عن الإنسان بمعناه النموذجيّ .
• الحوار الخارجيّ : ويتراوح بين :
* وظيفة قصصيّة : تتضح بوجهين : أوّلهما ما اتصّل بالحوار غير مباشر الذي يحرّكه الرّاوي بالمقدّمات السّرديّة إيهاما بانفصال الشخصيّات وغياب التماهي بينها في سياق الرّمز ممّا يجعل منها عوالم مختلفة تدعم القصصيّة وتكشف بمحتوى الملفوظ عمّا غاب من مسيرة الشخصيّة "الدكتور وهو يبتسم : وكنت تظهر لنا بأكثر من وجه . الإشتراكيّ المتطرّف المحامي الكبير ولكنّ وجها منك رسخ في ذاكرتي أقوى من أيّ سواه هو عمر الشاعر" أو من غاب من الشخصيّات أصلا "غمغم : إنّه في السجن" أو خفي من الأحداث"فقال وهو يدني وجهه من وجهه : رغم فارق السنّ تزوجّنا ، هو الحبّ كما تعلم ، وفي بطنها الآن ينبض جنين هو ابني وحفيدك ". وثانيها ما اتصّل بالحوار المباشر القائم على غياب المقدّمات السّرديّة الممهّدة لملفوظ الشخصيّات والذي يوهم بالتّماهي بين زمن السّرد وزمن الحدث .يقدّم صورة أشبه بالمشهد المسرحيّ وتضع المتقبّل أمام عالم أقرب للواقعيّ : واقع الأفراد في فضاء القصّ ، وواقع الشخصيّات في السّياق التاريخي ّ لأنّ الحوار الخارجيّ بين الشخصيّات عادة ما يستحيل صراعا بين قراءات متعارضة للواقع و التاريخ :
"- الوطن تطوّر إلى الأمام بلا شكّ "
- ربّما ولكنكما تطورتما إلى الوراء" أو قول عثمان " عندما نعي مسؤوليتنا حيال الملايين فإننّا لا نجد معنى للبحث عن معنى ذواتنا"
* وظيفة ذهنيّة : وتتأكد متى انتصب الحوار كاشفا عن بواطن الشخصيّة إماّ على لسانها "التسوّل !في الليل و النهار.... في تحريك القلب الأصمّ بأشواك المغامرات الجهنميّة ." أو على لسان محاورها "لا تتعجلّ الشفاء لا يجيء بالسّرعة التي تتصوّرها" . إذ ينقلب ملفوظها إطلالة على الخفيّ في ذات الآخر، وإعلانا عن المسكوت عنه في إحساسه تأكيدا على أنّ الفواعل في رواية الشحّاّذ ليست إلاّ أصواتا يرددّ بعضها صدى بعض .وتنكشف – أي الوظيفة الذهنيّة – متى انقلب الحوار حوارا فرديّا مسموعا يقوم مقام الحوار الباطنيّ "وقال لنفسه مرّة أخرى :يا إلهي" . وهو حوار يتنزّل في مرتبة وسطى بين الخارج و الدّاخل ، وبين الحوار الخارجيّ و الحوار الباطني فيأخذ من الأوّل أسلوبه ومن الثاني مضمونه و يقع عادة في النصّ ، في مناطق وسطى بين التّجارب متعاودا متكرّرا يفضح أزمة الشخصيّة في كلّ مرحلة من مراحل مغامرتها في وجوه متشابهة مثل حواره مع زينب حين قررّ أن يهجر البيت :
"- ألم أنصحك بأن تروضيّ نفسك على قبول الواقع
- بل قل إنّك كنت تلطخّ كرامتك مع إمرأة ساقطة"
هو ذاته حواره مع وردة حين داهمه هاجس الرحيل عنها :
"-ولكنّك لم تعد تحبّني
- أحبّك و لكن عاودني المرض". فكثيرا ما تختزل الأصوات الحركات فتمهّد لها أو توّجها أو تختزلها لتختزل قلق البطل وسعيه الدّائم نحو نشوة الوجود .
• الحوار الباطنيّ :وهو أسلوب مهيمن في الشحّاذ ، يشرّعه صوت الرّاوي العليم لا يغيب عن نصّ الشحاذّ ، يمهدّ للحوار الباطنيّ بمقدمّات سرديّة" وقال عمر لنفسه لماذا أتعب نفسي في مناقشة أمور لا تهمنيّ؟" أو يؤطّره في سياق سرديّ يصورّه الراوي"وترددّ الشعر في وعيه بوضوح عجيب" تأكيدا على سلطة الرّاوي و تنزيلا للنصّ في إطار قصصيّ غير أنّ الرواية التي لا تخلو من الحوار الباطني ّ المكشوف تبدو قائمة أساسا على الحوار الباطني المباشر . فهو أصل النصّ ومداره يحضر إمّا مضمنّا داخل بقيّة صيغ السّرد يقتسم معها التركيب ، فيعطلّ السّرد أو يحوّل وجهة الوصف من الخارج إلى الدّاخل ، أو يشتتّ الحوار الخارجيّ . فيقتحم عليها سيرورتها و انسيابها اقتحاما ليجعل النصّ لا تصويرا للفعل والصّورة و القول بل تعبيرا عن الانفعال و الإحساس والاضطراب .أو صريحا قائما بذاته مستقل التركيب ينطق عن حركة باطنيّة تٌوازي الحركة الحقيقيّة بل تتجاوزها وتتجاوز انتظام الزمان فتستشرف بحثا عن الذات أو تسترجع تعبيرا عن تمزّقها أو تختزل بالتداعي النصّ كلهّ " كيف السبيل إلى نشوة الخلق المفقودة ". بل إنّ ترتيب صيغ السرد وطغيان الحوار الباطنيّ يبدو انقلابا على بنية الرّواية كما ألفها المتقبّل . فإذا كان المألوف أن يحتوي السرد بقيّة الصيغ ويؤطرّها فإنّ الطريف أن ينتزع منه الحوار الباطني هذه الوظيفة انتزاعا فيصبح عمق النصّ ومدار الدلالة فيه يهمشّ الحركة في المكان ليصوّر حركة داخل الإنسان .
• الرّاوي وزوايا النظر : يكتسب الرّاوي في الرواية الذهنيّة شكلا جديدا للحضور يستمدّه من لعبة الضمائر. فتحددّ وظيفة الرّاوي و موقعه من خلال صلته بالشخصيّة ومراوحتهما بين الانفصال و الاتصال :
* الانفصال: يبدو تعميقا للوظيفة القصصيّة التقليدية يصوّر من خلالها الرّاوي الشخصيّة في حياد باعتماد الضمير "هو" نقلا لحركتها الخارجيّة وتجسيدا لانتقالها في المكان أو الزمان "رجع إلى مجلسه بالسيّارة ودفعها بلا حماس" أو لعلّ السارد يرتدّ في أحيان كثيرة إلى موقع الرّاوي العليم فيقرأ بواطن الشخصيّات ويعبرّ عن أحاسيسها "فتساءل مصطفى في قلق ....... وتجلت في نظرته المستطلعة رغبة ملحّة حزينة في حلّ اللغز" أو يعمقّ بالانفصال الصورة الإنسانيّة فيرقى عن المفرد نحو الرّمز وعن الأنا الواحد نحو هو المتعددّ ، عن عمر الحمزاوي المحددّ بالعدد المخصصّ باسم العلم نحو الإنسان في معناه النموذجيّ .
* الاتّصال : يجسدّ وجه الطرافة بغلبة الحوار الباطنيّ الذي يزيل الحواجز التي يقيمها القصّ التقليدي بين الرّاوي و الشخصيّات . فيجعلها واحدا. إذ تصبح الشخصيّة هي ذاتها السّارد أو تفّتك منه وظيفة الرّواية دون إعلان. فتعبّر عن ذاتها بذاتها مسندة الخطاب لضمير الأنا ينطق عن الأنا فيحوّل الذات إلى ذوات . بل يتحوّل إلى وجوه متعددّة بحكايات متنوّعة تختلف باختلاف الضّمائر التي يعتمدها السّارد الشخصية( أنا المتكلّم ) في تصوير ملامح ذاته ( أنا الشخصيّة / أنت / هو / نحن ) فيختلف أو يأتلف ، وينفرد أو يجتمع ويتآلف أو يتنافر معبّرا عن التمزّق و الألم :
- أنا المتكلّم + هو : يحضر ضمير هو في صلته بالسّارد الشخصيّة قائما على وجهين حسب ثنائيّة الإطلاق والتخصيص :
* الإطلاق : - ويصوّره الضمير هو متى بدا رمزا يعكس وجها من وجوه البطل فيعتمد ضمير الغائب لتصوير ما غاب من ذاته كقوله " وقريبا سيخرج الماضي من السّجن " وهو ما يجعل الضمير هو رمزا جامعا يحيل على عثمان خليل ظاهرا كما ينطق عن البطل ذاته فاستشراف خروج عثمان من سجن المكان ليس في عمق الدلالة إلاّ خروج الماضي من سجن الذّات .أو ينطلق نحو فضاء أرحب فيصوّر التحوّل من الأنا إلى هو تحوّلا من المفرد إلى الإنسان ومن الذاتيّ إلى الإنسانيّ "ولنقل أنّ الإنسان لم يخلق ليكتظّ بالأطعمة".
* التّخصيص : يتراوح بين وجهين يختلفان باختلاف الزّمن الذي ينتسبان إليه.إذ يعتمد الضمير هو لرسم صورته المسترجعة من الماضي "وقديما قطع الشابّ الطويل النحيل القاهرة طولا وعرضا على قدميه دون تذمّر"، أو لتصوير ذاته الماثلة في الحاضر" العملاق المجنون الذي ينقّب عن عقله الضائع تحت الأشجار النديّة" فإذا كان ضمير الغائب في الأولى ناطقا عن اختلاف يفرضه انقلاب السارد على ماضيه وانتقاله عن مبادئه واعترافا بالخيانة تفضحها المسافة الفاصلة بين أنا وهو فصلا في الزمان و الفكر و الفعل و المبدأ ، فإنّ ذات الضمير في الثانية يجسّد رغبة صريحة في الانفصال وسعيا صادقا لقطع الصّلة بين ما هو كائن وما يسعى إلى أن يكون خاصةّ متى توهّم السارد وقوعه في منطقة وسطى بين وجوهه المختلفة . فإذا أنا يرفض هو كما يتجسّد في الواقع.وهو ما يعني أن الانفصال باعتماد ضمير هو يتراوح بين قطيعة اضطراريّة يفرضها التحوّل والانقلاب وأخرى اختياريّة يسعى من خلالها البطل السّارد إلى التحررّ من صورته الحاضرة التي يرفضها وينكرها.
- أنا المتكلّم + أنا الشخصيّة : ويمثّل التماهي بينهما ارتدادا صريحا للذّات في خطاب يكشف عوراتها فيحاسبها " ولكن من لزينب غيري؟ ". فيعمّق بالاستفهام الحيرة: حيرة الذّات أمام الذّات أو يرسم ملامحها في الحاضر صورة عن الأزمة تقف في حياد بين وجوهها المختلفة تبحث عن معنى جديد لنشوة الوجود " ها هو شعور الهارب يتملكنيّ" أو تستدعيها في ساعات الوحدة و الانفراد لينغلق الخطاب على أزمة الباطن ، وينتصب الصّراع صراع أصوات في ذات واحدة تنفصل لتتصّل تتعارض تصوّراتها دون أن تغادر سجون الذات وحدود العجز" وقد يتغيّر كلّ شيء إذا نطق الصمت وها أن أضرع للصمت أن ينطق"
- أنا المتكلّم + أنت : يرسم اعتمادها دلالات مختلفة أوّلها خلق وجه جديد للذات يستشرف الانفراج ، ويتوهّم التحررّ من سجن هو العملاق وأنا العاجز عن الحركة خارج الذات " أنت حرّ" ، وثانيها ما يجعل الضمير أنت إعلانا للمواجهة تكشف الأزمة سواء في صلة الشخصيّة بذاتها " أنت متضايق كأنّما كتب عليك أن تناطح نفسك ". أليست " نفسك " هي السارد ذاته صوتا من أصوات الشخصيّة ووجها من وجوهها.أو في علاقتها بأطرها " لم تنفتح نفسك لشيء ولم ينعشك الهواء وحتّى متى تنتظر الشفاء" تعلن انسداد الأفق ويستحيل السّارد مرآة تعكس للشخصيّة عجزها فيدفعها إلى الاعتراف بها وفاء لمنزلة الإنسان.
- أنا المتكلم + نحن : ويقوم على تضخيم الذّات و تحوّلها من المفرد المحددّ بالضّمير أنا إلى الجمع المتراكم بالضمير نحن:"واقترحنا جاذبيّة جديدة غير جاذبيّة نيوتن " ليجعل النصّ سيرة جيل و مجتمع . وإذا كان أنا متصلاّ بنحن في علاقة انتماء تركيبيّا فإنّ صوت المفرد يبدو ناطقا عن مسيرة المجتمع في التّاريخ و الحضارة .
هكذا تبدو لعبة الضمائر مميّزّا من مميّزات النصّ يحددّ ملامح البطل وتوزّعه بين وجوه مختلفة وتنّوع الدلالة وانتقالها من المفرد القصصيّ إلى الرمز الذهنيّ إلى النموذج الاجتماعي والانسانيّ فــ " ضمير الغائب "هو" ينقلنا إلى الخارج وضمير المتكلّم "أنا" ينقلنا إلى الدّاخل أمّا ضمير المخاطب " أنت"فإنّه يتيح للشخصيّة أن تتعامل مع ذاتها فتخبرنا بواسطة حوارها الذاتيّ بما يجول في خاطرها فهذا الضمير هو الذي يجمع بين ضميري الغائب و المتكلّم وهو يخفيهما وراءه ويجعل بينهما اتصّالا دائما.
• اللغة والأسلوب: لغة محفوظ في الرّواية كبطل الرّواية ، لغة جمع يتقاطع فيها الحسيّ مع الذهنيّ بانتشار شتىّ ضروب المجاز كالتشبيه "راسخ كالقدر، خفيف كالثعلب ، ساخر كالموت" يجاور بين المحسوس و المجرّد . فتندفع الدلالة بطبيعة اللغة إلى تقاطع بين صورتين قصصيّة و ذهنيّة، حاضر و مستحضر.بل إنّ اضطراب الحركة و تمزّق الشخصيّة فاض على حدوده فانعكس على اللغة وترتيبها . فاستحالت المغامرة مغامرتين : مغامرة بطل يسعى للتحررّ من سجن العجز عن إدراك معنى الوجود ونشوته ، ومغامرة كاتب يطمح للتحررّ من رتابة المألوف لغة و تأليفا . غاية الأوّل انفلات من قيود المفرد وسجن المكان و حدود الزمان ومطمح الثاني انفلات من الرّتيب فيما يكتبون و المتداول فيما يسردون . فإن ارتدّ البطل إلى دنياه إيقانا بالضّعف فلم يبلغ من الحريّة إلاّ ما سمح به الكاتب حين منحه حقّ السرد وما تنازل عنه السّارد حين مكنّه من الرواية ،فقد انطلق الكاتب نحو آفاق أرحب فأخرج مكوّنات القصّ على غير مخرج العادة ، وجعل مغامرة الكتابة جوابا عن حيرة وسعيا نحو التحررّ من جمود اللغة ومن عقال المعاني الأولى نحو انطلاق الرّمز وحريّة المعاني الثواني تكتسبها بالتّجاور وتمتلكها بالمجاز يجمع المجرّد بالمحسوس في علاقة نعت بمنعوت " ساد صمت متشائم.... ونفت الدخان من فم متوتّر" أو يقف موقف الشاعر فيخاطبنا على أسلوب الاستعارة يستعير للذاتيّ الموضوعيّ "في كلّ لحظة تشعر بأن صلة تتمزّق محدثة صوتا عجيبا" أو للموضوعيّ الذاتيّ "هذا الليل لا شخصيّة له" . فلا حريّة في الرّواية إلاّ حريّة الكتابة ، وانطلاق المنطوق فلا تتحقّق من الغايات حريّة الحركات بل حرّية الكلمات وترتيبها و اللغة وإخراجها " دعيني أكوّن جملة لم يسبق ذكرها على لسان". بل لعّل الشّعر الذي هجره الحمزاوي وانقطع عنه يعود ليتجلى في النصّ من خلال الوظيفة الإنشائيّة للغة لا تصوّر الأشياء كما ينطق عنها المعجم في معانيها المباشرة بل تٌكسب اللفظ معاني جديدة بالرّمز و المجاز، تسّوى بين المتقابلات، وتبني علاقة جديدة بين الدّوالّ و المدلولات . فاستحال مثلا الدّاء أملا و الشفاء علّة،كما تمنحها لحنا بالإيقاع و الموسيقى . فما يطرأ عليها من مجاز ليس محسنات لغويّة بل هو من أصل الدّلالة و عمق الفكرة. وتنطق اللّغة في وجه آخر عن مدلولات أخرى لا تكتفي بالبطل ومغامرته بل بالانسان وابعاده المختلفة يصور ما ترددّ من اصطلاحات تتصّل بالفكر والسياسة "خليتنا قبضة من حديد لا يمكن أن تنكسر. ونحن نعمل للإنسانيّة جمعاء لا للوطن وحده ونحن نبشّر بدولة البشريّة . نحن نخلق بالثورة و العلم عالم الغد المسحور". تبدو الذهنيّة هاجس رواية الشحّاذ وغايتها . فهي مغرقة في الرّمز أحداثا ومكانا و زمانا وشخصيّات وخطابا غير أنّ الرّمزيّة تبدو في الكثير من مراحل النصّ مختلّة فإذا كانت تفترض إيجاد مساحة للقراءة و التأويل تنتصب ما بين النصّ المقروء و القارئ فإنّ الرمزيّة في نصّ الشحاذ تبدو مكشوفة حدّ التصريح" وتنهض الزوجة رمزا للمطبخ و البنك""ومن صراعه الباطنيّ أدرك أنّ حبّهما مازال عالقا بفؤاده كأسرته". إذ هدّم التّصريح بالرّمز الرمزيّة ذاتها . فأسقط المسافة الفاصلة بين المتقبّل و المتقبَّل بين القارئ و المقروء ليستحيل الخطاب إعلانا صريحا للمعنى وانزياحا عّما تفترضه العلاقة بين القراءة و الكتابة بما هي علاقة تجعل القراءة إعادة كتابة للنصّ المقروء بوجوه مختلفة تتعددّ بتعدد القراءّ ممّا يجعل النصّ نصوصا غير أنّ سعي الرّواية الحثيث نحو إثبات الرمزيّة حدّ الانزياح عن شروطها بتجاوز التلميح والوقوع في التصريح ، جعل القراءة ترتدّ من قراءات متعددّة ممكنة إلى قراءة مفردة ملزمة مكشوفة يقود إليها النصّ أو ينقاد إليها المتقبّل انقيادا تحت سلطة الرّمز المفضوح.
القضايا في رواية الشحّاذ :
• معنى الحياة والتوق إلى المطلق: وجدت هذه القضية طريقها إلى الشحاذ من خلال تأملات نجيب محفوظ وارائه الفلسفية .ولهذا بدأت الرواية وعمر الحمزاوي يراجع حياته على إثر حوار دار بينه وبين أحد موكليه .قال عمر "تصور أن تكسب القضية اليوم وتمتلك قطعة الأرض ثم تستولي عليها الحكومة غدا ,؟؟"
فأجابه موكله " المهم أن نكسب القضية .ألسنا نعيش حياتنا ونحن نعلم أن الله سيأخذها ؟"
فهذا الكلام نبّه الحمزاوي إلى حتمية الموت الذي ينتظره دون أن يحقق معنى لحياته .ولحظة التوقف هذه التي تتفجر منها رحلة الحمزاوي للبحث عن المعنى "أشبه ما تكون بلحظة عبث معنوي"على حد عبارة لطيفة الزيات .وتضيف هذه الباحثة مشيرة أن الشحاذ حين أخفق في إيجاد معنى لحياته اضطر للعودة إلى واقع الحياة إلى النقطة التي انطلق منها في رحلته وقد أصبح نصف مجنون إذ لا طريق إلى نشوة اليقين إلى رعشة الحقيقة بالعزلة والتفرد والانقطاع عن الدنيا.
والواقع أن روايات محفوظ والشحاذ نموذجا لا تتعدى أن تكون تجربة أو مغامرة تستهدف إعادة التوازن المفقود إلى النفس كي تفهم معنى الحياة وذلك بمصارعة العناصر الخارجية بشرا وأنظمة والسعي إلى أن يكون للوجود والفعل الإنسانيين جدوى وفائدة وللحياة معنى .فإن لم يكن فلا أفل من أن يكون لموته ذلك المعنى .وهذا هو العبث واللامعقول في التجربة الوجودية .
• الحب والجنس: من الملاحظ أن الرواية وردت زاخرة بالمغامرات العاطفية والجنسية الصارخة ولما سئل عن المرأة والجنس في رواياته قال " إن الجنس لمجرد الإثارة يعتبر خارج الفن" فالجنس في رأيه قد يستغل فنيا من نواح أهمها البسيكولوجية والاجتماعية والفلسفية.
والملاحظ ان نساء الشحاذ اللاتي خضن معه المغامرات ينحدرن من وسط اجتماعي انهارت فيه العائلة وتصدّعت أركانها كما هو الحال مع مارغريت نجمة الملهى ذات التكوين الانجليزي والمتحررة بطبعها وكذلك الشأن بالنسبة لوردة التي تعبد الرقص واختلفت مع أخوالها وأمها بعد موت أبيها حول ممارسة هوايتها وهجرت أهلها .وهكذا تفعل التربية الملتزمة المقيدة بالعرف الاجتماعي الأخلاقي
• منزلة العلم والفن في العصر الحديث : تجلت هذه القضية في تمزق البطل بين ميوله الشعرية القديمة وسيطرة العلم في العصر الحديث يقول الحمزاوي" قد تبوأ العلم العرش ف وجد الفنان نفسه ضمن الحاشية المنبوذة الجاهلة" فليس غريبا أن يتعرض محفوظ لهذه القضية وأن يبحث فيها و في الصلة القائمة بين الفن والعلم وبين الدين والفلسفة في العصر الحديث إذ لا يجب أن نتناسى انه خريج فلسفة امتهن الرواية يقول نجيب محفوظ في أحد مقالاته " إن وظيفة الفن أن يسمو بالنفس إلى سماوات الجمال وأن يلتقي بوجدان الفرد مع وجدان الجماعة البشرية في شعور واحد وأن يسلك بشخصية الإنسان في وحدة عامة تضم إليها أعماق الأرض وطبقات السماء وهو لن يؤدي مهمته أكمل الأداء ما لم يؤاخ بين نفسه وبين العلم والفلسفة " فلهذا السبب إذن نجد في الشحاذ ميلا واضحا إلى الحديث عن الفن والعلم واتجاها صارخا لصبغ الرواية بالصبغة الفلسفية .
أفكار الوجودية :
الوجودية استكناه لحقيقة الإنسان في وجوده الفردي المحسوس من خلال التركيز على الفعل والتجربة .وأزمة الشحاذ تتوفر فيها سمات الفلسفة الوجودية :
أزمة البطل تعبير عن قلق وجودي يقول المنياوي عن البطل " إنه يبحث عن معنى لوجوده" فالبطل قد بحث عن الامتلاء وتحقيق الوجود بعد الوعي بأن الجاه والمال والسعادة الأسرية والنجاح في العمل لا تحل ألغاز الوجود ولا تمنحه المعنى.
*القطيعة وطلب الوحدة: بدا البطل وحيدا في حواره مع ذاته "من الآن فصاعدا أنت الطبيب فأنت حر"وتظهر هذه الحرية في تمرده ومغادرته البيت وتخلصه من حصار الروابط الأسرية والمهنية والتقاليد البورجوازية .لأن رغبة البطل في إنشاء كيانه إنشاء نابعا من ذاته في تجاربها الفعلية واضح فكان تمرده غير مبال بالتأنيب العائلي.
أفكار الصوفية : تتشابه تجربة الحمزاوي مع تجارب الصوفيين في:
*الهدف : سعي البطل لمعرفة سرّ الوجود
*الوسيلة: توسل القلب للكشف عن جواهر الأمور والنفاذ إلى أعماقها فقد اعتبر عمر القلب أداة لهز الاحساس وتحقيق نشوة متسامية عن قيود العقل و العلم.
*الخصائص : نبذ المادة والميل إلى العزلة بممارسة الرياضة الروحية والانعزال عن الناس ودنياهم عزلة تامة والخروج إلى عالم المجهول
- الاحساس بالوارد :انبثاق النور أمام البطل ذات فجر في الصحراء وسعيه إلى استعادة تلك اللحظة الفاتنة وفي ذلك ضرب من التماهي مع الصوفيين الذين يرون أن الانسان يتلقى في زهده إشارات نورانية تضيء كالبرق ثم تختفي تاركة رغبة في استعادة تلك اللحظة
-المجاهدة في إصرار عمر على مواصلة البحث عن سر الوجود ونشوة اليقين من أجل "استقبال شعاع النشوة الوردي بلا وسيط"
 

أعلى أسفل