جلال البحري

منتدى تونس التّربوي
مؤسّس الموقع
ناشر الموضوع
المشاركات
1,523
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
المستوى الدّراسي
دراسات معمّقة
الاختصاص
أدب عربي
المهنة
أستاذ
غير متّصل
    جماليات الشعر الصوفي
  • #1
جماليات الشعر الصوفي
د. سعدون السويح
بعض الشعر يتجاوز كل العصور، ويخاطب كل الأزمنة، وتتجدد حداثته في كل قراءة تفككه وتعيد تركيبه، فهو في حالة تحول دائمة أو إعادة خلق مستمرة. والشعر الصوفي يحمل هذه السمة لأنه يخاطب أعمق أشواق الإنسان الروحية، ويحاول من خلال تفجير الطاقات الدلالية للغة أن يبعث فينا الإحساس بذلك السر الأعظم الذي أودعه الله في النفس البشرية حين سواها ونفخ فيها من روحه.

وللشعر الصوفي في اللغة العربية أساليبه وطرائق تعبيره ومناخاته وتجلياته اللغوية المتميزة التي تكاد تجعل منه مدرسة مستقلة في شعرنا العربي لا يشاركه في بعض خصائصه سوى شعراء الغزل العذري ومن نحا نحوهم من القدامي والمعاصرين.

وإن قارئ الشعر الصوفي عند أعلامه الكبار كالحلاج وابن الفارض وابن عربي ورابعة العدوية يدرك أن هناك رؤية مشتركة تجمع هؤلاء على اختلاف تصوراتهم وآرائهم وبصرف النظر عن الأحكام التي أصدرها بحقهم كثيرون، والتي لا يقوم أغلبها على النقد الفني، بقدر ما تصدر عن مسائل تتعلق بالإيمان العقيدة، وتذهب أحيانا إلى القول بالتكفير والخروج عن الملة، فأن هذه الرؤية المشتركة لدى هؤلاء الشعراء المتصوفة هي رؤية "الحب"، فالحقيقة الإلهية في نظرهم، تتجلى في هذا الكون بجميع مظاهره من خلال ذلك الفيض النوراني الذي يسري في نفوس العارفين، ويكشف لهم حجب المادة، فيرون وجه الله في كل مكان. ولقد عبّرت رابعة العدوية أبلغ تعبير عن هذه الرؤية المتسامية في أبياتها الجميلة ذات الشفافية النادرة:



الرؤية الصوفية للذات الإلهية في شعر المتصوفة هي في المقام الأول رؤية جمالية، والخالق جل وعلا كما هو محبة مطلقة، فهو أيضا،في تصورهم - جمال مطلق، ولذا يقف الصوفي حائرا بين جلال الله وجماله، كما يقول ابن الفارض "... فدهشت بين جماله وجلاله"، وكما يعبّر جلال الدين الرومي في صورة بالغة الشفافية.



ولقد واجه المتصوفة في محاولتهم التعبير عن هذه الإشراقات الفيضية معضلة عجز اللغة،أو قصورها، فدلالات الألفاظ مختلطة، واللفظ الواحد يمكن تحميله دلالات متباينة بحسب السياقات التي يرد فيها، وبحسب ما تمليه العلاقات التبادلية التي تتحكم فيها الأنساق اللغوية في مستوياتها الأفقية والرأسية ولما كانت التجربة الصوفية، بل كل التجارب الروحية العميقة، هي ذات طبيعة تفوق الوصف، فإن محاولة احتوائها في قوالب اللغة أدت إلى إساءة فهم مقاصد المتصوفة في كثير من الأحيان ولعل النفري أحس بشئ من ذلك في قوله "كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة"(2)ومن ثم، فإن قراءة الشعر بعامةـ والشعر الصوفي بخاصة، على مستوى الدلالة المعجمية، تظلمه كثيرا إذ تسقط عنه أبعاده المجازية ورمزيته وسرياليته، وتجاوزه "ظاهر" اللغة إلى "باطنها".

ومسألة اللغة ودلالاتها في الشعر الصوفي مسالة شائكة لا يمكنني الإحاطة بها في هذه الملاحظات العابرة، وقد تناولها كثيرون بالبحث والدرس، ولكنني وددت فقط التنبيه إليها. وعلى سبيل التوضيح، أسوق مثلا استخدام الفعل "رأى" ومن مشتقاته "الرؤية" و"الرؤيا".

ومعنى هذا الفعل على مستوى الدلالة المعجمية القريبة، هو مجرد "إبصار" الشئ بالعين، أو بواسطة، نحو "مجهر" أو تلسكوب، أو غيرهما من الأدوات. وفي القرآن الكريم، طلب موسى عليه السلام رؤية ربه، بمعنى النظر المباشر إليه، في قوله تعالى {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني...} من الآية 143 سورة الأعراف.

واضح من هذه الآية الكريمة أن موسى عليه السلام طلب الرؤية بمعناها المباشر، وكانت إجابة رب العزة باستحالة ذلك في هذه الحياة الدنيا، فأبصارنا المحدودة لا تحيط باللامحدود، ولا قِبَل لها بإدراكه. ودون الدخول في التفاصيل التي خاض فيها المفسرون والفرق الكلامية بشأن موضوع الرؤية، أود أن ننظر في استخدام الفعل "رأى" في بعض سياقات الشعر الصوفي، ومن أمثلة ذلك قول عمر ابن الفارض:

زدني بفرط الحب فيك تحيـــــــرا
وارحــم حشا بلفظي هواك تسعرا
وإذا سألتك أن أراك حقيقــــــــــة
فاسمح ولا تجعل جوابي لن ترى

في البيت الثاني تناص مع الآية الكريمة التي ذكرناها آنفا، فما الذي يقصده ابن الفارض يا ترى؟ هل يعقل أنه يريد من رب العزة أن يسمح له بما لم يسمح به لنبيه موسى؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا... الشاعر - في تصوري - يدرك تلك الاستحالة، لكنه في لحظة الوجد والإحساس الصادق بالحضور الالهي الذي يجده في قلبه نورا يغمر كل كيانه، يريد أن يستزيد من هذا الإحساس، ولا يريد أن يحجبه عنه شئ، فالرؤية المطلوبة إذا هي رؤية وجدانية ذوقية روحية، وليست رؤية بصرية محدودة ببعدي الزمان والمكان.. الرؤية التي يطلبها ابن الفارض هي - في زعمي - عين الرؤية التي تطلبها رابعة في قولها:

وأمــــــا الذي أنــت أهــل لــه
فكشفك لي الحجب حتى أراكا

هي رؤية أقرب ما تكون إلى ما ورد في الحديث القدسي "أعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

ولابن عربي تجليات جميلة في استخدامات الفعل "رأى"، نحو قوله:

يا من يراني ولا أراه
كم ذا أراه ولا يراني

ومعنى الشطر الأول واضح لا إشكال فيه، أما الشطر الثاني فهو مبهم، وقد عوتب الشيخ فيه، فالله سبحانه وتعالي يرانا في كل الأحوال، ونحن العاجزون عن رؤيته، وقد رد ابن عربي، فيما جاء في نفح الطيب، على معاتبيه ارتجالا بقوله:

يا من يراني مجرما ولا أراه آخذا
كما ذا آراه منعمـا ولا يراني لائذا

ومن هذا الرد، يتضح أن الفعل في الشطر الثاني لا يقصد به الرؤية البصرية، ولكنه بمعنى "يجد"، فالعبد يجد ربه منعما ولا يجده ربه "شاكرا" لفضله، أو "لائذا" به. واستخدام الفعل "رأى" بمعنى "وجد" شائع ومضطرد في لغتنا، ومنه قول المتنبي:

أرى كلنا يبغى الحيـاة لنفسه
حريصا عليها مستهاما صبا

وأخيرا فهذه مجرد ملاحظات آمل أن نفيد منها في قراءة، أو إعادة قراءة، التراث الشعري والنثري الجميل الذي تركه لنا المتصوفة على امتداد قرون عدة، ولكننا في قراءتهم، لا بد وأن نستحضر رؤيتهم الجمالية وتوظيف اللغة لنقل هذه الرؤية، فاللغة في الشعر الصوفي هي قبل كل شئ حضور وجداني شفاف لا يدرك بسوى عين البصيرة وذوق الوجد.(3)

د. سعدون إسماعيل السويح

(1) ترجمة عن الإنكليزية من كتاب By:Decpak Clopra and Ferey Doun Kia, Harunany Books, New York (1998) The Love poems of Rumi.

(2) عبارة شهيرة للنفري من كتابه "المواقف"، وهو متصوف معروف اسمه الكامل محمد بن عبد الجبار بن حسن النفري ولد ببلدة نفرّ في العراق وإليها ينسب. وهو من متصوفة القرن الرابع للهجرة، وتوفي سنة 356 للهجرة بحسب بعض المصادر.

(3) يدرك المتصوفة أنفسهم هذه المعضلة في التعبير عن أشواقهم الروحية وحالة الوجد التي تأخذهم، وقد أشار أبو مدين الغوث إشارة طريفه إلى ذلك في قوله: (فقل للذي ينهي عن الوجد أهله *** إذا لم تذق طعم شراب الهوى دعنا).
 

أعلى أسفل