• منتدى تونس التّربوي

    ميادين الإبداع

محور المقامة ( آداب ) الأبعاد الحجاجيّة في المقامة الجاحظيّة للهمذاني الأستاذ : ياسر محمّد السّويسي

ياسر محمد السويسي

ضيف جديد
منتدى تونس التّربوي
المشاركات
4
الدّولة
تونس
الولاية
تونس
م. الدّراسي
جامعي
الاختصاص
شعبة الآداب
المهنة
أستاذ التعليم الثانوي
لئن يتحدّد مفهوم التّداوليّة المندمجة في دراسة الملفوظ علميّا ضمن إطار تخاطبيّ يقوم أساسا في ضوء العلاقة بين المتكلّمين فإنّ مقاربة هذه المقامة بواسطة تلك الآليّات التّقنيّة المذكورة تقتضي أن نضبط مختلف الأطراف المشاركة في عمليّة التّخاطب و كذلك الّتي تنتج الملفوظ و تلك الّتي تتقبّله في آن ليتأسّس الملفوظ في المقامة ضمن لحظات متتالية متماسكة .. فخلف عيسى بن هشام يختفي الهمذاني باعتباره الباثّ الأوّل للخبر و صانع الوضعيّة الحجاجيّة الأولى في الملفوظ . إنّه دور حجاجيّ أساسيّ يضطلع به الهمذاني يوجّه من خلاله المتقبّل نحو نتائج يريدها المتكلّم .
سيرًا على خطى التّداوليّة المندمجة يتمركز الحجاج وظيفةً أساسيّة للّغة و يقوم على "التّوجيه" منذ العنوان الّذي يجسّد الاستراتيجيّة الحجاجيّة الأولى و يجدر بالذّكر أنّ العنوان من وضع كاتب المقامة و هو من مظاهر التّجديد الطّارئة على هيئتها الخبريّة . و يتّخذ هذا العنوان وظيفة تعبيريّة إذ يسعى الكاتب إلى جعله نواة تختزل النصّ و توحي بمراميه . و من جهة أخرى يتّخذ العنوان وظيفة تأثيريّة من خلال مراودة المتقبّل و تحفيزه لاكتشاف النصّ و ذلك بتأسيس دافعيّة تغريه بالقراءة و تحضّه على الاكتشاف منذ البداية . و هنا تقوم لعبة "توجيه" المتقبّل نحو نتيجة يضمرها الباثّ . و قد تتوجّه هذه النّتيجة إلى موقف فكريّ و أدبيّ يصدره الهمذاني و ينقد بواسطته النّموذج الجاحظيّ في الإنتاج الأدبيّ و قد اعتصر هذا الموقف و اختزله بإيجاز دقيق ضمن العنوان و سنأتي على ذكر هذه النّاحية النّقديّة الأدبيّة في مقامها من مقاربة هذه المقامة.
لا تخرج اللّحظة الثّانية في المقامة عن حدود الأولى في الالتزام بمركزيّة وظيفة الخطاب الحجاجيّة . و تتمثّل هذه اللّحظة في الإسناد . و هو إجراء بنائيّ اعتمده الهمذاني في صياغة المقامة يرمي من خلاله إلى توفير مختلف الضّمانات الكفيلة بتوجيه المتقبّل نحو ما يريده له الباثّ . و هو ما يعرف بمراعاة مقتضى حال المخاطب و ملاءمة طبيعة ذائقته الأدبيّة في رواية الخبر و اشتراطه الإسناد لتحقيق المرويّ و إضفاء الواقعيّة عليه و وسمه بالصّدق. و في نفس السّياق و لتحقيق إقناع المتقبّل و لضمان توجيهه استحضر الهمذاني شخصيّة عيسى بن هشام و هي شخصيّة تغري القارئ بواقعيّتها و تاريخيّتها بدليل التّسمية بل إنّ الاسم يمضي شوطا آخر إلى الأمام في سياق مراعاة مقتضى حال المخاطَب فقد ورد مركّبا من جزء ينفتح على العقيدة المسيحيّة (عيسى) و آخر يرتبط بالدّيانة الإسلاميّة من خلال أشهر رواة سيرة الرّسول (ص) و هو ابن هشام . إنّه إجراء حجاجيّ يراعي اختلاف الملل و النّحل في عصر الكاتب و يذلّل العوائق القائمة بين الباثّ و المتقبّل في المجال العقائديّ كما في الإطار الأدبيّ الفنيّ باتّخاذ الإسناد سبيلا لاحتذاء المنهج الخبريّ السّائد. كلّ ذلك ضمانا للسّيطرة على المتقبّل و إحكام القبضة عليه لتوجيهه نحو نتائج قد ضبطها الباثّ سلفا.
لم تقتصر الخطّة الحجاجيّة على العنوان و الإسناد فحسب و إنّما تعدّتهما إلى الرّواية في مجلس ففعل القول المنتصب في الإسناد منتجا للحكاية في المتن قد ورد متّصلا بضمير يعود على المتكلّم الجمع محيلا على انعقاد الرّواية داخل مجلس و لعلّ هذا الإجراء لا يرمي إلى نحت معالم الواقعيّة كشأن الإسناد بقدر ما يوافق الإجراء الحجاجيّ التّوجيهيّ للمتقبّل و هو إجراء يتكامل مع الإسناد في مراعاة مقتضى حال المخاطب . ذلك أنّ الذّائقة الأدبيّة الّتي استوجبت الإسناد منهجا خبريّا هي ذاتها التّي تطلّبت المشافهة سبيلا و المجلس إطارا.
على هذا النّحو يستثمر الكاتب ثوابت المقامة لتثبيت المتقبّل في لحظة حاسمة من لحظات تأسيس الخطاب و ضمن خطّة تهدف إلى استجماع انتباهه و ضمان استعداده لقبول رسالة الباثّ. و لكن بعد ذلك يتحوّل الرّاوي و يتبدّل السّند ليوهمنا الهمذاني بأنّه قد تخلّى عن دور الرّواية لابن هشام .. هذا الّذي ينقل الأحداث و يشارك فيها تحت راية الرّاوي الشّخصيّة ذي الرّؤية المصاحبة صاحب العين الواصفة و اللّسان السّارد .. ذاك الّذي يقيم الخطاب من الخبر مكتفيا بما تراه الشّخصيّات و تسمعه .. و لعلّ الهمذاني قد تنصّل من دور الرّواية المباشرة لأنّها مورّطة في الحدث فجعل ابن هشام له ظهيرا يفصله عن عالم القصّة أو هو يعزل الخبر عن الخطاب و الواقع عن الفنّ .. حتّى إذا علقت به بعض ذنوب الحكاية و كان مكدّيا كشأنه في المقامة البغداديّة أو ضحيّة كأمره في المقامة الحلوانيّة بقي الرّاوي متخفّيا في أمان بعيدا عن مسرح الحكاية .. يحرّك أشخاصه و لا يرونه و هو الأقرب إليهم من حبل الوريد .. ذلك أنّه يحتلّ لدى المتقبّل منزلة سامية يُفسدها النّزول إلى عالم القصّ المدنّس.
عندما ينبجس فعل القول على لسان ابن هشام تتحوّل مقاليد الخطاب إلى يديه – أو هكذا يوهمنا الهمذاني- لتبدأ الحكاية بمقطع حجاجيّ صريح ينطلق بتقديم المفعول به لإبرازه متّصلا بفعل (أثار) المنسوب إلى الوليمة . فالفرد في عصر الكاتب قد غدا مفعولا به و ضحيّة لظروف ماديّة قاسية جعلته فريسة الجوع أحيانا .. و ذاك ما تشير إليه فاعليّة الوليمة و مفعوليّة الجماعة مستندة إلى حجّة الإحالة على الواقع .. واقع اتّسم خلال النّصف الثّاني من القرن الرّابع الهجريّ بتناقضات حادّة أنتجت تفاوتا واضحا و اختلالا اجتماعيّا تجلّى في العوز الشّديد و قلّة ذات اليد .. فهل يعتبر الالتحاق بالوليمة للظّفر بها من باب الثّورة غير المشروعة على هذا الواقع الماديّ المتردّي الّذي تتخبّط فيه فئة واسعة من مجتمع هذا العصر و منها هذه الجماعة ؟ ..
إنّ ما يشفع لهذا التّأويل و يدعمه هو سعي ابن هشام إلى تبرير فعل الاستجابة للوليمة بمفعول لأجله يبيّن سبب العمل و يعلّله و يبرّره بحجّة السّلطة الدّينيّة و كأنّه يروم تطهير المحرّم بالحلال مستندا إلى الحديث النّبويّ يستمدّ منه مشروعيّة العمل .. ألم يقل الرّسول (ص) : "تركت فيكم ما أن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبدا كتاب اللّه و سنّة رسول اللّه" . غير أنّ حجّة السّلطة الدّينيّة الّتي يستند إليها ابن هشام في الظّاهر يعود الهمذاني ليفرغها من محتواها في الباطن ذلك أنّ الحديث النّبويّ قد انقسم إلى جملتين تقدّم في كلّ منهما الحدث الثّانويّ على الحدث الرّئيس و قد اقترن الحدث الثّانويّ في كلّ منهما بحرف شرط يفيد الامتناع (لو دعيت/لو أهدي) و هكذا فإنّ حرف الشّرط في الجملتيْن قد مثّل قيدا شرطيّا امتدّت دلالته إلى فعل (أجبت) في الجملة الأولى و (قبلت) في الجملة الثّانية و كلاهما فعل ماض ممتنع بسبب امتناع (الدّعوةو الإهداء) ضمن القيْديْن الشّرطيّيْن .. و جملة القول أنّ الرّسول(ص) لم يُجِبْ لأنّه لم يُدْعَ أصلاً و كذلك لم يقبل إذ لم يحدث أن أُهْدِيَ إليه ذراع .. إذن فالحجّة أسيرة اللّغة حبيسة التّركيب لم تستقم في الواقع المحسوس مرجعا ماديّا يُحْتَكَمُ إليه و بالتّالي لم يَخُضِ الرّسول (ص) تجربة ماديّة سابقة تشرّع للجماعة بعده حضور الوليمة فتحلّلها و لا تحرّمها .
يتّضح من خلال ما سبق أنّ الهمذاني ينازع ابن هشام دلالة حجّته .. فلئن تعكس الشّخصيّة الورقيّة أفكار الجماعة و هواجسها و منهج المجتمع التّاريخيّ في فهم النصّ الدينيّ و تأويله و اتّخاذه حجّة تبرّر الأعمال ضمن واقع اتّسم بحرمان و فاقة و نقص في الأموال و الأنفس و الثّمرات فإنّ الهمذاني يقترح تأويل النصّ المقدّس تأويلا مخالفا للسّائد و يقطع مع وظيفته التّبريريّة أو المقتصرة على إضفاء المشروعيّة على ذنوب الفقراء و شهوات الأغنياء في مجتمع شهد اتّساع الفجوة بين قُنَنِهِ و وِهَادِهِ .. بل إنّ بديع الزّمان عندما يجعل موقفه من النصّ الدّينيّ كامنا في خفايا التّركيب لا في صريح العبارة .. لا يظهر إلاّ لمن فكّ رموزه و حلّ عقده فهو يدعو من خلال ذلك إلى إعمال العقل في تدبّر النصّ المقدّس .. و إن كان هذا غير متاح إلاّ لمن فتح أغلاقه و حلّ وثاقه و لم يقتصر على الظّاهر المخادع و القراءة الغُفْلِ .. إنّ مقامة الهمذاني تشترك في هذه اللّحظة مع مشروع عبد اللّه بن المقفّع في الحكاية المثليّة إذ يقول في غرض كتاب كليلة و دمنة : "و قد جمع هذا الكتاب حكمة و لهوا فاختاره الحكماء لحكمته و الأغرار للهوه.." و كذلك شأن المقامة .
ننتقل إلى المقطع الموالي من هذه المقامة و هو مقطع وصفيّ بامتياز يحتفل فيه كاتبه بالمكان معوّلا على عين ابن هشام تلتقط في الظّاهر ما تشاء و لكنّها في الباطن لا تشاء إلاّ أن يشاء الهمذاني مصوّرها الحقيقيّ و مشكّلها الفعليّ لعمري و قد انتقل ابن هشام إلى المكان فاقد الإرادة مسلوب الفاعليّة متسربلا بقوانين المفعوليّة فهو مفعول به في الجملة الأولى (أثارتني و رفقة وليمة) و كذلك شأنه في الجملة (فأفضى بنا السّير) .. فمنذ بداية الرّحلة يخلّي ابن هشام الأمانة لصاحبها و يكتفي بوظيفة شكليّة نصّبه على عرشها الكاتب هي الإسناد.. و لعلّها صدفة غريبة أو طريفة أن يوافق حال ابن هشام حال الخليفة العبّاسيّ في عصره فكلاهما يحتلّ المنصب شكليّا دون تسيير حقيقيّ لمجريات الأمور . إذ الحكم الفعليّ في يد منصّبه الحقيقيّ الّذي يحرّك العالم المرئيّ من وراء السّتار.
ينفتح هذا المقطع الوصفيّ المتّجه من العامّ إلى الخاصّ و من الكلّ إلى الأجزاء على بناء الإجمال و التّفصيل إذ يظهر المكان في هيئة (دار) ليتجسّم بعدها في بيتين شعريّيْن يؤمّنان قانون المزاوجة بين الشّعر و النّثر في نسيج المقامة "الأوفى" –بعبارة الدّكتور صمّود- ثمّ يفوح عبق المنظوم لينتشر في أنحاء المنثور فيتجلّى سجعا و جناسا و ترصيعا .. غير أنّ الوصف مهما تضخّمت طاقته التّصويريّة فإنّ الحجاج يظلّ وظيفة مركزيّة تنضوي تحت لوائها وظائف اللّغة الأخرى مادام الحجاج قائما في مختلف الخطابات بحسب مقاربة التّداوليّة المندمجة.
إنّ الغاية الأولى الّتي يريدها الهمذاني هي إقحام المتقبّل في المشهد أي إطار المؤاكلة و ينعقد هذا الإجراء لغاية تأثيريّة سيستجمع لها بعد حين طاقة الوصف و يسخّر من أجلها أساليب التّصوير و يوغل في إقحام المتقبّل داخل المجلس بل هو يتحوّل به من مجلس أوّل انطلقت فيه الحكاية و قام داخله الإخبار إلى مجلس ثان التأمت فيه المؤاكلة . و ذلك حرصا على تسييجه بإطار واقعيّ يرتجيه المتقبّل و يأمله بل يشترطه حتّى يتقبّل الخطاب .. و من خلال ذلك يمضي الهمذاني على نفس الخطّة الحجاجيّة في استجماع عناصر الذّائقة الفنيّة للمتقبّل و استنفار أسبابها عاملا على إحضار شروط التّقبّل و ضماناته من منظوم و منثور بل و نصّ قرآنيّ كذلك فالفرش و البساط و الأنماط المبسوطة و السّماط الممدودة تلتقي مع عدّة مشاهد فردوسيّة استقرّت في القرآن و توزّعت بين سوره .. و تحيل هنا على سورة الغاشية من الآية العاشرة إلى الآية السّادسة عشرة إذ يقول تعالى :"في جنّة عالية لا تسمع فيها لاغية فيها عين جارية فيها سرر مرفوعة و أكواب موضوعة و نمارق مصفوفة و زرابيّ مبثوثة" . و كذلك شأن الصّورة الموالية و هي أكثر وضوحا من خلال استعمال نفس المفردات إذ يقول الهمذاني : "قوم قد أخذوا الوقت بين آس مخضود و ورد منضود و دنّ مفصود و ناي و عود" و هو ما نجده في سورة الواقعة من الآية السّابعة و العشرين إلى حدود الآية الرّابعة و الثّلاثين في قوله تعالى :"و أصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود و طلح منضود و ظلّ ممدود و ماء مسكوب و فاكهة كثيرة لا مقطوعة و لا ممنوعة و فرش مرفوعة". غير أنّ الهمذاني قد استعمل في تصويره عبارة تخلّ بالمشهد القرآنيّ و تشذّ عنه و تدخل عليه من غير مصدره ..هي عبارة "و دنّ مفصود و ناي و عود" فالدنّ المفصود مشتقّ من رحم العالم النّواسيّ في خمريّاته و قد سبق للهمذاني أن استثمر هذه الصّورة في المقامة الخمريّة عندما "اجتمع رأي النّدمان على فصد الدّنان" و كذلك أمر النّاي و العود و ما يحيل عليه من أجواء موسيقيّة يعمّها اللّهو و المجون في القرن الرّابع الهجريّ و كتاب الأغاني يحفل بأخبار هؤلاء ممّن ذاع صيتهم في هذا المجال .. إنّها مزاوجة طريفة يعقدها الهمذاني بين المقدّس و المدنّس تستمدّ فرادتها من اتّساع البون بين طرفيْها و إحالتها على مجتمع يشهد التّناقضات ذاتها و اختلال الموازين و انقلاب القيم و استمرار تعايشها في نفس المكان و الزّمان.
إنّ طرافة استثمار الصّورة المقدّسة المستمدّة من الآيات القرآنيّة لا تقف عند حدود توظيفها في النصّ و إنّما تتجاوز ذلك نحو ما ترتبط به داخل السّورة القرآنيّة . فالآيات الفردوسيّة في سورة الغاشية تحيل على ما قبلها في نفس السّورة من الآية الرّابعة إلى الآية السّابعة إذ يقول تعالى :"تصلى نارا حامية تُسقى من عين آنية ليس لهم طعام إلاّ من ضريع لا يسمن و لا يغني من جوع" و كذلك أمر الآيات المحيلة على حسن المصير و جزيل الثّواب في سورة الواقعة فهي ترتبط مباشرة بالآيات الحادية و الأربعين و ما يليها حتّى الآية السّادسة و الأربعين عندما يقول تعالى :"و أصحاب الشّمال ما أصحاب الشّمال في سموم و حميم و ظلّ من يحموم لا بارد و لا كريم إنّهم كانوا قبل ذلك مترفين و كانوا يصرّون على الحنث العظيم" .. و في الآية الأخيرة نلمح تصريحا بمصير هذه الفئة الموسرة من مجتمع القرن الرّابع الهجريّ أو هو تلميح لموقف الهمذاني منها و كأنّه قصد عند تصوير المجلس بهذه الأدوات القرآنيّة القسم المضمر منها و ليس المصرّح به .
إنّ توظيف هذا الضّرب من الآيات أو المقاطع القرآنيّة الّتي تقوم على التّقابل قد غدا منهجا فنيّا في الكتابة خلال هذه الفترة .. يوحي ظاهره أو المقطع المضمّن منه بالتّصوير العجائبيّ ممّا لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر و ذلك من خلال رسم معالم المشهد الفردوسيّ على الأرض في حين يحيل القسم الّذي يُسقطه الكاتب – مُتعمّدا عادة – على فضح الصّورة و توجيهها شطر السّخرية و الانتقال بها من الوعد إلى الوعيد .. ألم يجرِ المعرّي – و قد عاش في نفس الفترة – على نفس النّهج في رسالة الغفران إذ يمثّل رسالة ابن القارح بـ"كلمة طيّبة كشجرة طيّبة أصلها ثابت و فرعها في السّماء تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربّها " و هما الآيتان الرّابعة و العشرون و الخامسة و العشرون من سورة إبراهيم حيث يرقى برسالة مخاطبه في حين أنّ الآية السّادسة والعشرين تنزل بنفس الرّسالة إلى منزلتها الحقيقيّة حسب المعرّي إذ يقول تعالى :"و مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اُجتثّت من فوق الأرض ما لها من قرار".
إنّ الاقتباس أو نسج النصّ على منوال القرآن لا يطلب من خلاله الكاتب محاكاة المقدّس في لفظه بقدر ما يطلب به الانفتاح على دلالاته فعندما تختلّ الملاءمة بين قدسيّة النصّ و سلبيّة الواقع يتأكّد انقلاب القيم و اختلال أخلاق المجتمع و مبادئه و إنّ الحضارة الّتي انبنت على صلابة القيم و عليها أقامت أركانها قد آن زمن انحدارها عندما أخذت هذه القيم في الانهيار . و من جهة أخرى يومىء الهمذاني من خلال تصريحه بالصّورة القرآنيّة الإيجابيّة و سكوته عن السّلبيّة إلى ضرورة قراءة الآية و استنفار دلالاتها و استنباط أحكامها في موقعها من جسد السّورة المتماسك لا باقتطاعها و اجتثاثها من سياقها لتوظيفها في خدمة غايات دنيويّة تبرّر – كما أسلفنا – لذنوب الفقراء و شهوات الأغنياء و لئن التمس ابن هشام حجّة حضوره المأدبة في هذه المقامة في الحديث النّبويّ فكم من الأغنياء و السّاسة في هذا العصر سخّروا الفقهاء و رجال الدّين حتّى يلتمسوا لهم حجّة في النّصوص الدّينيّة تبيح لهم احتساء المسكرات و ركوب المنكرات و تحلّل لهم لا ما ملكت أيمانهم فحسب بل شمالهم أيضا .
نعود إلى هذا المقطع الّذي يصوّر حدث المؤاكلة ضمن مجلس خاصّ حرص الهمذاني على أن يوفّر أسباب إقحام المتقبّل داخله ليفسح له مكانا بين الآكلين و الجالسين بل قد يكون حريصا على جعله يتذوّق لذّة الطّعام بتنويع قنوات الوصف الحسيّة ببيان الأشكال و الأنواع و الألوان فمن ممتلىء و مصطفّ و مختلف إلى حالك و ناصع و قان و فاقع .. إنّه رسم بالكلمات يصوّر لك الطّعام.. كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّك تكاد تتذوّقه و تستمرئه من خلال ارتفاع وتيرة التّأنّق في العبارة و التماس منتخبات الأقوال و منتقيات البديع في ترصيع اللّفظ و تزيينه تماما كشأن الخوان بما اصطفّ عليه ممّا رأت العين و سمعت الأذن و صوّر الكاتب و لا شكّ في أنّ هذا المشهد يشكّل حجّة ماديّة ملموسة مستمدّة من قلب الواقع تؤكّد ما ذهب إليه أحمد أمين في "ظهر الإسلام" ضمن الصّفحة السّابعة و الثّمانين إذ يقول : "انتشرت مجالس الطّعام و الشّراب و وضعت لها القواعد و القوانين و الآداب كالّذي فعله كشاجم في تأليف كتابه أدب النّديم" و لكنّ هذه الحجّة الواقعيّة تستدعي نقيضها و تحيل عليه بمقتضى القول و التّصوير إذ يقول أحمد أمين ضمن نفس المصدر : "حيثما نظرنا إلى كلّ قطر من أقطار العالم الإسلاميّ في ذلك العصر رأينا الثّروة غير موزّعة توزيعا عادلا و لا متقاربا و رأينا الحدود بين الطّبقات واضحة كلّ الوضوح فجنّة و نار و نعيم مفرط و بؤس مفرط و إمعان في التّرف يقابله فقدان القوت" .. فهذا التّصوير الفردوسيّ العجائبيّ لمشهد المؤاكلة يؤكّد واقعا مترفا و يدلّ عليه بشواهد واقعيّة و لكنّه لا يقف عنده بل يحيل على نقيضه ضمن مجتمع شهد تفاوتا طبقيّا عاليا بين فئة قليلة تملك المال و أسبابه و فئة عريضة تكابد الفقر و الخصاصة.
إذن رأينا الخطّة الحجاجيّة القائمة في هذا المقطع الوصفيّ لإطار المؤاكلة و مجلس الطّعام و قد توجّهت إلى المتقبّل تضمن تقبّله و إلى المعرفة تصلح كيفيّاتها و إلى الواقع تكشفه. غير أنّ وظيفة الحجاج لا تقف في هذا المقطع عند هذا الحدّ بل تتجاوزه استعدادا للانتقال إلى المواجهة الحواريّة المباشرة و تمهيدا لها و تظهر هذه المواجهة خاصّة في انقسام الأدوار و توزّع الشّخصيّات ضمن جانبيْن , أمّا الأوّل فيتمثّل في ابن هشام و رفاقه و قد اقتصروا على متابعة مشهد الخوان بوصفه و تصويره و رصد أشكاله و ألوانه دون ذكر لعمل فعليّ أتوه باستثناء الفعل "عكفنا" الّذي جمعهم و ألّف بينهم بدليل الضّمير المتّصل العائد على المتكلّم الجمع في حين يجلس في الجهة المقابلة رجل استأثر بالفاعليّة في مقابل مفعوليّتهم و استقلّ بالحركة في مواجهة سكونهم فيده "تسافر و تسفر و تأخذ و تفقأ و ترعى و تجول" و هو "يزحم و يهزم" بل إنّ اللّغة قد أعوزتها الحقيقة في تصوير صولاته و جولاته فاستنجدت بالتّشبيه سبيلا إلى المجاز فإذا به "كالرخّ" .. وفي لعبة الشّطرنج – وهي تحيل على الواقع أيضا – تلميح إلى المواجهة و المغالبة و الصّراع يدعمه المعجم المستخدم في سرد أعماله بأفعال تجمع بينها دلالة الحرب و القتال و الصّراع .. لتعود بعد ذلك المقابلة فتفصل بين الجمعيْن و تعقد المواجهة بينهم فهو "ساكت لا ينبس بحرف" و هم "في الحديث" .. من خلال كلّ ذلك يتّضح لنا أنّ الخلاف لواء معقود بين الجانبيْن يضعهما على شفير الصّراع و يحفّزهما للمواجهة قبل انطلاقها تصريحا .. باللّغة و الحوار .
إنّ النّظر في هذه المقابلة بين الرّجل الفرد الآكل الصّامت الفاعل المتحرّك من جهة و بين الجماعة المتحدّثين السّاكنين غير المتحرّكين من جهة أخرى.. يمكن أن يحيل أيضا على آداب الطّعام و قوانينه و قد سبق أن أشرنا إلى ذلك من خلال كتاب "أدب النّديم" و ضمن هذه المقابلة أيضا نرى أنّ ابن هشام و صحبه منساقون وراء الحديث محكومون بتداعياته فهم يجرون معه حتّى وقف بهم و يعني ذلك غياب العقل المتحكّم في الحديث المصرّف لمواضيعه .. كلّ ذلك في مقابل الوقار و الرّصانة الّتي يظهر عليها الرّجل الفرد من خلال عبارة "ساكت لا ينبس بحرف" بل إنّنا نلاحظ موقفا للواصف من هذا الرّجل في عبارة "مع ذلك" و قد أفادت الرّغميّة و التّعارض المنتظر في أفق التّقبّل بين الإقبال على الطّعام من جهة و السّكوت و الهدوء من جهة مقابلة و هكذا تستقيم المقابلة ممهّدة لانطلاق المواجهة الحواريّة الحاسمة بين الجانبين و قد أعلنت نتيجتها قبل انطلاقها فالعقل يقف في صفّ الرّجل الفرد و الحركة و الفعل كذلك بل حتّى أدب الطّعام باعتبار أنّ لكلّ مقام مقال و لكلّ حادث حديث و قد انتظر الفراغ من الطّعام و الانتقال إلى المكان ليشارك في الحديث و يدلي فيه بدلوه و يرمي فيه بسهمه.
ثمّ ينفتح الحوار على نبرة خطابيّة واضحة يستهلّها بجملة نداء تفيد التّنبيه ليستقيم على عرش عمليّة التّخاطب باثّا فريدا مطلقا و تكتفي الجماعة بدور المتلقّي ضمن لعبة الإخبار و الاستخبار فتارة يقولون : "أفدنا و زدنا" و تارة أخرى يقتصرون على حروف الجواب نفيا و إثباتا منقادين منصاعين إليه .. و إذ يجيب عيسى بن هشام بعبارة "إي و اللّه" فقد ورد في اللّسان أنّها "بمعنى نعم إلاّ أنّها تختصّ بالمجيء مع القسم إيجابا لما سبقه من الاستعلام".
لقد انعقدت المحاورة على موضوع أدبيّ نقديّ يخصّ المنظوم و المنثور و المفاضلة بينهما و مكانة الجاحظ في الأدب العربيّ حيث يعتبره الهمذاني مقصّرا لأنّه لم يقل شعرا و هنا تتّضح بعض غايات بديع الزّمان في سعيه إلى التّفوّق اللّغويّ و التّأنّق البلاغيّ في مقاماته فهو يفتخر في هذه المقامة ضمنيّا على الجاحظ لأنّه أبدع في النّثر و قصّر في الشّعر أمّا هو فقد أبدع في النّمطين معا . فالجاحظ لم يقل شعرا و لم يجمع في أدبه بين نمطيْ الكتابة الأدبيّة الأكثر شهرة رغم أنّه اعترف به أديبا مقتدرا في النّثر و هكذا فقد صارعه ليأخذ مكانه بين أدباء عصره – مثلما يقول الأستاذ توفيق بكّار في مقال بعنوان "جدليّة الأدب و الذّهب" ورد في مجلّة الحياة الثّقافيّة – "فلكلّ زمن جاحظه .. و جاحظ العصر همذانيه" ..
على هذا المنوال تنعقد المواجهة ضمن مستوييْن مستوى سطحيّ و آخر عميق أمّا المستوى السّطحيّ فيكشف عن ثقافة أبي الفتح الاسكندريّ الّتي هي في الأصل ثقافة الهمذاني خالق الشّخصيّة و بارئها بل هو الّذي أخرس باقي الشّخصيّات ليفسح المجال واسعا أمام أبي الفتح ليعمل فيهم خطابه إقناعا و إفحاما و هكذا فالشّخصيّات الحاضرة في المجلس إنّما هي دُمًى في يد الهمذاني يحرّكها كيفما شاء و ليست في يد أبي الفتح و هذه الشّخصيّات شأنها شأن بقيّة ضحايا المكدّي لا يمكّنهم الكاتب من مجال تعبير واسع بل يسرع بهم إلى الهزيمة في هذه المواجهة الحواريّة الحجاجيّة متواطئا مع بطله أبي الفتح سرّا رغم إظهاره الحياد في السّرد بتسليم مقاليده إلى ابن هشام ذاك الّذي يوهمنا بواقعيّة الخبر و ماهو في الحقيقة سوى بيدق من البيادق الّتي يحرّكها الكاتب على رقعة المقامة . و أمّا المستوى العميق فيقابل فيه بين منهج الجاحظ المعروف بالكلام الّذي يغني قليله عن كثيره و يقوم معناه في ظاهر لفظه و يزهد في المحسّنات البديعيّة و بين منهج الهمذاني الّذي يسعى إلى التّفوّق و البروز و التّأنّق في نسج الخطاب بالسّجع و المزاوجة بين نمطين أدبيّيْن عاشا صراعا طويلا في تاريخ الثّقافة العربيّة القديمة و خاض العرب جدلا محتدما حول أفضليّة أحدهما على الآخر .. فاستقامت المقامة نثرا شعريّا و شعرا منثورا .. رابطة في نفس الوقت علاقات التّناصّ intertextualité مع النّادرة و الأمثال و النّصوص الدّينيّة و الخبر و الوصيّة و أدب المجالس و المآدب و الأشعار و غيرها .. و في هذه اللّحظة تحديدا يكتسب عنوان المقامة أهميّته باعتباره قطب الرّحى و منتهى الدّلالة و الغاية الجوهريّة القصوى الّتي يستهدفها الهمذاني منذ البداية و وظّف من أجل إدراكها و الوصول إليها أدب الطّعام و المأدبة و كلّ ما أحاط بها بل و عقد عليها موضوع الكدية و جعلها سبيلا يتخلّص بواسطته إلى التّبرير و شكوى الدّهر في هيكل المزاوجة بين الشّعر و النّثر ضمن خاتمة المقامة.
إنّ الاسكندريّ البطل المزيّف قد سلب الجاحظ في هذه المقامة زعامة الأدب بدعوى أنّه قصّر حين اكتفى بالمنثور و لم يقل منظوما و نجح في إقناع الحضور في المجلس بهذا الرّأي متّخذا من اللّغة وسيلة إقناع و تحيّل في ذات الوقت و ذلك بعد أن كانت اللّغة أهمّ وسيلة لنشر العلوم و الدّين و المعرفة في أرجاء الدّولة الاسلاميّة .. أليست الحضارة الإسلاميّة العربيّة حضارة لغة بالأساس؟ و معجزة الإسلام ..أليست لغويّة بيانيّة ؟ و التّاريخ العربيّ الجاهليّ .. أليس شعريّا لغويّا ؟ من خلال هذا التّوظيف للّغة ينقد الهمذاني وضعا ثقافيّا يتمّ فيه وضع اللّغة في غير محلّها داعيا إلى إعادة استعمالها بما يعيد مجدها و بريقها و مجد الحضارة العربيّة و إشعاعها .. و في هذا السّياق يقول الدّكتور حمّادي صمّود في كتابه "الوجه و القفا" : "هو فخر بحذق جانب من اللّغة اندثر أو كاد لإحيائه و استحضاره" .
نواصل في توضيح مقاربتنا الّتي نرى من خلالها الهمذاني مؤسّسا لخطاب حجاجيّ في مقاماته يتجاوز حدود الشّخصيّات الورقيّة إلى عرض مشروع حضاريّ ينقد العصر و يؤسّس للتّغيير بل يتجاوز نقد الأدب و أشكال توظيف اللّغة إلى فضح منزلة الأديب و العالم و المثقّف عموما في عصره فالإسكندريّ - كما يقرّ بذلك الدّكتور حمّادي صمّود في "الوجه و القفا" – "ليس إلاّ نموذجا يتّكئ عليه صاحب المقامات لطرح قضايا من سياقه التّاريخيّ و بيان ما جدّ في بيئة القرن الرّابع الهجريّ من تحوّل في القيم و المفاهيم طبق رؤيته الخاصّة" .. نعم .. هذا صحيح غير أنّ الإسكندريّ ينفلت من صفوف العامّة و يسقط من قضايا المجتمع في عصره ليدلّ دلالة خاصّة على وضع المثقّف المهمّش و ما يكابده و في هذا السّياق يقول أحمد أمين في "ظهر الإسلام" ضمن الصّفحات السّادسة و التّسعين و ما يليها إلى حدود الصّفحة الثّامنة و التّسعين : "فالتّوحيدي .. لماّ أعيته الحيلة تحوّل طلبه و ملقه و رياؤه و نفاقه إلى غيظ من النّاس و حقد عليهم فأحرق في آخر أيّامه كتبه .. بعد أن ملأ كتابه (الإمتاع و المؤانسة) شكوى من الفقر و من سوء الحال و رفع صوته إلى الوزراء و الأغنياء فعاد من ذلك كلّه صفر اليدين . و هذا أبو سليمان المنطقيّ أعقل عقلاء بغداد و أوسعهم منطقا و نظرا يقول فيه التّوحيدي و هو من تلاميذه :"إنّ حاجته ماسّة إلى رغيف و حوله و قوّته قد عجزا عن أجرة مسكن و عن وجبة غدائه أو عشائه." و هذا أبو عليّ القالي البغداديّ ضاقت به الحال قبل أن يرحل إلى الأندلس حتّى اضطرّ أن يبيع بعض كتبه و هي أعزّ شيء عنده .. و قد ورد في "المقابسات" على لسان التّوحيدي قوله : "شاهدنا في هذه الأيّام شيخا من أهل العلم ساءت حاله و ضاق رزقه و اشتدّ نفور النّاس عنه و مقت معارفه له فلمّا توالى عليه هذا دخل يوما منزله و مدّ حبلا إلى سقف البيت و اختنق به فلمّا عرفنا حاله جزعنا و توجّعنا و تناقلنا حديثه"... و أخذ التّوحيدي و أصحابه يتجادلون في أنّه له الحقّ في الانتحار أم لا .." و لقد مضى الإسكندريّ ضمن هذه المقامة في تأكيد هذا الوضع المتأزّم الّذي يعيشه المثقّف في عصره باستعمال فعل الأمر بما فيه من دلالات الطّلب و الاستعطاء و بالسّقوط في نبرة الشّكوى و الاستعطاف من خلال قوله : "ولا تدع الأيّام تهدّني هدّا " مؤكّدا حدث الهدّ بالمفعول المطلق .. ليجد المكدّي نفسه مجبرا على اتّخاذ الوسائل المشروعة و غير المشروعة لتحصيل رزقه في واقعه المتردّي و أن يكون مثل "أبي قلمون" في كلّ لون يكون و لكن كيف كان مآل الحجاج بعد كلّ ذلك ؟ هل اقتصر المكدّي على تحصيل العطاء الماديّ أم فاز بما هو أثمن من ذلك ضمن هذه المواجهة الحجاجيّة ؟
تنغلق المقامة على انتزاع الاعتراف بالمكدّي و اقتناع الجماعة به و تفوّق المفرد على الجمع و هو تفوّق يترجمه التّحوّل من علاقة الانفصال إلى علاقة الاتّصال اتّصالا وجدانيّا عندما "ارتاحت الجماعة إليه" و اتّصالا اجتماعيّا من خلال قول ابن هشام : "لمّا تآنسنا" و كلّ ذلك إضافة إلى النّجاح في تحقيق الرّغبة الماديّة إذ "انثالت الصِّلاتُ عليه " . و من جهة أخرى يعقد الكاتب لبطله مصالحة مع اللّغة فقبل خاتمة المقامة كانت اللّغة في يد الإسكندريّ أداة للخداع و التّكدّي و في الخاتمة غدت سبيل اعتراف به من خلال توظيف استعارة "البدر".
إنّ قراءة دلالات هذه الاستعارة تنتهي إلى تأكيد تفوّق الفرد المكدّي على الجماعة ففي لحظة أولى نتحوّل من مكان المؤاكلة ضمن مجلس أرضيّ يتشبّه بجنّة علويّة إلى اسم مكان هو "مطلع البدر" و مصدره هذه المرّة علويّ أمّا مدلوله فأرضيّ بشريّ أي أنّنا انتقلنا انتقالا عكسيّا بين طرفيْ المعادلة العموديّة بين مكان البداية (جنّة على الأرض) و مكان النّهاية (بشر في السّماء) لتبقى الجماعة عاكفة على خوانها الأرضيّ و ليرتفع الفرد المكدّي و المثقّف الواقعيّ إلى منزلته السّماويّة أضف إلى ذلك ما يحتمله البدر من دلالات النّور و الإشعاع و بثّ المعرفة الصّادرة عن سراجه الوهّاج . إنّه نور يحمل دلالات التّفوّق لينقلب خاتمة شعريّة تنتصب على ذروة الخيلاء و الفخر بالذّات و التّصريح بالنّسب من خلال اسم النّسبة (اسكندريّ) و الإضافة (داري / قراري / ليلي / نهاري ) .. فالخاتمة تقوم على نغمة تمجيديّة لذات المثقّف خلال القرن الرّابع الهجريّ .. هي ذات النّغمة التي عزفها المعرّي إذ اختار العزلة و فضّلها على الانخراط في واقع لا يمنحه المكانة الّتي يستحقّ و قد أومأ إلى منزلة الأدباء و المثقّفين الأثيرة في "رسالة الغفران" إذ رفعهم إلى أعلى عليّين في الجنّة .. و هي كذلك النّغمة الّتي عزف عليها المتنبي في الفترة التّاريخيّة نفسها "نشيد الدّهر و قلق الشّعر" إذ عجب بنفسه "عُجْبَ عَجِيبٍ لم يجد فوق نفسه من مزيد" و رغم أنّ بعض الأخبار تتّهمه بالبخل و الشحّ فإنّ الظّروف الماديّة الّتي يعيشها النّاس عموما و المثقّفون خصوصا تشفع له في ذلك و في منحى التّكسّب في شعره عامّة إن استثنيْنا سيفيّاته و كذلك الألم الّذي انتاب التّوحيدي بين الواقع الموجود و المأمول المنشود .. مجسّما احتداد وعي المثقّف بمنزلته في الواقع خلال هذه الفترة الّتي أفرزت بصورة استثنائيّة الكثير من الشّعراء و المثقّفين .. تلك هي صورة الأدب يأتي من الإنسان على الوجع و ينبع من رحم المأساة و يتخبّط في أحشاء الأزمة و ينبع من صلب مآزق التّاريخ و أوجاع الحضارة .. فالإسكندريّ يصوّر مأساة المثقّف في القرن الرّابع الهجريّ بين الواقع المحتوم و توقه إلى منزلة كان خليقا بها كذاك المقام الّذي وضع فيه أفلاطون المفكّرَ على رأس جمهوريّة المدينة الفاضلة .
على هذا النّحو ينبني النصّ بنية دائريّة تنطلق من مكان جماعيّ واقعيّ سائد لا تبتنيه إلاّ بقدر ما تهدمه لتقيم في مقابله بواسطة أبي الفتح مكانا جديدا .. إنّها جدليّة المكان و الإنسان في ظرفيّة حضاريّة مخصوصة تحيل داخل النصّ على زمان غير محدّد بدقّة ضبط المكان .. فالقصّة يمكن أن تحيل مرجعيّا على أكثر من زمان شهد الأزمة ذاتها ما دمنا لا نظفر بإشارة إلى قرينة تاريخيّة و تحديدا سياسيّة تحدّ الإطار الزّمانيّ بل نجد فقط الظّواهر الاجتماعيّة و الدّينيّة الّتي تحيلنا على عصر التّناقضات و انقلاب القيم . فالهمذاني لا ينقد ظاهرة تاريخيّة محدّدة بالزّمان بل يستهدف كشف الاختلالات الاجتماعيّة الّتي تنشأ كلّما توفّرت ظروف إفرازها و مقتضيات إنتاجها بين الفترات التّاريخيّة المختلفة.
 
  • التفاعل
التفاعلات: المنصف الحامدي
تحليل متميّز صديقي العزيز ياسر
و هذا ليس مستغربا من ابن من أبناء كليّة الآداب بمنّوبة
مرحبا بك معنا في منتدى تونس التربوي
 
شكرا أستاذ جلال و أرجو أن نسهم جميعا في تأثيث هذا المنتدى و إثرائه ضمن مختلف مستويات التّعلّم و البحث الممتع
 
تونس

كلامك متداخل في بعضه، متخارج منه !