- المشاركات
- 735
- الدّولة
- تونس
- الولاية
- بنزرت
- م. الدّراسي
- خيار آخر
- الاختصاص
- -
- المهنة
- -
'حنة' محمد الباردي: كيف تكتب الذات سيرتَها روائياً
القدس العربي -
1ـ محمد الباردي أديب تونسي، باحث أكاديمي متخصص في النقد الأدبي الروائي، على وجه الخصوص، وله إسهام في الكتابة الروائية من خمسة أعمال، أولها (الملاح والسفينة، 1981) وآخرها (الكرنفال، 2003)، وفي بحر هذه السنة أصدر عملا جديدا بعنوان: 'حِنة' جنّسه بالشكل التالي: 'سيرة ذاتية روائية' (الكتاب الأول)، صادر عن مركز الرواية العربية، قابس، تونس. وللباردي أعمال بحثية مميزة في الدرس الأدبي نخص بالذكر منها: 'في نظرية الرواية' و'إنشائية الخطاب في الرواية العربية الحديثة' (2004) و'عندما تتكلم الذات ـ السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث' (2005).
2 ـ تختص هذه المقالة بقراءة العمل الأدبي الأخير للأستاذ محمد الباردي، وموضوعها استقصاء مادته، ومحاولة فحص أدواته، ومن وراء ذلك تعيين المسألة الاجناسية التي ينضوي فيها العمل، أبعد من الخصائص الفنية المعلومة، وأقرب إلى إمكانية تركيب فني نوعي، تتضافر فيه عناصر الواقع والذاكرة والمخيلة بجامع اللغة والأسلوب، معيّنا ومجازا. العمل هو السيرة بعنوانها أعلاه. وهو يلفت النظر من الوهلة الأولى بالتجنيس الموصوف به، ويضاعف الفضول والمساءلة. فمن نحو، ما زلنا نحن العرب نعتبر السيرة الذاتية مثار غموض، ومبعث تساؤلات، مرتبطة على الخصوص بتاريخ الأفذاذ، كما تنطوي على البوح وكشف المستور، مما له تبعات أخلاقية وغيرها معلومة، في مجتمع متخم بالمحظورات؛ ومن نحو ثان، وهذا مختص أساسا بالبنية الكتابية ووسائط التعبير والتبليغ داخلها، يشيد هذا العمل صرحه ويسوّغه ب' يافطة ' اسمها 'الروائية'، أي نسبته إلى جنس الرواية، الذي هو فن التخييل La fiction، فيكون مثبتا ونافيا لطبيعة مادة، جاهرا بها ومتلاعبا في آن.
3ـ تأتي كتابة هذه السيرة لاحقة بعملية تنظير قام بها مؤلِف واحد، إذ الباردي أعد بحثا عن هذا الفن السردي، قرأناه أولا فوجدناه أصيلا في بابه، تجاوز التأريخ الأدبي للنوع، وضبط جملة الخصائص المميزة له، إلى رصد التحولات النوعية داخله، عبر اختيار نصوص تقترح صيغ مقاربات متعددة له، ومن ثم تنقل القارئ بين سجلات مختلفة، حتى وهي تظهر متشابهة، فلا يكون من اليسير عندئذ الجزم في مفهوم التجنيس أدبيا، ولا انخراط المتلقي في تعاقد واضح مع غياب أو نسبية الميثاق القرائي المقترح للانخراط. بعبارة أخرى فإن محمد الباردي وهو يرسم صيرورة جنس أدبي، يصنع في الآن إشكالية تخلقه عناصرها مستمدة من السياق العام لتولد الأجناس الأدبية الحديثة عند العرب، من جهة، ومسنودة بالقلق الموضوعي القرين به بمفرده، من جهة أخرى، إضافة إلى المحاولات المتواصلة لتبيئته فنيا في أدبنا.
4ـ وعليه، يصبح من المشروع التساؤل إلى أي حد وضع المؤلف نفسه في علائق ومكونات الإشكالية، وكيف تجاوبت كتابته مع الطرفين الأساسين اللذين تتراوح بينهما، المستنبتتين من نزعة النصوص ذاتها، نحو ما هو سير ذاتية، وما هو سير ذاتية روائية، وصولا إلى المهجِّن إما فقدانا للزمام، أو عمدا على مقتضى ما يريد الكاتب لمدونة أن تصبح عليه، إذ الكتابة ليست حالة مزاجية، بل وعي فني وموضوعاتي محددان، ومرتهنة بنظام وأفق، وإلا صارت لغوا وخبط عشواء، لا عجب أن يكون الكتاب قلة واللغْويون كثرة متكاثرة. لقد ألحق الباردي بسيرته الذاتية، كما ألمعنا، نعت الروائية، وهذا وعي كامل من رجل باحث يستخدم للآخرين معايير ليحدد فنيتها، ويصنف انتسابها، قُل تجنيسها، فكيف وهو نفسه يدخل مضمار اللعب، ليدلي في هذا المجال، كما يقال، بدلوه. لابد أن نأخذ بالاعتبار لدى القراءة، التي هي عملية إعادة تأسيس للنص، من زاوية التلقي الإيجابي، المتفاعل، هذا الاشتراط، وليس الإسقاط بأي حال، يشجعنا على إيلائه من مدخل هذه القراءة عديد ملفوظات يكشف فيها الكاتب إما عن حيرته تجاه مصدر وطبيعة استذكاراته، أو تلفظ صريح يبث تارة في تخييليتها، تارة ثانية في واقعيتها الموثقة عنده، تراه يفعل ذلك كأنه مطالب بضرورة تقديم مسوغات لتجنيس الغلاف.
وإن نحن راكمنا مجموع الملفوظات الصريحة، تليها الإيحاءات الرمزية وتعبيراتها المجازية، فسنتوصل إلى متوازية ميتا ـ نصية ناتئة عارية فوق جلد نص السيرة، ومؤولة، موجهة لها.
5 ـ ها نحن نصل إلى الكلمة المفتاح، أعني التأويل، وهو مختلف تماما عن الذائقة، باعتباره عملية مشروطة بمنظومة عقلية، ولا شك أنها تبدأ بالتعريف، الذي يسبقه التعرف، الذي بدوره يتم بوسائط، في مقدمها تواتر نصوص، ينتظم في تراكمها نسق يصبح ناظما فيها، ومنظما لها، وهو ما يحدث مع الجنس الأدبي عموما، وحينما تحدث الاختراقات وتتعدد (الغارات) على النسق، فهو إما يتململ ليفسح مكانا صغيرا أو كبيرا إلى جواره لوافد جديد (منزاح عنه في الوقت نفسه) وهذا حال النعوت والتسميات الملحقة بالسيرة الذاتية، التي تظل هنا جنسا مرجعيا أصلا، أو يؤدي تراكم (الانزياح) كخاصية مفصلية في النص السير ذاتي، مثلا، إلى إبدال يأتي بنسق مغاير، رغم أنه لا يقطع حبل السرة، كذلك الذي بتنا نقرأه مع نصوص ما يسمى ب'التخييل الذاتي' (Lauto- fiction)، يظهر فرعا (نوعا صغيرا) له علاقة بالأب الأصل، وإن صار شيئا آخر يقيمه أجناسيا في وضع أدبي شبه مستقل، نظير ما يتميز به الآن في الآداب الغربية، وقليل منه صحيح ومقبول في أدبنا لغلبة التلفيق، ينمان أحيانا عن خفة وجهل.
وتعريف السيرة الذاتية يا سادة لا غبار عليه، ومن حسن الحظ أن له (نبيه) الذي لا يجادل أحد بين الدارسين الثقاة، غربا وعُربا، في درسه، الجامعي الفرنسي فليب لوجون(1938 ـ) في قوله إنها: 'حكي استيعادي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص، وذلك عندما يركز على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصيته بصفة خاصة'. وإذا ما ظهر للبعض، ومنهم السيد الباردي نفسه، أن لوجون انقلب على نظريته الأم المبنية على'الميثاق السير ذاتي' (Le pacte autobiographique 1975، فلا شيء يمنع من أن ثوابت التعريف، واشتراطاته قائمة، ولوجون نفسه عاد وعدّل بالإضافة والتحوير، متمثلين خصوصا في مبحثيه اللاحقين:'أنا هو آخر'1980Je est un autre)) و' أنا أيضا'(Moi aui ) (1986)، ثم يمدنا بعده جورج ماي في كتابه المشتهر عن هذا الجنس (1979) بما يسمح بكسر آلية التعريف الصلبة، وتعويضها بغيرها استقرأها من شريحة نصوص موسعة، أسعفت بانسيابية الجنس السيرـ ذاتي وكسر الحدود الصارمة التي تفصله عن قرائن أو نظائر سردية، وأخرى مجاورة، وهو ما يقود ماي في النهاية إلى استخلاص سيجد فيه كثيرون ضالتهم، مفاده أنه لا يوجد مثلا بين السيرة الذاتية والمذكرات، أو بين الأولى دائما والرواية، خط فاصل، وكل ما في الأمر أنها مسألة نسب ودرجات.
6 ـ سيرة محمد الباردي ذاتية حقا، ينطبق عليها تعريف لوجون حرفا، ويتطابق فيها السارد والمؤلف تماما. ينتظم في سلكها جميع ما عرفناه في أدبنا عن هذا النوع مذ شاده بنبوغ العميد طه حسين في كتاب 'الأيام'، ثم تسلسل في متون باتت معروفة، بين مشرق ومغرب، سمحت لهذا الفن، فن التعبير عن الذات بطريق السرد والكشف والبوح، بالرسوخ وضمنت له بعض الاعتراف، لا كله. لنقل بأن اعتماد هذا القول ليس ميسرا بداهة، كما لا يخلو من خطر، فضلا عن أنه يبدو كعبارة آخر مطاف، ولذلك فهو خلافا لتوقع بعض مثقلٌ بالتبعات، لا سيما حين يتصدى له الكبار، ممن لهم باع في سياسة وحكم، أو عُلوّ كعب في علم وفن، حياتهم حافلة، ومراحلها ولا شك تطوي أسرارا، وهذا في مجتمع يتسقط الأخبار ويعتبر الذات عورة تحتاج إلى ستر دائم، والكتابة مهما تسترت وازّينت تفشي وتبوح، هذا موضوعها. سيرة الباردي (في الكتاب الأول الذي بين يدينا، إذ يفترض أن يلتحق به جزء ثان) مخصوصة بطفولة صاحبها، يحرثها طولا وعرضا، كما عاشها، وتقلّب في مرابع صباه، مذ بدأ يرى جيدا، ويدرك، ويحس ويشم، تتماسك المرئيات في عينيه، والأحاسيس تنتفض في نفسه، ما كاد يترك قريبا ولا جارا ولا مخلوقا ممن عرف، ولا حيوانا عاشر، ولا مكانا انتقل إليه، أو حالة متصلة بذكرى، قرينة بمعيش حي إلا وجلبه من مخزن الماضي إلى مسرح حاضر الكتابة، حيا ينبض إما واقعا خاما أو في غلالة، أو هو بينهما حائر، متسائل بين واقع وخيال.
7 ـ سيرة محمد الباردي، هي واقع كامل، عن بداية حياة إنسان، في بيئة محددة، بين مكان وزمان معينين. في الجنوب التونسي، وبالضبط في مدينة قابس، بالأحرى فضاؤها العام، المتراوح بين جانب الحاضرة والامتداد القروي في الواحات (لا تتم الإشارة إلى الإسم إلا في نهاية الكتاب، في مقام التوقيع، عند الإعلان عن مكان الكتابة وتاريخها). وبالطبع يحتاج هذا الفن إلى دواع للإقدام عليه، وإلا فلمن شاء أن يدبّج ما يشاء. 'لماذا تكتب حياتك؟ وأي حياة تستحق أن تكتب؟'(9). سنلاقي الجواب في نهاية الطريق الأول من هذه الحياة، حين يكتمل تعرفنا على حياة طفل عاش في الضنك، وعرف وأهلَه المشاق والأهوال، وأمكنه في معمعها أن ينتصر على الموت بإرادة البقاء، كأنما تنزع إلى الخلود وهي تخطب تدوين ذات بالكتابة.
وحين نقارنها خاصة بوضع صاحبها في حاضره، من يسر عيش، ومكانة علمية، وبلوغ سن توافق النوع (مواليد1947) (81)؛ 'عندما تكبر وتصبح أستاذا كبيرا في الجامعة' (16) وتبدل لأحوال الفضاء في كل مظاهره. إن الانتصار العظيم الذي حققه طه حسين على عجزه، والارتقاء الذي حققه بالتعليم ُصعُداً من قاع قرية مهملة إلى قلب قلعة الأزهر، وما تلاه، هو حجة كتابة سيرته، وكذلك بنسبة معينة، يقبس الباردي من العميد هذه الحجة، وفي كتابه النظري عن السيرة لا يخفي إعجابه به، فيرى أن حياته تستحق أن تكتب، مثلما وجد المغربي محمد شكري أن شقاءه وشذوذ عيشه، يؤهلانه لينقل ذلك إلى الناس على النحو الذي نعلم.
8 ـ وإذا كانت السيرة الذاتية تُعرّف إجمالا بتدوين حياة واقعية وشخصية، بضمير المتكلم غالبا، فإن مناط الاهتمام فيها يكون الشخص نفسه وحوله وأبعد منه، بما يرسم صورة المحيط، البشرية والاجتماعية والثقافية، ويكشف عن خفايا هي بمثابة البنية العميقة للمجتمع. وعندي أن السيرة الباردية تكتسب أهميتها في موضوعها، في مادتها، قبل الوصول إلى تمظهرها الشكلي، إذ انطلاقا من الطفل الذي كان، تنتصب مرآة ـ مرايا تنعكس عليها صور البيئة وأحوال الزمان، ل'قابُسَ'، في قلب الجنوب، في قلب تونس، التي في وضع الاحتلال الأجنبي، ومعترك الصراع الاستعماري؛ مرآة ـ مرايا تطوف بالصيغة 'الستاندالية' ذاتها لتعكس معيش مجتمع وأنماط سلوكه وأخلاقه تراتبيته وثقافته وكيفية كسبه، وتنوعه العرقي والديني، وإجمالا صورته الحضارية المركّبة، إلى حد أن سيرة الطفولة إنما تظهر، وتؤوّل، أيضا، ذريعة أحيانا لما هو أكبر منها، أخصب، بل ذا ما يعطيها الأهمية، بما يحوّل فقرَها المادي المدقع إلى غنى لا ينكر. بالطبع، نحن هنا أمام وعي للذات تطور في غدها، وقد أصبح 'أنا آخر'، فلا ذات تعي نفسها مبكرا، وهي'تطل على الأيام الماضية' (25)؛ 'لكنك لن تستطيع أن تعيش تلك اللحظة مهما فعلت، وها أنت تريد أن تستعيد ألقها وحرارتها'(13). وهو ما يقود إلى معضلة كتابة السيرة الذاتية عموما، ورهان كل كاتب معها على حدة، خصوصا.
9 ـ هو الوعي الذي تنتجه الكتابة لدى قيامها بإعادة ترتيب مواد الذاكرة الخام، ('وأنت تحاول أن ترتب حياتك الماضية وتنقذ ما بقي منها') (27) وتوزيعها وفق نظام يكسر الزمن الكرونولوجي الذي تتسلسل فيه سيرة صاحبها فيما تمضي دائما بإيقاع متقدم. إنه يتمثل في سرد الذات ومحيطها من خلال تيمة محددة، أو إنك واجد نفسك في قلب هذه التيمة، ومنها إلى أخرى: الفقر، الحرمان، اليتم، الترمل، الظلم، العجز، القناعة، الصبر، الشجاعة، الغدر، القسوة، الفقد، البساطة، الكبرياء، الكرامة، الجشع، الشبق، الوحدة، إلخ.. مما يتراوح، أيضا، بين المشاعر والقيم. تمضي الفصول العشرون من سيرة الباردي وهي تقيم حول كل واحدة من هذه الحوافز مدارا حكائيا، وتصويرا بيئيا، وتلوينا طبيعيا، وإضاءة اجتماعية، وحفرا أنتربولوجيا، واستبطانا نفسيا، ونقدا أخلاقيا، كله ضمن صورة بانورامية، الأنا السير ذاتية فيها الملتقى، منه تتفرق سبل الحكي والمحكيات أكثر منها مركز التبئير بالضرورة، رغم حظوتها ب'البطولة' بحكم النوع الذي تندرج فيه كتابيا. علما بأن أي أنا لا توجد منفصلة عن المجموع، وذكاء السارد (المؤلف) لإبعاد شبهة تضخيم الذات عنها كشفها عبر وبواسطة حيوات الآخرين.
10 ـ يقودنا هذا إلى الإقرار بأن السيرة الذاتية ليست مجرد خطاب عن مسار أنا في سياق زمكاني، ولغاية بعينها، إذ لابد من وجود الغاية، وفي حالة الباردي، قياسا بشيخه التليد طه حسين، فالأمر يتعلق ب:1ـ تمجيد قيم. 2ـ نقد قيم ونمط عيش مرتبط بها.3ـ رصد تبدل الأحوال. 4ـ منه التعبير عن إحساس وجودي بالزمن. 5ـ جعل الكتابة وسيطا لمقاومة الفناء.
لو اقتصرنا على هذه البراديغمات لقلنا إن هناك الغاية الكبرى التي يجدر بكل كاتب أن يضع إنشاءه لها، أو لا يكون، وبها يغلي شريان الأدب ويشتدّ ساعده: إنها بناء المعنى، ولو بالوهم.
11 ـ من هذا الوهم محاولة استعادة ما فات بالكتابة لتخليص الأنا مع حياتها من'براثن النسيان، والنسيان آفة تلتهم كل شيء.'(27). لنتفق مرة أخرى على أن السيرة الذاتية تسرد حياة شخص واقعي، وتُقرأ وفق ميثاق معلوم، ولكي تفعل لامناص لها من تحولها إلى حكاية أو إنها تنقلب إلى هذه الصيغة رغم صاحبها، والعبرة في النهاية بالتحويل الذي يتم، بكيميائه تتفاعل فيها عناصر شتى، لاشك من بينها ما يستخدم في الرواية أو فن التخييل عموما. من هنا ننتقل إلى صعيد مغاير من التلقي حفزنا عليه صعيد كتابة مغاير، هو الذي استنتجه الباحثون الإنشائيون من التغيرات والتلوينات السياقية للمدونات السيرـ ذاتية، فصنفوها إلى أنساق فنية متفاوتة: سيرة ذاتية روائية؛ سيرة روائية؛ رواية سير ذاتية، وأخيرا تخييلا ذاتيا .
أراد محمد الباردي أن ينخرط في هذه اللعبة، ربما لأنه لم يجد بُدا منها. في كل فصل من فصول كتابه ما ينفك يعلن تشكيكه في صعوبة استعادة الماضي كما مر. من شبه استحالة التذكر، من سطوة النسيان، من الذاكرة التي تخون، من شياطين تتراقص، تتباعد، تتقارب(71). ثم رويدا، رويدا، يوجه قارئه ليغير ميثاق التلقي، أي أنت أيها القارئ اللبيب اقرأ نصي على نسقين، وهاك وصفتي ودليل السير الجديد: 'هذه الأشياء [وقائع ومحكيات الطفولة] عشتها ورأيتها ذات مرة ومرة. لكنها الآن أطياف تتراقص أمامي ولا أستطيع أن أمسك بها. ومع ذلك سأحاول أن ألاعبها، أن أجري عليها لعبتي الخاصة. لن يستطيع المرء أن يعيش مرتين [إنك لا تسبح في النهر مرتين..! تقول الحكمة اليونانية] وإن فعل فلن تكون المرة الثانية إلا أكذوبة اصطنعها الخيال.'(71).
12 ـ ملاعبة، لعب، أكذوبة، خيال. بهذه الأدوات ـ القوالب يمضي محمد الباردي في بناء عالمه وصياغة كتابه، وبرقشة زمنه بحنة، أو الحناء التي تشتهر بها منطقة قابس التونسية، لا أجود منها مادة، ولا أبهى خِضابا. والمسألة ليست استعارة، ولا نزوعا شعريا، ولا تقتصر على رغبة المؤلف في أن ينافس نثرُه حِناء ربوع طفولته، وقد تكون هذا كله، إذ المهم هو ما سيعمد إليه المؤلف فعلا لتنفيذ خطته بالأجرأة الفنية الخالصة، حيث ستتحول سيرة الشخص الواقعي إلى قصة تُسرد بالأدوات الروائية، يرقّص أناه بين الضمائر، المتكلم والمخاطب خاصة، يستخدم الوصف للشخصية والمجال، ينتقل من العين المبصرة إلى البصيرة الحالمة، يتراوح بين التعيين والإيحاء، وأقوى عُدته صُنعُ السرد بوشيجة التحبيك وضمان استمراره بحبكة التشويق كي يضمن القارئ، ويوفر له ما يستطيع من إمتاع، فأي قيمة لسرد لا يمتع؟!
لاشك، أفلح محمد الباردي في الانتقال الانسيابي بين نسق التوثيق ونسق التخييل، وكيفما كان الحال فهو يمتلك قدرة استدراج القارئ إلى لعبته، وإيهامه حد تصديق أكذوبته بواسطة فن القص، أي فن الملاعبة، مثل الملاطفة، فيها إغراء وسحر وتليين غرضها الإيقاع بالمحبوب. وكأن السيرة الذاتية وحدها نهج فجّ وحكي جلف، إذا عرضت حقائقها عارية، ووقائعها خلوا من الوشي، غير محناة، بلا خضاب، حتى والخضاب آيل لا محالة إلى زوال، وكذلك الحياة، إنما القص، الروائية تؤجل الفناء، لكونها تنقض الحقيقة. من يستطيع في العالم العربي، في بيئاتنا التي تختنق فيها الأصوات الفردية وتحاصر بالممنوعات أن يكشف عورته النفسية، فكيف بالخارجية، ولا يتعرض للرجم المعنوي والمادي على السواء، من هذه الناحية يصبح التخيل والتسريب التخييليان في صلب المادة السير ـ ذاتية بمثابة تقية لا مناص منها لكل من رغب في سرد حياته، واستخلاص عبرة معينة منها، أو لا سبيل له إلا الكذب الأخلاقي لا الفني، في حين أن لا بديل للفنان عن رؤية البحتري الشهيرة في أن'أعذب الشعر أكذبه'.
14 ـ أريد أن أنتهي من هذه القراءة باستخلاص جوهري مفاده، بعد الملاحظات السالفة، أن النقاش حول المسألة الاجناسية بمناسبة حديثنا عن هذا الكتاب البديع حقا، ليلفت نظرنا مرة أخرى إلى الوضع المركزي لمفهوم الجنس في الكتابة الأدبية، وإلى أن تنوع وتغاير العناصر المتعالقة في بنية تعبيرية ما لا يمكن أن تتلف هذه البنية، فالسيرة الذاتية هي الأصل، والقول على لسان الباردي تسويغا لمدونته بأنه:' إذا كانت معظم الروايات هي سيرة ذاتية مموهة، فإن هذه السيرة الذاتية هي رواية مموهة.'(151) لا يغير من جوهرها، وإنما يحور أو يزين، إذ العبرة في الفن بالنظام، والجسد المنسق(السيرة) هو الأصل ثم تزينه الحناء (الرواية).
القدس العربي -
1ـ محمد الباردي أديب تونسي، باحث أكاديمي متخصص في النقد الأدبي الروائي، على وجه الخصوص، وله إسهام في الكتابة الروائية من خمسة أعمال، أولها (الملاح والسفينة، 1981) وآخرها (الكرنفال، 2003)، وفي بحر هذه السنة أصدر عملا جديدا بعنوان: 'حِنة' جنّسه بالشكل التالي: 'سيرة ذاتية روائية' (الكتاب الأول)، صادر عن مركز الرواية العربية، قابس، تونس. وللباردي أعمال بحثية مميزة في الدرس الأدبي نخص بالذكر منها: 'في نظرية الرواية' و'إنشائية الخطاب في الرواية العربية الحديثة' (2004) و'عندما تتكلم الذات ـ السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث' (2005).
2 ـ تختص هذه المقالة بقراءة العمل الأدبي الأخير للأستاذ محمد الباردي، وموضوعها استقصاء مادته، ومحاولة فحص أدواته، ومن وراء ذلك تعيين المسألة الاجناسية التي ينضوي فيها العمل، أبعد من الخصائص الفنية المعلومة، وأقرب إلى إمكانية تركيب فني نوعي، تتضافر فيه عناصر الواقع والذاكرة والمخيلة بجامع اللغة والأسلوب، معيّنا ومجازا. العمل هو السيرة بعنوانها أعلاه. وهو يلفت النظر من الوهلة الأولى بالتجنيس الموصوف به، ويضاعف الفضول والمساءلة. فمن نحو، ما زلنا نحن العرب نعتبر السيرة الذاتية مثار غموض، ومبعث تساؤلات، مرتبطة على الخصوص بتاريخ الأفذاذ، كما تنطوي على البوح وكشف المستور، مما له تبعات أخلاقية وغيرها معلومة، في مجتمع متخم بالمحظورات؛ ومن نحو ثان، وهذا مختص أساسا بالبنية الكتابية ووسائط التعبير والتبليغ داخلها، يشيد هذا العمل صرحه ويسوّغه ب' يافطة ' اسمها 'الروائية'، أي نسبته إلى جنس الرواية، الذي هو فن التخييل La fiction، فيكون مثبتا ونافيا لطبيعة مادة، جاهرا بها ومتلاعبا في آن.
3ـ تأتي كتابة هذه السيرة لاحقة بعملية تنظير قام بها مؤلِف واحد، إذ الباردي أعد بحثا عن هذا الفن السردي، قرأناه أولا فوجدناه أصيلا في بابه، تجاوز التأريخ الأدبي للنوع، وضبط جملة الخصائص المميزة له، إلى رصد التحولات النوعية داخله، عبر اختيار نصوص تقترح صيغ مقاربات متعددة له، ومن ثم تنقل القارئ بين سجلات مختلفة، حتى وهي تظهر متشابهة، فلا يكون من اليسير عندئذ الجزم في مفهوم التجنيس أدبيا، ولا انخراط المتلقي في تعاقد واضح مع غياب أو نسبية الميثاق القرائي المقترح للانخراط. بعبارة أخرى فإن محمد الباردي وهو يرسم صيرورة جنس أدبي، يصنع في الآن إشكالية تخلقه عناصرها مستمدة من السياق العام لتولد الأجناس الأدبية الحديثة عند العرب، من جهة، ومسنودة بالقلق الموضوعي القرين به بمفرده، من جهة أخرى، إضافة إلى المحاولات المتواصلة لتبيئته فنيا في أدبنا.
4ـ وعليه، يصبح من المشروع التساؤل إلى أي حد وضع المؤلف نفسه في علائق ومكونات الإشكالية، وكيف تجاوبت كتابته مع الطرفين الأساسين اللذين تتراوح بينهما، المستنبتتين من نزعة النصوص ذاتها، نحو ما هو سير ذاتية، وما هو سير ذاتية روائية، وصولا إلى المهجِّن إما فقدانا للزمام، أو عمدا على مقتضى ما يريد الكاتب لمدونة أن تصبح عليه، إذ الكتابة ليست حالة مزاجية، بل وعي فني وموضوعاتي محددان، ومرتهنة بنظام وأفق، وإلا صارت لغوا وخبط عشواء، لا عجب أن يكون الكتاب قلة واللغْويون كثرة متكاثرة. لقد ألحق الباردي بسيرته الذاتية، كما ألمعنا، نعت الروائية، وهذا وعي كامل من رجل باحث يستخدم للآخرين معايير ليحدد فنيتها، ويصنف انتسابها، قُل تجنيسها، فكيف وهو نفسه يدخل مضمار اللعب، ليدلي في هذا المجال، كما يقال، بدلوه. لابد أن نأخذ بالاعتبار لدى القراءة، التي هي عملية إعادة تأسيس للنص، من زاوية التلقي الإيجابي، المتفاعل، هذا الاشتراط، وليس الإسقاط بأي حال، يشجعنا على إيلائه من مدخل هذه القراءة عديد ملفوظات يكشف فيها الكاتب إما عن حيرته تجاه مصدر وطبيعة استذكاراته، أو تلفظ صريح يبث تارة في تخييليتها، تارة ثانية في واقعيتها الموثقة عنده، تراه يفعل ذلك كأنه مطالب بضرورة تقديم مسوغات لتجنيس الغلاف.
وإن نحن راكمنا مجموع الملفوظات الصريحة، تليها الإيحاءات الرمزية وتعبيراتها المجازية، فسنتوصل إلى متوازية ميتا ـ نصية ناتئة عارية فوق جلد نص السيرة، ومؤولة، موجهة لها.
5 ـ ها نحن نصل إلى الكلمة المفتاح، أعني التأويل، وهو مختلف تماما عن الذائقة، باعتباره عملية مشروطة بمنظومة عقلية، ولا شك أنها تبدأ بالتعريف، الذي يسبقه التعرف، الذي بدوره يتم بوسائط، في مقدمها تواتر نصوص، ينتظم في تراكمها نسق يصبح ناظما فيها، ومنظما لها، وهو ما يحدث مع الجنس الأدبي عموما، وحينما تحدث الاختراقات وتتعدد (الغارات) على النسق، فهو إما يتململ ليفسح مكانا صغيرا أو كبيرا إلى جواره لوافد جديد (منزاح عنه في الوقت نفسه) وهذا حال النعوت والتسميات الملحقة بالسيرة الذاتية، التي تظل هنا جنسا مرجعيا أصلا، أو يؤدي تراكم (الانزياح) كخاصية مفصلية في النص السير ذاتي، مثلا، إلى إبدال يأتي بنسق مغاير، رغم أنه لا يقطع حبل السرة، كذلك الذي بتنا نقرأه مع نصوص ما يسمى ب'التخييل الذاتي' (Lauto- fiction)، يظهر فرعا (نوعا صغيرا) له علاقة بالأب الأصل، وإن صار شيئا آخر يقيمه أجناسيا في وضع أدبي شبه مستقل، نظير ما يتميز به الآن في الآداب الغربية، وقليل منه صحيح ومقبول في أدبنا لغلبة التلفيق، ينمان أحيانا عن خفة وجهل.
وتعريف السيرة الذاتية يا سادة لا غبار عليه، ومن حسن الحظ أن له (نبيه) الذي لا يجادل أحد بين الدارسين الثقاة، غربا وعُربا، في درسه، الجامعي الفرنسي فليب لوجون(1938 ـ) في قوله إنها: 'حكي استيعادي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص، وذلك عندما يركز على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصيته بصفة خاصة'. وإذا ما ظهر للبعض، ومنهم السيد الباردي نفسه، أن لوجون انقلب على نظريته الأم المبنية على'الميثاق السير ذاتي' (Le pacte autobiographique 1975، فلا شيء يمنع من أن ثوابت التعريف، واشتراطاته قائمة، ولوجون نفسه عاد وعدّل بالإضافة والتحوير، متمثلين خصوصا في مبحثيه اللاحقين:'أنا هو آخر'1980Je est un autre)) و' أنا أيضا'(Moi aui ) (1986)، ثم يمدنا بعده جورج ماي في كتابه المشتهر عن هذا الجنس (1979) بما يسمح بكسر آلية التعريف الصلبة، وتعويضها بغيرها استقرأها من شريحة نصوص موسعة، أسعفت بانسيابية الجنس السيرـ ذاتي وكسر الحدود الصارمة التي تفصله عن قرائن أو نظائر سردية، وأخرى مجاورة، وهو ما يقود ماي في النهاية إلى استخلاص سيجد فيه كثيرون ضالتهم، مفاده أنه لا يوجد مثلا بين السيرة الذاتية والمذكرات، أو بين الأولى دائما والرواية، خط فاصل، وكل ما في الأمر أنها مسألة نسب ودرجات.
6 ـ سيرة محمد الباردي ذاتية حقا، ينطبق عليها تعريف لوجون حرفا، ويتطابق فيها السارد والمؤلف تماما. ينتظم في سلكها جميع ما عرفناه في أدبنا عن هذا النوع مذ شاده بنبوغ العميد طه حسين في كتاب 'الأيام'، ثم تسلسل في متون باتت معروفة، بين مشرق ومغرب، سمحت لهذا الفن، فن التعبير عن الذات بطريق السرد والكشف والبوح، بالرسوخ وضمنت له بعض الاعتراف، لا كله. لنقل بأن اعتماد هذا القول ليس ميسرا بداهة، كما لا يخلو من خطر، فضلا عن أنه يبدو كعبارة آخر مطاف، ولذلك فهو خلافا لتوقع بعض مثقلٌ بالتبعات، لا سيما حين يتصدى له الكبار، ممن لهم باع في سياسة وحكم، أو عُلوّ كعب في علم وفن، حياتهم حافلة، ومراحلها ولا شك تطوي أسرارا، وهذا في مجتمع يتسقط الأخبار ويعتبر الذات عورة تحتاج إلى ستر دائم، والكتابة مهما تسترت وازّينت تفشي وتبوح، هذا موضوعها. سيرة الباردي (في الكتاب الأول الذي بين يدينا، إذ يفترض أن يلتحق به جزء ثان) مخصوصة بطفولة صاحبها، يحرثها طولا وعرضا، كما عاشها، وتقلّب في مرابع صباه، مذ بدأ يرى جيدا، ويدرك، ويحس ويشم، تتماسك المرئيات في عينيه، والأحاسيس تنتفض في نفسه، ما كاد يترك قريبا ولا جارا ولا مخلوقا ممن عرف، ولا حيوانا عاشر، ولا مكانا انتقل إليه، أو حالة متصلة بذكرى، قرينة بمعيش حي إلا وجلبه من مخزن الماضي إلى مسرح حاضر الكتابة، حيا ينبض إما واقعا خاما أو في غلالة، أو هو بينهما حائر، متسائل بين واقع وخيال.
7 ـ سيرة محمد الباردي، هي واقع كامل، عن بداية حياة إنسان، في بيئة محددة، بين مكان وزمان معينين. في الجنوب التونسي، وبالضبط في مدينة قابس، بالأحرى فضاؤها العام، المتراوح بين جانب الحاضرة والامتداد القروي في الواحات (لا تتم الإشارة إلى الإسم إلا في نهاية الكتاب، في مقام التوقيع، عند الإعلان عن مكان الكتابة وتاريخها). وبالطبع يحتاج هذا الفن إلى دواع للإقدام عليه، وإلا فلمن شاء أن يدبّج ما يشاء. 'لماذا تكتب حياتك؟ وأي حياة تستحق أن تكتب؟'(9). سنلاقي الجواب في نهاية الطريق الأول من هذه الحياة، حين يكتمل تعرفنا على حياة طفل عاش في الضنك، وعرف وأهلَه المشاق والأهوال، وأمكنه في معمعها أن ينتصر على الموت بإرادة البقاء، كأنما تنزع إلى الخلود وهي تخطب تدوين ذات بالكتابة.
وحين نقارنها خاصة بوضع صاحبها في حاضره، من يسر عيش، ومكانة علمية، وبلوغ سن توافق النوع (مواليد1947) (81)؛ 'عندما تكبر وتصبح أستاذا كبيرا في الجامعة' (16) وتبدل لأحوال الفضاء في كل مظاهره. إن الانتصار العظيم الذي حققه طه حسين على عجزه، والارتقاء الذي حققه بالتعليم ُصعُداً من قاع قرية مهملة إلى قلب قلعة الأزهر، وما تلاه، هو حجة كتابة سيرته، وكذلك بنسبة معينة، يقبس الباردي من العميد هذه الحجة، وفي كتابه النظري عن السيرة لا يخفي إعجابه به، فيرى أن حياته تستحق أن تكتب، مثلما وجد المغربي محمد شكري أن شقاءه وشذوذ عيشه، يؤهلانه لينقل ذلك إلى الناس على النحو الذي نعلم.
8 ـ وإذا كانت السيرة الذاتية تُعرّف إجمالا بتدوين حياة واقعية وشخصية، بضمير المتكلم غالبا، فإن مناط الاهتمام فيها يكون الشخص نفسه وحوله وأبعد منه، بما يرسم صورة المحيط، البشرية والاجتماعية والثقافية، ويكشف عن خفايا هي بمثابة البنية العميقة للمجتمع. وعندي أن السيرة الباردية تكتسب أهميتها في موضوعها، في مادتها، قبل الوصول إلى تمظهرها الشكلي، إذ انطلاقا من الطفل الذي كان، تنتصب مرآة ـ مرايا تنعكس عليها صور البيئة وأحوال الزمان، ل'قابُسَ'، في قلب الجنوب، في قلب تونس، التي في وضع الاحتلال الأجنبي، ومعترك الصراع الاستعماري؛ مرآة ـ مرايا تطوف بالصيغة 'الستاندالية' ذاتها لتعكس معيش مجتمع وأنماط سلوكه وأخلاقه تراتبيته وثقافته وكيفية كسبه، وتنوعه العرقي والديني، وإجمالا صورته الحضارية المركّبة، إلى حد أن سيرة الطفولة إنما تظهر، وتؤوّل، أيضا، ذريعة أحيانا لما هو أكبر منها، أخصب، بل ذا ما يعطيها الأهمية، بما يحوّل فقرَها المادي المدقع إلى غنى لا ينكر. بالطبع، نحن هنا أمام وعي للذات تطور في غدها، وقد أصبح 'أنا آخر'، فلا ذات تعي نفسها مبكرا، وهي'تطل على الأيام الماضية' (25)؛ 'لكنك لن تستطيع أن تعيش تلك اللحظة مهما فعلت، وها أنت تريد أن تستعيد ألقها وحرارتها'(13). وهو ما يقود إلى معضلة كتابة السيرة الذاتية عموما، ورهان كل كاتب معها على حدة، خصوصا.
9 ـ هو الوعي الذي تنتجه الكتابة لدى قيامها بإعادة ترتيب مواد الذاكرة الخام، ('وأنت تحاول أن ترتب حياتك الماضية وتنقذ ما بقي منها') (27) وتوزيعها وفق نظام يكسر الزمن الكرونولوجي الذي تتسلسل فيه سيرة صاحبها فيما تمضي دائما بإيقاع متقدم. إنه يتمثل في سرد الذات ومحيطها من خلال تيمة محددة، أو إنك واجد نفسك في قلب هذه التيمة، ومنها إلى أخرى: الفقر، الحرمان، اليتم، الترمل، الظلم، العجز، القناعة، الصبر، الشجاعة، الغدر، القسوة، الفقد، البساطة، الكبرياء، الكرامة، الجشع، الشبق، الوحدة، إلخ.. مما يتراوح، أيضا، بين المشاعر والقيم. تمضي الفصول العشرون من سيرة الباردي وهي تقيم حول كل واحدة من هذه الحوافز مدارا حكائيا، وتصويرا بيئيا، وتلوينا طبيعيا، وإضاءة اجتماعية، وحفرا أنتربولوجيا، واستبطانا نفسيا، ونقدا أخلاقيا، كله ضمن صورة بانورامية، الأنا السير ذاتية فيها الملتقى، منه تتفرق سبل الحكي والمحكيات أكثر منها مركز التبئير بالضرورة، رغم حظوتها ب'البطولة' بحكم النوع الذي تندرج فيه كتابيا. علما بأن أي أنا لا توجد منفصلة عن المجموع، وذكاء السارد (المؤلف) لإبعاد شبهة تضخيم الذات عنها كشفها عبر وبواسطة حيوات الآخرين.
10 ـ يقودنا هذا إلى الإقرار بأن السيرة الذاتية ليست مجرد خطاب عن مسار أنا في سياق زمكاني، ولغاية بعينها، إذ لابد من وجود الغاية، وفي حالة الباردي، قياسا بشيخه التليد طه حسين، فالأمر يتعلق ب:1ـ تمجيد قيم. 2ـ نقد قيم ونمط عيش مرتبط بها.3ـ رصد تبدل الأحوال. 4ـ منه التعبير عن إحساس وجودي بالزمن. 5ـ جعل الكتابة وسيطا لمقاومة الفناء.
لو اقتصرنا على هذه البراديغمات لقلنا إن هناك الغاية الكبرى التي يجدر بكل كاتب أن يضع إنشاءه لها، أو لا يكون، وبها يغلي شريان الأدب ويشتدّ ساعده: إنها بناء المعنى، ولو بالوهم.
11 ـ من هذا الوهم محاولة استعادة ما فات بالكتابة لتخليص الأنا مع حياتها من'براثن النسيان، والنسيان آفة تلتهم كل شيء.'(27). لنتفق مرة أخرى على أن السيرة الذاتية تسرد حياة شخص واقعي، وتُقرأ وفق ميثاق معلوم، ولكي تفعل لامناص لها من تحولها إلى حكاية أو إنها تنقلب إلى هذه الصيغة رغم صاحبها، والعبرة في النهاية بالتحويل الذي يتم، بكيميائه تتفاعل فيها عناصر شتى، لاشك من بينها ما يستخدم في الرواية أو فن التخييل عموما. من هنا ننتقل إلى صعيد مغاير من التلقي حفزنا عليه صعيد كتابة مغاير، هو الذي استنتجه الباحثون الإنشائيون من التغيرات والتلوينات السياقية للمدونات السيرـ ذاتية، فصنفوها إلى أنساق فنية متفاوتة: سيرة ذاتية روائية؛ سيرة روائية؛ رواية سير ذاتية، وأخيرا تخييلا ذاتيا .
أراد محمد الباردي أن ينخرط في هذه اللعبة، ربما لأنه لم يجد بُدا منها. في كل فصل من فصول كتابه ما ينفك يعلن تشكيكه في صعوبة استعادة الماضي كما مر. من شبه استحالة التذكر، من سطوة النسيان، من الذاكرة التي تخون، من شياطين تتراقص، تتباعد، تتقارب(71). ثم رويدا، رويدا، يوجه قارئه ليغير ميثاق التلقي، أي أنت أيها القارئ اللبيب اقرأ نصي على نسقين، وهاك وصفتي ودليل السير الجديد: 'هذه الأشياء [وقائع ومحكيات الطفولة] عشتها ورأيتها ذات مرة ومرة. لكنها الآن أطياف تتراقص أمامي ولا أستطيع أن أمسك بها. ومع ذلك سأحاول أن ألاعبها، أن أجري عليها لعبتي الخاصة. لن يستطيع المرء أن يعيش مرتين [إنك لا تسبح في النهر مرتين..! تقول الحكمة اليونانية] وإن فعل فلن تكون المرة الثانية إلا أكذوبة اصطنعها الخيال.'(71).
12 ـ ملاعبة، لعب، أكذوبة، خيال. بهذه الأدوات ـ القوالب يمضي محمد الباردي في بناء عالمه وصياغة كتابه، وبرقشة زمنه بحنة، أو الحناء التي تشتهر بها منطقة قابس التونسية، لا أجود منها مادة، ولا أبهى خِضابا. والمسألة ليست استعارة، ولا نزوعا شعريا، ولا تقتصر على رغبة المؤلف في أن ينافس نثرُه حِناء ربوع طفولته، وقد تكون هذا كله، إذ المهم هو ما سيعمد إليه المؤلف فعلا لتنفيذ خطته بالأجرأة الفنية الخالصة، حيث ستتحول سيرة الشخص الواقعي إلى قصة تُسرد بالأدوات الروائية، يرقّص أناه بين الضمائر، المتكلم والمخاطب خاصة، يستخدم الوصف للشخصية والمجال، ينتقل من العين المبصرة إلى البصيرة الحالمة، يتراوح بين التعيين والإيحاء، وأقوى عُدته صُنعُ السرد بوشيجة التحبيك وضمان استمراره بحبكة التشويق كي يضمن القارئ، ويوفر له ما يستطيع من إمتاع، فأي قيمة لسرد لا يمتع؟!
لاشك، أفلح محمد الباردي في الانتقال الانسيابي بين نسق التوثيق ونسق التخييل، وكيفما كان الحال فهو يمتلك قدرة استدراج القارئ إلى لعبته، وإيهامه حد تصديق أكذوبته بواسطة فن القص، أي فن الملاعبة، مثل الملاطفة، فيها إغراء وسحر وتليين غرضها الإيقاع بالمحبوب. وكأن السيرة الذاتية وحدها نهج فجّ وحكي جلف، إذا عرضت حقائقها عارية، ووقائعها خلوا من الوشي، غير محناة، بلا خضاب، حتى والخضاب آيل لا محالة إلى زوال، وكذلك الحياة، إنما القص، الروائية تؤجل الفناء، لكونها تنقض الحقيقة. من يستطيع في العالم العربي، في بيئاتنا التي تختنق فيها الأصوات الفردية وتحاصر بالممنوعات أن يكشف عورته النفسية، فكيف بالخارجية، ولا يتعرض للرجم المعنوي والمادي على السواء، من هذه الناحية يصبح التخيل والتسريب التخييليان في صلب المادة السير ـ ذاتية بمثابة تقية لا مناص منها لكل من رغب في سرد حياته، واستخلاص عبرة معينة منها، أو لا سبيل له إلا الكذب الأخلاقي لا الفني، في حين أن لا بديل للفنان عن رؤية البحتري الشهيرة في أن'أعذب الشعر أكذبه'.
14 ـ أريد أن أنتهي من هذه القراءة باستخلاص جوهري مفاده، بعد الملاحظات السالفة، أن النقاش حول المسألة الاجناسية بمناسبة حديثنا عن هذا الكتاب البديع حقا، ليلفت نظرنا مرة أخرى إلى الوضع المركزي لمفهوم الجنس في الكتابة الأدبية، وإلى أن تنوع وتغاير العناصر المتعالقة في بنية تعبيرية ما لا يمكن أن تتلف هذه البنية، فالسيرة الذاتية هي الأصل، والقول على لسان الباردي تسويغا لمدونته بأنه:' إذا كانت معظم الروايات هي سيرة ذاتية مموهة، فإن هذه السيرة الذاتية هي رواية مموهة.'(151) لا يغير من جوهرها، وإنما يحور أو يزين، إذ العبرة في الفن بالنظام، والجسد المنسق(السيرة) هو الأصل ثم تزينه الحناء (الرواية).