الوفاء الدّائم

عضو مهمّ
منتدى تونس التربوي
ناشر الموضوع
المشاركات
778
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
المستوى الدّراسي
خيار آخر
الاختصاص
-
المهنة
-
غير متّصل
    إشكالية تجنيس كتابة الذات فـي النقد السعودي.. صالح الغامدي وأحمد آل مريع أنموذجا
  • #1
الــقسم : بحوث و دراسات
إشكالية تجنيس كتابة الذات فـي النقد السعودي.. صالح الغامدي وأحمد آل مريع أنموذجا

يلحظ الناظر في الإنتاج النقدي الأكاديمي السعودي المعاصر، وجود اهتمام مكثّف بدراسة كتابة السيرة الذّاتية، تجلّى في اختلاف أساليب مقاربة شكل خطابها السردي، وتعدّدت المداخل إلى حدّ نوع الجنس الأدبي المائز لهذا الشكل الفنّي في كتابة الذّات، الذي يختصّ بتعدّد مستويات الانفتاح على آفاق من التخييل الذّاتي، حيث يتّخذ الكاتب من تجارب الذّات في الحياة وتمثّلاتها حول ذاتها والعالم والأشياء منطلقا لإنشاء عوالم سردية وروائية وأكوانا من القصّ مفعمة بالمعاني والدلالات، استقامت أنماطا من كتابة الذّات، في أشكال من السرد السير ذاتي، يمكن أن تندرج ضمنه «السيرة الذّاتية»، أو رواية «السيرة الذاتيّة».
لقد صار موضوع دراسة خطاب السيرة الذاتيّة، مجالا إشكاليّا خصبا، وحقلا أدبيّا محيّرا، اقتضى الدراسة النقدية العميقة والتحليل السردي لشكل الخطاب وخصائص لغة الكتابة، في أبعادها الشعرية الفنيّة والدلالية الفكرية، ذات الصلة برؤى العالم. ذلك ما يمكن أن يلحظ الباحث كثافته في النقد السعودي المعاصر، لاسيّما منذ ظهور البوادر الأولى للدّراسات الأكاديمية والبحوث النقدية الأولى، مثل: «السيرة الذاتية في الأدب السعودي»، رسالة ماجستير، أعدّها عبدالله الحيدري، نوقشت في 1996م، بكلّية اللغة العربية، جامعة الإمام محمّد بن سعود 1996م، «البناء الفنّي للسيرة الذّاتية في الأدب السعودي: دراسة نقدية بلاغية» (رسالة أنجزها منصور المهوس عام 1997م)، «تعالق الرواية مع السيرة الذاتيّة: الإبداع السردي السعودي أنموذجا»، (أنجزتها عائشة الحكمي، رسالة دكتوراه، نوقشت بجامعة أمّ القرى، 1420هـ/ 1999م)، «ذكريات علي الطنطاوي: دراسة فنيّة» (أنجزت 1999م)، «السيرة الذّاتية الشعرية، لغازي القصيبي: الرؤية والأداء»، كتاب ألّفه محمّد الدوغان، عام 2003م، أيضا كتاب «إضاءات في أدب السير والسيرة الذاتيّة»، ألّفه عبدالله الحيدري، صدر بالرياض، 2007م.
سنقتصر في مقاربة أهمّ خصائص هذا المنجز النقدي الكثيف حول سرديات السيرة الذاتية في أبعادها الفنيّة والدلالية، في الدّراسات السعودية المعاصرة، على تحليل نقدي لكتابين صدرا ضمن هذا السياق، تبيّن لنا من خلال النظر في نصّيهما أنّ كلّا منهما يمثّل اتّجاها متفرّدا في دراسة الخطاب السردي للسيرة الذّاتيّة، وذلك رغم ما بينهما من تقاطعات وأوجه تجانس في منطلقات البحث وأبعاد المقاربة. وهذان المؤلّفان هما:
– السيرة الذاتية: مقاربة الحدّ والمفهوم، للدكتور أحمد بن علي آل مريّع، تونس، دار صامد للنشر والتوزيع، ط3، 1429هـ/ 2010م. (صدرت في طبعته الأولى عن نادي أبها الأدبي عام 2003م)
– كتابة الذّات: دراسة في السيرة الذّاتية، للأستاذ الدكتور: صالح معيض الغامدي، بيروت، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 2013م.
ومن ثمّ ستكون أهمّ المحاور الأساسية لهذا البحث، متمركزة حول محاولة إنجاز دراسة تحليلية نقدية، تبرز في شكل موازنة تقوم على البحث في طبيعة الخلفيات المعرفية وخصائص الأدوات المنهجية، المعتمدة في كتابين لهما علاقة وطيدة بمسألة أشكال حضور «التخييل الذّاتي» (autofiction) في الكتابة السردية السير ذاتية، أو في كتابة الذات في التراث، وفي العصر الحديث.
لقد بدا لنا أنّ هناك إشكالية مركزية، في هذين الكتابين، محورها سبل إدراك مستويات التخييل الذّاتي ودورها في سبر أغوار عالم السيرة الذاتية، سواء من جهة حدّ مفهوم السيرة الذاتية وجنسها الأدبي أو حسم العلاقة بين الواقع والخيال في مستوى البنية النصيّة. ومن ثمّ وجد تداخل وتطابق، كما ظهر تباين وتقابل، عند تحديد طبيعة المنوال المعرفي الممكن اعتماده في تحليل نصوص السيرة الذّاتية أو التنظير لدراسة أشكال كتابة الذات قديما وحديثا. ومن ثمّ يمكن أن نطرح للبحث والتحليل خصائص التخييل الذاتي ومستويات حضوره بوصفه مقوّما سرديا محوريا يتحكّم في تشكيل البنية الفنيّة والأبعاد الدلالية للنصّ السير ذاتي.
هنا تجدر الإشارة إلى أنّه انطلاقا ممّا وفّرته الكتابات التنظيرية الغربية (جورج ماي، فليب لوجون…)، وبحسب أشكال تلقّيها في الفضاء النقدي العربي لدى محمد برّادة، محمد القاضي، محمد الدّاهي، حول «التخييل الذّاتي، تمّ حدّ مفهومه بوصفه أسلوبا وطريقة في الكتابة والتعبير تتيح للمؤلّف أن يتّخذ من وقائع حياته منطلقا للتخيّل، عبر مغامرة استعمال اللغة سرديا، وبحث إمكانات توظيف طاقتها التعبيرية والجمالية. ومن هنا قد يتميّز «التخييل الذاتي» عن السيرة الذاتية رغم كونه يدور في فلكها، حيث يتجاوز غرض الكاتب هاجس الحرص على مطابقة النصّ لحقيقة واقع حياة الذّات، وإنّما يستقيم البعد الذّاتي لأنا الكاتب مجالا للتخييل وإنتاج الصور والرؤى. وبذلك تنتفي إمكانية المقارنة أو التمييز بين الحقيقي واللّاحقيقي، وبين الواقعي واللّاواقعي، وبين التاريخي والمتخيّل، فتتولّد من هذا المنطلق بالذّات كثافة في المعنى على المستوى الدلالي، وتتجلّى شعرية السرد، ومن ثمّ تظهر جمالية النوع الأدبي، ممثّلا في كتابة «التخييل الذاتي»، وإن تلتقي تلك الكتابة مع واقع حياة المؤلّف في مواضع ومقاطع متعدّدة.
تبعا لهذا فإنّ إشكالية البحث في هذه الدّارسة، تتمثّل في تناول مسألتين:
– شكل الوعي النظري بخصوصية أسلوب «التخييل الذاتي»، في كتابي: أ.د: صالح الغامدي ود: أحمد آل مريع، ومن ثمّ دراسة طريقة كلّ منهما في تمييز السيرة الذاتية،عن سائر أجناس الكتابة السردية الأخرى، انطلاقا من طرح سؤال التعريف وحدّ المفهوم.
– ما هي الأدوات المنهجية والمنطلقات المعرفية المعتمدة في فكّ عالم السيرة الذاتية وتحليل أبنيتها النصيّة دلاليا وجماليا، وما مدى إمكان استخدام ذلك في مقاربة نصوص سيرذاتيّة أو كتابة الأنا في القديم والحديث، من جهة هويّة شكل الجنس الأدبي وتجلّيات شعرية لغة والتعبير.
يمكن أن ننطلق في إنجاز مقاربتنا هذه من التعريف الذي صار متداولا لـ: «السيرة الذاتية»، حيث تمّ تحديد مفهومها في النظرية الأدبية المعاصرة على أنّها «حكي استعادي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاصّ، وذلك عندما يركّز على حياته الفردية وتاريخ شخصيته بصفة خاصّة»(1). ويمكن أن نلاحظ كيف أنّ هذا التحديد لم ينف دور التخييل السردي في تشكيل خطاب السيرة الذاتيّة ونحت ملامح شعريتها السردية، كما هو يفسح المجال أمام رصد حضور مستويات التخييل، ومن ثمّ الكشف عن دورها في إنتاج العمل السردي بصفة عامّة وفي تشكيل جماليات خطابه، على النحو الذي يساعد على التمييز الدقيق بين تلك الأشكال الإبداعية المتقاربة في مستوى الجنس والنوع(2)، على الرغم من تبيّن مدى صعوبة تحديد ماهيّة التخييل، إذ «لا نستطيع أن نتبيّن العناصر التي بها يتحقّق، فلا يمكن أن نرجعه إلى المخيّلة وحدها وإلى الشخصيات ولغتها، ولا إلى الحبكة وفضاءاتها… وهذا اللّاتحديد هو ما يشكّل الحيّز الذي تتسرّب منه موهبة (الكاتب) لتنسج خيوط التخييل المتشابكة، الملتبسة، العصيّة، على التحديد والتصنيف»(3). ولعلّ تعذّر إدراك ذلك عائد إلى طبيعة اشتغال المتخيّل السردي لدى المبدع، في حدّ ذاته، حيث أمكن القول: إنّ «التخييل لا يسعى إلى احتذاء منوال قائممن قبل، على الرغم من أنّه يستوحي الواقع في تجلّياته المختلفة، (كذلك الشأن بالنسبة إلى) التاريخ والمعرفة والعلم والأساطير والأحداث الطازجة»(4)، وقد يرتقي هذا المستوى من التخييل الذّاتي عبر تقنيات السرد إلى تجاوز هاجس المطابقة، ويصبح تحويلا للسيرة الذاتيّة، يتجلّى في مستوى «اللغة المستعملة (أو من جهة) علاقة المحتوى بالواقع»(5). حيث يتمّ تحويله وإعادة إنتاجه، ولهذا يتيح التخييل الذّاتي autofiction للكاتب أن يتّخذ من وقائع حياته منطلقا للتخييل عبر مغامرة اللغة وتوليد إمكاناتها التعبيرية»(6).
1 – مشكل التعريف
لقد بدا لنا أنّ هناك نقاطا ومستويات التقاء متعدّدة في مسار بحث إشكالية كتابة السيرة الذاتية أو «الكتابة عن الذات تجمع ما بين صالح معيض الغامدي وأحمد آل مريع، ويظهر ذلك بدءا من معاناة حدّ مشكل تعريف هذا الجنس الأدبي، في مستوى شكل البنية والمضمون الدلالي للنصّ، أي من ناحية الأسلوب الفنّي والمحمول الفكري والدلالي لهذا الشكل من الكتابة السرية. ويمكن أن يلحظ قارئ تأليفهما، مدى الجهد الذي بذله كلّ منهما لحدّ مشكل التعريف، وفكّ مغاليق دلالاته، سواء في المستوى النظري المجرّد، أو انطلاقا من سياقات تداولية، ترتبط بمستوى استعمالات مثل تلك الاصطلاحات: «سيرة ذاتيّة»، «سيرة غيرية»، «سير ذاتي»، «فنّ سيرة»، «كتابة ذات»، «كتابة عن الذّات».
ولعلّ أهمّ ما ميّز هذا الجهد المبذول في كلا المؤلفين تمثّل في محاولة تعريف هذا الجنس الأدبي من الكتابة عن الذات وأطر إنشاء خطاب السيرة الذاتية، هو ذاك الوعي المعرفي العميق بأهميّة تدقيق القول في حدّ التعريف، بوصفه يمثّل المدخل المنهجي الأمثل لسبر أغوار كلّ علم وفنّ. ولكونه يتوقّف عليه، في هذا المقام بالذّات، طرق عالم خطاب السيرة الذّاتيّة، بالنقد والدراسة النصيّة وتحليل مستويات الفنّ والدلالة. وقد تمّ هذا الطرح لمسألة التعريف انطلاقا من تفاعل خلّاق وتواصل منتج لوجهات النظر والتصوّرات، جرى مع كتابات نقدية وبحوث أدبية، أُنجزت في مجال دراسة خطاب السيرة الذاتيّة.
بعد أن عاد إلى دلالة المصطلح في التراث النقدي والفكري العربي الإسلامي، حيث يتداخل خطاب السيرة بكتابة مصنّفات الطبقات وتراجم الأعلام والعظماء من الأنبياء والعلماء والحكماء والساسة، ينطلق آل مريع في رصد اتّجاهات تعريف السيرة الذاتيّة، ويطرق دلالة ما هو ضدّ لها، كالسيرة الغيرية، بوصفها كتابة عن ذات أخرى غير ذات المؤلّف، لها من الأهميّة والأثر البالغ في حياة مجتمعها، وقد ردّ مجمل تعريفات سرديات السيرة الذاتية إلى ثلاثة أقسام، تشقّ كلّ منها تصوّرات ووجهات نظر مدارها على محاولة حدّ فنّ كتابة السيرة الذاتية بالبيان والتعريف. ويضمّ القسم الأوّل: جهود عزّ الدين إسماعيل وجبّور عبد النور ومجدي وهبة وكمال المهندس ومحمد الشنطي ومحمد عبد العزيز شرف. وفي القسم الثاني تطرّق آل مريع إلى تعريفات رشيد مهران ومحمود أبو الخير ومحمد التونجي وإبراهيم السامرّائي وعبد الله الحقيل، وخصّص القسم الثالث للمفهوم الوارد في دراسات إحسان عبّاس وماهر حسن فهمي ويحيى عبد الدائم وعلي عبده بركات عبد الله الحيدري.
ومن أهمّ يلفت الانتباه هنا، أنّ آل مريع وضع في الاتّجاه الثاني المقابل للاتجاه الأوّل الذي ضمّ الأقسام الثلاثة المذكورة أعلاه، فليب لوجون الناقد والمنظّر الفرنسي الذي ترتبط باسمه فكرة «الميثاق الذّاتي» للسيرة الذاتية، بوصفه المبدأ الذي يقوم عليه التعاقد بين الكاتب والقارئ، في تمييز خطاب السيرة الذاتية من بين سائر أجناس الكتابة السردية الأخرى. وقد ردّ آل المريع مقاربة لوجون لتعريف حدّ السيرة لذاتية إلى بعدين اثنين: يتعلّق الأوّل بالتنصيص على خصوصية جنس السيرة الذاتية عبر العقد المشار إليه، والتنصيص على ذلك من خلال العتبات. ويعود الثاني إلى كتاب لوجون الثاني «ميثاق السيرة الذّاتية»، ومداره، على أنّ السيرة الذّاتية «حكي استعادي نثري، يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاصّ، وذلك عندما يركّز على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصيته صفة خاصّة»(7). ومن ثمّ تظهر طرافة مقاربة آل مريع المسار الإشكالي الذي عرفه تنظير لوجون لفكّ خصائص النوع الأدبي المائز لخطاب السيرة الذّاتيّة، حيث يرصد التطوّر الذي مرّ به التعريف المذكور، من اعتبار السيرة الذاتيّة مجرّد حكي استعادي عن الذّات وماضيها، إلى مجال نظري يوسّع في أفق السيرة الذاتية عبر الانفتاح بها على «مجالات عدّة (تشمل) كلّ نصّ يعبّر فيه مؤلّفه عن حياته وإحساساته، مهما كانت طبيعة العقد المقترح من قبل المؤلّف – سواء كان العمل رواية أم قصيدة أم مقالة فلسفية – فهو سيرة ذاتيّة مادام قصد فيه الكاتب بشكل ضمني أو صريح إلى رواية حياته أو شيء منها، وعرض أفكاره وإحساساته»(8). وهنا يخلص آل المريع إلى أنّ مغالاة واتّساعا كبيرا في حدّ تصوّر مجال السيرة الذاتيّة، قد طبعا مشروع تنظير لوجون لهوية هذا الفنّ.
ويظهر ذلك في كون لوجون عند تعامله مع التعريفين الأوّل والثاني،قد «فصل كلّ منهما عن الآخر عند التأسيس للإطار التوصيفي، فحين فطن لوجون إلى خطأ الاعتماد على ما أسماه بالعقد الاتوبوغرافي فحسب، تحوّل دون وعي إلى النقيض، فارتمى في غياهب المتون الأدبية العامّة التي تعنى بالذّات الإنسانية أو تؤرّخ لها، أو تستصحب تجاربها وتعبّر عنها»(9). وهنا يستنتج آل مريع كيف أنّ لوجون «خرج من حيث لا يدري عن مفهوم السيرة الذاتيّة إلى مفهوم الذاتيّة، بمدلولها الواسع الفضفاض (الذي) يستعصي على التأطير والتحديد»(10). ويعلّل ذلك بقوله: «ما من عمل صغر أو كبير يخلو من ذاتيّة كاتبه، إن لم يكن على مستوى التجارب اليومية والأحداث والعلاقات والشخصيات، فعلى مستوى اللغة والخيال والإحساس والأماني والأحلام والأوهام والأفكار وغير ذلك»(11). ويبدو أنّ آل مريّع يستدعي في استعماله للمدلول الإشكالي لـ: «الذاتيّة» المفهوم الفلسفي للمصطلح، الذي يفيد نزعة في الفكر والنقد «ترمي إلى ردّ كلّ شيء إلى الذات، وتقديم الذّاتي على الموضوعي (في نظرها الأفكار والآراء) والأحكام الجمالية مجرّد أذواق فردية»(12). ومن ثمّ يستنتج آل مريع، كيف أنّه «ليس كلّ عمل نشمّ فيه ذاتيّة صاحبه، أو نجد فيه شيئا من سيرته وواقعه، أو بعض مشاهد من حياته أو فكره، وموقفه من النّاس والحياة، يصحّ أن نسميه (سيرة ذاتية)»(13)، وهو ما يحتّم أن يكون المجال الذي يستغرقه الحيّز الزمني للمادّة النصيّة لخطاب السيرة الذّاتيّة في علاقته بحياة الفرد وأهمّ أطوارها من جهة المضمون والبناء الفنّي لشكل الخطاب يتجاوز، مرحلة معيّنة أو بعدا بذاته في حياة الشخصية موضوع نصّ السيرة الذّاتية.
ولهذه الاعتبارات ذهب آل مريع إلى القول: «ليس كلّ تاريخ للذّات أو بحث في محيطها، يكتبه صاحب الشخصية ليبرز فيه دورا لها، أو جانبا من جوانبها، أو ليصف بيئة عاشها، أو ظروفا كابدها مع أبناء جيله، أو ليدفع تهمة جائرة عن نفسه…يصحّ أن نسمّيه سيرة ذاتيّة»(14).
وهكذا تبعا لما يمكن أن ينجم عن هذا الطرح من خصوصية في تحديد مفهوم السيرة، صار من الضروري تبيان تلك الفوارق الجوهرية بين السيرة الذاتية وأشكال أخرى في الكتابة عن الذّات أو في التخييل الذّاتي، في مستوى الشكل والمضمون وأسلوب الكتابة تناولها المؤلّف تحت عنوان «أنواع تلتبس بالسيرة الذاتيّة». وأدرج ضمنها «الاعترافات»، «الذكريات»، «الرسم الذّاتي»، «المذكّرات»، « اليوميات/ اليوميات الخاصّة، «المفكّرة اليومية»، «أشكال أخرى». وهي الّتي تناولها الناقد الأكاديمي المغربي محمّد الدّاهي، تحت مسمّى «محكي الحياة»(15)، ومداره، على تدوين وقائع وأحداث شخصية ذاتيّة أو عامّة اجتماعية تتصل بوضع الذات وأنشطتها ومواقفها وتحوّلات وعيها بنفسها وبالعالم الخارجي، وأيضا بطبيعة نظرتها إلى الآخرين، دون أن يكون ذلك، بالضرورة، شكلا من أشكال السيرة الذاتيّة، بوصفه جنسا أدبيّا مخصوصا في مستوى الشكل الفنّي والدلالة، ومن جهة مستويات حضور التخييل السردي التي تصنع شعريّة العمل الأدبي.
في السياق نفسه اشتغل صالح معيض الغامدي في ضوء طرح إشكالي لمسألة تعريف السيرة الذاتيّة، بوصفها «كتابة عن الذّات»، حيث تبيّن له أنّ من أبرز الإشكاليات التي واجها ورأى وجاهة للبحث فيها، كثرة التعريفات وتعدّدها، ومن ثمّ صعوبة الوقوف ضمنها على تعريف جامع مانع، يستغرق سائر جوانب هذا الفن، ليخلص إلى القول: إنّ «كلّ تعريف جديد ومختلف للسيرة الذّاتية، لابدّ أن يكون نتيجة لكتابة سيرة جديدة، وليس نتيجة لتطبيق مقاربة جديدة»(16). وهو ما يعني مواجهة إشكال عويص، يندرج ضمن مسألة أكبر، تتمثّل في «أنّ نقد السيرة الذاتية عندنا (نحن العرب) ما زال في مهده»(17). وأنّ أغلب دراسات النقّاد العرب حول السيرة الذاتية، تعكس «مديونيتهم لنقد السيرة الذّاتيّة الغربي»(18). ومن ثمّ يستنتج كيف أنّ «معظم تعريفات السيرة الذاتية في النقد العربي شرطية ووظيفية وثابتة»(19)، وقد اتّخذ من كتاب يحيى عبد الدائم «الترجمة الذّاتيّة في الأدب العربي الحديث»وكتاب رشيدة مهران «طه حسين بين السيرة والترجمة الذاتية»، نموذجا لذلك. فرشيدة مهران مثلا بنت تعريفها للسيرة الذاتيّة على بعد شرطي تمثّل، في «افتراضها أنّ السيرة الذاتية لا بدّ أن تغطّي حياة كاتبها من الطفولة حياة كاتبها من الطفولة إلى الشيخوخة»(20).ومن ثمّ يناقش صالح الغامدي هذا التعريف، ليكشف عن عدم مطابقته لخصائص مكوّنات النصوص السير ذاتية، واستحالة اعتماده منوالا للتحليل، وهو ما يدلّ عليه قوله: «إنّ واقع كتابة السيرة الذاتية، لا يؤيدّه في كثير من الأحيان»(21). ويعلّل ذلك بقوله: «فنحن نعلم أنّ أعظم السير العالميّة، كانت مقصورة على رواية عدد معيّن من سني كتّابها (فمثلا) سيرة أوغسطين لا تغطّي إلّا الإحدى وثلاثين سنة من حياة الكاتب»(22). في مقابل ذلك نظر آل مريع إلى رأي رشيدة مهران من جهة إبداعيّة توسّع مجال تصوّر كتابة السيرة الذاتية، حيث أدرجه ضمن تصوّر يقوم على إيلاء خصائصها (السيرة الذاتية) الفنيّة»(23)، مكانة محورية في الحكم الجمالي أو التحليل الدلالي.
وقد اهتمّ الغامدي بالتركيز على قضيّة العقد السيرذاتي، في تمييز جنس السيرة الذّاتيّة، عن فنون السرد والأشكال الأخرى للكتابة عن الذات، إذ لا بدّ أن يكون الكاتب «قصد إلى ذلك»(24)، وهو ما يعني أنّه من الممكن «أن نحدّد مقصدية الكاتب من خلال العثور على أي عبارة أو مقطع في النصّ يصرّح فيه الكاتب لقارئه بأنّه يقوم – لسبب أو لآخر – بكتابة قصّة حياته، بذلك يتأكّد عقد السيرة الذاتية بين القارئ»(25). وهكذا استنادا إلى أطروحة فيلب لوجون يقترح الغامدي تعريفا لفن السيرة الذاتية رآه مطابقا لروح الأدب العربي، مفاده أنّها «تسجيل استعادي صادق ومقصود لعمر (أو على الأقلّ لعدد معتبر من سنيه) من الخبرات، والأفعال، والتفاعلات، وتأثيراتها، الفورية والبعيدة المدى في الشخص»(26). ومن ثمّ رأى الغامدي ضرورة مجدية في تأصيل جنس السيرة الذاتية من جهة علاقته بالفنون النثرية الممثلة لمجمل الأدب العربي القديم، وهو ما اقتضى منه العمل على استبعاد «الأعمال النثرية العربية القديمة التي التبس أمرها على بعض الدارسين، فوصفوها بأنّها سير ذاتيّة، وعاملوها معاملتها، لا لشيء إلّا لأنّها تحتوي – أو يُعتقد أنّها تحتوي – على بعض المعلومات السير ذاتيّة الشخصية»(27). وفي سياق ذلك أدرج؛ «كتب الرحلات»، «الرسائل الإخوانية»، «الرسائل الأبية»…
انطلاقا ممّا تقدّم يمكن أن نستنتج كيف أنّ الغامدي يلتقي مع آل مريع في تحديد خصائص المجال النصّي الدلالي المميّز لخطاب السيرة الذاتيّة، بوصفها جنسا أدبيّا يتجاوز كلّ نزعة ذاتيّة ضيّقة تستبعد سائر أشكال التخييل الذّاتي، أو إدراجها ضمن كتابة عن مرحلة ما من حياة الشخص أو علاقة الذات بذوات أخرى، لتكون في مقابل ذلك بناء سرديا لمرحلة هامّة من حياة الذّات ورصدا لتحوّلاتها ي مستوى الوعي والنظرة إلى العالم، وفي الحياة العملية أي العلاقة بالمجتمع، منطلقه الواقع وأفقه الخيال، دون أن يشترط في ذلك مسح كلّ أطوار الحياة من الطفولة إلى الشيخوخة بالسرد والعرض، واتّخاذ ذلك منطلقا للمرور إلى عالم الكتابة السيرذاتيّة.
2 – إشكالية الجنس الأدبي والنوع السردي:
لقد تبيّن أنّ المؤلّف في كلا العملين موضوع هذا البحث، خلص إلى أنّ حدّ جنس «السيرة الذاتيّة» بالتعريف من جهة الشكل والمضمون، بوصفها حكيا استعاديا موضوعه الذات، ينتمي إلى العصر الحديث، لا يكفي لإدراك مجمل الخصائص الفنيّة والسمات الدلالية المحدّدة للخطاب السردي السير ذاتي، لاسيّما بخصوص تلقّي المنجز الإبداعي السير ذاتي الذي ميّز الأدب العربي وإجراء أدوات نقده وقراءته، أيضا إدراك وضع العلاقة القائمة بالتراث، أو بسائر أنواع كتابة الذات أو السير الذاتية في العصر الحديث ووفقا لاتّجاهات التنظير لها في الغرب. وهو ما اقتضى من كلا المؤلّفين العمل على محاولة حدّ وضع الخصائص الفنيّة البنائية ذات العلاقة بدلالة خطاب السيرة الذاتيّة، بحثا عمّا يميّز بدقّة وعمق هذا النوع السردي عن باقي أشكال الإبداع السردي الأخرى.
لقد اعتبر آل مريع أنّ بحث علاقة السيرة الذاتية بالأنواع السردية الأخرى الفنية منها والمشاكلة لها، أمثلَ مدخل إلى تحديد مقوّمات الخصائص الفنيّة والبنيوية المحدّدة لشعرية السيرة الذاتيّة وجماليات خطابها السردي. وأوّل ما يصل هذا النوع السردي بالأنواع الأخرى، هو تمركزه حول موضوع الذّات و»كتابة الأنا»(28)، قصد استرجاع الماضي وترمّم الذاكرة، وإعادة تمثّل أحداث التاريخ، لإعادة تركيبها تركيبا سرديّا فنيّا مداره على الذات، ووسيلته التخييل الذّاتي الذي تنفتح عليه الذات الساردة، تقنية في الكتابة والقصّ، أو يظهر أسلوبا يقتضيه منطق بناء البرنامج السردي وحبك شعرية خطاب القصّ الذي تخرج بموجبه مادّة الحكاية من حيّز الذاكرة والمتخيّل أومن دائرة الوثيقة والتدوين إلى عالم السرد وبناء «خطاب الحكاية»، بحسب عبارة جيرار جنيت فنّا سرديا، تتعدّد دلالاته وتتنوّع مظاهر جمالياته، تلك المظاهر التي تتحكّم في أطر تكوّن شعريّة الخطاب السردي لنصّ السيرة الذاتيّة، بوصفه نوعا سرديّا، له فرادته إزاء أنواع الكتابة السردية الأخرى، وإن يتقاطع معها أو يتداخل بها إشكاليا.
ولهذا يستدعي آل مريّع تصوّر باختين الذي يرى أنّ في السيرة الذاتية نوعا من الإنتاج الأدبي «تترافق فيه (توازيا وتقاطعا)، أنماط وأجناس من الكتابة الأدبية وغير الأدبية، مثل الحكايات والمرويات والشهادات، والوثائق، والخيالات، والصيغ المقالية، والاعترافية، واليوميات… كلّ ذلك تحت فعل استعادة، فنيّة، وينبغي لأيّة صيغة وصفية أن تستوعب ذلك»(29). معنى ذلك أنّ من أهمّ ما يميّز السيرة الذاتيّة، من ناحية البناء الفنّي، ليس التخييل الذي تلتقي فيه مع فنون سردية وشعرية أخرى، إنّما مركزية حضور بعدي التاريخ والذاكرة، وتوظيفهما في بناء المادّة النصيّة للخطاب السردي السير ذاتي. حيث يتخّذ هذا التوظيف منحى شعريّا جماليا، حتّى لا يكون إنتاج خطاب السيرة الذاتيّة مجرّد كتابة تاريخية، وهو ما جعله يخلص إلى القول: «إنّ السيرة الذاتيّة ليست فنّا فحسب، ولكّنها فنّ وتاريخ معا، وأن تراجع الجانب التاريخي منها يخرجها من دائرة الأدب السير ذاتي إلى دائرة الفنون المعتمدة بالدرجة الأولى على التخييل. كما أنّ غياب العناصر الفنيّة منها، على مستويات الصياغة، والتشكيل، والخيال، الذي لا يفسد الحقيقة، بل ينمّيها، ويسدّ الفجوات، داخل العمل السيري، يخرج السيرة الذاتية من دائرة الفن ويحصرها في دائرة التاريخ»(30). وهو ما يمّثل شرط ولادة نصّ السيرة الذاتية، ذلك أنّه»من خلال هذه العلاقة الخاصّة بين الفن والتاريخ التي يستحضر فيها كلّ طرف شرطه المغاير، وربّما المنافي للطرف الآخر؛ تستمدّ السيرة الذاتيّة مشروعيتها في الوجود (أو لنقل في) الاختلاف، فالطرف الأوّل شرطه الجمال ومرجعه الخيال، والثاني شرطه الحقيقة/ الصدق، ومرجعه الواقع»(31). وهو ما يعني أنّ آل مريّع قد أدرك مدى أهمية تبلور مفاهيم وصيغ نظرية عامّة، يمكن أن تكون منوالا معرفيا مجرّدا، بالاعتماد عليه يمكن أن تُضبط وتُحدّد أهمّ الخصائص المميّزة لخطاب السيرة الذاتيّة بوصفه نوعا سرديا مختلفا في البنية والأسلوب ومرجعيات الكتابة عن غيره من فنون السرد الأخرى.
وفي هذا السياق، يمكن أن نقرأ مقاربة الغامدي التي انطلقت من البحث في التراث السردي العربي، ومن مفاهيم نقدية ونظرية حديثة، للنظر في ما يمكن أن تكون به السيرة الذاتيّة كذلك، أي فنّا أدبيّا سرديا مادّته اللغة، يتمايز من خصائص عدّة عن غيره من فنون السرد الأخرى.
وهكذا فلئن عمل الغامدي على استبعاد أشكال كتابة مختلفة عن الذات في علاقتها بذاتها وبالآخر والعالم، من دائرة السيرة الذاتية قد سبقت الإشارة إليها، فإنّه لم يهتم اهتماما واسعا أو مركّزا بقضيّة الشكل الفنّي والبناء الهيكلي الذي يميّز خصوصية الخطاب السردي لكتابة السيرة الذاتيّة في مستوى مقوّمات البنية الفنيّة للخطاب السردي المائز لهذا النوع الأدبي. وإنّما آثر الاشتغال في سياق آخر، بدا منفتحا على إشكالات عويصة، تتعلّق في مجملها بالتجنيس الأدبي للكتابة عن الذّات في التراث العربي، ولعلّ مثل هذه الإشكالية قد يدفع إلى خوض حوار وتفاعل، مع مضمون تلك الأطروحة التي تقول، إن التراث العربي الإسلامي لم يعرف أدب السيرة الذاتيّة، وهو خلو من هذا الفنّ الذي ظهر حديثا في الغرب، على مستوى الإبداع والتنظير.
ينطلق الغامدي من رصد فرق رآه جوهريا، بين «السيرة الغيرية» التي تتعلّق بالكتابة عن ذات أخرى، والتي يُستعمل في شأنها مصطلح «السيرة»، فحسب أو الترجمة، من ناحية، والسيرة الذاتية من ناحية أخرى، تلك التي يتمركز مدارها على حكاية الذات، أو التاريخ الشخصي للأنا المتكلّمة في النصّ. حيث يقتضي ذلك، بالنسبة إليه، «البحث في وجهة نظر بعض كتّاب السيرة الذاتية في أدبنا العربي، حول سيرهم الذاتية الّتي كتبوها»(32). ومن ثمّ يحاول أن يجد تصوّرا جامعا يستقطب أشكال الكتابة عن الذات في التراث العربي، ليستنتج قائلا: «إنّ مصطلحي السيرة والترجمة، قد استخدما على جانب بعض الألفاظ الأخرى، لتعيين كثير من نصوص السيرة النثرية التي تدور حول التاريخ الشخصي للفرد بشكل عام»(33). وهنا يمكن أن تُطرح للبحث والنظر في مسائل تتعلّق بأساليب الكتابة عن الذّات وأشكال ظهورها في التراث الأدبي والحضاري العربي، ما بين الترجمة والسيرة، والسيرة الغيرية، وسائر أشكال التراجم العلمية والأدبية والتاريخية الواردة في مصنّفات»الطبقات»، إذ «الباحث يجد أنّ هناك عدّة كلمات قد استخدمت، للإشارة، إلى بعض هذه السير الذاتيّة، مثل مجموع، وكتاب، وفهرست وتاريخ، وتعليق وتأليف وكرّاسة… إلخ»(34). وهنا ينتهي الغامدي إلى استنتاج مهمّ، تبعه بتساؤل إشكالي، ففي نظره المفردات التي تقدّم ذكرها «ليس لها أيّ قيمة اصطلاحية، باستثناء كلمتي فهرست، وتاريخ. ولكن هل يدلّ غياب أي مصطلح خاص أو فرد للسيرة الذاتيّة في الأدب العربي القديم على غياب هذا الجنس من السيرة الذاتيّة؟»(35). ليخلص إلى القول: «بالطبع لا. فغياب مصطلح مفرد لمفهوم أدبي أو لظاهرة أدبية، لا يعني بالضرورة غياب هذا المفهوم أو هذه الظاهرة»(36)، ويعلّل ذلك بقوله: «فالنقّاد الغربيون – مثلا – لا ينفون وجود جنس السيرة الذاتية في آدابهم، قبل القرن التاسع عشر، لمجرّد، أنّ مصطلح السير الذاتيّة (Autobiography) عندهم لم يخترع»(37). ومن ثمّ عمل على تفنيد الرأي الذي يجعل مثلا، كتاب «الاعتبار» لأسامة بن قنفد (تـ 584هـ)، مجرّد يوميات، معتبرا ذلك بمثابة «وصف خاطئ»(38). ذلك أنّ هذا التأليف «ينتمي – حقيقة –إلى السيرة الذاتية أكثر من انتمائه إلى مذكّراته»(39).

وهكذا فإنّ مسألة حسم السيرة الذاتيّة تعود بالأساس إلى المضمون من جهة تعلّقه برصد أهم مراحل التاريخ الشخصي للذّات، وتحوّلات وعيها بذاتها والعالم، دون تركيز كبير على مظاهر الفنّ وبنيات اللغة والأسلوب. وهذا ما أشار إليه، عند تطرّقه إلى الموازنة بين صنف الدارسين الذين يركزون في السيرة الذاتيّة على التاريخ والمضامين ذات الصلة بالواقع والحياة، وأولئك الذين يركّزون أساس على جوانب الفن وشعرية اللغة وبناء الشكل، حيث خلص إلى القول: إنّ «السيرة الذاتيّة من أقلّ الفنون الأدبية احتفاء بالأبعاد الجمالية والأسلوبية»(40)، ذلك أنّ هذا البعد كما ترى بعض الدراسات، «ليس الأهمّ في كتابة تسجيلية»(41). ولأنّ مدار السيرة الذاتية على استعادة التاريخ الشخصي للذات، وتصوير أهمّ مساراتها وتحوّلاتها، وما ذكر أهمّ ما رافقها من تحوّل في أشكال الوعي والتمثّل.
3 – السيرة الذاتيّة: طرافة المقاربة فرادة النوع
تبعا لما تقدّم أمكن القول إنّ تداول فنّ السيرة الذاتية بوصفه نوعا سرديا متفرّدا، يتوقّف بالأساس على معايير فنيّة جمالية ودلالية فكرية تتصل بواقع الذّات وتاريخها الشخصي، انطلاقا من تعامل مع ذاك التاريخ وفق معايير تخييلية، تحكمها معايير شعرية، حتّى لا تسقط في متاهة كتابة ثانية للتاريخ ومجرّد استعادة لأحداث الماضي، وهو ما نقضه آل مرّيع واعتبره ممّا يخرج بكتابة السيرة الذاتيّة عن مقام الأدبيّة والفن إلى التاريخ. معنى ذلك من البديهي أن يكون تجنيس السيرة الذاتيّة نمطا من الكتابة السردية، موضوعه التاريخ الشخصي للذّات، واستعادة ما مرّت به وعاشته من تجارب، دون تركيز على الجوانب الفنيّة، أو اتّخاذها شرطا لاعتبار الإنتاج الأدبي سير ذاتية، وهو ما ميّز الأطروحة التي قدّمها الغامدي في الغرض.
غير أنّ مثل هذه الاستنتاجات لا تبدو في نظرنا موفية بغرض هذا الباحث، ولا دالّة دلالة كافية على أهمّ ما ميّز كلتا المقاربتين، أو جعل إحداهما تتفرّد عن دراسات كثيرة منجزة في الغرض، وذلك لما اشتملت من مفاهيم تأسيسية مبتكرة، قد صيغت بحثا عن أفق نموذجي للتحليل والقراءة، يدرك خصائص مكوّنات السيرة الذاتية في العالم العربي ، بوصفها فعل كتابة يرتبط بخصائص المجتمع والثقافة ومكوّنات الأنساق التي تتحكّم من قريب أو بعيد في النصّ وتحضر بقوّة في حبكة نسيجه الدلالي.
لقد تميّزت في هذا السياق مقاربة آل مريع بخصوص مسألة حدّ السيرة الذاتيّة وتوصيف مقوّمات خطابها السردي في المستوى الفنّي الشعري وعلى الصعيد الفكري الدلالي، حيث طرق وظائف فنيّات التخييل في مستوى تشكيل شعرية الخطاب، وعند استعادة أحداث الماضي، ورصد دورها في تشكيل أبعاد الدلالة المولّدة للمعاني والرؤى. ومن ثمّ تظهر معالم طرافة هذه المقاربة من خلال تلك خصوصية تلك المفاهيم التي استقاها آل مريع من التراث الفكري الديني والأدبي النثري الذي اختصت بها الحضارة العربية الإسلامية، حيث استعار مفهوم «المكاشفة» في علاقته بـ: فضيلة «المحاسبة»، وهما العبارتان اللتان تداولهما علماء الدين ورموز الثقافة العربية الإسلامية من أهل الفكر والزهد والتصوّف، حيث اتّخذت المكاشفة بعد الإفصاح والإظهار، عن الفعل والقول وما جال بالخاطر ودار في النفس من رأي أو رؤية أو موقف. لكن المكاشفة تجري في حدود مثل وقيم ثابتة دينية وخلقية، توافق ما تواضعت عليه الأمّة والمجتمع، وترتبط المكاشفة بمفهوم آخر قيمي أخلاقي هو «المحاسبة»، حيث تحاسب الذات نفسها عمّا فعلت وعمّا يجب أن تفعل. إضافة إلى مفهوم آخر ذي صبغة نظرية سردية، اصطلح عليه آل مريع بـ: «الكنتية»، وطرحه منوالا معرفيا، بدا بمثابة آلية يمكن استخدامها في تحليل ما كانت عليه الشخصية محور القصّة من أحوال، حيث يشكّل ذلك مادّة ينبني عليها خطاب السيرة الذاتية. وقد طرح آل مريع «الكنتية» منوالا معرفيا للقراءة والتحليل يرتبط بدرجات من المكاشفة وطرائق في محاسبة النفس عمّا فعلت وأتت، أو عمّا كان عليها فعله.
لكن كيف ترتبط هذه المصطلحات والمفاهيم فيما بينها، وكيف تشكّل جهازا نظريا متمساكا، وأداة معرفية بدت ذات فعالية قصوى في فكّ عالم السيرة الذاتية وسبر أغوارها، ينطلق آل مريع في تشييد هذه المفاهيم، من طرح هاجس بلوغ الحقيقة، في كتابة السيرة الذاتيّة في مقابل تقليص الخيال، حيث إنّه لئن نسلّم بأنّ كتابة الذات في انفعالاتها وأحاسيسها ومواجدها ممكنة بالنسبة إلى ذاتها، الذات العارفة بنفسها، فإن قول الحقيقة كما هي غير ممكن مطلقا، فهو محدود، يشرح آل مريع الأمر، فيقول: «إنّ القدرة على التعبير عن التجارب الروحية، لا تتوفّر لإنسان ما، كما تتوافر لمن يعانيها؛ فهو وحده القادر على الكشف عن جدّتها النوعية»(42). إذ «الإنسان كالبؤرة الضوئية، تتجمّع فيها أشعّة يكاد يكون من المستحيل على من هو خارجها أن يتبيّن مصادرها، أو يحصر مداها، أو يدرك أثرها»(43). غير أنّ ذلك لا يضمن إمكان قول الحقيقة المطابقة لواقع الأمر، حتّى وإن تحدّدت مقصدية الكاتب بطلب «الصدق الواقعي» إلى جنب الصدق الفنّي»، كما يذهب إلى ذلك آل مريع، وهو ما يعني تدخّل أبعاد الذاتيّة ونسفها لإمكان إدّعاء قول الحقيقة، وحضور التخييل الذّاتي الذي تقتضيه طبيعة كلّ عمل فنّي، فيغادر الخطاب مجال الحقيقة التاريخية ووهم المطابقة، إلى مجال الفن والخيال وشعرية الخطاب الذي ينفتح على الذاكرة إلى جاب الوثيقة، فيتّخذ التخييل الذاتي أفقا له لإنتاج الفن وتوليد شعرية الأثر.
وقد تصبح كتابة الذات عائقا أمام ذاتها، بخصوص قول حقيقتها وتصويرها كما هي في الواقع، وهو ما عبّر عنه آل مرّيع من خلال استدعائه لما قاله أحمد أمين في كتابه «حياتي»: «العين لا ترى نفسها إلّا بمرآة»(44).هذا إضافة إلى التناسي والانتقاء، حيث «يلجأ كاتب السيرة الذاتية شاء أم أبى، إلى جعل حياته التي عاشها عملا فنيّا، فينتقي ويختار، ويعيد التركيب وفق البناء الذي يراه، وهو لا شكّ واجد نفسه، إزاء مادّة واسعة وكثيرة قبل أن يختار ويصطفي»(45). ومن ثمّ يخلص آل مريع إلى نتيجة محورية تطرح فرضيات كثيرة تتعلّق في مجملها بطرح الهويّة السردية لجنس السيرة الذاتيّة، وتتمثّل هذه النتيجة في أنّه من الصعب سبر أغوار الذات وقول حقيقة النفس ذلك أنّ «عقبات كثيرة، تقف دون الصدق التامّ الخالص/ الحقيقة»(46). ومن أبرز تلك العقبات أو العوائق الّتي تحول دون تحقيق كتابة الذّات كما هي في الواقع والتاريخ، إضافة إلى الحضور المهمّ لبعد التخييل، واختراقه لكلّ خطاب سردي: تظهر آثار: «النسيان الطبيعي»، «التناسي/ النسيان المتعمّد»، «الرقابة الطبيعية»، «التكتّم وعدم الإفضاء»، «التواضع المسرف»، «الاختراع والتزيّد»، «التحرّج من الأصدقاء والمعاصرين»(47)،
وهكذا بعد أن يطرق آل مريع اتّجاهات الدارسين المعاصرين ومواقفهم من قضيّة صدقية خطاب السيرة الذاتية، بين إقرار الإمكان، والقول باستحالة ذلك، يطرح تلك المفاهيم التي تصوَّرها نموذجا فعّالا لدراسة خصائص مكوّنات خطاب السيرة الذاتية، في بعدها الدلالي، وتفسير المضامين. وفي مقدّمة تلك المفاهيم جاء مفهوم «المكاشفة»، الذي يطرحه آل مريع، بديلا عن «الاعتراف»، الذي ارتبط بمقتضيات الثقافة الغربية في أبعادها الأدبية الواقعة، و»ظهر تحت تأثير سلطة الكنيسة والتعاليم الدينية، القائلة بضرورة الجهر بالمخازي والفضائح لاسيما الجنسية منها، بكلّ صلافة وجلافة»(48). وتظهر سلبية هذا المفهوم «الاعتراف»، في صيغته الغربية (Confession) ذات الدلالة الأخلاقية، من جهة كون استعماله قد اكتسى «بعدا فضائحيّا، وارتبط استخدامه – في الغالب- بالعلاقات الجنسية غير المشروعة، أو المغامرات العاطفية، أو الانحرافات السلوكية والنفسية في أحطّ صورها، وهو بهذا المفهوم: مصطلح صيغ تحت وطأة المعتقد الكنسي»(49). ولهذه الاعتبارات يطرح آل مرّيع «المكاشفة»، في بعدها الثقافي الأخلاقي بديلا عن «الاعتراف» بحسب المدلول الغربي، لكون مصطلح المكاشفة، «ينطوي على تميّز حقيقي في طبيعة الإفضاء/ البوح، وتظهر عليه مسحة من الالتزام الواعي خلقا ودينا»(50)، وهو ما طبع في نظر المؤلّف، بعض «أحاديث الأصحاب رضي الله عنهم، والتابعين، وكما نجده عند ابن حزم، وابن الجوزي وأحمد أمين وعلي الطنطاوي، وأبي عبد الرحمن ابن عقيل الظاهري»(51).
وفي هذا السياق ابتكر آل مريع مفهوم «الكنتية الذي يتعلّق بسرد ما كانت عليه الشخصية، حيث ينطلق آل مريع في صياغة المفهوم النظري للكنتية، من فعل ماض ناقص، هو «كان»، حيث يُشتقّ من فعل كان، كنت، حيث يسترسل الكلام عن الماضي: كنت شجاعا، كنت جوادا.. ومن هنا يتخّذ الحكي المرتبط بصيغة ماضي الأنا صورة «الكنتية»، بوصفها «صيغة لممارسة شفهية من صيغ خطاب السيرة الذاتية في الأدب العربي، اقترن بحال الفقد»(52). ليستنتج كيف أنّ «الكنتية خطاب شامل، ينتظم فعل الحياة، في الثقافة العربية عامّة»(53)، فعبر الكنتية «تكون الذّات في مقابل المجتمع، كنت في شبابي أفعل كذا، كنت في حداثتي أصنع كذا»(54)، فالأنا المتكلّمة في هذا المقام السردي، «لا تصنع ذاتها من خلال الصراع والتمرّد، بل من خلال الانجذاب إلى القيم الاجتماعية، ومن ثمّ تعيد تكريس مفهوم حضور الأنا وفاعليتها داخل ملكوت النحن (وهكذا) تركّز الذات في استعادة القيم الّتي يكون بها الفرد متميّزا، ومتوافقا مع النظام الاجتماعي: كنت شابّا شجاعا.. جوادا»(55). وهو ما يعني، بحسب هذا المنظور، أنّ الكنتية «فعل لغوي سردي، استعادي شفاهي بالأساس، يتبع الحياة الخاصّة، ثمّ يعيد إنتاج الذّات ضمن قيم البطولة، كما تراها الثقافة، وكما تؤمن بها الجماعة»(56). ولهذا القصّ الذي تلجأ إليه الذات عن ماضيها في علاقتها بالجماعة، دوافع، منها:
– إنزال الذات منزلة البطل
– دافع تعويضي
– الحاجة إلى التقدير، الحاجة الاجتماعية(57).
ويمكن أن نلاحظ كيف رصد آل مريع حضور فضيلة المكاشفة بين علماء وأدباء وأهل دين وتقوى صلاح من القديم والجديد، كشفوا عن أشياء ووقائع، في دائرة ما تقرّه الشريعة وتعاليم الديانة الإسلامية ومواضعات الخلق الكريم، وهو ما قاده حتما إلى طرق مفهوم «المحاسبة»، «محاسبة النفس»، انطلاقا من قناعاتها الدينية والخلقية، وبحسب ما يرتضيه خالقها لها، ومن المعلوم أنّ هذا المفهوم ظهر أوّلا مع الحارث بن أسد بن عبد الله المحاسبي (تـ243هـ)، الذي لقب بهذا اللقب (المحاسبي)، لإقراره بوجوب محاسبة النفس يوميّا، لاسيّما قبل النوم عمّا فعلت أو قالت. وفي هذا الغرض ألّف كتابه الذائع الصيت «الرعاية لحقوق الله»، لتنتشر بعد ذلك فضائل قيم «المكاشفة» و«المحاسبة» لدى علماء الدين وأهل التقوى والصلاح، كابن قتيبة والماوردي والغزالي صاحب كتاب «مكاشفة القلوب» وابن حزم وابن الجوزي وابن الجوزية، وغيرهم ممن جمع بين طلب العلم وفضيلة إصلاح النفوس وتحصيل تقواها، ولهذا نجد آل مريع يقول: «… ومحاسبة النفس ومعاتبتها سلوك تستوعبه الثقافة الإسلامية، وتحضّ عليه، إذ هو مبدأ ديني وأخلاقي. وقد جاء به الأمر في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ»(سورة الحشر:18)، فأمر الله العبد أن ينظر ما قدّم لغد، يتضمّن المحاسبة»(58). وهكذا تصبح تلك المحاسبة وما يتقدّمها من مكاشفة أساسا، ووسيلة لحصول ذاك «التطهير الفعلي، ومن ثمّ تنتهي إلى حالة من السكينة والطمأنينة فيما بينها وبين ذاتها، والتصالح فيما بينها وبين القارئ»(59).
ويبدو أنّ هذا الوعي الإشكالي العميق بتأصيل مصطلحات الدراسة في بيئتها العربية الإسلامية، وجعلها متناغمة مع المعتقد والهويّة والرؤية إلى العالم، كانت وراء خصوصية تلقّي هذا الرأي من قبل نقّاد أكاديميين مرموقين، ثمّنوا ما انطوى عليه من طرح جادّ ومتفرّد، يستأنف التأسيس لمفردات النظرية الأدبية في النقد والقراءة، ذلك ما يمكن أن نستخلصه من كلام أ. د محمّد القاضي، حيث قال في معرض تقديمه لكتاب «السيرة الذاتيّة: مقاربة الحدّ والمفهوم»: «لقد بذل آل مريع جهدا مشكورا في توضيح الغوامض، واقتراح الحلول وتأصيل مفردات البحث في المجال العربي الإسلامي، ويبدو أن فكرة الانفتاح على الغير، لم تذهب به إلى حدود الانسلاخ عن هويّته والانصهار في الآخر. فكانت محاولته نقدا للنقد، وتكريسا لمبدأ التراكم المعرفي، وسعيا إلى بناء الشخصية العلمية الجامعة بين الأصالة والانفتاح»(60). ويجد الباحث أكثر من شهادة تنصف مدى القيمة المعرفية لذاك التأصيل لمفردات البحث في مجال السيرة الذاتيّة، من ذاك ما أفصح عنه أ.د صالح بن رمضان، بخصوص مفهوم الكنتية، (كان يوم كنت)، حين ذكر قائلا: «قرأت للدكتور آل مريع كتابا مهمّا عن السيرة الذاتية، ففهمت أنّه ملمّا بأدبيات هذا الجنس الأدبي في الغرب … ولكنّي بقراءة كتابـ (ه) كان يوم كنت، أدركت أنّ الباحث يسعى إلى تجنيس كتابة الذات أو كتابة السيرة الذاتية في الوطن العربي»(61). ولعلّه في هذه الأبعاد بالذّات تكمن طرافة مشروع آل مريع في تأصيل مفاهيم نقد السيرة الذاتية وتحليل خطابها السردي، حيث لم يتوقّف عند تلقّي مفاهيم الثقافة الغربية، بل صدع بجرأة لابتكار مفاهيم وتنظير اصطلاحات من عمق التراث العربي وثقافة الإسلام، تصلح أن تكون منوالا جادّا وفعّالا لتحيل مادّة الحكي التي منها قُدّ الخطاب السردي السير ذاتي.
أمّا إذا نظرنا في ما يبدو طريفا ومتفرّدا بالنسبة إلى معالجة الغامدي لأشكال الكتابة عن الذات كما جسّمتها السيرة الذاتية، فإنّنا نجد أيضا، وعيا عميقا بمدى أهميّة تنظير أدوات القراءة السيرة الذاتيّة وتلقيها في الأفق النقدي العربي العاصر، حيث رأى جدوى مهمّة في أن يواصل في تأليفه: «كتابة الذّات»، ما قد بدأه في بحثه: «السيرة الذاتيّة في الأدب العربي»(62). إذ أقرّ ضرورة توسيع مجال أدب السيرة الذاتية، وتعدد آفاق كتابته بعيدا عن التعريفات المجحفة والضيّقة، أو تلك التي تتلمذ حرفيا إلى النقد الغربي والنظريات الأدبية المعاصرة. من ثمّ كان جادّا في البحث لهذا الجنس الأدبي في التراث العربي عن روافد مصدرية وأصول فنيّة، كما بحث له عن أشكال ظهور وتجلّيات نصيّة في الثقافة العربية القديمة والحديثة، ولهذا تطرّق في الفصل الثاني من كتابه «كنابه الذّات» إلى مصادر السيرة الذاتية في الأدب العربي القديم، وهي «المصدر الإغريقي» و»المصدر الفارسي»، و»المصدر العربي الجاهلي» و»المصدر الإسلامي»(63). وبعد أن تتطرّق إلى أشكال حضور أبعاد «الحقيقة والاختلاق» أو التاريخي والمتخيّل في تكوين نصّ السيرة الذاتية، على المستوى الشعري الفنّي والبنيوي الدلالي، ورصد دور ذلك في تشكّل عناصر أدبية السيرة الذاتية، طرق مسألة مهمّة في تشييد أدبية النصّ السير ذاتي، وهو ما يتمثّل في دراسة مستويات حضور مظاهر العجيب أو الاستيهامي العجائبي (fantastique merveilleux)، وسائر أشكال الغريب في نسيج اللغة السردية هذا الضرب من الكتابة القصصية، حيث عقد الفصل الرابع، تحت عنوان: «المكوّنات الخارقة في السيرة الذاتيّة العربية»(64)، وعمل على دراسة أوجه حضور الرؤى والأحلام والكرامات، ضمن النسيج النصّي لخطاب السيرة الذاتيّة في الأدب العربي القديم. ورغم ما تقدّم ذكره بشأن مسايرة الغامدي للرأي القائم على اعتبار السيرة الذاتية بالأساس خطابا تسجيليا لأحداث مضت، فإنّنا نجده في أكثر مواضع تأليفه سواء على صعيد التنظير أو من خلال التطبيقات التي أجرى فيها أدوات المنهج، يولي وجود توافق بين الشكل والمضمون في المستوى الفنّي والدلالي أهميّة قصوى، مبيّنا في أكثر من موضع ضرورة تجاوز التركيز على المضمون، دون دراسة مقوّمات الشكل الفنّي، حيث ذهب إلى القول: «على الرغم من أنّ تناول مضامين السيرة الذاتية، بوصفها بعدا خارجيا، أو إطارا عامّا تتحرّك فيه شخصية كاتبها مؤثرة فيه ومتأثّرة به، يعدّ أمرا ملحّا وضروريا في أيّ دراسة نقدية للسيرة الذاتية، إلّا أن المبالغة التي شاهدناها في بعض الدراسات في الاحتفاء بالمضامين الاجتماعية والسياسية والثقافية، بل حتّى التنموية، بدت لنا أمرا غير مبرّر»(65).
ومن هنا آثر الغامدي من خلال قراءته للمنجز النقدي السعودي حول السيرة الذاتيّة، إثراء تلك الآراء ذات الوجاهة النقدية المطروحة في المجال التداولي للنقد السير ذاتي. فهو مثلا يوافق في الفصل الذي وسمه بـ: «نقد السيرة الذاتية في المملكة العربية السعودية»(66)نفس الطرح الذي ذهب إليه آل مريّع، حيث لا معنى أن ينقلب التأصيل النقدي في تحليل السيرة الذاتية، إلى مصادرة على المطلوب تردّ كلّ إبداع روائي أو سردي قصصي استند إلى الذات وتجربتها في الحياة إلى سيرة ذاتيّة مطابقة لحياة المؤلّف.ولقد عبّر عن ذلك آل مريع، في صيغة مكثّفة ودالّة، حيث قال: «للروائي أن يقبع في الزاوية التي يرى أنّه قادر من خلالها على ارتياد عالم جدير بالمعالجة، وليكن المنظور سيريا لا مانع من ذلك»(67). ويستنتج قائلا: «هناك روايات نجحت إلى حدّ كبير، في هذا المجال، مثل (الحزام)، لأدبي دهمان، و»شقّة الحرّية»، للقصيبي، وثلاثية تركي الحمد (…) وبعض روايات عبده خال (إنّها) روايات أفادت من تقنية السيرة الذاتية»(68).
وهو ما يعني أنّه لا بدّ من الانطلاق من مضمون الميثاق السير ذاتي، وتلقّي النصّ السردي، استنادا إلى معايير العقد القرائي الذي ينصّ عليه المؤلّف بدءا ممّا تحيل إليه العتبات النصيّة الأولى، ووفقا لمعايير التخييل الذاتي، بوصفها آلية في الكتابة السردية، منطلقها حكاية الذّات وتجارها في الحياة، وتحوّلات وعيها ومشاعرها ونظراتها إلى العالم الخارجي، دون بحث عن مطابقة لفحوى الكلام مع واقع الحياة والتاريخ.

1- لوجون (فيليب)، السيرة الذاتية: الميثاق والتاريخ الأدبي، ترجمة وتقديم عمر حلّي، بيروت، الدار البيضاء، ط1- 1994م، ص 22.
2- من المعلوم أنّ ضبط الدلالة المعرفية لمصطلحي الجنس والنوع تتداخل، وتتباين ويُستعمل كليهما بنفس المفهوم، وقد ترجمت عبارة Genre، بمعنى الجنس وبمعنى النوع. انظر: يحياوي (رشيد)، نظرية الأنواع الأدبية، الدار البيضاء، إفريقيا الشرق، 1991م. ومن المعلوم أنّ أمّهات المصادر العربية في النحو والبلاغة والمنطق وعلم الأصول والفلسفة، تعتبر الجنس أعمّ من النوع، وتحت كلّ جنس توجد أنواع كثيرة. قال حازم القرطاجني: «فقد تبيّن لنا أنّ أغراض الشعر أجناس وأنواع، تحتها أنواع». منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق ابن الخوجة (الحبيب)، ط5، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 2014م، ص12. وقال الجرجاني (علي بن محمّد)، في «التعريفات»: «الجنس اسم دالّ على كثيرين مختلفين بأنواع»، التعريفات، بيروت، مكتبة لبنان، 1991م، ص 71. ونحن سنستعمل مفهوم الجنس باعتباره توصيفا دالّا على صنف قائم بذاته، من الإبداع الأدبي، تندرج ضمنه أو تتفرّع عنه أنواع أخرى. مثال ذلك اندراج «رواية السيرة الذاتيّة» أو الرواية السير ذاتية، تحت صنف «الرّواية»، واندراج الرواية ضمن فنّ السرد.
3- برّادة (محمد)، الرواية ذاكرة مفتوحة، القاهرة، مصر، ط1، آفاق للنشر والتوزيع، 2008م، ص 5
4- م. ن، ص. ن.
5- الدّاهي (محمد)، الحقيقة الملتبسة: قراءة في أشكال الكتابة عن الذّات، الدار البيضاء، شركة النشر والتوزيع المدارس، 2007م، ص13.
6- برّادة (محمد)، التخييل الذاتي في كتابات توفيق الحكيم، مسقط، عمان، مجلة «نزوى»، العدد 87 – 2016م، ص 27، 28. وتجدر في السياق مراجعة مادّة «التخييل الذّاتي»، في معجم السرديات عمل جماعي بإشراف محمّد القاضي، ط، مشتركة، تونس، 2010م.
7- آل المريع (أحمد)، السيرة الذاتيّة: مقاربة الحدّ والمفهوم، بتقديم أ. د، محمّد القاضي، صفاقس، تونس، دار صامد للنشر والتوزيع، ط3، جانفي 2010م، ص 49.
8- م. ن، ص 50.
9- م. ن، ص. 51.
10- م. ن، ص. ن.
11- م. ن، ص. ن.
12- سعيّد (جلال الدين)، معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، تونس، دار الجنوب للنشر، 2004م، ص 205.
13- آل مريّع، السيرة الذّاتيّة، ص 52.
14- م. ن، ص. ن.
15- الداهي، الحقيقة الملتبسة، ص 14 وما بعدها.
16- الغامدي (صالح معيض)، كتابة الذّات: دراسات في السيرة الذاتية، بيروت، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 2013م، ص13.
17- م. ن، ص 15.
18- م. ن، ص 17.
19- م. ن، ص 15.

20- م. ن، ص 17.
21- م. ن، ص، ن.
22- م. ن، ص، ن.
23- آل المريع، السيرة الذاتية، ص 34.
24- الغامدي (صالح معيض)، كتابة الذات، ص 18.
25- م. ن، ص 19.
26- م. ن، ص ن.
27- م. ن، ص ن.
28- آل المريع، السيرة الذاتية: مقاربة الحدّ والمفهوم، ص 88.
29- م. ن، ص 92، 93.
30- م. ن، ص 93.
31- م. ن، ص 93.
32- الغامدي، كتابة الذّات: دراسة في السيرة الذاتية، ص 36.
33- م. ن، ص، ن.
34- م. ن، ص 38.
35- م. ن، ص. ن.
36- م. ن، ص. ن .
37- م. ن، ص. ن.
38- م. ن، ص 41.
39- م. ن، ص 276.
40- م. ن، ص. ن. وهنا تجدر الإشارة، إلى أنّ هذا الرأي ذكره معجب الزهراني في مقدّمة السيرة الذاتية ، موسوعة الأدب السعودي الحديث، نصوص مختارة، الرياض، دار المفردات، 1422هـ، مج 6، ص 39. وانظر، الغامدي، كتابة الذات، ص 276.
41- م. ن، ص 93.
42- المربع، السيرة الذاتية: مقاربة الحدّ والمفهوم، ص 120.
43- م. ن، ص 120.
44- م. ن، ص 132.
45- م. ن، ص 124، 125.
46- م. ن، ص 123.
47- م. ن، من ص 123 إلى 134.
48- م. ن، ص 153.
49- م. ن، ص 167.
50- م. ن، ص 170.
51- م. ن، ص. ن.
52- آل مريع (أحمد)، خطاب الكنتية: المصطلح – التأويل، دراسة في أوليات خطاب السيرة الذاتيّة في التراث العربي، مجلة الخطاب، الجزائر، منشورات مخبر تحليل الخطاب، جامعة مولود معمري، تيزيوزو، العدد 13، جانفي، 2013م، ص13
53- م. ن، ص14.
54- م. ن، ص20.
55- م. ن، ص، ن.
56- م. ن، ص21.
57- م. ن، ص23 وما بعدها. وقد أنجز آل مريع رسالة علمية كاملة في الغرض، وسمها بعنوان: «علي الطنطاوي، كان يوم كنت (صناعة الفقه والأدب)، صدر في طبعته الرابعة، الرياض، السعودية،العبيكان، 1438هـ 2017م.
58- م. ن، ص 173.
59- م. ن، ص 175.
60- م. ن، مقدمة الكتاب بقلم أ.د. محمد القاضي، ص 11.
61- بن رمضان، صالح، من مقدّمات كتاب، آل مريع (أحمد)، علي الطنطاوي، كان يوم كنت صناعة الفقه والأدب، (سبق ذكره).
62- صدر هذا البحث في مجلّة علامات في النقد الأدبي، النادي الأدبي الثقافي جدّة، ج14، مج4، رجب 1415م، م. ن، ص 173.
63- الغامدي، كتابة الذّات، صص 55 – 72.
64- م. ن، ص 91 – 104..
65- م. ن، ص 275.
66- م. ن، ص 257 وما بعدها.
67- آل مريع، السيرة الذاتيّة: مقاربة الحدّ والمفهوم، ص 106.
68- م. ن، ص . ن.

محمّد الكحـلاوي *
نزوى
 

أعلى أسفل