Monji Selmi

ضيف جديد
منتدى تونس التربوي
المشاركات
39
الدّولة
تونس
الولاية
مدنين
المستوى الدّراسي
جامعي
الاختصاص
العربية
المهنة
أستاذ أول في التعليم الثانوي
    النّـقـطـة الخـضـراء ( قـصّـة قصيـرة ) الأسـتـاذ: منجي السّالمي
  • #1
الــقسم : إبداعات نثريّة
"جميـل" شابّ في الخامسة و العشريـن من عمره، مُغرم بمواقع التّـواصل الاجتماعي: فيسبوك و استـڤـرام و مسنجر ... و كان يقضي ساعات عديـدة ناظرا إلى شاشة الحاسوب، أو محدّقـا في هاتـفه. و له أصدقاء كثـيـرون، يحادثهم و يتبـادل معهم الأخبار و الطرائف.
و في أحد الأيّـام، تعرّف على فتاة عبر فيسبوك تسمّي نفسها: "بنت العاصمة" لفـتـت انتباهه بما تـنشره من صور و مقاطع فيـديو و مقولات، فأخذ يتابعها باهـتمام. و بمرور الأيّـام أغـرمت الفـتـاة به و عـبّـرت عن إعجابها بما يـنـشـره.
و في إحدى الليالي، طلبها بالمسنجر و كتـب لها:
- مساء الورد و الياسمين.
فردّت عليه:
- مساء الفرح و السّرور، يا صديقي العزيـز.
- ماذا تفعلـيـن الآن ؟
- أراجع دروسي و أحيانا أنظر إلى هاتـفي.
- سامحيـني، لا أريـد إضاعة وقـتـك.
- لا تـقـل هذا الكلام، الوقـت الذي أقضيه و أنا أكـتـب إليـك أكون فـيه سعـيدة جدًّا.
- شكرا، أنا أيضا سعـيد بالكتابة إلـيـك.
- أنت تسمّي نفسك "ابن الجزيـرة" و لم تذكر لي أسمك الحقـيـقي.
- اسمي "جميـل" يا "بنـت العاصمة"
- أنـا اسمي الحقـيـقي "بثـيـنة".
- يا لها من صدفة غريـبة! سنكوّن معا ثـنـائـيـا متميّـزا: جميـل و بثـيـنة.
- ها ها ها ! و ربّـما نصبح حبـيـبـيْـن مثـلهما.
- ابعثي لي صورتـك لو سمحت.
اختارت له إحدى صورها و أرسلـتها إليه.
- آه، ما أجملك ! أنـت رائعة فعلا ! و الآن سأرسل إليـك صورتي أرجو أن تعجبك.
و بعد أن شاهـدت الصّورة، قالـت:
- أنت شابّ وسيم و أنـيـق.
- هل أعجبْـتـك حقـا ؟
فردّت علـيه بخجل:
- نعم، أنـت جميـل فعلا ، اسم على مسمّى.
- أشعـر أنّـنا سنكون سعيـديـن معًـا.
- ما هي هـواياتـك؟
- أحبّ الأدب عامّة و الشّعـر خاصّة ... و لديّ محاولات في القصّة و الشّعـر و الخاطرة.
- رائع ! سأكون من المعجبـيـن بإنتاجك الأدبي. أمّا أنا فأحبّ سماع الموسيـقى و الغـنـاء.
و فجأة كتبت له مرتبكة:
- تصبح على خير يا جميل، إنّ أمّي تناديني لتـناول طعام العشاء... نلتقي غدا بحول الله.
- تصبحيـن على خيـر و إلى اللقـاء.
وضع جميل هاتـفه على الطاولة و استلـقى على سريره و هو في قمّة السّعادة، لأنّه بدأ مرحلة جديدة في علاقـته بـبثـيـنة ... صداقة عميـقة قـد تـتحوّل إلى حـبّ.
* * *
في الأيّام الموالية، توطـدت علاقـتهما و أصبحا يتحاوران عدّة مرّات في اليوم، و صارا يتبادلان عبارات الحبّ و الهـيام و يفرح كلّ منهما بوصول رسالة من الطرف الآخر.
و بعد مدّة، أصبح جميل و بثـيـنة يتحاوران حوارا مباشرا بالهاتف أو بالفـيديو، فيتبادلان ما طاب لهما من حديث عاطـفيّ رقـيـق، و يحلمان باللقاء. و كان جميل أيضا يرسل إليها مقطوعات شعريّة من تأليـفه، أو لبعض الشّعراء المعروفـين كنزار قباني. أمّا هي فكانـت ترسل إليه مقاطع مختارة من أغاني الحبّ حسب المعنى الذي تريـد هي التّعـبـيـر عـنه.
ذات ليـلـة طلبتْ بثـيـنة حبيـبها بالفيديو و حادثته دقائق ثم قطعت المكالمة فجأة و بدون وداع. شعر جميل بالقـلق و انتابه شعور بالخوف عليها. بقي في غرفـته بجوار الهاتـف ساعة، ثم فـتـح المسنجر و كتـب لها:
- " ما الذي وقع ؟ أكتـبي لي شيـئا يُطمئن قـلـبي. أنا في انتظار رسالـتـك".
بعد ساعات، فتح جميل هاتـفه فوجد رسالة من بثـيـنة:
- " الحمد لله، لقد دخلت أمّي غرفـتي فجأة و طلـبت منّي الهاتف لتـتفـقـده، فقد لاحظت كثرة انشغالي به و بدأت تـشـكّ في أمري، لكـنّها لم تجد شيـئا لأنّـني مسحت الحوار. يجـب أن نكون أكـثر حذرا في المرّات القادمة، لذلك سنكـتـفي بمرّة أو مرّتـيـن في اليوم".
بعد قراءة الرّسالة، اطمأنّ قـلـب جميل و حمد الله لأنّ الموقـف مرّ بسلام، لكنّه اسـتـاء من تقـليـص عدد المكالمات في اليوم.
و بمرور الأيّـام، أصبـح جميل يُـلـقي نظرة على هاتـفه عشرات المرّات في اليـوم باحثـا عن رسالة منها، ويتـنهّـد إن لم يجـد شيـئا. و إن وجد رسالة أو صورة أو مقـطع فـيـديو، فرح فرحا شديدا كأنّـه وقع على كـنـز ثميـن.
* * *
في أحد الحوارات الهاتـفـية سألها:
- لماذا لا تأتـيـن إلى جربة؟
- ذلك صعب، لكـنّـني أحلم بذلك.
- أحلم بأن أقوم معك بجولة في الجزيرة لزيارة أماكن جميـلة كثيرة كمتحف ڤلالـة
و كورنـيش حومة السّوق و شاطئ ياتي و منطقة راس الرّمل.
- ما هو راس الرّمل؟
- هو شبه جزيرة غـير بعيد عن ميناء حومة السّوق نذهب إليه في رحلة بحريّة ممتعة.
- أختي الكبرى ستـتزوّج هذا الصّيف، سأحاول إقـناعها برحلة إلى جربة مع عريسها.
- مرحبا بهما و هل ستأتي معها ؟
- نعم، قد أرافقها لأنّها لا تطيق فراقي. و هي أيضا تعلم العلاقة بـينـنا.
- شكرا لك، لقد أعدت الأمل في لقائـنا بعد أن يئست منه.
- لأنّـني أحبّـك بجنون، سأبذل جهدا من أجل لقائك في جربة. لكن أنت أيضا حاول زيارة العاصمة و ستجدني في انتظارك.
- سآتي إليك و معي عائلـتي لخطبتـك.
قالت له متفاجئة:
- لقد فاجأتي بهذا الكلام، هل أنت جادّ في ما تـقـول؟
- نعم، حبيـبتي، حبّـنا عميـق جدا، يجب أن ينتهي بالزّواج.
- أعطني مهلة للتـفكيـر، موعدنا على السّاعة التّـاسعة هذه اللـيلة ، أو اللـيلة القادمة.
- أنا أترقّـبـك على أحـرّ من الجمر.
في الليل، على السّاعة التّـاسعة، دخل جميل غرفته و أغـلـق الباب و فـتح جهاز الحاسوب ثم فـتح مسنجر و كتب لها:
- "أين أنت ؟ أنا في انـتـظـارك".
انتظرها ساعة ، ساعتين، ثلاث ساعات... لكنّ النقطة الخضراء بجوار الرّمز الذي يشير إليها لم تظهر، فعلم أنها لم تفـتح المسنجر و لم ترسل إليه شيئا. فأغـلق الحاسوب و تمدّد على سريره ... لو ينم تلك اللـيلة إلا في وقـت متأخر.
في اليومين التّـاليـين، راقب جميل هاتفه عشرات المرّات، و هو مضطرب البال. و بحث عن النقطة الخضراء فلم تظهر، لقد بقي حساباها في مسنجر و فيسبوك مغلقـين طول اليوم. طلبها بالهاتف في اليوم الأوّل عدّة مرات ، لكنّ بثينة لم تجـبه. في اليوم الثاني، وجد هاتفها مغلـقا. كاد يُصاب بالجنون، و بدأت الوساوس و الظنون تخامره."هل غضبت منّي؟ أم وقع لها مكروه؟ هي تحبّـني بجـنون، و لا يعـقـل أن تـتخلى عني بسهـولة. لا شـكّ أنّ هـنـاك من منعها عن الاتصال بي. ستـتّصل قـريـبا، و تعـلمني بموافـقـتها".
* * *
في الليلة الثالثة، انتظر النّـقطة الخضراء ساعة تقـريـبا، لكنْ بدون جدوى. فـقـرّر أن يتمدّد على سريـره ليرتاح قلـيلا، ثـمّ نـام...
... رأى في الحلم أنه يجلس على مقعد وثير في منتـزه جميل، يلبس بذلة أنيقة، بيضاء ناصعة، و قربه بثيـنة بفستانها الأبـيـض المطرّز، تجلس بجانـبه كالملـكة، و هي تبتسم ابتسامة جميلة من فرط السّعادة. و رأى الحاضريـن و الحاضرات يرقصون على أنغام الفرقة الموسيـقـيّة، و يهـنّـئونهما، و يدعـون لهما بـدوام الفـرح و السّعادة. و رأى أمّه و أخواته و أمّ بثـيـنة و أخواتها، يوزّعـن المرطـبات و المشروبات على المدعـويـن و يزغردن فرحا... و فجأة، تلبدّت السّماء بالسّحب، و تعكر الجوّ، و دمدم الرّعـد بقوّة ...
... أفاق جميـل من نومه مذعورا، و نظر حوله، فوجد نفسه في غرفـته الكئـيـبة، أسرع إلى هاتفه و فـتحه فوجد عل شاشته رسالة. فتحها بسرعة، فوجـدها من بثـيـنة. فرح بها فرحا شديـدا، سيعرف موقـفها من عرضه، و سرّ اختـفائها ثلاثة أيّام بـليالـيها.
قالت له: " صديقي العزيـز جميل، اعذرني تركتـك تنـتظر ثلاثة أيّام، لأنّ القرار ليس سهلا. أنا عندما قبلت صداقـتـك فرحت كثيرا. فـقـد حقـقـت معك أقصى درجات السّعادة، و تمتّعت بكلامك الجميـل و أشعارك الرّائعة و طرائـفـك المضحكة. لقد عرفت معك معنى السّعادة الحقيـقـيّـة، لأنّـك تهتمّ بي اهتماما خاصّا، و تـتـذكرني في تحيّة الصّباح و المساء. جعلتـني أعيش الحلم بعد أن كنت أقرأ قصص الحبّ في الكـتـب، و أشاهـدها في التلفـزة... لكـنّـك أخذت الأمر بجدّية أكـثر من اللازم و أفـسدت قصّـتـنا بطلـبـك، فـأنـا مازلت صغـيـرة، و أحبّ مواصلة دراستي، و لا أفكر في الارتباط الآن. ستـبـقى قصّة حبّـنا أحلى ذكرى، لكن لا تحاول الاتّـصال بي ... الوداع".
أصيـب جميل بالذّهول، و بقي جامدا كالتّـمثـال لا يصدّق ما ورد في الرّسالة،
"رباه! لماذا تخلـت عنّي؟ أكان حبها سرابا ؟ أكان كلامها لي مجرّد مسرحيّة ؟ أكانت الحوارات مجرّد لعبة ؟ كم كـنتُ غـبـيّا ! صدّقـت كلامها بحسن نـيّة و ظننـتها تحبّـني".
رمى جميل هاتـفـه بقـوّة فانفصلـت البطارية و الغلاف عنه، لكنّه لم يصب بأذى من حسن الحظ. و خرج من غرفـته غاضبا، و هام على وجهه في شوارع المديـنة، ثمّ ذهب عـند المغرب، إلى شاطئ البحر، و سار مغرقـا في التفكـيـر، مستعيدا تفاصيل قصّته مع بثينة. و في وقـت متأخّـر من اللـيـل، عاد جميـل إلى المنزل، و دخل غرفـته، و أغـلـق بابها، و حبس نفسه داخلها أيـّاما...
من ذلك اليوم، تخلى جميـل عـن هاتـفه الذكيّ و أهـمل مواقع التّـواصل الاجتماعي... و بعـد عـدّة شهـور، عاد إلى رشده، و فـكـر في ما حدث، فاقـتـنع أنّ بثـيـنة معـذورة،
و أنّ الحياة يجـب أن تستـمرّ...
الأستـاذ: منجي السّالمي ميـدون / جربـة: في 16 جوان 2019
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:
  • المشاهدات
    141
  • الرّدود
    0
  • أعلى أسفل