جلال البحري

-
مؤسّس الموقع
ناشر الموضوع
المشاركات
1,503
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
المستوى الدّراسي
دراسات معمّقة
الاختصاص
أدب عربي
المهنة
أستاذ
غير متّصل
    دراسة حول رواية: " الثّلج يأتي من النّافذة " لحنّا مينة
  • #1
الــقسم : بحوث و دراسات
دراسة حول رواية: " الثّلج يأتي من النّافذة " لحنّا مينة
إعداد: جلال البحري
( 1 )
إنّ أيّ دراسة ترومُ التصدّي للمباحث الأدبيّة تجد نفسها تُسائل الأثر المدروس من حيث انتمائه إلى جنس أدبيّ مخصوص خاضع لقوانين ثابتة و قواعد مترسّخة " فالجنس الأدبي لا يعدو أن يكون تقنينا ( لبعض ) الخصائص... و هذه الخصائص الخطابيّة ليست شكليّة بحتا و لا هي مضمونيّة صرفا و إنّما هي تضافر بين هذه و تلك تضافرا يمتثل لقواعد يكون الجنس جماعها " ( 1 )
عمليّة التقبّل إذن تجدُ نفسها أسيرة الانتماء الأجناسي للأثر، فهي لا يُمكنها أن تتغافل عن تلك العتبة النصيّة التّي أرادها مُنشئها أن تكون ميثاقا قرائيّا يُوجّه فعل التلقّي و يُحدّد اتّجاهاته و مساراته بل و يعكس رؤية فكريّة تُعبّر عن مواقف الكاتب و اختياراته الفنيّة.
و لا شكّ أنّ الرّواية رغم حداثة عهدها من أكثر الأجناس الأدبيّة التّي حظيت بالدّراسة بحثا عن القوانين النّاظمة لها و استجلاء لقدرتها التّعبيريّة بعد تلك الممارسة الإبداعيّة الغزيرة.
و في هذا الصّدد يُمكن أن نُشير إلى مكانة هذا الجنس الأدبي في تجربة حنّا مينة الروائيّة، فهو ما فتئ يُبشّرنا بقدرة الرّواية على التّعبير عن قضايا عصرنا و عن تطلّعات الإنسان العربي من خلال رصد إشكالاته الحياتيّة و الوجوديّة، ممّا جعلها أداة مثلى لتغيير العلاقات الاجتماعيّة و لتجاوز قوى الكبت و القمع. و هو ما أهّلها لأن تكون ملحمة هذا العصر و كتابه فهي " الجنس الأدبي الذّي يملك مفتاح المستقبل.. هي مستقبل الأجناس الأدبيّة و هي ديوان العرب في القرن الحادي و العشرين " ( 2 )
و قد سلك حنّا مينة في تجربته الروائيّة مسلك الواقعيّة الاشتراكيّة التّي آمن بقدرتها على التّغيير و كسر الخطوط الثّابتة فهي وسيلة المثقّف العربي لتعرية ما خفي أو ما أخفي من مظاهر الواقع الاجتماعي و هي أداته لابتناء صورة البطل الإيجابيّ الذّي " لا يندفع وراء مغنم خاصّ بل يُضحّي لأجل قضيّة عامّة " ( 3 ) ممّا يُؤهّله لأن يكون قدوة و ممارسة و مفهوما نضاليّا
من هذا المدخل النّظري الذّي يربط بين الأثر و جنسه و منشئه ارتأينا أن نَلِج العالم الرّوائي لـ " الثّلج يأتي من النّافذة " حتّى نبحث عن آليّات اشتغالها و حتّى نستخلص القضايا المُرتحلة في ثناياها.
إنّ رواية حنّا مينة " الثّلج يأتي من النّافذة " عبارة عن حصاة ألقاها صاحبها في تلك البركة الآسنة التّي استحكمت الذّات العربيّة و حالت دُون تحقيق مشروعها التحرّري... تضعُنا الرّواية بهذا المعنى أمام كتابة ثائرة صِداميّة امتلكت الوعي الثّوريّ بعد أن اختبرت مشاكل الحياة و مصاعبها و تمرّست الخوض في أتُونها و قرّرت رفع أشرعة التحدّي و المقاومة و النّضال. فكان الإنسان هدفها الذّي ستعمل فيه مشرط البحث من أجل تعرية عقليّته و كشف مُستنداتها السريّة و تتبّع مساراتها و تحوّلاتها و رصد لعبة السّلطة و تقنيّاتها القمعيّة التّي ما فتئت تعمل من أجل إخضاع جموح هذه الذّات و محاولة التحكّم في ردود أفعالها.
الرّواية بهذا المعنى مرايا تعكس صورة الإنسان العربيّ المُتشظّية بين جملة من الثنائيّات الضديّة: الرّغبة و الرّهبة – الأمل و اليأس – الرّفض و الاستسلام – الحركة و السّكون – الموجود و المنشود – الثّورة و الخضوع... نماذج بشريّة يستحضرها حنّا مينة ( الشخصيّة المتخاذلة – الشخصيّة الانفعاليّة – الشخصيّة المثقّفة – الشخصيّة الفاعلة... ) و يُدخلها في حواريّة طريفة تتفاعل فيها الأفكار و الرّؤى و الإيديولوجيّات و العقائد... و في تلك المسيرة يبدأ الوعي في التشكّل بعد أن فاضت الأسئلة و توالدت المعاني و تناسلت الدّلالات:
- ما مكانة الفرد في هذا الوجود؟
- هل تستحقّ القضيّة أن نسلك في سبيلها طرقا محفوفة بالمخاطر قد تصلُ إلى حدّ الرّهان على البقاء؟
- هل من جدوى للنّضال و الكفاح في ظلّ " تغوّل " الاستبداد و تضخّم الأوهام؟
- ما سمات المثقّف الذّي تبشّر به الرّواية؟ هل هو المثقّف الذّي يسكن بُرجا عاجيّا و كلّ همّه تحقيق مجده الشّخصي أم هو المثقّف الذّي ينصهر مع الجماهير و كلّ أمله الدّفاع عن المسحوقين؟
و قد رأينا أن نستند إلى إطار منهجيّ عامّ يعضد عملنا، فكان استئناسُنا بالمنهج الإنشائي كما تجلّى عند " جيرار جينات " ( Gérard Genette ) و " تزيفيتان تودوروف ( Tzvetan Todorov ) خاصّة، و نعني بذلك تقسيم تودوروف مستويات
دراسة النّصوص السّرديّة إلى ثلاثة أقسام هي الخبر و الخطاب و الدّلالة. فالخبر هو المادّة الخامّ أو الأوّليّة التّي تنبثق عنها القصّة و تتأسّس و ندرسُ فيه الأعمال و الشخصيّات و الخطابُ هو الطّرائق التّي يعتمدها الرّاوي لصياغة خبره و إخراجه من حالة الاحتمال إلى حالة الإنجاز و يندرجُ فيه زمن القصّ و أساليب القصّ و أنماط الرّؤية و الدّلالة نربط فيها سياق النصّ بمختلف الأنساق المُحيطة به سواء كانت اجتماعيّة أو اقتصاديّة أو سياسيّة أو أدبيّة.
غير أنّ هذا لا يعني أنّنا سنُشغّل كلّ عنصر من عناصر هذه المستويات السّرديّة بل إنّنا سنقتصر على ما هو مفيد لدراستنا و مقاصدنا. كما سنستفيدُ من مجهودات " ميخائيل باختين " ( M. Bakhtin ) الذّي تمكّن من صياغة رؤية نقديّة ترتكز في كليّتها على مقولتي " الحواريّة " و " تعدّد الأصوات " ذلك أنّه يربط بين تشكّل الرّواية وانفتاح اللّغة، فالكلمة في رأي باختين هي حقل صراع عقائديّ.
أمّا خطّة البحث فقد ارتأينا أن نُقسّم العمل إلى ثلاثة أقسام:
أمّا القسم الأوّل فسندرس فيه الخبر مهتمّين بالأعمال و الشخصيّات و المكان، و أمّا القسم الثّاني فسنتناول فيه الخطاب من حيث هو زمن و أسلوب و لغة و تعدّد أصوات، و أمّا القسم الثّالث فسنُفرده للدّلالة سواء أكانت سياسيّة أم اجتماعيّة أم نفسيّة أم أدبيّة
و قد حرصنا في هذا العمل على محاولة تحقيق عدّة أهداف لعلّ من أهمّها بيان خصوصيّة الجنس الرّوائي من خلال استجلاء القوانين المُتحكّمة في إنتاجه كما عملنا على كشف بعض الدّلالات التّي حفلت بها رواية " الثّلج يأتي من النّافذة ".
------------------------------------------------
1- القاضي ( محمّد ): الخبر في الأدب العربي: دراسة في السّرديّة العربيّة، كليّة الآداب بمنّوبة، تونس، دار العرب الإسلامي، بيروت. 1998، ص: 28 )
2- مينة ( حنّا ): هواجس في التّجربة الروائيّة، دار الآداب، بيروت، ط2، 1988. ص.ص: 40- 41
3- نفسه، ص: 171
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:

جلال البحري

-
مؤسّس الموقع
ناشر الموضوع
المشاركات
1,503
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
المستوى الدّراسي
دراسات معمّقة
الاختصاص
أدب عربي
المهنة
أستاذ
غير متّصل
    دراسة حول رواية: " الثّلج يأتي من النّافذة " لحنّا مينة
  • #2
دراسة حول رواية: " الثّلج يأتي من النّافذة " لحنّا مينة
إعداد: جلال البحري
( 2 )
I- الخبر
الخبر هو المادّة الخامّ أو الأوّليّة التّي تنبثق منها القصّة و تتأسّس
النصّ السّردي هو: " خبر من حيث هو يُصوّر حقيقة ما و أحداثا يجوز أن تقع و شخصيّات تختلط مع شخصيّات واقعيّة "
( القاضي ( محمّد ): تحليل النصّ السّردي، دار الجنوب للنّشر، تونس 1997، ص: 42 )
_________________________________________
1- الأعمال​
إنّ المُتتبّع لرواية " الثّلج يأتي من النّافذة " في مستوى الأعمال يُلاحظ انبناءها على حركة تصاعديّة بحكم خُضوعها لنظام سببيّ منطقيّ مُرتكز ارتكازا شديدا على مبدإ التّعاقب الزّمني، و إن اتّخذت من التعرّج الزّمني و من " الخداع الحدثي " مطيّتين تُوافقان أسلوب القصّ.
أمّا محور هذه الحركة فقد تركّز حول شخصيّة فيّاض، فرصد أحاسيسه المُضطربة و أحلامه المُجهضة و تردّده المُتضخّم بعد أن أجبرته الظّروف على مُغادرة وطنه سورية.
حركة تقاطع فيها السّياسي و الاجتماعي و النّفسي و الفكري و تجمّعت حول تتبّع ذلك الوعي الفردي الذّي لم تزده التّجارب إلاّ نموّا و اكتمالا.
تتحدّد هذه التّرسيمة الحدثيّة على ثلاث حركات سرديّة رئيسيّة تدفع النصّ إلى الأمام و تبينُ حركة المعنى فيه و قوامها:

- ما قبل الرّحيل
- الرّحيل
- ما بعد الرّحيل
و من جهة أخرى نستطيع تفصيل هذه الحركات السرديّة إلى أخرى ثانويّة تعمّق الخطّ السّردي و تُفرّعه، ليتحدّد النصّ وفق النّموذج التّالي:
- ما قبل الرّحيل: الطّفولة + الشّباب
- الرّحيل:
- ما بعد الرّحيل: الاختباء + العمل و النّضال + العودة إلى الوطن
و قد اضطلعت الحركة الفرعيّة الأولى ( ما قبل الرّحيل ) بدور الوضع الأوّلي الذّي سيقع استغلاله في تطوير سرديّة النصّ و في تبيين حركة المعنى فيه. و تتمثّل أهميّتها في تقديم شخصيّة فيّاض و حالته قبل أن يُقرّر السّفر أو الرّحيل من خلال تشغيل ثنائيّة الماضي و الحاضر و ما تستبطنه من حنين إلى زمن ولّى و انقضى ( العيش في بلاده ) و تبرّم من زمن مُعاش و مُطبق ( الغربة )
فيّاض الابن الوحيد لعائلة " بعد ثلاث بنات جاء " ( 1 ) اعتنت به أمّه و ربّته على قراءة الكُتب " كان الكتاب أعظم مسرّاته فإذا فكّر فيه تمتم بخشوع: في البدء كانت الكلمة " ( 2 ) رغم امتعاض أبيه البحّار " أبي لم يكن يعيش في الكتب " ( 3 )
و لكنّه لم يُكمل دراسته بسبب فقر عائلته و اضطرّ للعمل صغيرا " كنت صغيرا حين بدأت العمل، و كُنت تحملُ إليّ أجرك و كلّ مصروفك تُنفقه على الكُتب " ( 4 )
ثمّ شاءت الظّروف أن ينخرط في شبابه في العمل الوطني بعد أن تعرّف على خليل و دخل السّجن في مرّات كثيرة " و جاءت الشّرطة يوما ففتّشوا البيت... و في المحكمة رأيتها واقفا... و حين وضعوا القيد في يديك أدرتُ وجهي...أخذوك و لكنّك عُدت سالما... و مرّة أخرى دخلتَ السّجن... " ( 5 )
و قد لُوحق لأنّه يساري و كاتب مُعارض فاضطرّ إلى الانقطاع عن التّدريس و اختبأ فترة، فلمّا اشتدّت المُلاحقة نُصح بمغادرة البلاد لمواصلة المعركة " ( 6 )
أمّا الحركة الفرعيّة الثّانية ( الرّحيل ) فقد كانت عبارة عن مطاردة، ممّا جعلها مغامرة مروّعة أو رهانا على البقاء " كان الرّجال يُحاولون القبض عليه و هو يهربُ. و دخل زقاقا و تلفّت: لا أحد. حسنا. ليُسرع الآن... اضطرّ إلى القفز. فلمّا بلغ الأرض لم تكن أرض.. كان ماء عكر، تحوّل فجأة إلى نهر جامح، دفعه تيّاره بعنف في مسيله الهادر " ( 7 )
و أمّا الحركة الفرعيّة الثّالثة التّي مثّلت مركز ثقل الرّواية فيمكن تقسيمها إلى جملة من التّجارب انتهت بالعودة إلى الوطن:
- تجربة الاختباء:
مرّت الشخصيّة الرئيسيّة في هذه المرحلة بعدّة محطّات ( منزل خليل – المطعم - منزل جوزيف – منزل أبو روكز ) و قد غلبت على هذه المرحلة ثنائيّة الاطمئنان " حين استيقظ فيّاض في الصّباح أحسّ بدهشة لعمق السّكون من حواليه " ( 8 ) " كان البيت نظيفا مرتّبا... كان في وسعه... أن يستمتع بالشّمس و يعمل في هذا الجوّ المُلائم " ( 9 ) و القلق " و قد عرف فيّاض منذ وعي الضّرورة لاختبائه. ماذا يعني العيش في ظروف الحياة السريّة بالنّسبة لإنسان مثله. كان يتألّم بصمت و عجز و شعور بالخيبة " ( 10 ) " الغربة أقسى من السّجن، و أقسى منهما البقاء في بيت مكشوف كهذا لا يستطيع فيه حتّى الذّهاب إلى المرحاض نهارا و لا يستطيع أن يكتب و ليس معه من المال ما يضمن نفقاته البسيطة " ( 11 ) " و هذا البيت على سعته عاجز عن تبديد الضّيق الذّي يستشعره " ( 12 )
الاختباء لم يستطع أن يُسعف البطل و أن يمنحه تلك السّكينة الدّائمة و الرّاحة المستمرّة، فقد كان يشكو غربة قاتلة: ماديّة و نفسيّة و وجوديّة، و لم تزده العُزلة إلاّ ألما و لوعة.
- تجربة العمل اليدوي:
بعد تجربة العزلة أصرّ فيّاض على خوض تجربة العمل اليدويّ " أنا لا أستطيع البقاء حبيسا كسيحا أكثر ممّا فعلت... عليّ أن أعمل. أن أدخل تجربة المصاعب التّي تحدّثت عنها، و سترى بعدها... ساعدني فقط في الحصول على عمل. و ليكن عملا جسمانيّا بعيدا عن الصّحافة و جوّها.. " ( 13 ) " اختبأ شهورا و هذا يكفي. أكرمه أصدقاؤه و رعوه. فعلوا ذلك تقديرا لأدبه
الذّي يُكافح على نفس جبهتهم و عليه الآن أن يُبرّر هذا التّقدير. أن يصمد في وجه الحياة و مصاعبها، أن يخرج ليلقاها " ( 14 )
فاشتغل بادئ الأمر في مطعم أين عايش العالم السّفلي للمجتمع ( القمار + الدّعارة ) و تعرّض لإهانة بالغة كان لها تأثير كبير في حياته " قالها و قذف ليرة فضيّة أرضا و أمر فيّاض: خُذها. كانت الإهانة بالغة لم يلق فيّاض مثله، لماذا الحياة بعد يا فيّاض؟ الموت الآن هو الحياة فافعلها و مت " ( 15 ) و من أجل إثبات الذّات حرّض عمّال المطعم على المطالبة بتحسين الطّعام و شروط العمل.
و لكنّه سرعان ما اضطرّ إلى ترك هذا العمل بعد أن خاف اكتشاف أمره فعاد إلى منزل خليل ثمّ منزل جوزيف، غير أنّه سرعان " ما تذكّر رسالة صديقه عن الذّين يُحاولون كلّما طلع نهار جديد، إيقاد نار جديدة و قال: فلأكنّ واحدا منهم أن أحاول إيقاد نار جديدة خير من اصطلاء نار الآخرين، أن أبحث عن لقمتي خير من تناولها من صحون مضيّفي " ( 16 )
فانتقل إلى عمل جديد بكرم الزّيتون و أصبح عامل بناء، و رغم مشقّة العمل فقد أصرّ على الثّبات " اصمد و سوف تتشكّل منك أداة " ( 17 ) " اصمد و سوف ينصهر المعدن " ( 18 ) ثمّ انتقل إلى عمل جديد في معمل مسامير و عزم على التحدّي
" عليه أن يُواجه الحياة بواقعيّة و شجاعة، تحدّي الظروف يُساوي الانتصار عليها " ( 19 ) و لكنّه أجبر مرّة أخرى على ترك العمل بعد خوفه من انكشاف أمره.
- تجربة الكتابة: النّضال الفكري
تعدّ هذه المرحلة ذروة العمل الثّوري بعد أن اختبر فيّاض الحياة و اطّلع على معاناة الطبقات المسحوقة و أدرك قساوة الظّلم الاجتماعي و السّياسي، فانتقل إلى كتابة المنشورات الثوريّة و طباعتها أملا في تحريك المياه الرّاكدة و تحريض الجماهير على النّضال و المقاومة " بعد سنة من هذا التّاريخ، نشرت الصّحف تفاصيل مُثيرة لمطبعة سريّة عُثر عليها في أحد الأقبية و معها منشورات ثوريّة و رجل ذو شعر طويل و لحية سوداء كثّة من خارج لبنان " ( 20 ) . أي أنّه قد استطاع أن يتخطّى مرحلة العمل الفردي إلى نشر المبادئ الثوريّة.
و قد اخترقت التّرسيمة السرديّة الأولى ( قصّة فيّاض ) عدّة ترسيمات سرديّة فرعيّة دفعت السّرد إلى الأمام و أضافت لبنات جديدة في حركة المعنى فيه، فهي من جهة تُقيم علاقة متينة و اتّصالا وثيقا مع التّرسيمة الأولى و هي من جهة أخرى تتناسب مع خصوصيّات جنس الرّواية في مستوى بنيتها الحدثيّة، فالرّواية تُفعّل التعدّد الحدثي و تنوّع اتّجاهات القصّ و مساراته.
و قد تأسّست التّرسيمة السرديّة الثّانية على ثلاث حركات سرديّة:
- ما قبل الرّحيل
- الرّحيل
- ما بعد الرّحيل
و يُمكن تفصيل هذه الحركات السرديّة الأساسيّة إلى أخرى جزئيّة تُعمّق الخطّ السّردي و تُفرّعه:
- ما قبل الرّحيل: النّضال + السّجن
- الرّحيل
- ما بعد الرّحيل: العمل + النّضال النّقابي + الطّرد من العمل و استمرار النّضال
تنطلق هذه التّرسيمة السرديّة الثّانية من وضع أوّليّ تتمثّل أهميّته في تقديم شخصيّة خليل المُناضل الذّي آمن بجدوى المُقاومة من أجل تغيير ذلك الوضع العفن الذّي كانت ترزح تحته سورية، و قد مثّل حدث الاعتقال " اعتُقل و أرسل مع بعض العمّال إلى حلب " ( 21 ) مُنعرجا حاسما أنمى الوعي الثّوري لديه " و خرج بعد عام و نصف مُتبنّيا الفكر الاشتراكي مُؤمنا بالبروليتاريا " ( 22 ) و جعله أكثر اندفاعا و ثباتا، فقد ازدادت مشاركته في المظاهرات و تكرّر دخوله السّجن " أصبح يدخل السّجن في كلّ وقت و صار الاشتراك في المظاهرات و الإضرابات جزءا من حياته " ( 23 ) و جاء احتلال تركيا للواء الإسكندرون ضربة موجعة لآمال خليل و أحلامه. فشدّ الرّحيل إلى بيروت مع عائلته و تزوّج هناك. و رغم هذه الظّروف فإنّه لم يقطع خيوط الأمل و لم يرضخ إلى مشيئة الأقدار الواهية، فقد كان التمرّد طبعا فيه و التّفاؤل جزء منه، فالنّضال فعل ثوريّ لن يخذله و لن يُخيّب ظنّه و سيخلّصه حتما من إخفاقات الماضي. و من هنا انخرط في الحياة العمليّة و خاض في أتون النّضال النّقابي مُتسلّحا بإرادة لا تلين رغم إكراهات الواقع ( الفقر – الظّلم – الاستبداد ) و عثرات الطّريق.
أمّا التّرسيمة السرديّة الثّالثة ( قصّة جوزيف ) فقد تحدّدت وفق ثلاث حركات سرديّة:
- ما قبل الرّحيل
- الرّحيل
- ما بعد الرّحيل
انطلقت هذه التّرسيمة من وضع أوّليّ قدّم تعريفا لجوزيف. فوالده لبنانيّ و أمّه إسبانيّة، و قد ضمّه والده إلى دير و جعله راهبا هناك، غير أنّه سرعان ما ترك الرهبنة ممّا تسبّب في غضب والديه. و عندما أصبح شابّا اشتغل بالتّدريس في مرجعيون و تزوّج، لكنّ زوجته كانت مُبذّرة إذ " ظلّت تُنفق حتّى حملته على السّكن في العاصمة " ( 24 ) و هناك ستنقلب حياته رأسا على عقب، فقد طبع عدم الاستقرار حياته، فكان ينتقل من عمل إلى آخر ( وكالة جرد قطع التّبديل – معمل المفروشات الخشبيّة و المعدنيّة... ) بسبب تهوّره و شعوره بالأنفة " موقف جوزيف المتهوّر و نزقه مع أرباب العمل واضحان، فالذّي عمل في التّعليم و المحاسبة و التّجارة و الصّحافة و لم يثبت لأنّه لا يتحمّل، قد كان متوقّعا أن لا يظلّ طويلا في معمل المفروشات " ( 25 ) ممّا ولّد إحساسا بالخيبة و الألم " و راح يتحدّث عن نفسه إحساس من الخيبة و الأمل... تقول لعنة الدّير غضب الوالدين، نحس الزّوجة... قل ما شئت يظلّ سوء الحظّ هو الظّاهر " ( 26 )
غير أنّه لم يستسلم للأقدار و لم يرضخ لسلطان الواقع، فقد كان مُغامرا عازما على التّحدّي " إنّما لم يكن يتصوّر أنّ جوزيف سيُغامر، و يرضى البطالة و هو عنده و الدّيون و الأقساط و الحاجات اليوميّة الضروريّة تتكاثر و يزداد ضغطها " ( 27 ) و قرّر أن يعود إلى الكتابة تمجيدا للفعل الثّوري و تحريضا للجماهير " لأكتُبنّ يوميّة تُمجّد الكفاح بالكلمة و العمل و مجرّد الشّعور بالظّلم و تكون فيما بعد نواة لمقال أنشره في الصّحف " ( 28 ) و لكنّه سرعان ما عجز عن تحقيق مُراده " و في المساء احتجاجا على إخفاقه في كتابة اليوميّة الناريّة أشعل النّار في يوميّاته كلّها و قال: إلى الجحيم لا حاجة بعد، إلى الكلمات، لدينا منها ما يكفي، العمل هو الذّي يُجدي" ( 29 ) لذلك اشتدّت أزمته و تضخّمت معاناته" فقد استشعر تعاسة قاتلة و بدا ساهما مغضبا ساخطا على الحياة " ( 30 )
لقد جذّرت الرّواية في مستوى الأعمال بنية المثلّث الهرمي في جميع حركاتها الحدثيّة، فألفينا هذه الحركات تنطلق من انفراج أوّلي لتبلغ درجة التأزّم ثمّ تنتهي إلى انفراج جديد تنغلق به حركة القصّ و تُختتمُ
-------------------------------------
1- مينة ( حنّا ): الثّلج يأتي من النّافذة، دار الآداب، بيروت، ط2، 1977، ص: 27
2- نفسه. ص: 98
3- نفسه. ص: 17
4- نفسه. ص: 80
5- نفسه. ص: 83
6- نفسه. ص: 23
7- نفسه. ص: 12- 13
8- نفسه. ص: 141
9- نفسه. ص: 142
10- نفسه. ص: 36
11- نفسه. ص: 39
12- نفسه. ص: 157
13- نفسه. ص. ص: 38- 39
14- نفسه. ص: 196
15- نفسه. ص: 79
16- نفسه. ص: 196
17- نفسه. ص: 205
18- نفسه. ص: 203
19- نفسه. ص: 235
20- نفسه. ص: 347
21- نفسه. ص: 43
22- نفسه. ص: 43
23- نفسه. ص: 49
24- نفسه. ص: 106
25- نفسه. ص: 191
26- نفسه. ص: 169
27- نفسه. ص: 191
28- نفسه. ص: 308
29- نفسه. ص: 308
30- نفسه. ص: 308
 

جلال البحري

-
مؤسّس الموقع
ناشر الموضوع
المشاركات
1,503
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
المستوى الدّراسي
دراسات معمّقة
الاختصاص
أدب عربي
المهنة
أستاذ
غير متّصل
    دراسة حول رواية: " الثّلج يأتي من النّافذة " لحنّا مينة
  • #3
دراسة حول رواية: " الثّلج يأتي من النّافذة " لحنّا مينة
إعداد: جلال البحري
( 3 )
2- الشخصيّات:
يُعتبرُ محورُ الشخصيّات العنصر الثّاني الأساسي في الخبر، إذ يعدّ خاصيّة مميّزة للكتابة القصصيّة.
و قد تعدّدت الآراء حول مفهوم الشخصيّة القصصيّة نظرا لتنوّع أبعادها، فعدّها المفهوم الواقعي شخصيّة حقيقيّة من " لحم و دم " و هو ما عمّق اللّبس بين الشّخص و الشّخصيّة، ممّا دفع بتوماتشفسكي إلى إنكار أيّ أهميّة للشخصيّة، مقابل اختزال بروب لها إلى أصناف بسيطة تقوم على وحدة الأفعال التّي تستند إليها في السّرد.
و قد ميّز المنهج الإنشائي بين الشّخص و الشّخصيّة مُعتبرا الشخصيّات كائنات من ورق. فتودوروف على سبيل المثال، يُجرّد الشّخصيّة من مُحتواها الدّلالي و يتوقّف عند وظيفتها النّحويّة. و فيليب هامون يقرن مفهوم الشّخصيّة بالوظيفة النّحويّة التّي تقوم بها داخل النّصّ.
1-2 حضور الشّخصيّة و أنواعها:
يُمكن تصنيف الشّخصيّات في هذه الرّواية إلى:
- شخصيّات رئيسيّة: فيّاض – خليل – جوزيف – أمّ بشير
- شخصيّات ثانوية: أمّ خليل – أب خليل – أمّ فيّاض – أب فيّاض – هناء – دجينز – أبو روكز – زوجة خليل – أمّ أنيس – أخت فيّاض الكبرى – فدوكيا الخيّاطة – البوليس – الفتاة التّي أوصلت فيّاض إلى المطعم – الميتر – العمّال – رئيس اللّجنة – الرّجل الأحول – معلّمة فيّاض – زكيّة – سركيس – الخواجة فيليس – صوفية -أبو شحادة – مرين – صاحب الوكالة...
تتميّز الرّواية بانفتاحها البنائي، لذلك فهي قادرة على ضمّ حشد كبير من الشخصيّات إلى نسيجها، فتتحوّل إلى ضرب من الحياة أو عالم ممكن نسجته عمليّة التّخييل الرّوائي، فألفينا حشدا من الشخصيّات المتنوّعة: المرأة و الرّجل – الفقير و الغنيّ – المتعلّم و الجاهل – المناضل و المتخاذل -الطّفل و الشّاب و الكهل و الشّيخ...
2-2 مقوّمات هويّة الشخصيّات:
ترسُم لنا الشخصيّات بعناوينها المختلفة صورة متكاملة لوضعيّة الإنسان العربي المُحاصر في وطنه، بشتّى أنواع القيود و الأغلال و المقموع بمختلف أشكال التسلّط و الاضطهاد. فقد تضافرت أربعة ملامح أساسيّة ساهمت في تعرية عقليّته و في كشف مساراتها و تحوّلاتها و هي:
- الشخصيّة المُتخاذلة:
يُمثّل هذه الشخصيّة أبو خليل و زوجته و زوجة خليل و هناء و أمّ فيّاض و أبو فيّاض. فقد كانت هذه الشخصيّات خانعة مستسلمة لا تملك من مقوّمات المقاومة شيئا و لا تمارس حقّها الطّبيعي في امتلاك ما أخذ منها عنوة. إنّها نماذج بشريّة رفعت رايات الاستسلام البيض قبل أن تخوض الصّراع بل قبل أن تفكّر فيه أصلا. فها هي أمّ خليل تستنكر فِعال ابنها خليل و تنصح فيّاض بعدم استنساخ التّجربة " قُلت لك لا تلحق هذا الرّأس اليابس. حذّرتك فما سمعت... ضيّع نفسه و راح يضيّعك " ( 1 ) " من ثلاثين سنة و هو مشغول بهذه " المجامع " و نحن لا نشبع الخبز " ( 2 ) مُعتبرة أنّ النّضال لا يُمكن أن يُحقّق أهدافه " قلت له الإضراب نار، فلا تحرق يديك.. و ها هو الإضراب و ها هي النّار " ( 3 ) أمام اختلال الموازين " الحكومة هي الحكومة، عندها الشّرطة و الدّرك و الجيش و هي صاحبة الأمر و النّهي، و من عجبه يشتغل و من لا يعجبه يضرب رأسه بالصّخر " ( 4 )
أمّا أبو خليل فقد كان متصالحا مع الواقع و كانت مواقفه ضبابيّة لا تحمل رؤية فكريّة واضحة المعالم و كانت الانفعالات هي التّي تحرّكه و تسم لغته " دينك على دين أم أنيس " ( 5 ) " محضر تحقيق؟ لك.. دين النّسوان " ( 6 )

و أمّا نزهة أمّ فيّاض فقد كانت شخصيّة جاذبة إلى الوراء ساعية إلى تعطيل الفعل الثّوري تحكمها عواطفها و لا تتطلّع إلى أكثر من أمومتها. الصّبر ديدنها و البكاء مهنتها المفضّلة " آه يا بنيّ.. كم بقيت وحيدة و كم بكيت " ( 7 ) حتّى أنّ فيّاض اعتبرها " ميّتة حيّة " ( 8 )
و أمّا سالم والد فيّاض فقد كان مستقيلا من الواقع، كلّ همّه تلبية غرائزه " كان السّفر في دمه مثل الخمر و النّساء في دمه ( 9 )
إنّها هزيمة داخليّة بالأساس، سحقت الشخصيّات سحقا، و أقصت أيّ فعل مقاوم إقصاء و ألغت أيّ شعور بالكرامة إلغاء.
- الشخصيّة الانفعاليّة:
يُمثّل جوزيف هذه الشخصيّة فقد ظلّ طوال حياته يُصارع من أجل تحصيل المال و تحقيق رغبات زوجته التّي كانت مبذّرة و تحبّ التّباهي و التّفاخر، فأجبرته على ترك قريته و السّكن في العاصمة ( بيروت ) و هناك ظلّ يتقلّب من عمل إلى آخر و تفاقمت ديونه التّي كانت في شكل أقساط مخصّصة لشراء كماليّات منزليّة. و حتّى محاولته للعودة إلى الكتابة تأثّرا بفيّاض و خليل " أضاع جوزيف الباقي من توازنه طوال الأيّام التّي أعقبت زيارته لبيت أبي خليل... بلغ إعجابه بخليل و تأثّره لحال العائلة حدّا كبيرا و ضاعف اختفاء فيّاض من ورشة البناء هذا التأثّر فانفعل و ثار و سخط " ( 10 ) فإنّها انتهت إلى الفشل " إلى الجحيم لا حاجة بعد إلى الكلمات، لدينا منها ما يكفي، العمل هو الذّي يُجدي " ( 11 )
إنّه شخصيّة انفعاليّة لا تغدو أن تكون ثورتها مجرّد حدث عابر غير قادر على التحوّل إلى فعل مقاوم و مناضل " هذا خليل منذ ثلاثين سنة و هو يُناضل و هذا فيّاض و هذا ( و تردّد ثمّ أضاف ) أنا " ( 12 ) " و اعترف و هو يتعذّب: فيّاض وجد طريقه... تخلّى عن كلّ شيء في سبيل أن يكتب.. و خليل قاد إضرابا فاشلا و لكنّه سيقود إضرابات ناجحة، أمّا أنا !؟ كان مستعدّا أن يموت الآن في هذه اللّحظة و لكن في هذه اللّحظة لا سواها، و لأنّه لا يستطيع أن يفعل ذلك، فقد استشعر تعاسة قاتلة و بدا ساهما مغضبا ساخطا على الحياة ( 13 )
- الشخصيّة المثقّفة:
مثّل فيّاض هذه الشخصيّة النموذجيّة، و تكمن أهميّتها في قدرتها على تعرية أغوار النّفس المسحوقة و في فضح مستنداتها السريّة الواهية و في كشف لعبة السّلطة و تقنيّاتها القمعيّة.
و هو ما يجعلها شخصيّة مغامرة، تسيرُ في طريق كلّها أشواك و ألغام، و تتموضع في نقطة تكاد تُزال فيها فواصل الحياة و الموت.
إنّها رحلة محفوفة بالمخاطر، بل هي رهان على الحياة في سبيل إصدار كلمة و توقيع منشور، و هي التزام ذاتيّ و واجب وطنيّ و إنسانيّ.
ففيّاض هذا الأستاذ الذّي كان الكتابُ كلّ حياته " عتّ كتب أنا " ( 14 ) " كان الكتاب أعظم مسرّاته، فإذا فكّر فيه تمتم بخشوع: في البدء كانت الكلمة " ( 15 ) و بعد أن بدأ يتلمّس طريق النّضال في طفولته و شبابه " لُوحق لأنّه يساريّ و كاتب مُعارض " ( 16 ) فاضطرّ إلى ترك بلاده سورية و الالتجاء إلى لبنان، أين ستبدأ رحلة الوعي في التشكّل و النّضج: رحلة أشبه بالمخاض العسير الذّي ستسلكه الشخصيّة و سيكون مصحوبا بالألم و العذاب، فالصّراع مركّب ضدّ قوى الدّاخل
" كان يستشعرُ عذابا داخليّا مؤلما و يُصارع في ذاته ضدّ ذاته " ( 17 ) " شيء ما يحترق في صدره، يذوب كشمعة موقدة
في معبد مغلق " ( 18 ) و ضدّ قوى الخارج " و في كلّ ليلة أجرّ إلى التّحقيق، و في كلّ ليلة أجلد بالسّياط و حين يُغمى عليّ يُسكب الماء البارد على جسدي " ( 19 )
لقد استبدّت به الأفكار و الهواجسُ، و كانت نفسه حُبلى بمئات الأسئلة:
لماذا آثر الهروب على النّضال في بلاده؟ هل هو جُبن عن المواجهة و رغبة في النّجاة كما قال خليل ( " كُنت مستعجلا للخروج و النّجاة بنفسك " ( 20 ) أم رغبة في النّضال من أجل القضيّة في موقع آخر فيه هامش من الحريّة؟ " لو كُنتُ أنوي تسليم نفسي و التّفريط بقضيّتي لما تركتُ عملي و اختبأتُ و تشرّدتُ... لا تتّهمني بالجُبن... لا تتسرّع... من ترك عمله و يتشرّد في سبيل أفكاره لا يفرّط بقضيّته " ( 21 )
و لكن ما الجدوى من الهروب إذا كانت الحريّة حلما جميلا صعب التحقّق " مفهوم الحريّة لا يشملك، بل حقّ اللّجوء لا يشملك. أنت مطارد. هنا و هناك و في كلّ مكان مطارد " ( 22 )
و هل يكون الاحتماء بالمكان مُنتهى ما كانت تصبو إليه ذاتُ البطل؟ " أنا لا أستطيع البقاء حبيسا، كسيحا أكثر ممّا فعلت " ( 23 )
و ما الفرق بين السّجن في الوطن و الغربة بعيدا عنه؟ " الغربة أقسى من السّجن " ( 24 )
مأساة متضخّمة أصبحت تعيشها هذه الشخصيّة الإشكاليّة بعد أن توالدت الأسئلة و تناسلت، فقرّرت أخيرا أن تختبر الحياة و أن تخرج من وكرها مُتسلّحة بنصائح خليل و توجيهاته " عليّ أن أعمل. أن أدخل تجربة المصاعب التّي تحدّثت عنها " ( 25 ) " قال لك: التّجربة هي المحكّ. فقبل التّجربة جميع النّاس مناضلون و ربّما أبطال، جميعهم يُمكن أن يقولوا و يكتبوا أشياء حسنة، ثمّ ماذا؟ المثابرة، الصّمود، و إلاّ فالضّياع. و أنت لا تُريد أن تضيع. أنت لا تسعى إلى البطولة، و لكنّ الخيانة لا تخطر لك على بال و ما دمت على المفترق فثبّت قدميك... بعزم على تقبّل التّجربة فكّر " ( 26 )
التّجربة كانت مهاد هذا الوعي الثّوري الذّي سيأخذ في التشكّل إلى أن يبلغ مداه الأقصى و الصّراع كان وسيلته النضاليّة لمواجهة قوى الدّاخل و الخارج.
فتجربة فيّاض مع المرأة كانت محكومة بصراع داخليّ أوصلته ثنائيّة الرّغبة و الرّهبة إلى ذروته: أمّا الرّغبة فتظهر في ذلك الاندفاع اللاّإرادي نحو المرأة " قالها و تحرّك كالمنوّم مغناطيسيّا نحو النّافذة.. وقف بتلهّف حذرا لئلاّ يراه أحد من أهل البيت و لمّا صار وراء السّتارة أخذته ارتعاشة خفيفة، أحسّ بحرارة إذ تخيّل الوجه الوضيء، المؤطّر بشعر مسبل، فوق عنق أبيض.. و تمثّل الكتفين، رمانتي الكتفين. فتصاعد الدّم إلى رأسه و خرج نهائيّا من نطاق التردّد و الحذر " ( 27 ) " كانت الفتاة تبتسمُ... التصق بالجدار... و وجد ذراعه ترتفع و تٌشير إليها، و من النّافذة الأخرى ارتفعت ذراع و أشارت إليه. و جعلت الغرفة تدور و انفتح باب و انسلّ جسم و ارتعشت شفاه، ثمّ ازت نوابض سرير، و انشقّ قميص، و تحرّرت حمامتان.. و فتح عينيه يا خمرة قانا الجليل تباركت المعجزة " ( 28 )

و أمّا الرّهبة فتلحّفت الواجب " إنّه يحسّ... بالحاجة إلى تحطيم الجليد المصطنع لحياته الدّاخليّة، و لكنّه فيما نذر نفسه له كان يفهم قيمة التّضحية التّي تعلو على معنى اللذّة " ( 29 )
فالمُناضل عليه أن يتحكّم في غرائزه و ينذر نفسه للقضيّة و لا ينشغل بقضايا جانبيّة يُمكن أن تحُول دون تحقيقه لرسالته " المفروض إنّك مناضل، و المناضل من حفظة الوصايا. و لا حقّ لك في أن تُلطّخ الصّورة. المسمارُ الذّي نزعته من قلبك أعده إلى مكانه، دع جُرحك ينزف. اشرب كأس الخلّ. اشعل عود ثقاب... " ( 30 )
و تجربة العمل اليدويّ كان الصّراع فيها مريرا، فمن الإهانة في المطعم " قالها و قذف ليرة فضيّة أرضا، و أمر فيّاض: خذها كانت الإهانة بالغة لم يلق فيّاض مثلها، لماذا الحياة بعد يا فيّاض؟ الموت الآن هو الحياة فافعلها و مت " ( 31 ) إلى العمل المُضني في ورشة البناء و في معمل المسامير.
التّجربة جعلت فيّاض يختبر الحياة و يعي طبيعة الصّراع الاجتماعي و يطّلع على أحوال الطّبقات المسحوقة و يُدرك أنّ الإنسان " لا يُمكن أن يكون فاترا.. الفتور نصف الحرارة، و أنصاف الحلول لا تأتي بالحلول. الإنسان ثوريّ أو غير ثوريّ " ( 32 )
تجربة أراد أن يتحرّر بها من أدران العجز و الخوف " و لكنّي لستُ صريحا، المجتمع علّمني أن أكونه، أن أتظاهر بما لا أحبّ. كنت سخيفا و كانت لي حماقاتي، لكنّها لم تكن عفويّة... أفعل كلّ شيء بحذر، بتدبير، بخوف من شيء ما، بدون أصالة، بدافع من الواجب " ( 33 ) و رام منها أن يتحوّل إلى مثقّف عضويّ ينخرط في قضايا الجماهير و يُعايش اليوميّ من حياتهم " أنا لا أعيش، أكتُب قصصا و لا أعيش حياة... مناضل؟ حسنا ليس النّضال داخل الجُدران " ( 34 )
رحلة فيّاض ولادة وعي طليعيّ تجاوز مرحلة العمل الفرديّ ( المعاناة الذاتيّة ) إلى نشر المبادئ الثّوريّة و الكفاح اليومي و العمل القيادي. و البرد لم يعُد من الثّلج بل من الغربة و من خواء الدّاخل " يا إلهي! الثّلج ليس باردا. لم يعُد باردا، إنّه يدخل من النّافذة ( 35 )
- الشخصيّة الفاعلة:
يُعبّر خليل عن هذه الشخصيّة، فرغم قسوة دولة الاستبداد و رغم تكشيرها الدّائم عن أنيابها إلاّ أنّ هذه الشخصيّة ما انفكّت تشعُر بالأنفة و الاعتداد و تتيقّن من قُدرتها على التحدّي و المقاومة و الكفاح و تُؤمن بمستطاعها على النّهوض من الحضيض و على تحقيق النّصر و المُبتغى " يبقى الصّمود أساس الموقف " ( 36 ) " كثيرون يتعذّبون... كثيرون يتركون أعمالهم و يتشرّدون، يدخلون السّجن و يخرجون و قد يدخلونه مرّات و يخرجون ثُمّ يُفرّطون بقضيّتهم. فما السّبب؟... إنّهم يفتقرون إلى روح المثابرة، ينقصهم الصّمود أمام المصاعب الصّغيرة أحيانا " ( 37 )
و قد كان خليل يُؤمن إيمانا قاطعا بدور التّجربة في شحذ همّة الإنسان و في صقل شخصيّته و في تمييز المناضل الحقيقي عن المناضل المزيّف " التّجربة هي المحكّ.. فقبل التّجربة جميع النّاس مناضلون و ربّما أبطال " ( 38 )
خليل هو رمز البطل الإيجابي الذّي " لا يندفع وراء مغنم خاصّ، بل يُضحّي لأجل قضيّة عامّة " ( 39 ) فها هو صوته يكاد يصمّ آذان المتخاذلين و المنبطحين و المستسلمين و يشدّ أزر المكافحين و المناضلين و المقاومين " لا تتخلّوا عن الدّرب. إنّه دربي، عليه آثار أقدامي، عليه الدّماء من أقدامي.. لا تهدموا البنيان. إنّه بنياني، بنياننا، إنّه لنا، ابننا، شرفنا، رجاؤنا
مستقبلنا، لا تقسموه، لا تخذلوه، لا تتهاونوا في أمره، لا تيأسوا من نصره.. غنّوا، غنّوا، و لنغنّ للذّين هناك، و تحت
كلّ كوكب، و في كلّ مكان، و في كلّ سجن و جميع المضطهدين، فلنغنّ " ( 40 ) ممّا أهّله لأن يكون " قدوة و ممارسة
و مفهوما نضاليّا " ( 41 ) " الدّرب الطّويل... أيّها السّائرون عليه ارفعوا رؤسكم، غنّوا، رغم السّياط غنّوا، رغم السلاسل غنّوا، لا تخافوا الحياة. الحياة لا تقتل إلاّ من يخافها " ( 42 )

إنّ هذه الشخصيّات الأساسيّة الأربع، تتظافر فيما بينها لتشكيل صورة الإنسان العربيّ المعاصر. إذ تتعايش هذه النّماذج البشريّة جنبا إلى جنب في مجتمعنا العربيّ و تدخل في علائق حواريّة تتقصّد كشف مبرّراتها الذاتيّة و مستنداتها الشخصيّة في نوع من السّجال الدّاخلي المتأصّل فـ " معرفة النّفس... ضروريّة و كذلك الخجل من النّفس حين ننفرد بها ضروريّ., ليت بعضهم يفعل هذا... ما ينقصنا، جميعا، هو أن ننظر إلى داخلنا و أن نُفكّر.. طويلا طويلا " ( 43 )
بهذا المعنى يتجاوز الأثر منطق الصّراع الخارجيّ عن طريق ارتداده على نفسه، فتغدو علاقة الذّات بذاتها إطار الصّراع الحقيقيّ و فضاء المواجهة الحقّة.
و الغاية من ذلك غلبة الذّات الفاعلة على قوى الكبت المترسّبة في الدّاخل و تأسيس الإنسان المكافح و المناضل القادر على التحرّر و الارتقاء نحو المجد.
و مهما يكن من أمر فإنّ حنّا مينة كان وفيّا في أثره هذا لتنوّع الطّباع الإنسانيّة و اختلافها " فاختفت و لو بدرجات نسبيّة مثاليّته المفرطة في آثاره السّابقة التّي لا ترى من الإنسان إلاّ وجهه النّاصع و قُدرته الخارقة و تمرّده المستمرّ. فاكتشفنا إنسانا فسيفسائيّا، قد يكون أحيانا متخاذلا و أحيانا انفعاليّا و أحيانا أخرى واعيا و ربّما فاعلا في بعض الأحيان، لكنّه لا يخرج بأيّ حال من الأحوال عن كونه إنسانا يشعر و يحسّ، يتألّم و يحزن، يفرح و يغضب، يحبّ و يكره، يتوالد و يتناسل " ( 44 )

3-2 العلاقات بين الشخصيّات:
لن نهتمّ في هذا المحور بكلّ العلاقات التّي تربط شخصيّات الأثر نظرا لتعدّدها و تنوّعّها و لكنّنا سنكتفي بالعلاقات التّي تُسيّج العالم الرّوائي لشخصيّة البطل فيّاض.
إنّ نظام العلاقات الذّي يُسيّج رحلة تشكّل الوعي الثّوري عند فيّاض قد اتّسم بالطّرافة، ذلك أنّه قد جعلنا أمام قوى متضاربة بعضها يدفع إلى الأمام و يحرّض على الفعل و بعضها الآخر يدفع إلى الوراء و يحرّض على تعطيل الفعل، و كأنّنا أمام مشاريع مُتضاربة تتحلّق حول شخصيّة البطل و تعمل على تحديد اتّجاهاتها ومساراتها.
و لعلّ خليل يُمثّل ذروة هذه الشخصيّات التّي أثّرت في فيّاض، ذلك أنّ العلاقة بينهما اتّسمت بالحبّ و التّواصل، فخليل مثّل الشخصيّة المُساعدة التّي ستُنمّي الوعي الثّوري في فيّاض " فقال خليل مُحاولا إيضاحها ( البروليتاريا ) تعني الحُكّام في بلاد المسكوب. – و لماذا في بلاد المسكوب يا خليل؟... لأنّ العمّال و الفلاّحين يحكمون هناك " ( 45 ) و سيدفعه إلى النّضال و خوض التّجربة " جرّب مرّة أخرى.. العمل هو الدّواء.. وطّن نفسك على ما أنت فيه. انس الماضي قليلا " ( 46 ) " التّجربة هي المحكّ... و ما دُمت على المفترق فثبّت قدميك لئلاّ تنزلق، فكّر... بأناة فكّر، بعزم على تقبّل التّجربة فكّر " ( 47 )
إنّهما رفيقا نضال " تعانقا أكثر من أخ و أخ، تعانقا.. السّائران في درب واحدة تعانقا " ( 48 ) بل إنّ خليل اعتبر في آخر
الرّواية أنّه بمثابة الأب الرّوحي لفيّاض " و عاد خليل يبتسم: هذا أنت إذن يا فيّاض؟.. و قال في نفسه: هذا هو ابني الحبيب الذّي به سُررت " الآن سيكتب بشكل أفضل.. اجتاز التّجربة " ( 49 ) " الآن يُمكن أن يعترف به " ( 50 )
مسيرة فيّاض إذن كانت جريا على سنّة هذا الأب الرّوحي الجديد ( خليل ) بعد أن قصّر الأب البيولوجي عن القيام بالدّور المطلوب، فقد كان الانفصال محدّد علاقته بفيّاض، إذ لم يكن يرى في الكتب إلاّ وسيلة لتضييع الوقت و لإفقاد الرّجل رجولته و كان يختلف اختلافا كليّا مع ابنه " أنت لست مثل أبيك. أنت لا تُشبهه لا خمر و لا نساء " ( 51 )
أمّا الشخصيّة الثّانية التّي أثّرت في فيّاض و ساهمت بطريقة غير مباشرة في نحت وعيه الثّوري، فهي شخصيّة أم بشير التّي كانت نموذج المرأة الشّجاعة " الحياة لا تقتل إلاّ الذّي يخافها " ( 52 ) و المُناضلة " تطوّعت لإيصال الطّعام إلى السّجناء قبل نقلهم إلى حلب " ( 53 ) و قد أعجب بها فيّاض و كانت وسيلته للاتّصال بالعالم الخارجي عندما كان مختبئا. و يُمكن أن تكون هذه المرأة تعويضا لتلك الأمّ البيولوجيّة ( نزهة ) التّي كانت شخصيّة معرقلة عجزت عن مواكبة تطوّر الوعي الثّوري لابنها فيّاض.
-----------------------------------------------------
1- الثّلج يأتي من النّافذة. ص: 25
2- نفسه. ص: 25
3- نفسه. ص: 218
4- نفسه. ص: 218
5- نفسه. ص: 11
6- نفسه. ص: 12
7- نفسه. ص: 81
8- نفسه. ص: 188
9- نفسه. ص: 80- 81
10- نفسه. ص: 306
11- نفسه. ص: 308
12- نفسه. ص: 306
13- نفسه. ص: 308
14- نفسه. ص: 17
15- نفسه. ص: 98
16- نفسه. ص: 23
17- نفسه. ص: 14
18- نفسه. ص: 16
19- نفسه. ص: 96
20- نفسه. ص: 36
21- نفسه. ص: 37
22- نفسه. ص. ص: 33- 34
23- نفسه. ص: 38
24- نفسه. ص: 39
25- نفسه. ص: 38
26- نفسه. ص: 81
27- نفسه. ص: 110
28- نفسه. ص: 124
29- نفسه. ص: 150
30- نفسه. ص: 198
31- نفسه. ص: 79
32- نفسه. ص: 172
33- نفسه. ص: 188
34- نفسه. ص: 188
35- نفسه. ص: 369
36- نفسه. ص: 38
37- نفسه. ص: 38
38- نفسه. ص: 38
39-هواجس في التّجربة الروائيّة. ص: 171
40- الثّلج يأتي من النّافذة. ص: 121
41- هواجس في التّجربة الروائيّة. ص: 171
42- الثّلج يأتي من النّافذة. ص: 120
43- نفسه. ص: 172
44- البحري ( جلال ): التّوالد النصّي و التّقاطع الأجناسي عند حنّا مينة، إشراف: محمّد القاضي، كليّة الآداب بمنّوبة، 2005. ص: 246
45- الثّلج يأتي من النّافذة. ص. ص: 47- 48
46- نفسه. ص: 41
47- نفسه. ص: 81
48- نفسه. ص: 87
49- نفسه. ص: 351
50- نفسه. ص: 353
51- نفسه. ص: 81
52- نفسه. ص: 117
53- نفسه. ص: 44
 

جلال البحري

-
مؤسّس الموقع
ناشر الموضوع
المشاركات
1,503
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
المستوى الدّراسي
دراسات معمّقة
الاختصاص
أدب عربي
المهنة
أستاذ
غير متّصل
    دراسة حول رواية: " الثّلج يأتي من النّافذة " لحنّا مينة
  • #4
دراسة حول رواية: " الثّلج يأتي من النّافذة " لحنّا مينة
إعداد: جلال البحري
( 4 )
3- المكان:
يلعب المكان دورا رئيسيّا في هذه الرّواية، فهو فاعل من الفواعل التّي واكبت التّجربة النضاليّة للبطل. و يمكن في هذا الصّدد تتبّع بعض الأمكنة المؤثّرة في هذه التّجربة:
1-3 الغرفة:
كانت في البداية غرفة فيّاض في منزل خليل ملجأه الوحيد و مُنتهى أحلامه، فرغم ضيقها و عتمتها فهي تُوحي بالسّكينة و الهدوء و لكنّها سُرعان ما تحوّلت إلى جحيم يكشف عجز الذّات و انبطاحها " و قد عرف فيّاض منذ وعى الضّرورة لاختبائه ماذا يعني العيش في ظروف الحياة السريّة بالنّسبة لإنسان مثله.. كان يتألّم بصمت و عجز و شعور بالخيبة " ( 1 ) بل استحالت أقسى من الغربة و السّجن " الغربة أقسى من السّجن، و أقسى منهما البقاء في بيت مكشوف كهذا لا يستطيع فيه حتّى الذّهاب إلى المرحاض نهارا و لا يستطيع أن يكتب و ليس معه من المال ما يضمن نفقاته البسيطة " ( 2 ) و جعلت البطل يشعر بالاستيلاب و الاغتراب بعد أن أحسّ بإهانة بالغة أصابت إنسانيّته في الصّميم " سأبقى بين هذه الجدران، أدور فيها كحيوان في قفص " ( 3 )
و رغم الانفراج النّسبي بعد انتقال البطل إلى غرفة جديدة في منزل جديد ( منزل جوزيف ) " حين استيقظ فيّاض في الصّباح أحسّ بدهشة لعمق السّكون من حواليه " ( 4 ) سُرعان ما استبدّت به مرّة أخرى مشاعر الضّيق و كأنّه جُبل على الحريّة و على ارتياد الأماكن المفتوحة " و هذا البيت على سعته عاجز عن تبديد الضّيق الذّي يستشعره " ( 5 )
إنّ الغرفة مهما اختلفت المنازل و تغيّرت لم تكن تستطيع أن تُبدّد ذلك السّجن النّفسي الدّاخلي الذّي اكتوى به البطل و جعل يُسقطه على الأشياء و الأماكن " أنت سجين بلا بيت " ( 6 )
لقد كانت الغرفة سجنا مُضاعفا زاد في مُعاناة فيّاض و ضخّم هواجسه و كوابيسه، كما أنّها رمز للقعود و الجمود و تعطيل الفعل الثّوري. إنّها انسحاب من الحياة و عجز عن المواجهة و النّضال و استسلام لما هو موجود. لذلك سيكون الوعي بضرورة الخروج منها و تكسير جدرانها أهمّ مرحلة في مسار تجربة فيّاض النّضاليّة.

2-3 النّافذة:
واكبت النّافذة مسيرة البطل طوال الرّواية و ساهمت في تكوين تجربته النضاليّة، ففي البداية لم تكن سوى كوّة في جدار تُتيح للبطل التطلّع إلى الخارج أو السّماح للمارّة أو الجيران بنظرة عابرة نحو الدّاخل، يُمكن لفيّاض في أيّ وقت أن يُعطّلها " كان على فيّاض لكي لا يراه أحد من الخارج أن يُغلق النّافذة الوحيدة في غرفته أو يُسدل السّتارة نهارا " ( 7 )
غير أنّ النّافذة سُرعان ما ستتحوّل إلى فاعل مُساعد سيُتيح لهذه الذّات التّي تشعر بغربة مركّبة خانقة أن تتحرّر جزئيّا، فتنقلها إلى الخارج و تنسج لها صلات جديدة " كان يُتابع المارّة من وراء ستارته بفضول من ينظر من كوّة سجن " ( 8 ) و تحملها إلى فضاءات فريدة تُشكّل قطعا مع الواقع الأليم و السّجن المُستحكم: عوالم تصعّد صوت الرّغبة المكبوت و تضخّم منطق الغرائز المقموع. فكانت النّافذة المُقابلة بوّابة هذه العوالم " لفتت فيّاض حركة مُفاجئة في النّافذة المُقابلة.. بدا وجه أنثويّ يرنو إليه " ( 9 ) المُجانبة لأحكام العقل و مواضعات المجتمع " و ماذا يهمّني من أمرها؟ لتنظر حيث تُريد، فلست طالب حُبّ و لا مطمح لي في غزل. أنا أشبه بالسّجين و السّجين لا أمل له في عابرة طريق. و صاحت غرائزه: " عابرة طريق؟ " و قال هو: " لا.. أنا لا أستطيع تضليل نفسي بهذه السّهولة.. ليست عابرة طريق.. إنّها موجودة قبالتي موجودة و يكفي أن أزيح السّتارة. لقد نظرت إليّ و لم تكن نظراتها جافّة و لا منكرة.. لم يكن فيها احتجاج على استراق النّظر " (10)
حركة البطل، إذن، و هو ينظر من خلال النّافذة كانت تسير في اتّجاهين اثنين: اتّجاه واقعيّ يحضر فيه البصر و تكمن قيمته في كسر السّجن الخارجي الذّي تجلّى في غياب التّواصل مع الآخر و اتّجاه خياليّ تُفعّل فيه البصيرة، تتجلّى أهميّته في كسر السّجن الدّاخليّ الذّي تمثّل في غياب التّواصل مع الغرائز " عليك يا فيّاض أن تعيش على الخيالات، على الطّيوف و أن تُصغي إلى العواء في غابة غرائزك " ( 11 )
النّافذة بهذا المعنى كانت رمزا لذلك الصّراع الذّي كان يضطرم في نفس فيّاض: بين متطلّبات الذّات " تحرّك كمنوّم مغناطيسيّا نحو النّافذة... و لمّا صار وراء السّتارة أخذته ارتعاشة خفيفة " ( 12 ) و متطلّبات الواجب " المفروض أنّك مناضل و المناضل من حفظة الوصايا. و لا حقّ لك في أن تُلطّخ الصّورة " ( 13 )
و بعد أن حسم فيّاض ذلك الصّراع لصالح نداء الواجب و صوت النّضال، مُخيّرا المُواجهة على الانسحاب و الواقع على الخيال و اليقظة على الحلم ستتحلّل رمزيّات النّافذة شيئا فشيئا و سيكسبها الخطاب الرّوائي رمزيّات جديدة تتساوق مع تطوّر شخصيّة البطل، فلم تعد إطارا باعثا على ترك النّضال و الكفاح دافعا إلى تحقيق متطلّبات النّفس من غرائز و رغبات بل استحالت عونا سرديّا مُنعشا للأمل و مُحقّقا لفاعليّة الإنسان و مُستطاعه.
إنّ ترك النّافذة مفتوحة في آخر الرّواية دليل على تعافي البطل و تصالحه مع ذاته و إيمانه الرّاسخ بالغد الأفضل " و صاح مدهوشا: كيف نسيتُ أن أغلق النّافذة؟ و إذ تذكّر أنّها كانت مفتوحة، أمس و قبله و بعده، ابتسم كطفل يُداري خطأه و قال: البرد ليس من الثّلج " ( 14 )
-------------------------------------------
1- الثّلج يأتي من النّافذة. ص: 36
2- نفسه. ص: 39
3- نفسه. ص: 40
4- نفسه. ص: 141
5- نفسه. ص: 157
6- نفسه. ص: 198
7- نفسه. ص: 35
8- نفسه. ص: 107
9- نفسه. ص: 107
10- نفسه. ص: 109- 110
11- نفسه. ص: 158
12- نفسه. ص: 110
13- نفسه. ص: 198
14- نفسه. ص: 371
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:

جلال البحري

-
مؤسّس الموقع
ناشر الموضوع
المشاركات
1,503
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
المستوى الدّراسي
دراسات معمّقة
الاختصاص
أدب عربي
المهنة
أستاذ
غير متّصل
    دراسة حول رواية: " الثّلج يأتي من النّافذة " لحنّا مينة
  • #5
دراسة حول رواية: " الثّلج يأتي من النّافذة " لحنّا مينة
إعداد: جلال البحري
( 5 )
II- الــخــطــاب
----------------------------------------------

الخطاب هو الطّرائق التّي يعتمدُها الرّاوي لصياغة خبره و إخراجه من حالة الاحتمال إلى حالة الإنجاز
الخطاب آليّات نقل و تأسيس
----------------------------------------------------------​
1- الزّمن:
لقد كان للشكلانيين الرّوس، و خاصّة توماتشفسكي، دور الرّيادة في لفت الأنظار إلى أهميّة عنصر الزّمن في تحليل النّصوص الأدبيّة. فالوقائع لا يمكن أن تجري بمعزل عن زمنيّة خاصّة تُؤطّرها و تُوجّه مسارها.
و تُشكّل ثنائيّة زمن الخبر و زمن الخطاب محور دراسة زمن النّصوص السرديّة. فإن كانت زمنيّة الخبر مُتعدّدة الأبعاد مُسايرة للتّتابع المنطقي للأحداث، فإنّ زمنيّة الخطاب أحاديّة البُعد غير مُقيّدة بذلك التّتابع المنطقي ممّا يجعلها تُنشئ زمنيّة خاصّة و هو ما يخلق مفارقات زمنيّة تنشأ بين الزّمنين.
و لتوضيح هذه المفارقات قسّم جيرار جينات و تودوروف دراسة زمن القصّ إلى ثلاثة أقسام:

- التّرتيب: و فيه يدرس تصرّف الخطاب في زمن الخبر من حيث ترتيب الأحداث. و ندرس في هذا المستوى: الارتداد و الاستباق
- المدّة: تتجسّد المدّة في الفرق بين مدّة استغراق إنجاز الحدث في الواقع و مدّة استغراقه في الخطاب. و نتناول في هذا المستوى: الوقف و الإضمار و المجمل و المشهد.
- التّواتر: و يتعلّق الأمر هنا بعلاقات التّكرار بين الأحداث في الخبر و الأحداث في الخطاب. و تتحدّد هذه العلاقات في ثلاثة أنواع و هي: القصّ الإفرادي و القصّ الإعادي و القصّ التّكراري.
1-1 المدّة: نهتمّ في هذا المستوى بمدى مسايرة زمن الأحداث لزمن الخطاب فـ " المدّة التّي يستغرقها إنجاز الحدث تختلف عن المدّة التّي يستغرقها الحديث عنه أو قراءته " ( 1 )
و تنقسم المدّة إلى أربع حالات هي:

- الإضمار: و يتمثّل في إسقاط فترة أو فترات زمنيّة من زمن الخبر، فيتمدّد تبعا لذلك زمن السّرد على حساب زمن الحدث. و الملاحظ أنّ هذه التقنية لم تحفل بها الرّواية كثيرا، و قد اتّصلت خصوصا بالشخصيّات الثانويّة.
- المُجمل: و يكمن في تلخيص بعض الأحداث الممتدّة في الزّمن في مقاطع سرديّة قليلة ممّا يجعل زمن السّرد أقصر من زمن الخبر
و من ذلك " فهاجر مع عائلته إلى بيروت، و هناك تزوّج، و صار له أولاد و صارت أمّه عجوزا و أبوه شيخا و صار هو كهلا " ( 2 )
- المشهد: و هنا يتطابق زمن الخبر مع زمن الخطاب، ممّا يُوحي بتوقّف الأحداث. و يظهر ذلك خصوصا في الحوار.
و من الملاحظ أنّ هذه التقنية قد اجتاحت النّسيج الرّوائي للأثر و تسرّبت إلى جميع مفاصله. فعبّرت عن عالم الشخصيّة الباطني و عن رؤاها الفكريّة و يظهر ذلك في الحوار الدّاخلي " و قال في نفسه: أيّ بشر هؤلاء الذّين يقضون حياتهم في حرمان متّصل؟ الموت، على أنّه الحرمان الأكبر ليس رهيبا.. إنّه ذروته و باب الخلاص منه، أمّا الرّهيب فهو هذا الحرمان اليومي المتّصل " ( 3 ) و كشفت عن تباين الرّؤى بين الشخصيّات عن طريق الحوار الخارجي " و ما أهميّة ذلك؟ قيمة الإنسان في ذاته لا في لقبه... فقال جوزيف: و لكنّ فيّاض غير معتاد... و ردّ خليل بحسم: سوف يعتاد " ( 4 ) إضافة إلى وظائف أخرى كثيرة اضطلع بها الحوار.

- الوقف: تقوم هذه التّقنية السرديّة على تضخّم زمن الخطاب على حساب زمن الأحداث لدرجة يبدو معها و كأنّ السّرد قد توقّف تماما و يظهر ذلك خصوصا في الوصف.
و اللاّفت تنامي الوقف في الرواية، إذ امتدّت المقاطع الوصفيّة و تشعّبت سواء أكان ذلك في وصف الشخصيّات أم في وصف الأمكنة. فالرّواية قادرة على سوق مختلف الصّفات و الأحوال دون أن تُضيّق عليها قوانين كتابيّة معلومة تظهر كأشدّ ما تظهر في القصّة القصيرة. إنّ هذا الجنس الأدبي بحكم انفتاحه الفضائي و البنائي و التّقني تستطيع إحداث ذلك البطء المُتناهي في إيقاع حركة السّرد إلى درجة السّكون و التوقّف.

ب- التّرتيب:
يُمكن أن يُدخل الكاتب على ترتيب أحداث الخبر في الخطاب بعض التّحويرات و التّغييرات. فقد يُقدّم حدثا على آخر و قد يُؤخّره. و أهمّ هذه التّحويرات: الارتداد و الاستباق

الارتداد: يتمثّل في إيقاف السّارد لمجرى تطوّر الأحداث ليعود لاستحضار أحداث ماضية. و لقد غلب الارتداد الخارجي و يُطلق على الاستحضارات التّي تبقى في جميع الأحوال و كيفما كان مداها خارج النّطاق الزّمني للمحكي الأوّل، على الرّواية. و قد وُظّف خصوصا للتّعريف بماضي الشخصيّات و طبيعة علاقاتها بباقي الشخصيّات. و يُمكن أن نسوق في هذا الإطار تلك الارتدادات الخارجيّة التّي حفلت بها الرّواية و مكّنتنا من تكوين صورة متكاملة و متناسقة على الشخصيّات. فخبرنا طفولة فيّاض " فيّاض ابني أيضا... وحيدي، بعد ثلاث بنات جاء " ( 5 ) " دعه يقرأ، يقولون إنّه فلتة.. المعلّمة قبّلته و قالت: لا أعرف ماذا سيكون " ( 6 ) و علمنا علاقته بأبيه " هذا الولد هشّ.. كان عليّ أن أبصق في فمه يوم وُلد " ( 7 ) و أمّه " نصحته ألاّ يُخاطر بنفسه " ( 8 ) و عرفنا بداية تشكّل الوعي الثّوري لديه " و لمّا سأل فيّاض والده عن سبب اعتقال خليل قال: لأنّه سنديكاتو " ( 9 ) " أمّا فيّاض فقد اهتمّ بإخفاء الكراريس التّي أخذها من خليل قبل مدّة " ( 10 ) " و انخراطه في العمل المقاوم إلى أن سجن و اضطرّ أخيرا إلى مغادرة وطنه.
و خبرنا عن طريق الاسترجاع بعض فصول طفولة خليل " كان خليل فتى جميلا في ذلك الحين. كانت له درّاجة.. كانت عتيقة... و لم يكن في الحيّ من يقرأ و يكتب سواه " و بعض أحداث شبابه بعد أن ثار على الظّلم الاجتماعي مُدافعا عن حقوق العمّال "استغرب أهل الحيّ، ذات صباح، أنّ خليل اعتقل و أرسل مع بعض العمّال إلى حلب لأنّه حسب تعبير أمّه: وضع يده في النّار " ( 11 ) وصولا إلى مغادرته لسورية بعد احتلال لواء الإسكندرون.

أمّا الارتداد الدّاخلي و هو عبارة عن رجعات إلى الوراء تركها السّارد خلفه، شريطة ألاّ يُجاوز مداها حدود زمن المحكي الأوّل لتصل لما هو أقدم و أسبق من بدايته و وظيفته التّذكير فقد حضر أيضا في الرّواية، فألفينا حشدا من الاسترجاعات المتداخلة و المتناقضة التّي عبّرت عن أزمة تلك الشخصيّة الإشكاليّة ( فيّاض ) التّي كانت محكومة بجملة من الثنائيّات الضديّة: الرّغبة و الرّهبة – الإمكان و الاستحالة - الأمل و اليأس – الإقدام و الإدبار – الماضي و الحاضر – الأنا و الآخر – الموجود و المنشود... ممّا أدخلها في الكثير من الأحيان في حالات من الجنون و الهذيان " في بيت أبي خليل أصدر حكمه الأوّل: عليّ ألاّ أحبّ... و في بيت جوزيف استأنف قلبه الحكم، و كاد يربح الدّعوى لولا أنّه ذهب ليعمل في البناء فوجد ثمّة مبرّرات كافية لردّ الاستئناف " ( 12 )

إنّ تنامي الارتداد الخارجي خصوصا يتماهي مع قدرة الجنس الرّوائي على ارتياد فضاءات بعيدة و أزمنة قصيّة بحكم انفتاحها و حريّتها.

- الاستباق: لم يكن حظّ الاستباق في هذا الأثر مثل حظّ الارتداد، إذ لا نجد استباقات كثيرة، و قد غلب عليها الاستباق الخارجي ( استشرافات مستقبليّة خارج الحدّ الزّمني للمحكي الأوّل ) و من ذلك تلك الأمنية التّي كانت تخامر ذهن فيّاض بالعودة إلى وطنه بعد أن تضخّمت معاناته و اشتدّت مأساته " يا شام! يا شام! لسوف أقبّل تُرابك يوما، و يا أمّي البعيدة، سأضع رأسي على صدرك، و يا إخواني الذّين هناك سأكون بينكم، و معكم، و ذلك أجدى. السّجن أفضل من الغربة. السّجن أفضل من الغربة " ( 13 ) فيكون الاستباق ضربا من السّلوان و محاولة للهروب من إسار الحاضر. و الشيء نفسه يظهر عندما تشعر الشخصيّة بوطأة القهر السياسي و الاجتماعي " الرجعيّون يحكمون الآن. و لسوف ينتهي حكمهم يوما.. سينتهي حكمهم يوما " ( 14 )
أمّا الاستباق الدّاخلي ( استشرافات مستقبليّة تقع داخل المدى الزّمني المرسوم للمحكي الأوّل دون أن تجاوزه ) فقد كان في الغالب وسيلة من وسائل المقاومة و الثّبات " اصمد و لسوف ينصهر المعدن " ( 15 )

ت- التّواتر:
نهتمّ في هذا المستوى بدراسة العلاقة بين تكرّر الحدث في الخبر و تكرّره في الخطاب، و نجد هنا ثلاثة أوجه هي:

- القصّ الإفرادي: يكون حينما تُروى حادثة واحدة مرّة واحدة
- القصّ الإعادي: يكون حينما تُروي حادثة واحدة أكثر من مرّة
- القصّ التكرّري: يكون حينما تُروى حوادث متعدّدة مرّة واحدة
اتّسمت رواية " الثّلج يأتي من النّافذة " بحضور لافت للقصّ الإعادي الذّي اجتاح أغلب مفاصلها، و قد خدم وظيفة الكشف عن حال الشخصيّة " لو عينيك شافته حين وصل يا خليل.. وجهه أصفر.. و شعره ملبّد، و فمه يابس.. " ( 16 ) و عن أزمتها في تردّدها بين الماضي و الحاضر " و في أوّل مرّة أوقفت، هزّني الخوف و سترتني الظّلمة. استطعت بجهد أن أسيطر على أعصابي و في النّظارة ضربوني حتّى تورّم وجهي و ازرق " ( 17 ) " و من جديد، بعد يوم أو يومين بعد أسبوع، أجرّ إلى التّحقيق و تتجدّد عمليّة التّعذيب و يتجدّد الألم و التّشويه، ثمّ يُغمى عليّ و يُسكبُ الماء على جسدي و أحمل في بطانية إلى الزنزانة ( 18 ) و بين الظهور و الاختفاء " أبلغت الأصدقاء أنّك في وضع صعب و أنّ البيت مراقب " ( 19 )

إنّ هذا القصّ الإعادي يُثبت تميّز الرّواية بذلك القدر من الحريّة في تقليب الموضوع الواحد من زوايا نظر متعدّدة. فهي لا تخضع لقوانين مضبوطة تُكبّل فعل الكتابة و تحدّ من انطلاقها.
----------------------------------------------
1- القاضي ( محمّد ): تحليل النصّ السّردي، دار الجنوب للنّشر، تونس، 1997، ص: 47
2- الثّلج يأتي من النّافذة. ص: 112
3- نفسه. ص: 364
4- نقسه. ص: 309
5- نفسه. ص: 27
6- نفسه. ص: 28
7- نفسه. ص: 17
8- نفسه. ص: 27
9- نفسه. ص. ص: 43- 44
10- نفسه. ص: 45
11- نفسه. ص: 43
12- نفسه. ص: 287
13- نفسه. ص: 97
14- نفسه. ص: 121
15- نفسه. ص: 203
16- نفسه. ص: 21
17- نفسه. ص: 147
18- نفسه. ص. ص: 96- 97
19- نفسه. ص: 5
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:

جلال البحري

-
مؤسّس الموقع
ناشر الموضوع
المشاركات
1,503
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
المستوى الدّراسي
دراسات معمّقة
الاختصاص
أدب عربي
المهنة
أستاذ
غير متّصل
    دراسة حول رواية: " الثّلج يأتي من النّافذة " لحنّا مينة
  • #6
دراسة حول رواية: " الثّلج يأتي من النّافذة " لحنّا مينة
إعداد: جلال البحري
( 6 )
2- الأساليب:
تعدّدت أنماط الكتابة في رواية " الثّلج يأتي من النّافذة " من سرد و وصف و حوار

1-2 السّرد: لقد سارت رواية " الثّلج من النّافذة " في بنيتها السرديّة في خطّين متوازين: السّرد الخطيّ الذّي واكب حياة فيّاض في لبنان طيلة سنتين من زمن القصّ و السّرد غير الخطيّ الذّي قام بسدّ تلك الفجوات التّي كانت تحول دون معرفة المتلقّي لماضي البطل و لماضي بعض الشخصيّات الأخرى ( خليل – جوزيف – أمّ بشير... ) عن طريق تقنية الارتداد ( السّرد الاسترجاعي )، فألفينا حركة السّرد منسجمة مع ذلك التردّد المتضخّم الذّي كانت تعيشه الشخصيّات بين الماضي و الحاضر كما أنّ نسق السّرد في الكثير من محطّات الرّواية يتماهى مع هذا المعنى.
أمّا الرّاوي فقد كان محايدا غير مشارك في الأحداث باعتبار حضور ضمير الغائب الذّي اجتاح النسيج الحكائي اجتياحا ( سرد موضوعي أو خارجي ) " عاد خليل بعد عام و نصف من حلب... عاد أسطورة " ( 1 )
و قد تعدّدت وظائف هذا الرّاوي و تنوّعت فمنها وظيفة السّرد أو الرّواية و منها وظيفة التّنسيق بين المقاطع الحواريّة " فقلّبت الجارة الشّابة شفتيها و قالت... فأنمط أبو خليل باتّجاه المطبخ و قال... و قالت الجارة الشّابة للكنّة " (2 ) و منها وظيفة التّعليق " ها هو في بيروت الآن.. الطّريق الطّريق ليس طويلا، و جدار المصاعب ليس عصيّا، كلّ شي مضى " ( 3 ) " غادر فراشه كمن يُغادر فراش المرض " ( 4 ) و منها التّوضيح " و هذه الملاحظة ردّ على استيضاح الأب " ( 5 ) " سبله المستقيمة واضحة، أن يمضي و يعمل.. و عليه أن يفعل و يلجم على وسوسة ما عداها " ( 6 )
و تبقى الرّؤية في هذه الرّواية رؤية من خلف ( محكي غير مبأر أو تبئير في درجة صفر ) تتفوّق فيها معرفة الرّاوي على معرفة الشخصيّة، و هو ما يُكسبه سُلطة مُطلقة في اختراق أعماقها و مطاردة أحاسيسها و النّبش في ذاكرتها " أيّتها الأشجار، يا أشجار الحديقة، يا عزيزتي.. لن يلبث هذا الثّلج أن يذوب. أتسمعين؟ ستشرق الشّمس و يذوب الثّلج و ينبت العشب، و ترعى الخراف " ( 7 )

2-2 الوصف: انتشر الوصف في جسد الرّواية انتشارا و قد كان وصفا خارجيّا انصبّ على وصف الشخصيّات من خلال تتبّع تفاصيلها الجسمانية و حركاتها في عالم الرّواية " دلف إلى البيت حيث تهاوى على مقعد قديم... كان يرتجف من البرد و التّعب " ( 8 ) أو تتبّع تفاصيل الأمكنة " كان البيت نظيفا مرتّبا، و حين وقف إلى نافذة الصّالون العريضة طالعته الحديقة التّي تتوسّط أضلاع البناية الكبيرة، تُطلّ عليها الشّرفات و النّوافذ المقابلة و المجاورة... " ( 9 ) كما كان الوصف داخليّا يرصد عوالم الشخصيّات النّفسيّة و يتتبّع أحلامها المجهضة وأمانيها الذّاوية و رغبتها في تكسير القيود و تحقيق المنشود " العجز أن يرضخ الإنسان للخوف لا أن يخاف، و هو لم يرضخ و من حقّه أن يسعد، لأنّه يسير في وضح النّهار " ( 10 )
اتّسم الوصف في هذه الرّواية بإغراقه في التّفاصيل حيث كان الواصف يتتبّع الأحداث و المشاهد بكلّ دقائقها انسجاما مع انفتاح الجنس الرّوائي و تماشيا مع المدرسة الأدبيّة التّي ينضوي تحتها الأثر ( المدرسة الواقعيّة )
3-2 الحوار: لعب الحوار دورا أساسيّا في هذه الرّواية و أبان حركة المعنى فيها، فالحوار الباطنيّ مثلا اضطلع بوظيفة استبطانيّة كشفت ما يعتمل في ذات البطل من مشاعر مضطربة و أحلام مجهضة نتيجة ذلك التباين بين الموجود و المنشود " كلّ شيء يجب أن يتحرّك، يدور، يثور " ( 11 ) ، كما بيّن طبيعة العلاقة الخاصّة التّي تربطه بخليل " أهانني. هنا أيضا أهان.. و ممّن؟ أنت أيضا يا خليل " ( 12 )
أمّا الحوار الخارجي فقد ألقى الضّوء أيضا على حالة البطل النفسيّة و رصد أفكاره و رؤاه و أبان علاقاته مع بقيّة الشخصيّات " اقترب منه و عانقه: يا صديقي، يا رفيقي، لماذا تُعذّب نفسك في غير طائل؟ تعال، و لنشربنّ كأسا، و لنغنّ " ( 13 )
و مهما يكن من أمر، فإنّ الحوار قد حقّق عدّة وظائف من أهمّها الوظيفة التّواصليّة الإخباريّة و الوظيفة التّعبيريّة و الوظيفة التّأثيريّة و الوظيفة التصويريّة الاستبطانيّة و الوظيفة الحجاجيّة و الوظيفة الإنشائيّة الجماليّة.
-----------------------------------------
1- الثّلج يأتي من النّافذة. ص: 46
2- نفسه. ص: 12
3- نفسه. ص: 15
4- نفسه. ص: 19
5- نفسه. ص: 31
6- نفسه. ص: 196
7- نفسه. ص: 365
8- نفسه. ص. ص: 7- 8
9- نفسه. ص: 142
10-نفسه. ص: 237
11- نفسه. ص: 95
12- نفسه. ص: 95
13- نفسه. ص: 97
 

جلال البحري

-
مؤسّس الموقع
ناشر الموضوع
المشاركات
1,503
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
المستوى الدّراسي
دراسات معمّقة
الاختصاص
أدب عربي
المهنة
أستاذ
غير متّصل
    دراسة حول رواية: " الثّلج يأتي من النّافذة " لحنّا مينة
  • #7
دراسة حول رواية: " الثّلج يأتي من النّافذة " لحنّا مينة
إعداد: جلال البحري
( 7 )
3- اللّغة: الحواريّة و تعدّد الأصوات
رغم انبناء النصّ الأدبي في بعده المكتوب على علائق تركيبيّة و صرفيّة و معجميّة و دلاليّة، فإنّ النّاقد الرّوسي ميخائيل باختين قد رفض الاعتماد كليّا على المبحث اللّساني عند مقاربة الجنس الرّوائي و أقرّ بنقائصه و شوائبه. فهو لا يسمح بالنّفاذ إلى كلّ الرّواية و إلى أسلوبيّتها المتفرّدة. لذلك نظر إلى اللّغة باعتبارها فضاء ترتحل فيه الإيديولوجيا و باعتبارها مفهوما للعالم.
الجنس الرّوائي إذن يكسّر هيمنة اللّغة الواحدة و يُفعّل دور التعدّد اللّساني بمختلف مظاهره. و هو ما يُدعّم حواريّة الرّواية انطلاقا من الملفوظ الواحد وصولا إلى الأجناس التعبيريّة المتخلّلة. و يُمكن في هذا الصّدد مُقاربة ظاهرة التعدّد اللّغوي من وجهتين مُتقاطعتين: وجهة تنظر إلى ظاهرة التعدّد داخل اللّغة الواحدة ( اللّغة العربيّة ) سواء كان تعدّدا مُرتبطا بوعي الشخصيّات أو الطّبقات أو الجماعات، و وجهة تنظر إلى التعدّد اللّغوي من مُنطلق الاختلاف و التّباين بين اللّغات المُتعدّدة.

1-3 التعدّد داخل الرّواية الواحدة: امتازت رواية " الثّلج يأتي من النّافذة " باُختراق ظاهرة التعدّد نسيج لغتها المخصوصة
( اللّغة العربيّة )، فألفينا حشدا من اللّغات المرتبطة بتجربة شخصيّة أو طبقيّة أو جماعيّة و المتوسّلة سجلاّت قوليّة متعدّدة و نبرات مختلفة.
و قد انتقينا سجلاّت قوليّة مخصوصة رأينا أنّها تستجيب للمعنى النّاظم للرّواية و مقاصدها الفكريّة و منها الحقل المعجمي الأدبي ( الكتب، الكتابة، اليوميّات، فلسفة، كلمة، موباسون – فلوبير – جورج صاند – فرانسوا ساغان... ) و الحقل المعجمي السّياسي ( الاشتراكيّة – البروليتاريا، الماركسيّة، الفاشيست، الحكومة... ) و الحقل المعجمي الاجتماعي ( السنديكاتو، العمّال الإضراب... ) و الحقل المعجمي الدّيني ( الصّلاة، الصّليب، قديسة، يهوذا، يسوع، دير، الكنيسة، المسيح، راهب، موسى بلال، الشّيطان... ) و الحقل المعجمي النّفسي ( عذاب، ذات، الإحساس، اليأس، شعور... )
إنّ هذه السجلاّت القوليّة تشي باُختراق ظاهرة التعدّد اللّغوي نصّ الرّواية ممّا يجعلنا نتحدّث عن لغات الرّواية و ليس عن لغة واحدة متكلّسة، و قد احتلّ الخطاب الإيديولوجي مكانة متميّزة و محوريّة فقد تسرّب إلى كلّ الخطابات و اخترقها و كان مُعبّرا عن حواريّتها و ضامنا للقائها الإقصائي ، فكلّ إيديولوجيا في استراتيجيّاتها الحجاجيّة تستنفر مختلف الخطابات الممكنة حتّى تدعم قناعاتها ( الإثبات ) و تدحض تصوّرات الإيديولوجيّات الأخرى ( النّفي )
و يُمكن في هذا الصّدد تحديد بعض الإيديولوجيّات المُرتحلة في رواية " الثّلج يأتي من النّافذة " و التّي دخلت في علاقة حواريّة أساسها الصّراع و غايتها إثبات الذّات و إقصاء الآخر:
- الإيديولوجيا المُتصالحة مع الواقع: وقد مثّلتها عدّة شخصيّات من أهمّها أمّ خليل و أمّ فيّاض: لا ترى هذه الإيديولوجيا جدوى من النّضال و المقاومة و تعتبرهما عملا عبثيّا لا طائل من ورائه، بل يؤدّيان دائما إلى الخسران و الاحتراق. " و ماذا تفيدهم السنديكا " ( 1 ) " الذّي يضع نفسه في الماء السّاخن يحرقها " ( 2 )
- الإيديولوجيا المُعادية للثّقافة و الأدب: و قد مثّلها سالم أبو فيّاض، إذ كان يرى أنّ فعل القراءة لا يزيد الإنسان إلاّ شقاء و أنّ الكتب تحول دون تحقيق الرّجل لرجولته " هذا الولد خاسر لا يهتمّ بغير الكتب... و ما نفع العقل؟ أتريدينه بنتا " ( 3 ) " و ما نفع الحرف؟ وحيدي يدفن نفسه في الكتب، مصيبة " ( 4 )
- الإيديولوجيا الرّومنسيّة الحالمة: عبّر فيّاض عن هذه الإيديولوجيا في بعض مفاصل الرّواية، فأمام تلك المفارقة الحادّة بين الموجود و المنشود و الرّغبة و الرّهبة، نراه يستسلم أحيانا إلى خياله فيرتحل إلى عوالم ممكنة تزول فيها المتناقضات و يتحقّق الانسجام و التّكامل " إنسان و إنسان... و الحياة ليست سيّئة بعد... في البدء كان آدم و كانت حوّاء و الأفعى.. و هنا آدم و حوّاء و لا أفعى.. شبح آدم و شبح حوّاء.. لا بأس، حتّى هذا، حيث لا يكون في المستطاع غيره، يبدو مقبولا. الأطياف في الأحلام، مقبولة أيضا " ( 5 )
- الإيديولوجيا الثوريّة: يرمز خليل و فيّاض إلى هذه الإيديولوجيا غير المتصالحة مع الواقع و الرّافضة للكائن و المتطلّعة إلى ما يجب أن يكون. إنّها إيديولوجيا صداميّة تُؤمن بالفعل الثّوري و تُفعّل النّضال من أجل افتكاك حقّها المسلوب و نحت كيانها و موقعها في هذا الوجود.
- الإيديولوجيا الماديّة: مثّلت هناء رمز هذه الإيديولوجيا، فقد كانت مبذّرة تحبّ التّباهي و التّفاخر و قد أجبرت زوجها جوزيف على سلوك طريقها، فترك وظيفته و نزح إلى بيروت و ظلّ يتقلّب من وظيفة إلى أخرى و ديونه التّي كان يُنفقها على شراء الكماليّات كانت تزداد و تتضخّم .
إنّ هذه الإيديولوجيّات المُتصارعة التّي تسرّبت إلى الرّواية تثبت أنّ اللّغة هي إطار اللّقاء، و هي لسان الاختلاف، و هي أيضا محور الصّراع.
كما أنّ هذه الإيديولوجيّات المتحاورة تفتح لنا المجال للحديث عن حواريّة أخرى بين المدارس و التيّارات الأدبيّة، فاللّغة الواقعيّة التّي اتّسم بها الخطاب الرّوائي وقع تطعيمها في بعض المقاطع بلغة ذات طبيعة شاعريّة إيحائيّة رومانسيّة، ممّا جعلنا أمام حواريّة بين المذهب الواقعي و المذهب الرّومانسي، و هذا يتساوق مع ما ألحّ عليه حنّا مينة تصوّرا و ممارسة، فالتيّار الواقعي بمختلف اتّجاهاته يحتاج إلى بعض خصائص المذهب الرّومانسي حتّى يغتني و يتطوّر، و اللّغة إحدى مظاهر هذه الخصائص " و لهذا فإنّ الرّومانتيكيّة بالنّسبة إلينا، لم تستنفد أغراضها، و هي علميّا، لن تستنفدها أبدا ما دامت تدخل في الواقعيّة، بكلّ أنواعها، و في الواقعيّة الاشتراكيّة بخاصّة " ( 6 ) " و قد حفلت رواياتي، بكثير من المنطلقات الرّومانيكيّة و لم تجانبها الواقعيّة بل استوعبتها لتغتني بها " ( 7 )
و تجدر الإشارة هنا إلى حواريّة طريفة وسمت رواية " الثّلج يأتي من النّافذة " و تتمثّل في ذلك الاستحضار للهجة المحليّة التّي عضدت الفصحى و زادتها حرارة و جماليّة و انسجمت مع مستلزمات الخطاب الأدبيّ الواقعيّ، و يُمكن التّمثيل لهذه اللّهجة المحليّة بهذه الكلمات: فالصو " ما دمتم بلا سند فالمسألة فالصو " ( 8 ) – الفاضي " يركضون على الفاضي " ( 9 ) – حرمة " افهميني يا حرمة " ( 10 )... و بهذه الجمل " إيش صاير عليك يا بو سبع " ( 11 ) " من يحط ينط يا معلّمي، الدّنيا ( و أشار بيده إشارة البلع ) شرالوب، و حلال على الشّاطر، عافية على بيضه " ( 12 )
غير أنّ هذا التعدّد لا يقتصر على حضور لغات ذاتيّة و طبقيّة و اجتماعيّة، و لكنّه يتجاوزها إلى لغات الأجناس التعبيريّة المتخلّلة بكلّ ما فيها من مُغايرة. من ذلك نجد حضورا:
- لليوميّات: " و في يوميّة أخرى يصف قريته... " جلست إلى صخرة كبيرة... " " ( 13 )
- للرّسالة: " و لمّا صار وحده فضّ الرّسالة و قرأها. كانت تصف حالة المشرّدين من أمثاله: " الوجوه الشّاحبة، السّادرة النّظرات... " ( 14 ) " و كانت الرّسالة تقول: صديقي الطيّب. قلت في إحدى يوميّاتك... " ( 15 )
- للحكمة: " تغرّب، ففي الغربة سبع فوائد " ( 16 )
- للمثل: " ايش صيرك على المرّ؟ قال الذّي أمرّ منه " ( 17 )
- للأغنية: " و من بعيد كانت فيروز: باها الشبّاك عالي أنت و بعيد وع اسمك يغني الحبّ و بعيد " ( 18 ) " و ارتفع صوته بأغنية شائعة، مطلعها " طلي من الطّاقة " و كان بسبب من لكنته الأرمنيّة يلفظها " طاكة " ( 19 )
إنّ لغة هذه الأجناس التعبيريّة و جماليّاتها الخاصّة تدخل في حواريّة فريدة داخل عالم الرّواية اللّغوي، فهي تضطلع بدور محوريّ في إغناء الرّواية لغويّا و في تعميق خطّها الحواري و بُعدها الجمالي، و كأنّ انبناء اللّغة يحتاج إلى لغات أخرى تشدّ أزرها و تُثبّت أسسها و تدعم بناءها. فتغدو الرّواية جنسا هجينا تتحقّق جماليّته من خلال ذلك التّفاعل بين الأجناس التّي استعارتها و ضمّتها إلى بنيانها. و هو ما يُشرّع الحديث عن " إمبرياليّة " الجنس الرّوائي.

إنّ هذا التعدّد اللّغوي، المُنضوي تحت لواء اللّغة اللّسانيّة الواحدة أو المُندرج ضمن أجناس تعبيريّة متخلّلة، لا يُمكن أن يحجب عنّا تعدّدا لغويّا آخر يتعلّق باُشتغال لغات أجنبيّة عديدة جنبا إلى جنب في جنس الرّواية.

2-3 التعدّد اللّغوي بين اللّغات الأجنبيّة المتنوّعة:
لقد شظّت الرّواية مركزيّة اللّغة العربيّة عن طريق استحضار لغات أجنبيّة متعدّدة، فتحوّل العالم الرّوائي إلى فضاء للتّعايش بين اللّغات من خلال مسالك حواريّة متعدّدة.
و يُمكن توضيح هذا التعدّد من خلال هذه الأمثلة: البيك – مودرن – مدام – الباكيت – الميتر – الأوتوبيس – الكاموفلاج – بروفسور – السانتوس – Telefrique " و للتّأكيد ردّد بالفرنسيّة: Le choses sont toujours comme ça " ( 20 ) " هذه بين قصصك، الـ Chef- d'oeuvre " ( 21 )

يُعبّر هذا التعدّد اللّغوي عن حياة اللّغة اللسانيّة داخل الإطار الاجتماعي، ذلك أنّها مخترقة من طرف لغات لسانيّة عديدة و هو ما يخلق حواريّتها الخاصّة و المتميّزة مع هذه اللّغات فتدخل نسيجها كلمات أجنبيّة و تعابير مختلفة.
-----------------------------------------------
1- الثّلج يأتي من النّافذة. ص: 25
2- نفسه. ص: 34
3- نفسه. ص: 18
4- نفسه. ص: 28
5- نفسه. ص: 367
6- هواجس في التّجربة الروائيّة. ص: 71
7- نفسه. ص: 108
8- الثّلج يأتي من النّافذة. ص: 25
9- نفسه. ص: 25
10- نفسه. ص: 35
11- نفسه. ص: 276
12- نفسه. ص: 275
13- نفسه. ص: 175
14- نفسه. ص: 189
15- نفسه. ص: 213
16- نفسه. ص: 292
17- نفسه. ص: 335
18- نفسه. ص: 217
19- نفسه. ص: 298
20- نفسه. ص: 356
21- نفسه. ص: 343
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:

جلال البحري

-
مؤسّس الموقع
ناشر الموضوع
المشاركات
1,503
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
المستوى الدّراسي
دراسات معمّقة
الاختصاص
أدب عربي
المهنة
أستاذ
غير متّصل
    دراسة حول رواية: " الثّلج يأتي من النّافذة " لحنّا مينة
  • #8
دراسة حول رواية: " الثّلج يأتي من النّافذة " لحنّا مينة
إعداد: جلال البحري
( 8 )

III- الــدّلالـــة
-----------------------------------------

الاكتفاء بدراسة الخبر و الخطاب يُغلق النصّ الأدبي على نفسه

و يعجز عن اكتشاف حواريّته مع نصّ الحياة
----------------------------------------------------​
حفلت رواية " الثّلج يأتي من النّافذة بدلالات متنوّعة، فتحت صلاتها بنصّ الحياة. و من هذه الدّلالات يُمكن أن نذكر:
1- الدّلالة النّفسيّة:
إنّ المُتتبّع لرواية " الثّلج يأتي من النّافذة " يلحظ بيسر تلك الأبعاد النّفسيّة التّي اجتاحت النّسيج الرّوائي و تلبّست شخصيّة البطل خصوصا، ذلك أنّ عمليّة القصّ كانت إبحارا في مجاهل التخفّي و اختراقا لمناطق ثاوية و استكشافا لسراديب مُتوارية عمل الرّاوي على كشفها شيئا فشيئا.
الرّواية بأساليبها الفنيّة تفتح خطّين متقاطعين يرتحل البطل في الأوّل في مجاهل ذاته باحثا عن توازنه النّفسي و يرتحل في الثّاني المتلقّي راصدا أغوار ذات البطل.
و بين الرّحلتين تكمن مأساة تلك الذّات التّي كان عليها أن تخوض صراعا مريرا ضدّ ثنائيّات ما فتئت تتغوّل و تتضخّم. فمنها ثنائيّة الرّغبة و الرّهبة التّي تشكّلت من خلال تفعيل ذلك الصّراع المأساوي المُتجسّد في الإقرار بإمكان التّلاقي و الوصال بين فيّاض و المرأة ( باختلاف عناوينها ) من ناحية إلى التّسليم بقدريّة الانفصال و التّباعد سواء جسّد ذلك الفرار أو الانشغال بالقضيّة من ناحية أخرى " كان يبحث عن عزاء، عن اقتناع بأنّه نافع، و إنّ ما يفعله يُسهم في القضيّة ففي هذا تبرير لحياته و فيه طاقة جديدة على مواجهة الصّعاب " ( 1 )
و كأنّ الواجب – القضيّة الذّي يجب أن يلتزم به البطل و لا يحيد عنه يتحوّل إلى عمليّة تصعيد لتلك الرّغبات التّي قُمعت في المهد. غير أنّ الرّواية في صفحاتها الأخيرة و في ذروة الوعي الثّوري و النّضالي الذّي انتهى إليه فيّاض تكشف أنّ الدّافع الغريزي لم يخبو نهائيّا، إذ ظلّ يحفر بعمق في الجدار الفاصل بين الوعي و اللاّوعي طالبا تحقيق إشباعه الذاتيّ إلى أن انبثق من جديد مع فتاة الجبل.
و منها ثنائيّة الحاضر و الماضي، فقد ظلّت تؤرّق البطل و تُنغّص عليه حياته. فالماضي تحوّل إلى حلم جميل و أمنية منشودة رغم قسوته و ألمه ، بل تحوّل إلى عائق يحول دون تكيّف الشخصيّة مع واقعها الجديد " لا تنس أن تتقبّل واقعك و تتغلّب عليه " (2 )
و منها ثنائيّة الموجود و المنشود، فالبطل كان يتوقّع أن يحقّق حريّته بمجرّد انتقاله في المكان " و مهما يكن الخطر هنا فهو أخفّ، و الشّعور بالحريّة جميل " ( 3 ) غير أنّ الموجود أجهض هذا التوقّع " الغربة أقسى من السّجن " ( 4 )
" أنت مُطارد، هنا و هناك و في كلّ مكان مُطارد " ( 5 )

2- الدّلالة الاجتماعيّة:
لقد رسمت لنا رواية " الثّلج يأتي من النّافذة " لوحة بانوراميّة عبّرت عن المجتمع العربي في فترة الخمسينات و ما شهده من تغيّرات تُوحي بتحوّلات جذريّة مستقبليّة.
و أهمّ نقطة صوّبت نحوها الرّواية قيم المجتمع في تحوّلاتها و تناقضاتها، إذ استطاع حنّا مينة في أثره أن يخترق المسكوت عنه و أن يلج إلى عوالم مُحكمة القفل، أبان من خلالها نفاق المؤسّسة الاجتماعيّة و كشف تناقضات توظيفها لسلّم القيم الواهي فماذا ننتظر من مجتمع نخر جسده دُود التّباين الطّبقي " ألا ترى حالنا؟ لا توجد ثياب على ظهورنا، و لقمة الخبز لا نحصُلُ عليها إلاّ بألف جهد " ( 6 ) " غير أنّ الجُوع كان قد أتى، لا على نضارة الأطفال بل على قُدرتهم على الحركة أيضا ( 7 ) و صارت المنفعة و المصلحة قصارى ما يصبو إليه " رغبة مجنونة تتملّك الجميع في الإثراء دون أيّ اهتمام بالوسيلة.. و رغبة مُماثلة تتملّك النّاس في نسيان منشئهم، ميكيافيلية صريحة " ( 8 ) و تضخّمت فيه هيكليّة الاستبداد و التّدجين و الإقصاء. فالمجتمع يفرض سلطة على الأفراد، تقوم بعمليّة سحق لكلّ رغبة في التحرّر و كلّ تفكير في التمرّد " الطّريق المسدود في وجهي ليس مسدودا بفعل القدر. المجتمع سدّه لأنّي تمرّدت عليه. المجتمع يُريد الكُلّ على شاكلته... المجتمع متسامح مع الجميع إلاّ الذّين يتمرّدون عليه " ( 9 ) و كلّ مطمح في استرجاع الحقّ المسلوب " مُمارسة الحقّ ممنوعة من زمان، من عهد آدم و حوّاء " ( 10 )
بهذا المعنى تتحوّل سلطة المؤسّسات الاجتماعيّة إلى ما يُشبه القدر المحتوم، و يستحيل الخروج عن نواميسها رهانا على البقاء و مغامرة بين تخوم الحياة و الموت.
لقد عرّت الرّواية ذلك الانقلاب القيمي الذّي استبدّ بذلك المجتمع عن طريق انتشار كلّ الرّذائل (القمار، البغاء، الخداع... ) و هو ما أصاب البطل بالدّهشة أوّلا ثمّ بالنّقمة و السّخط و الخيبة و القرف و الغضب ثانيا " و راح فيّاض المدهوش و النّاقم ينطوي في ذاته على شعور بالسّخط و الخيبة أمام هذا الفساد الداب في كلّ ما حول: منظر المقامر و الفتاة و صاحب المطعم المجاور و كلّ المشاهد المماثلة جعلته يشعر بالقرف و الغضب. ازداد اقتناعا أنّ الفساد الذّي يُعبّر عن نفسه بهذه الظّاهرات غدا عميق الجُذور حتّى صار هو الطّبيعة و خلافه الشّذوذ " ( 11 ) و ها هي أمّ بشير تصدح أيضا بهذه الحقيقة الرّهيبة " الأخلاق، أعوذ بالله، فسدت " ( 12 )
فساد يتلحّف المادّة و يجد مُبرّراته و مشروعيّته في ذلك المجتمع الآيل للسّقوط " كلّ رذيلة مُمكنة إذا دفع ثمنها، و في وسع الإنسان لا أن يُبدّل مهنته فقط بل هويّته و شخصيّته و بيئته و ماضيه كلّه إذا دفع " ( 13 )
و تبقى قضيّة المرأة محورا رئيسيّا في الرّواية، فهي تبدو سطحيّة عاجزة عن المواجهة في هذا المجتمع الشّرقي الذّكوري الذّي عمل على إسكاتها و إخراسها ممّا جعلها تستبطن مشاعر الخوف و الرّهبة " الحكومة هي الحكومة، عندها الشّرطة و الدّرك و الجيش و هي صاحبة الأمر و النّهي، و من عجبه يشتغل و من لا يعجبه يضرب رأسه بالصّخر " ( 14 ) و تُجبر في أحيان كثيرة على التّقوقع حول ذاتها و على البحث عن ذلك الفارس الذّي سيوفّر لها مُستلزمات الحماية و الأمان و سيحقّق رغباتها و أمانيها " غاصت دينيز في فراشها الوثير هذا الصّباح و هي تتمطّى و تتمدّد... كانت تضيقُ برتابة حياتها... و في هذا الوقت تأسف لأنّ فيّاض لم يأت إليها عُنوة كما فعل الرّاهب الشّاب بسيّدة البيت في رواية " الأحمر و الأسود " " ( 15 )
لقد حُوصرت المرأة في أدوار اجتماعيّة بالية جسّدتها ثقافة المطبخ و ثقافة الإنجاب، و أيّ محاولة لبناء الذّات المُتفرّدة و تحقيق الرّغبات المكبوتة تُجابه برصاص اجتماعي لا يرحم و لا يُخطئ أهدافه.
و تبقى أمّ بشير استثناء في الرّواية، فقد استطاعت أن تتمرّد على وضعيّتها و أن تساهم في النّضال الوطني و الاجتماعي و كذا الشّأن بصاحبة المطعم التّي امتازت بالشّجاعة و الجرأة و الإقدام.

3- الدّلالة السياسيّة:
نجحت الرّواية في رصد لعبة السّلطة و استجلاء تقنيّاتها القمعيّة التّي ما فتئت تعمل على إخضاع جموح الذّات الفرديّة و محاولة التحكّم في ردود أفعالها. سلطة رجعيّة " الرجعيّون يحكمون الآن " ( 16 ) أحكمت سيطرتها على مقدّرات وطن متوسّلة سياسة الحديد و النّار، متّبعة منطق القوّة لا قوّة المنطق " في كلّ ليلة أجرّ إلى التّحقيق، و في كلّ ليلة أجلد بالسّياط. وحين يُغمى عليّ يُسكب الماء الباردُ على جسدي. ينقعونه جيّدا، كالجلد قبل وضعه على السّندان ينقعونه و يضربونه حتّى يتمزّق و يخرج اللّحم مع السّياط و يتناثر على الجدران ( 17 ) عاملة على تفقير الشّعب " ألا ترى حالنا؟ لا تُوجد ثياب على ظهورنا، و لقمة الخبز لا نحصل عليها إلاّ بألف جهد " ( 18 ) و سلبه حقوقه " و لكنّ العمّال يئسوا... أربع ليرات في اليوم، و عطلة الأحد و الأعياد محسومة، و لا مأذونيّة أو طبابة.. و منذ عام و هم يُماطلون.. يرفضون تثبيتنا.. يخدعوننا.. يقولون: غدا، و بعد غد، و بعد شهر... و النّتيجة؟ " ( 19 ) و هو ما جعل الفرار من الوطن حلاّ أخيرا قد يُسعف الذّات و قد يُحقّق بعض كرامتها المهدورة.
كما وثّقت الرّواية مرحلة مفصليّة من تاريخ سوريا الحديث في فترة الخمسينات عندما حاولت السّلطة الرجعيّة السوريّة الانضمام إلى حلف بغداد الذّي أنشئ للتصدّي للاتّحاد السّوفياتي. و لمّا وجدت مقاومة من الوطنيين السوريين اتّبعت سياسة الحديد و النّار في وجوههم " الرجعيّة الحاكمة في سورية قد فتحت المعركة ضدّ الشّعب تمهيدا " للدّفاع المشترك " و هي تُطارد التقدّميين لتمرير هذا الحلف، و لكنّها لن تنجح " ( 20 )

4- الدّلالة الأدبيّة:
جدّدت رواية " الثّلج يأتي من النّافذة " ذلك الجدل حول مكانة الكاتب ( المثقّف ) و وظيفته، خصوصا و أنّ الوضع السياسي و الاجتماعي يُبرّر هذا الطّرح و يكسبه وجاهة و مشروعيّة.
فالكاتب " إنسان غير عادي " ( 21 ) يختلف عن عامّة النّاس لأنّه امتلك وعيا طليعيّا جعله قادرا على إدراك ما تحجّب من أسرار الوجود، إنّه صاحبُ رسالة ( توعية الجماهير و الدّفاع عن آمالهم و أحلامهم ) عليه أن يؤدّيها بكلّ اقتدار " إنّني أكتب لأجل الذّين هناك.. الذّين يذوون، يذوبون " ( 22 ) رغم المعاناة و الآلام " يا للمهنة الحزينة! أحرق أعصابي و لا أتوصّل إلى شيء... عليّ أن أبعث نفسي و إلاّ هلكت " ( 23 ) " أريدها كلمات من نار، تكوي، تحرق، و مع ذلك فهي لا تكوي و لا تحرق و لا تؤدّي إلى نتيجة " ( 24 ).
كما تميّز الرّواية بين نوعين من المثقّفين: المثقّف المثالي المنبتّ عن الواقع و قضايا الجماهير غير المُنخرط في النّضال و الكفاح " أنت لم تُفكّر بهذا لأنّك لم تجد الوقت للتّفكير... كُنت مُستعجلا للخروج و النّجاة بنفسك... كم تساءلتُ هل يكتُب ما هو مُستعدّ للتّضحية في سبيله، أم أنّ الكتابة لا تُكلّفه شيئا في الوقت الحاضر؟ " ( 25 ) و المثقّف العضوي المُلتزم بقضايا الجماهير و المُنخرط في نضالهم و مقاومتهم.
المثقّف الأوّل لا يكتب إلاّ حروفا باهتة غير قادرة على التغيير، أمّا المثقّف الثّاني فكتابته مداد من دم و حروف ناريّة ستثمر ذات يوم فـ" للقلم ضجّة " ( 26 )
-----------------------------------------------
1- الثّلج يأتي من النّافذة. ص: 86
2- نفسه. ص: 42
3- نفسه. ص: 16
4- نفسه. ص: 39
5- نفسه. ص. ص: 33 - 34
6- نفسه. ص: 113
7- نفسه. ص: 266
8- نفسه. ص: 175
9- نفسه. ص. ص: 261- 262
10- نفسه. ص: 16
11- نفسه. ص: 77
12- نفسه. ص: 126
13- نفسه. ص: 77
14- نفسه. ص: 218
15- نفسه. ص: 272
16- نفسه. ص: 121
17- نفسه. ص: 96
18- نفسه. ص: 113
19- نفسه. ص: 50
20- نفسه. ص: 23
21- نفسه. ص: 139
22- نفسه. ص: 95
23- نفسه. ص: 148
24- نفسه. ص: 96
25- نفسه. ص. ص: 36 - 37
26- نفسه. ص: 33
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:

جلال البحري

-
مؤسّس الموقع
ناشر الموضوع
المشاركات
1,503
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
المستوى الدّراسي
دراسات معمّقة
الاختصاص
أدب عربي
المهنة
أستاذ
غير متّصل
    دراسة حول رواية: " الثّلج يأتي من النّافذة " لحنّا مينة
  • #9
دراسة حول رواية: " الثّلج يأتي من النّافذة " لحنّا مينة
إعداد: جلال البحري
( 9 )
الـــخـــــــاتـــــمــــــــة
تكمن قيمة بحثنا هذا في كشفه عن خصوصيّة الجنس الرّوائي من خلال استجلاء القوانين المُتحكّمة في إنتاجه، فمن ناحية الخبر وقفنا على التعدّد الحدثي للرّواية و تنوّع ترسيماتها السرديّة و خضوعها للمثلّث الهرمي في جميع حركاتها السرديّة و تأسيسها لفضاء تخييليّ اقتحمته شخصيّات تضخّم عددها و تنوّعت انتماءاتها و تعقّدت العلاقات بينها.

و من ناحية الخطاب تعدّدت التقنيات السرديّة التّي كبحت حركة السّرد و إيقاعه، فقد تمدّد الوقف و المشهد و توسّع الارتداد الخارجي و القصّ الإعادي. كما تمّ تفعيل التعدّد اللّغوي بمختلف مظاهره و إنشاء حواريّة طريفة سلكت مسالك متعدّدة و وسمت الرّواية بتعدّد صوتيّ أزال كلّ وهم بالتّمركز حول الذّات و اعتبارها سدرة المنتهى.

و من ناحية الدّلالة تنوّعت المواضيع التّي تصدّت لها الرّواية و تشعّبت، إذ تطرّقت لأغلب القضايا التّي كانت تشغل المؤلّف و أراد التّعبير عنها بطريقة فنيّة تُزاوج بين نُبل القضيّة و مُتطلبّات الجنس الرّوائي الشكليّة و الجماليّة.

و الثّابت أنّ شخصيّة البطل في رواية " الثّلج يأتي من النّافذة " كانت ذروة هذا الإبداع الرّوائي الذّي استطاع التسلّل إلى ثنايا وعيها راصدا طبيعة تلك التحوّلات التّي ما فتئت تتضخّم و تتضخّم إلى درجة تحلّل الشخصيّة و تفسّخها، تائهة بين التّسميات و العناوين، فمن " فيّاض " السّؤال و الحيرة و الشكّ إلى " ميشيل " الدّهشة و البحث و الاستطلاع إلى " سليمان " الشدّة و القوّة و الفعل إلى " فيّاض " التّطهير و الانبعاث و العطاء. تحلّل تساوق مع مقاصد الكتابة و مع مشروع حنّا مينة في تأسيس ذلك البطل الإيجابي الذّي يخرج من فرديّته لينصهر في الذّات الجماعيّة، فيصبح نبضها الذّي لا يتوقّف و صوتها الذّي لا يلين... ألم يُعلن " فيّاض " هذه الحقيقة في بداية الرّواية في نوع من النّبوءة - المشروع: " على الجدول أن يصبّ في النّهر العظيم هذه العبارة تُلخّص قضيّتي " ( 1 )
-------------------------------------
1- الثّلج يأتي من النّافذة. ص. ص: 16 - 17
 

hala

عضو نشيط
منتدى تونس التربوي
المشاركات
447
الدّولة
TUNISIE
الولاية
TUNIS
المستوى الدّراسي
ماجستير
الاختصاص
تاريخ
المهنة
طالبة
غير متّصل
    دراسة حول رواية: " الثّلج يأتي من النّافذة " لحنّا مينة
  • #10
دراسة مفيدة و متميزة
دمت متألقا أستاذ جلال
 

المواضيع المتشابهة


أعلى أسفل