محور الحيّ شرح نصّ: حنين

جلال البحري

نجم المنتدى
منتدى تونس التربوي
1,475
113
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
المستوى الدّراسي
دراسات معمّقة
الاختصاص
أدب عربي
المهنة
أستاذ
غير متّصل
حنين

النصّ
أسْكُنُ مَنْزِلا بِحَيٍّ رَاقٍ. يَوْمَ انْتَقَلْتُ إلَيْهِ صَفَعَتْنِي الغُرْبَةُ. " جَادَكَ الغَيْثُ إذا الغَيْثُ هَمَى " يَا زَمَانَ الأنْسِ بِحَيِّنَا العَتِيقِ...
أفْتَقِدُ زُقَاقَ الحَيِّ وَ أزِقَّةَ الأجْوَارِ، تِلْكَ التّي اعْتَدْتُ أنْ أقْطَعَهَا مُتَرَجِّلَة... أرْشِفُ أنْسَ أهْلِهَا... أتَفَيَّأُ طِيبَةَ ابْتِسَامَاتِهِمْ العَفْوِيَّة...
أفْتَقِدُ تَحَايَا إسْكَافِيِّنَا، وَ بَسْمَةَ بَائِعِ اللَّبَنِ الأخْرَسِ، وَ رَنِينَ أقْرَاصِ النُّقُودِ النُّحَاسِيَّةِ بِطَسْتِ الشَحَّاذِ الأعْمَى يُرَابِطُ بِنَفْسِ المَكَانِ مُنْذُ عَرَفَ الزُّقَاقَ أهْلُهُ فَألِفُوهُ.
أفْتَقِدُ شَكَاوَى جَارِنَا العَجُوزِ مِنْ أمْرَاضِ البَرْدِ المُزْمِنَةِ لاَ تُهَادِنُهُ شِتَاءً أوْ صَيْفًا، حَتّى لَوْ صَعِدَت الحَرَارَةُ أقْصَاهَا.
أفْتَقِدُ بَنَاتِ مَعمَلِ الخِيَاطَةِ... يَتَقَاطَرْنَ عَلَى دُكَّانِ " الكَفْتَاجِي "، وَ رَوَائِحَ " اللَّبْلَابِي " تُسِيلُ لُعَابَ الأسْوَارِ العَتِيقَةِ...
أفْتَقِدُ عَبَقَ الدَقِيقِ المَسْحُوقِ لِتَوِّهِ بالمَطْحَنَةِ التِّي شَاخَتْ، وَ هُو يُنَافِسُ رَوَائِحَ الخُبْزِ الطَّازِجِ، المُتَسَلِّّلَةِ مِنَ الفُرْنِ القَائِمِ يَتَحَدَّى صَوْلَةَ الزَّمَنِ...
لَمْ أعُدْ أعْبُرُ الزُّقَاقَ...
كَانَ جِيرَانِي إذَا اصْفَرَّ وَجْهِي مِنْ سَقَمٍ يَلْتَفُّونَ حَوْلِي
وَ يُوَشِّحُونَنِي بِأدْعِيَةٍ للشِّفَاءِ فَيُهَدْهِدُنِي قَلقهم عَلَى حَالِي، وَ تَسْتَمْهِلُنِي أحْيَانا بَائِعَةُ البَيْضِ العَرَبِيِّ وَ " المَلْسُوقَةِ " لِتَصِفَ لِي شَرَابا مِنَ الأعْشَابِ ضِدَّ الرَّشْحِ وَ السُّعَالِ.
وَ رُبَّمَا لَحِقَتْ بِي مِنْ آخِرِ الزُّقَاق إحْدَى جَارَاتِي تَضُمُّ شَالَهَا الصُّوفَ حَوْلَ كَتِفَيْهَا، تُمْطِرُنِي عَيْناهَا وَ شَفَتَاهَا بابْتِسَامَةٍ هِيَ الأنْسُ وَ الشَّهْد، تَمُدُّنِي بِقَبْضَةٍ مِنْ يَنْسُونٍ أوْ نَعْنَعٍ تَقُولُ بِصَوْتِهَا الدَّافِئِ:
" إنْ شَاءَ اللهُ باللُّطْفِ "
أسْكُنُ مَنْزِلا مُنْزَوِيا بِحَيٍّ عَصْرِيٍّ يُقَيِّدُنِي فَضَاؤُهُ الأخْرَسُ، وَ تُزْعِجُنِي تِلْكَ البَوَّابَاتُ الحَدِيدُ المُوصَدَةُ، وَ عَلَى لِسَانِي تُجْهَضُ كُلَّ يَوْمٍ تَحَايَا الصَّبَاحِ.

مسعودة أبو بكر - عِقْدُ المَرْجَان - ص: 81-83

الشّرح

التّقديم
نصّ سردي يتخلّله الوصف للأديبة التونسيّة " مسعودة أبو بكر "، استمدّ من " عقد المرجان " و يندرج ضمن محور: " الحيّ "
الموضوع
حنين السّاردة إلى الحيّ العتيق و أهله الطيّبين
المقاطع
حسب المعيار: الزّمن
- من البداية --------- العتيق: الحاضر
- من أفتقد -------- باللّطف: الماضي
- البقيّة: الحاضر

المقطع الأوّل: الحاضر

أسكُنُ / أفتقِدُ: مضارع يُعبّر عن عدم الانقضاء
حيّ راق: مركّب نعتي
صفعتني الغربة: تشخيص ( استعارة )
الغربة: فاعل
راق // عتيق: طباق
جاد، يجودُ: تكرّم عليه
الغيثُ = المطر
همَى: سقط، نزل، سال

يضطلع الرّاوي في هذا النصّ بوظيفتين:
- سرد الأحداث
- المشاركة في الأحداث
راو-شخصيّة
القرينة الدّالة على ذلك: استعمال ضمير المتكلّم المفرد ( أنا )
تُعاني السّاردة في هذا النصّ من غربة خانقة بسبب انتقالها إلى حيّ جديد: غربة متواصلة مستمرّة
غربة أفقدت الشخصيّة فاعليّتها و حوّلتها إلى مفعول به الهواجس و المشاعر المضطربة
هناك تمزّق بين الموجود ( الحيّ الجديد ) و المنشود ( الحيّ القديم )
" جادك الغيث إذا الغيث همى *** يا زمان الوصل بالأندلس "
بيت شعري للسان الدّين بن الخطيب ( شاعر أندلسي )
اعتمدت السّاردة على تقنية الاقتباس أو التضمين ( التناص ): حضور نصّ سابق في نصّ لاحق
إنّ العلاقة بين مضمون هذا البيت الشعري الذّي استشهدت به السّاردة و بين حديثها عن أزمتها الخانقة هي علاقة تقاطع و ترابط
- علاقة ترتكز على معنى الحياة و العطاء، فكما أنّ المطر يرمز إلى الحياة و العطاء ( " و جعلنا من الماء كلّ شيء حيّ " ) فإنّ الحيّ القديم يرمز إلى الحياة
الحيّ القديم: عنوان الحياة الحقيقيّة
الحيّ القديم: هو جوهر الحياة الحقيقيّة
- علاقة ترتكز على معنى التواصل و اللّقاء بين الحبيب و محبوبه: علاقة حبّ و عشق ( " الوصل " )
- علاقة تشير إلى معنى الانفصال و التباعد و الفراق ( البين ): ضياع الأندلس
هناك مراوحة بين الوصل و البين، بين التواصل و الانفصال
الاشتياق حنين أبديّ إلى هذا الحيّ العتيق الذّي يسكن ذات السّاردة ( قلبها و عقلها )
الحيّ العتيق جزء من ذات السّاردة
الحيّ العتيق حاضر باستمرار في ذات السّاردة، كأنّه شمس لا تغيب أبدا

المقطع الثّاني: الماضي
أفتقد ( * 5 ): تكرار
إنّ هذه الكلمة هي مركز ثقل النصّ، فهي التّي تشدّ أجزاءه و تدفع بحركة المعنى فيه
الافتقاد يكون عادة لموضوع عزيز على القلب و لكنّه أصبح غير موجود ماديّا ( الغياب المادّي عُوّض بحضور نفسيّ )
هذا التكرار ( أفتقد * 5 ) يُضفي على النصّ إيقاعا مخصوصا: غنائيّة خاصّة
- كأنّ السّاردة تبكي حيّها القديم الذّي غادرته
- كأنّها تستحضر هذا الحيّ وجدانيّا: التكرار اللفظيّ يحمل مدلولا سحريّا ( الرّغبة في إنشاء ما كان )
زُقاق الحيّ: مركّب إضافي
اعتدتُ: التكرار
تفيَّأ بالشَّجرة وغيرها : استظلَّ بها ، التجأ إليها " تفيّأ بعباءته من شدَّة الحرّ "
تفيَّأت الظِّلالُ انبسطت ، تقلّبت ومالت " { أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ } : تدُور ظلاله وترجع من جانب إلى جانب "

أرشِفُ / أتفيّأ / تَحَايا / بسْمة / يُهدهِدُ / الأنسُ / الدّافئ: معنى الألفة و الأمان
مجالات هذا الفقد:
- الجانب المعماري: الزقاق + الأزقّة = الضّيق = حيّ عتيق تقليدي
هذا الجانب سيؤثّر إيجابيّا في الجانب الاجتماعي
- الجانب الاجتماعي:
= القُرب + التواصل + الترابط + التكاتف + المُشاركة + الألفة + الأمان
تكمن قيمة المكان ليس في البعد المادّي الجغرافي فقط، و لكن في ما يختزنه من علاقات اجتماعيّة و من ذكريات
المكان = جزء من هويّة الإنسان

يتردّد هذا المقطع بين الحاضر و الماضي:
فعل التذكّر: الحاضر
مجالات التذكّر: الماضي
و هو ما يؤكّد شدّة تلك الأزمة التّي تُعاني منها الشخصيّة



المقطع الثّالث: الحاضر
لم أعُدْ: نفي + جزم
أسكُنُ: صيغة المضارع: عدم الانقضاء
مُنزويا: نعت
حيّ عصريّ: مركّب نعتي: مجرور
الأخرس = الصّامت
تُجهضُ: تسْقط / تتلاشى

هناك تناقض بين الحيّ العتيق و الحيّ الجديد
الضّيق المادّي ---------- الاتّساع المادّي
القرب المادّي ---------- البُعد المادّي
تواصل اجتماعي ----------- انفصال اجتماعي
الأمان ---------- الخوف
راحة نفسيّة ----------- اضطراب نفسي
هذا التناقض سيعمّق مشاعر النفور من الحيّ الجديد و سيجعل الذّكرى تشتدّ


إنّ حركة هذا النصّ هي حركة دائريّة، فهي تنفتح بالحاضر و تنغلق به. و هو ما يؤكّد تلك الأزمة الخانقة التي تُعاني منها الشخصيّة بسبب عدم تكيّفها مع الحيّ الجديد.


 

adelmhfdh

ضيف جديد
منتدى تونس التربوي
32
8
الدّولة
tunisie
الولاية
kairouan
المستوى الدّراسي
جامعي
الاختصاص
عربية
المهنة
استاذ
غير متّصل
حنين

النصّ
أسْكُنُ مَنْزِلا بِحَيٍّ رَاقٍ. يَوْمَ انْتَقَلْتُ إلَيْهِ صَفَعَتْنِي الغُرْبَةُ. " جَادَكَ الغَيْثُ إذا الغَيْثُ هَمَى " يَا زَمَانَ الأنْسِ بِحَيِّنَا العَتِيقِ...
أفْتَقِدُ زُقَاقَ الحَيِّ وَ أزِقَّةَ الأجْوَارِ، تِلْكَ التّي اعْتَدْتُ أنْ أقْطَعَهَا مُتَرَجِّلَة... أرْشِفُ أنْسَ أهْلِهَا... أتَفَيَّأُ طِيبَةَ ابْتِسَامَاتِهِمْ العَفْوِيَّة...
أفْتَقِدُ تَحَايَا إسْكَافِيِّنَا، وَ بَسْمَةَ بَائِعِ اللَّبَنِ الأخْرَسِ، وَ رَنِينَ أقْرَاصِ النُّقُودِ النُّحَاسِيَّةِ بِطَسْتِ الشَحَّاذِ الأعْمَى يُرَابِطُ بِنَفْسِ المَكَانِ مُنْذُ عَرَفَ الزُّقَاقَ أهْلُهُ فَألِفُوهُ.
أفْتَقِدُ شَكَاوَى جَارِنَا العَجُوزِ مِنْ أمْرَاضِ البَرْدِ المُزْمِنَةِ لاَ تُهَادِنُهُ شِتَاءً أوْ صَيْفًا، حَتّى لَوْ صَعِدَت الحَرَارَةُ أقْصَاهَا.
أفْتَقِدُ بَنَاتِ مَعمَلِ الخِيَاطَةِ... يَتَقَاطَرْنَ عَلَى دُكَّانِ " الكَفْتَاجِي "، وَ رَوَائِحَ " اللَّبْلَابِي " تُسِيلُ لُعَابَ الأسْوَارِ العَتِيقَةِ...
أفْتَقِدُ عَبَقَ الدَقِيقِ المَسْحُوقِ لِتَوِّهِ بالمَطْحَنَةِ التِّي شَاخَتْ، وَ هُو يُنَافِسُ رَوَائِحَ الخُبْزِ الطَّازِجِ، المُتَسَلِّّلَةِ مِنَ الفُرْنِ القَائِمِ يَتَحَدَّى صَوْلَةَ الزَّمَنِ...
لَمْ أعُدْ أعْبُرُ الزُّقَاقَ...
كَانَ جِيرَانِي إذَا اصْفَرَّ وَجْهِي مِنْ سَقَمٍ يَلْتَفُّونَ حَوْلِي
وَ يُوَشِّحُونَنِي بِأدْعِيَةٍ للشِّفَاءِ فَيُهَدْهِدُنِي قَلقهم عَلَى حَالِي، وَ تَسْتَمْهِلُنِي أحْيَانا بَائِعَةُ البَيْضِ العَرَبِيِّ وَ " المَلْسُوقَةِ " لِتَصِفَ لِي شَرَابا مِنَ الأعْشَابِ ضِدَّ الرَّشْحِ وَ السُّعَالِ.
وَ رُبَّمَا لَحِقَتْ بِي مِنْ آخِرِ الزُّقَاق إحْدَى جَارَاتِي تَضُمُّ شَالَهَا الصُّوفَ حَوْلَ كَتِفَيْهَا، تُمْطِرُنِي عَيْناهَا وَ شَفَتَاهَا بابْتِسَامَةٍ هِيَ الأنْسُ وَ الشَّهْد، تَمُدُّنِي بِقَبْضَةٍ مِنْ يَنْسُونٍ أوْ نَعْنَعٍ تَقُولُ بِصَوْتِهَا الدَّافِئِ:
" إنْ شَاءَ اللهُ باللُّطْفِ "
أسْكُنُ مَنْزِلا مُنْزَوِيا بِحَيٍّ عَصْرِيٍّ يُقَيِّدُنِي فَضَاؤُهُ الأخْرَسُ، وَ تُزْعِجُنِي تِلْكَ البَوَّابَاتُ الحَدِيدُ المُوصَدَةُ، وَ عَلَى لِسَانِي تُجْهَضُ كُلَّ يَوْمٍ تَحَايَا الصَّبَاحِ.

مسعودة أبو بكر - عِقْدُ المَرْجَان - ص: 81-83

الشّرح

التّقديم
نصّ سردي يتخلّله الوصف للأديبة التونسيّة " مسعودة أبو بكر "، استمدّ من " عقد المرجان " و يندرج ضمن محور: " الحيّ "

الموضوع
حنين السّاردة إلى الحيّ العتيق و أهله الطيّبين

المقاطع
حسب المعيار: الزّمن

- من البداية --------- العتيق: الحاضر
- من أفتقد -------- باللّطف: الماضي
- البقيّة: الحاضر

المقطع الأوّل: الحاضر
أسكُنُ / أفتقِدُ: مضارع يُعبّر عن عدم الانقضاء

حيّ راق: مركّب نعتي
صفعتني الغربة: تشخيص ( استعارة )
الغربة: فاعل
راق // عتيق: طباق
جاد، يجودُ: تكرّم عليه
الغيثُ = المطر
همَى: سقط، نزل، سال
يضطلع الرّاوي في هذا النصّ بوظيفتين:
- سرد الأحداث
- المشاركة في الأحداث
راو-شخصيّة
القرينة الدّالة على ذلك: استعمال ضمير المتكلّم المفرد ( أنا )
تُعاني السّاردة في هذا النصّ من غربة خانقة بسبب انتقالها إلى حيّ جديد: غربة متواصلة مستمرّة
غربة أفقدت الشخصيّة فاعليّتها و حوّلتها إلى مفعول به الهواجس و المشاعر المضطربة
هناك تمزّق بين الموجود ( الحيّ الجديد ) و المنشود ( الحيّ القديم )
" جادك الغيث إذا الغيث همى *** يا زمان الوصل بالأندلس "
بيت شعري للسان الدّين بن الخطيب ( شاعر أندلسي )
اعتمدت السّاردة على تقنية الاقتباس أو التضمين ( التناص ): حضور نصّ سابق في نصّ لاحق
إنّ العلاقة بين مضمون هذا البيت الشعري الذّي استشهدت به السّاردة و بين حديثها عن أزمتها الخانقة هي علاقة تقاطع و ترابط
- علاقة ترتكز على معنى الحياة و العطاء، فكما أنّ المطر يرمز إلى الحياة و العطاء ( " و جعلنا من الماء كلّ شيء حيّ " ) فإنّ الحيّ القديم يرمز إلى الحياة
الحيّ القديم: عنوان الحياة الحقيقيّة
الحيّ القديم: هو جوهر الحياة الحقيقيّة
- علاقة ترتكز على معنى التواصل و اللّقاء بين الحبيب و محبوبه: علاقة حبّ و عشق ( " الوصل " )
- علاقة تشير إلى معنى الانفصال و التباعد و الفراق ( البين ): ضياع الأندلس
هناك مراوحة بين الوصل و البين، بين التواصل و الانفصال
الاشتياق حنين أبديّ إلى هذا الحيّ العتيق الذّي يسكن ذات السّاردة ( قلبها و عقلها )
الحيّ العتيق جزء من ذات السّاردة
الحيّ العتيق حاضر باستمرار في ذات السّاردة، كأنّه شمس لا تغيب أبدا


المقطع الثّاني: الماضي
أفتقد ( * 5 ): تكرار

إنّ هذه الكلمة هي مركز ثقل النصّ، فهي التّي تشدّ أجزاءه و تدفع بحركة المعنى فيه
الافتقاد يكون عادة لموضوع عزيز على القلب و لكنّه أصبح غير موجود ماديّا ( الغياب المادّي عُوّض بحضور نفسيّ )
هذا التكرار ( أفتقد * 5 ) يُضفي على النصّ إيقاعا مخصوصا: غنائيّة خاصّة
- كأنّ السّاردة تبكي حيّها القديم الذّي غادرته
- كأنّها تستحضر هذا الحيّ وجدانيّا: التكرار اللفظيّ يحمل مدلولا سحريّا ( الرّغبة في إنشاء ما كان )
زُقاق الحيّ: مركّب إضافي
اعتدتُ: التكرار
تفيَّأ بالشَّجرة وغيرها : استظلَّ بها ، التجأ إليها " تفيّأ بعباءته من شدَّة الحرّ "
تفيَّأت الظِّلالُ انبسطت ، تقلّبت ومالت " { أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ } : تدُور ظلاله وترجع من جانب إلى جانب "

أرشِفُ / أتفيّأ / تَحَايا / بسْمة / يُهدهِدُ / الأنسُ / الدّافئ: معنى الألفة و الأمان
مجالات هذا الفقد:
- الجانب المعماري: الزقاق + الأزقّة = الضّيق = حيّ عتيق تقليدي
هذا الجانب سيؤثّر إيجابيّا في الجانب الاجتماعي
- الجانب الاجتماعي: = القُرب + التواصل + الترابط + التكاتف + المُشاركة + الألفة + الأمان
تكمن قيمة المكان ليس في البعد المادّي الجغرافي فقط، و لكن في ما يختزنه من علاقات اجتماعيّة و من ذكريات
المكان = جزء من هويّة الإنسان
يتردّد هذا المقطع بين الحاضر و الماضي:
فعل التذكّر: الحاضر
مجالات التذكّر: الماضي
و هو ما يؤكّد شدّة تلك الأزمة التّي تُعاني منها الشخصيّة



المقطع الثّالث: الحاضر
لم أعُدْ: نفي + جزم
أسكُنُ: صيغة المضارع: عدم الانقضاء
مُنزويا: نعت
حيّ عصريّ: مركّب نعتي: مجرور
الأخرس = الصّامت
تُجهضُ: تسْقط / تتلاشى

هناك تناقض بين الحيّ العتيق و الحيّ الجديد
الضّيق المادّي ---------- الاتّساع المادّي
القرب المادّي ---------- البُعد المادّي
تواصل اجتماعي ----------- انفصال اجتماعي
الأمان ---------- الخوف
راحة نفسيّة ----------- اضطراب نفسي
هذا التناقض سيعمّق مشاعر النفور من الحيّ الجديد و سيجعل الذّكرى تشتدّ


إنّ حركة هذا النصّ هي حركة دائريّة، فهي تنفتح بالحاضر و تنغلق به. و هو ما يؤكّد تلك الأزمة الخانقة التي تُعاني منها الشخصيّة بسبب عدم تكيّفها مع الحيّ الجديد.

شكرا صديقي
 
أعلى أسفل