الوفاء الدّائم

عضو مهمّ
منتدى تونس التربوي
المشاركات
787
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
المستوى الدّراسي
خيار آخر
الاختصاص
-
المهنة
-
    الفرجة و الإمتاع في مسرحية " مغامرة رأس المملوك جابر"
  • #1
الــقسم : بحوث و دراسات
الفرجة و الإمتاع في مسرحية " مغامرة رأس المملوك جابر" لسعد الله ونوس

إن مسرح سعد الله ونوس كان ثورة على المسرح البرجوازي. فقد سعى عبر كثير من أعماله المسرحية إلى التأسيس لمسرح شعبي (théâtre populaire) و هذا ما كان يطمح إليه وعبر عنه بقوله :<< إننا نريد مسرحا للجماهير، أي الطبقات الكادحة من الشعب >>. فسعد الله ونوس منحاز إلى الطبقات الشعبية المحرومة من التعليم و الثقافة . وهمه أن يبعث لها مسرحا يوفر لها الإمتاع ، و يعمّق فيها الوعي بمشاكل واقعها. ولهذا المسرح مستلزمات تُؤَمِّن له الفاعلية و النَّجاعة، أوَّلُها أن يكون ممتعا ، يقَدِّم المسرة و اللذة و الراحة للعامل المنهك بعمله اليومي، و يُبعِد عنه الملل، و يعيد إليه النشاط .
و في مسرحية ونوس " مغامرة رأس المملوك جابر" وسائل عديدة تولّد الإمتاع، منها التقاطع بين فنّ السرد /الحكي و فن التمثيل. فالحكي يتمثل في خطاب الحكواتي الذي يخترق نص المسرحية من أوله إلى آخره . وهو خطاب يحرص فيه السارد على التشويق بقطع الحكي في لحظات حرجة من مسار الحكاية ليؤجج رغبة المستمعين في معرفة بقيتها و يشدهم إليها شدا . فلما قطع الحكواتي السرد للاستراحة تعالت أصوات زبائن المقهى محتجين :<< بالله عليك كمل .. نريد أن نعرف بقية الحكاية .. دائما تقطعها في لحظة حرجة ..>>.
و فن التمثيل/ التشخيص يتمثل في المشاهد المسرحية التي يقدمها ممثلون. و هذان الفنان يتناوبان على الركح : يسكت الحكواتي فيدخل الممثلون و معهم الديكور فيركبونه ثم يأخذون في التمثيل. و عقب انتهاء المشهد يأخذون قطع الديكور و يغادرون الركح فيعود الحكواتي إلى السرد. و بهذا التداول بين المحكي و المرئي يتداخل جنسان ممتعان : المسرحية و الحكاية الشعبية.
و من وسائل الإمتاع أيضا تعدد الفضاءات و تنوعها بتنوع المقاطع السردية و تعدد المشاهد التمثيلية . فالحكي يحدد الإطار المكاني ، و الإخراج المسرحي يجسمه انطلاقا من الإشارات الركحية : يقول الحكواتي :<< أمّا قصر الوزير محمد العلقمي فلم تكن تهدأ فيه الحركة ...>>، ثم تأتي الإشارة الركحية :<< يعود بنا المشهد إلى رواق في قصر الوزير ...>>. و الفضاءات في المسرحية عديدة: المقهى ، شوارع بغداد ، ديوان الوزير ، ديوان الخليفة ، غرفة بائسة شبيهة بالكوخ ، ديوان ملك العجم .. و لكل فضاء ديكور يوحي بطبيعته ، و تنوع الديكور من مشهد إلى آخر يضفي إمتاعا على هذه المشاهد .
و لدعم عنصر الإمتاع في المسرحية طبع ونوس بعض شخصياتها بروح الهزل و الفكاهة. فجابر شخصية فكهة تثير الضحك بحركاتها و كلماتها. فهو يصف لصديقه منصور كيف تروي له حبيبته " زمرد" أخبار " شمس النهار " جارية الوزير المفضلة، فيؤدي مع الكلام حركات تمثيلية مقلدا "زمرد" :<< آه يا منصور ، لها طريقة لا تجارى في رواية الأخبار. تغمز، و تضحك، و يتثنى جسدها مع الكلام حتى يغلي دم السامع . في كل مرة أراها تجعلني أخور كالثور...>>.
و تحمل بعض مشاهد المسرحية طابعا احتفاليا فرجويا فيه إمتاع، كمشهد حلاقة رأس جابر في ديوان الوزير و بحضوره و ما فيه من طقوسيّة مبالغ فيها كدخول الحلاق وغلمانه وغناء صبيان الحلاق بصوت رقيق أثناء الحلاقة ،...
أما الأداء المسرحي فقد نوّع ونوس تقنياته فمنها التمثيل بالكلام ( الحوار ) و الحركات و منها الإيماء و هو فن مسرحي يتميز بكونه فن إيصال المعلومات والأفكار والمشاعر إلى جمهور المشاهدين من دون الحاجة إلى لغة اللسان، أي الكلام، وبالاعتماد فقط على التعبير بحركات الجسم .وقد اشتملت مسرحية "مغامرة رأس المملوك جابر" على مشهد إيمائي (mimique ) هو مشهد تمثيل جابر إيمائيا لوصف الحكواتي لسفره عبر الفيافي و القفار إلى بلاد العجم . و منها الغناء كغناء صبيان الحلاق.
و المسرحية نص متعدد الأصوات (polyphonique) : فالحكواتي يروي الحكاية ، و الكاتب يتكلم عبر الإشارات الركحية ، و الممثلون يتلفظون بالحوار .
ومن الممتع في المسرحية أن اللغة المستعملة في بعض مقاطع الحوار لغة عامية تنطق بلهجة محلية:<< واحد شاي كمان..>>؛ و أن الحوار تتخلله أمثال شعبية :<< من يتزوج أمنا نناديه عمنا.. ابعد على الشر و غنّ له...>>.
و لا يغيب على مشاهد المسرحية و قارئها ما للتضمين ( المسرح داخل المسرح ) وكسر الإيهام بتقمص الممثل أدوارا تمثيلية متعددة ( الذي يمثل دور الخليفة هو نفسه يمثل دور ملك العجم ...) و جمع الممثلين بين التمثيل و تركيب الديكور ، و الحوار بين المشاهدين و الممثلين من دور فعال في دعم طابع الإمتاع في المسرحية.
 
  • المشاهدات
    68
  • الرّدود
    0

  • أعلى أسفل