- المشاركات
- 1,773
- الدّولة
- تونس
- الولاية
- بنزرت
- م. الدّراسي
- دراسات معمّقة
- الاختصاص
- أدب عربي
- المهنة
- أستاذ
النصّ
حدَّثَنا عيسَى بْنُ هِشَامٍ قالَ: لَمَّا قَفلْنَا مِنَ المُوصِلِ، وَهَمَمْنَا بِالْمَنْزَلِ، وَمُلِكَتْ عَلَيْنَا القَافِلةُ، وَأَخَذَ مِنَّا الرَّحْلُ والرَّاحِلةُ، وَمَعِي الإِسْكَنْدَِيُ أَبُو الفَتْحِ، قُلْتُ: أَيْنَ نَحْنُ مِنَ الحِيلَةِ? فَقَالَ: يَكْفِي اللهُ.
و أَتَيْنَا قَرْيةً على شَفِيرِ وَادٍ، السَّيْلُ يُطَرِّفُها وَالمَاءُ يَتَحَيَّفُها. وأَهْلُهَا مغْتَمُّونَ لا َيمْلِكُهُم غُمُضُ الَّليْلِ، مِنْ خَشْيَةِ السَّيْلِ. فَقَالَ الإِسْكَنْدَرِيُُ: يَا قَوْمُ أَنَا أَكْفِيكمْ هَذا المَاءَ وَمَعَرَّتَهُ، وأَردُُ عَنْ هذهِ القَرْيَةِ مَضَرَّتَهُ، فَأَطيعوني، ولا تُبْرِمُوا أَمْراً دُونِي. فَقَالوا: ومَا أَمْرُكَ؟ فَقَالَ: اذْبَحُوا في مَجْرَى هَذا المَاءِ بَقَرَةً صَفْرَاءَ، وأَتُونِي بِجَارِيةٍ عَذْراءَ، وَصَلُّوا خَلْفِي رَكْعَتَيْنِ يَثْنِ اللهُ عَنْكُمْ عِنان هذا المَاءِ، إِلى هَذِهِ الصَّحْراءِ، فَإِنْ لَمْ يَنْثَنِ المَاءُ فَدَمِي عَلَيْكُمْ حَلالٌ. قَالوا: نَفْعَلُ ذَلِكَ.
فَذَبَحُوا البَقَرَةَ، وَزَوَّجُوهُ الجَارِيَةَ. وَقَامَ إِلى الرَّكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهِما، وَقَالَ: يَا قَوْمُ احْفَظُوا أَنْفُسَكُمْ لاَ يَقَعْ مِنْكُمْ فِي القِيامِ كَبْوٌ، أَوْ في السُّجُودِ سَهْوٌ، أَوْ فِي القُعُودِ لَغْوٌ، فَمَتَى سَهَوْنَا خَرَجَ أَمَلُنَا عَاطِلاً، وَذَهَبَ عَمَلُنا بَاطِلاً، وَاصْبِرُوا عَلى الرَّكْعَتَينِ فَمَسَافَتُهُمَا طَوِيلَةٌ. وَقَامَ لِلْرَكْعَةِ الأُولَى فَانْتَصَبَ انْتِصَابَ الجِذْعِ، حَتَّى شَكَوا وَجَعَ الضِّلْعِ، وَسَجَدَ، حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ هَجَدَ، ولمْ يَشْجُعُوا لِرَفْعِ الرُّؤُوسِ، حَتَّى كَبَّرَ لِلْجُلُوسِ. ثُمَّ عَادَ إِلى السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَوْمَأَ إِلَيَّ، فَأَخَذْنَا الوَادِي وَتَرَكْنَا القَوْمَ سَاجِدينَ، لاَ نَعْلَمُ مَا صَنَعَ الدَّهْرُ بِهِمْ.
فَأَنْشَأَ أَبُو الفَتْحِ يقُولُ:
لاَ يُبْعِدُ اللهُ مِثْلـي *** وَأَيْنَ مثْلِي أَيْنَ؟
للهِ غَـفْـلَةُ قَـوْمٍ *** غَنِمْتُهَا بِالْهُوَيْنَـا!
اكْتَلْتُ خَيْراً عَلَيْهِمْ *** وَكِلْتُ زُوراً وَمَيْناً
مقامات بديع الزّمان الهمذاني
شرح الأستاذ: جلال البحري
الموضوع: حيلة الإسكندريّ للإيقاع بأهل القرية
المقاطع:
حسب معيار البنية الثلاثيّة للسّرد
1- من البداية --- هممنا بالمنزل: وضع الانطلاق: رحلة العودة إلى الدّيار
2- من مُلكت علينا --- أومأ إليّ: سياق التحوّل
- الحدث القادح: السّرقة
- الاضطراب: الضّياع و الجوع
- الاضطراب المعاكس: النزول بالقرية و الحيلة
3- البقيّة: وضع الختام: الهروب
أو
حسب معيار السّند و المتن
1- حدّثنا ---- قال: السّند
2- البقيّة: المتن
الشّرح
1- المقطع الأوّل: وضع الانطلاق: رحلة العودة إلى الدّيار
حدّث: فعل قول
قصّ + حكي
حدّثـنا: ضمير المتكلّم الجمع ( نحن ): مفعول به
عيسى بن هشام: مركّب بدلي: فاعل
وجهة الحديث: جماعة --- و هذا من خصائص المقامة ( تُقال في مجلس عادة )
الرّاوي: عيسى بن هشام
يضطلع بوظيفتين:
- سرد الحكاية
- المشاركة فيها
هو راو شخصيّة
بديع الزّمان الهمذاني أخرج الحكاية من إطار المشافهة إلى إطار التدوين
السّند: سلسلة الرواة الذين نقلوا الخبر
قد تقصر هذه السلسلة أو تطول
مبرّرات الانطلاق من السّند:
- الإيهام بواقعيّة الأحداث أو الحكاية
- التأرجح بين ثقافة المشافهة و ثقافة التدوين
- الرّغبة في مشاكلة الحديث النبوي الشّريف
قال : لمّا قفلنا....
فعل+فاعل نصّ مقول القول: مفعول به
لمّا: الظرفيّة الزمنيّة
الموصل / المنزل: إطاران مكانيان
قفل / همّ: فعلان
قفلـنا: ضمير المتكلّم الجمع : شخصيّات
مشروع الشخصيّة ( صيغة الجمع ): العودة إلى الدّيار
توفّر مقوّمات القصّ في هذا النصّ
المقامة ذات بنية قصصيّة
يتميّز المقطع الأوّل بتأطير الحديث ( زمان + مكان ) و بتحديد مشروع الشخصيّة
يتميّز هذا المقطع بهدوئه
فهل سيتحقّق مشروع الشخصيّة؟
و هل سيستمرّ هذا الهدوء؟
المقطع الثّاني: سياق التحوّل
مُلِكت / أُخِذَ: فعلان مبنيّان للمجهول
الرّحل و الرّاحلة: مركّب عطفي: نائب فاعل
الرَّحْلُ: كلُّ شيء يعدُّ للرحيلِ من وعاءٍ للمتاع وغيره .
الحدث القادح: السّطو على القافلة و سرقة الرّحل و الرّاحلة
هذا الحدث القادح سيُعيق الشخصيّة عن تحقيق مشروعها
و معي الإسكندريّ أبو الفتح: واو المعيّة
شخصيّة مفردة ثانية ستخرج من نون الجماعة
ستصبح الحكاية مغامرة رجلين: عيسى بن هشام و الإسكندريّ أبو الفتح
قلتُ... فقال: نمط الكتابة: الحوار
أين: اسم استفهام يخرج عن معناه الأصلي و هو الاستخبار عن شيء مجهول ليفيد التمنّي
تمنّي عيسى بن هشام الخلاص و النّجاة
المسألة لم تعد تتعلّق بعدم تحقّق مشروع الشخصيّة و لكنّها أصبحت رهانا على البقاء ( سرقة الرّحل و الرّاحلة )
يكفي الله: أي يكفينا الله / الله معنا
الإسكندري يبدو في الظّاهر ( من خلال أقواله ) شخصيّة ورعة واثقة بالله مؤمنة بقضائه و قدره
و أتينا قرية: تحوّل في المكان
على شفير واد: مركّب بالجرّ: نعت
مغتمّون: خبر
من خشية السّيل: مركّب بالجرّ: مفعول لأجله
* الموصوف 1: القرية
الصّفات:
- تقع على شفير واد
- يُحيط بها الماء الجاري من كلّ نواحيها
الموصوف 2: أهل القرية
الصّفات:
- الاغتمام ( اغتمّ الشّخص: حزن و تكدّر )
- الخوف و الجزع
سبب حالة أهل القرية:
موقع القرية ( الخوف من السّيل: غرق القرية )
فقال: فعل قول ( نمط الكتابة = الحوار )
يا قوم: نداء ( للقريب )
المُنادِي: الإسكندريّ ( مفرد )
المُنادَى: القوم ( جمع )
أطيعوني / اذبحوا / أتوني / صلّوا: أمر
لا تُبرموا: نهي
يُفيدان النّصح و الإرشاد
ما أمرك؟: استفهام ( الاستخبار عن شيء مجهول )
أسلوب إنشائي طلبي
صلّوا / ركعتين / الله / حلال: معجم ديني
البقرة الصّفراء: تحيل إلى سورة البقرة و قصّة البقرة الصفراء
{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ(67)قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ(68)قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ(69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ(70)قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ(71)وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ(72)فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(73)}.
الإسكندريّ سيُحاول استغلال مُصيبة القوم و غفلتهم بعد أن تمكّن من ترصّد مكامن الضّعف فيهم.
هو رجل انتهازيّ: " مَنْ يقتنص الفرص ويستغل أيّة وسائل للمنفعة الشَّخصيّة "
هناك مقابلة بين المفرد و الجمع
المفرد ( الإسكندريّ ): يحتلّ موقع الفاعليّة ( في المستوى القولي: هو المُبادر بالكلام و هو الذي يحتلّ الحيّز الأكبر من الخطاب ( كمّ الملفوظ ) )
الجمع ( القوم ): يحتلّ موقع المفعوليّة ( التقبّل + الانفعال + الرّضوح )
إنّ خطاب الإسكندي يشي بقدرة المكدّي على الاحتيال ، فهو قد استطاع ببراعة أن يستدرج القوم إلى الفخّ الذي نصبه لهم عن طريق استنهاض العامل الديني فيهم. فقدّم نفسه شخصيّة ورعة مؤمنة بالله و قدرته... بل إنّه تقمّص دور الإمام الذّي تُنصتُ لتعاليمه الجماعة و تقتدي بهديه ( استعمال المعجم الدّيني / استغلال رمزيّة البقرة الصّفراء + رمزيّة الشيخ المنقذ: " المهدي المنتظر " / بناء الخطاب معجما و تركيبا على شاكلة خطب أئمّة المسلمين )
الإسكنديّ: رجل سريع البديهة شديد الفطنة و الذكاء و الخبث
القوم: السذاجة + البلاهة + التفكير الأسطوري و الغيبي
ثنائيّة: الطلب ( الإسكندي ) و الاستجابة ( القوم ) تُسيّج هذا المقطع و تؤكّد نجاح الحيلة
البقرة / الجارية
تحقّق الملذّات الحسيّة: المكافأة ( نجاح الحيلة )
احفظوا / اصبروا: أمر
لا: نهي
نصح + إرشاد
بعد أن كان الإسكنديّ ناصحا للجماعة في أمور دنياها ( التغلّب على السّيل ) أصبح ناصحا لها في أمور دينها ( كيفيّة أداء الصّلاة بطريقة سليمة )
طرائق الإضحاك في هذا النصّ:
- المفارقة بين الظاهر و الباطن:
الظّاهر: يبدو الإسكندريّ شخصيّة ورعة مؤمنة بالله و عاملة على إرشاد الجماعة في أمور دنياها و آخرتها
الباطن: شخصيّة انتهازيّة تستغلّ مصائب الآخرين لتحقيق أهدافها و هي مستعدّة لتوسّل مختلف الوسائل في مشروعها ذلك " الغاية تبرّر الوسيلة "
- الإضحاك عن طريق الأقوال:
خطاب الإسكندريّ في سجلاّته و مرجعيّاته و رمزيّاته لا يستجيب لمقام القول
- الإضحاك عن طريق الأحوال
طريقة أداء الصّلاة " انتصب انتصاب الجذع حتّى شكوْا وجع الضّلع " " و سجد حتّى ظنّوا أنّه هَجَدَ "
المقطع الثّالث: وضع الختام
أومأ إليّ: أشار إليّ
ساجدين: حال
ينغلق النصّ بحدث الهروب بعد أن تحقّق الظّفر المادّي ( الأكل + الجارية )
المقطع الشعريّ الذّي انغلق به النصّ خاصيّة من خاصيّات شكل المقامة
هناك علاقة تقاطع معنويّ بين هذا المقطع الشعريّ و ما سبقه من أحداث
التأليف
نصّ نموذجيّ يثبت لنا هذا الحضور المزدوج لثنائيّة الهزل و الجدّ في ثنايا الخطاب
فالنصّ يتأسّس ظاهرا على خطاب هزليّ يعبث بالمجموعة بعد أن فقدت العقل الرّاجح و المنطق السّليم
و هو يتأسّس باطنا على خطاب نقديّ يستهدف عطالة العقل و غيبوبته أمام سلطان التفكير الغيبي و الأسطوريّ
حدَّثَنا عيسَى بْنُ هِشَامٍ قالَ: لَمَّا قَفلْنَا مِنَ المُوصِلِ، وَهَمَمْنَا بِالْمَنْزَلِ، وَمُلِكَتْ عَلَيْنَا القَافِلةُ، وَأَخَذَ مِنَّا الرَّحْلُ والرَّاحِلةُ، وَمَعِي الإِسْكَنْدَِيُ أَبُو الفَتْحِ، قُلْتُ: أَيْنَ نَحْنُ مِنَ الحِيلَةِ? فَقَالَ: يَكْفِي اللهُ.
و أَتَيْنَا قَرْيةً على شَفِيرِ وَادٍ، السَّيْلُ يُطَرِّفُها وَالمَاءُ يَتَحَيَّفُها. وأَهْلُهَا مغْتَمُّونَ لا َيمْلِكُهُم غُمُضُ الَّليْلِ، مِنْ خَشْيَةِ السَّيْلِ. فَقَالَ الإِسْكَنْدَرِيُُ: يَا قَوْمُ أَنَا أَكْفِيكمْ هَذا المَاءَ وَمَعَرَّتَهُ، وأَردُُ عَنْ هذهِ القَرْيَةِ مَضَرَّتَهُ، فَأَطيعوني، ولا تُبْرِمُوا أَمْراً دُونِي. فَقَالوا: ومَا أَمْرُكَ؟ فَقَالَ: اذْبَحُوا في مَجْرَى هَذا المَاءِ بَقَرَةً صَفْرَاءَ، وأَتُونِي بِجَارِيةٍ عَذْراءَ، وَصَلُّوا خَلْفِي رَكْعَتَيْنِ يَثْنِ اللهُ عَنْكُمْ عِنان هذا المَاءِ، إِلى هَذِهِ الصَّحْراءِ، فَإِنْ لَمْ يَنْثَنِ المَاءُ فَدَمِي عَلَيْكُمْ حَلالٌ. قَالوا: نَفْعَلُ ذَلِكَ.
فَذَبَحُوا البَقَرَةَ، وَزَوَّجُوهُ الجَارِيَةَ. وَقَامَ إِلى الرَّكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهِما، وَقَالَ: يَا قَوْمُ احْفَظُوا أَنْفُسَكُمْ لاَ يَقَعْ مِنْكُمْ فِي القِيامِ كَبْوٌ، أَوْ في السُّجُودِ سَهْوٌ، أَوْ فِي القُعُودِ لَغْوٌ، فَمَتَى سَهَوْنَا خَرَجَ أَمَلُنَا عَاطِلاً، وَذَهَبَ عَمَلُنا بَاطِلاً، وَاصْبِرُوا عَلى الرَّكْعَتَينِ فَمَسَافَتُهُمَا طَوِيلَةٌ. وَقَامَ لِلْرَكْعَةِ الأُولَى فَانْتَصَبَ انْتِصَابَ الجِذْعِ، حَتَّى شَكَوا وَجَعَ الضِّلْعِ، وَسَجَدَ، حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ هَجَدَ، ولمْ يَشْجُعُوا لِرَفْعِ الرُّؤُوسِ، حَتَّى كَبَّرَ لِلْجُلُوسِ. ثُمَّ عَادَ إِلى السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَوْمَأَ إِلَيَّ، فَأَخَذْنَا الوَادِي وَتَرَكْنَا القَوْمَ سَاجِدينَ، لاَ نَعْلَمُ مَا صَنَعَ الدَّهْرُ بِهِمْ.
فَأَنْشَأَ أَبُو الفَتْحِ يقُولُ:
لاَ يُبْعِدُ اللهُ مِثْلـي *** وَأَيْنَ مثْلِي أَيْنَ؟
للهِ غَـفْـلَةُ قَـوْمٍ *** غَنِمْتُهَا بِالْهُوَيْنَـا!
اكْتَلْتُ خَيْراً عَلَيْهِمْ *** وَكِلْتُ زُوراً وَمَيْناً
مقامات بديع الزّمان الهمذاني
شرح الأستاذ: جلال البحري
الموضوع: حيلة الإسكندريّ للإيقاع بأهل القرية
المقاطع:
حسب معيار البنية الثلاثيّة للسّرد
1- من البداية --- هممنا بالمنزل: وضع الانطلاق: رحلة العودة إلى الدّيار
2- من مُلكت علينا --- أومأ إليّ: سياق التحوّل
- الحدث القادح: السّرقة
- الاضطراب: الضّياع و الجوع
- الاضطراب المعاكس: النزول بالقرية و الحيلة
3- البقيّة: وضع الختام: الهروب
أو
حسب معيار السّند و المتن
1- حدّثنا ---- قال: السّند
2- البقيّة: المتن
الشّرح
1- المقطع الأوّل: وضع الانطلاق: رحلة العودة إلى الدّيار
حدّث: فعل قول
قصّ + حكي
حدّثـنا: ضمير المتكلّم الجمع ( نحن ): مفعول به
عيسى بن هشام: مركّب بدلي: فاعل
وجهة الحديث: جماعة --- و هذا من خصائص المقامة ( تُقال في مجلس عادة )
الرّاوي: عيسى بن هشام
يضطلع بوظيفتين:
- سرد الحكاية
- المشاركة فيها
هو راو شخصيّة
بديع الزّمان الهمذاني أخرج الحكاية من إطار المشافهة إلى إطار التدوين
السّند: سلسلة الرواة الذين نقلوا الخبر
قد تقصر هذه السلسلة أو تطول
مبرّرات الانطلاق من السّند:
- الإيهام بواقعيّة الأحداث أو الحكاية
- التأرجح بين ثقافة المشافهة و ثقافة التدوين
- الرّغبة في مشاكلة الحديث النبوي الشّريف
قال : لمّا قفلنا....
فعل+فاعل نصّ مقول القول: مفعول به
لمّا: الظرفيّة الزمنيّة
الموصل / المنزل: إطاران مكانيان
قفل / همّ: فعلان
قفلـنا: ضمير المتكلّم الجمع : شخصيّات
مشروع الشخصيّة ( صيغة الجمع ): العودة إلى الدّيار
توفّر مقوّمات القصّ في هذا النصّ
المقامة ذات بنية قصصيّة
يتميّز المقطع الأوّل بتأطير الحديث ( زمان + مكان ) و بتحديد مشروع الشخصيّة
يتميّز هذا المقطع بهدوئه
فهل سيتحقّق مشروع الشخصيّة؟
و هل سيستمرّ هذا الهدوء؟
المقطع الثّاني: سياق التحوّل
مُلِكت / أُخِذَ: فعلان مبنيّان للمجهول
الرّحل و الرّاحلة: مركّب عطفي: نائب فاعل
الرَّحْلُ: كلُّ شيء يعدُّ للرحيلِ من وعاءٍ للمتاع وغيره .
الحدث القادح: السّطو على القافلة و سرقة الرّحل و الرّاحلة
هذا الحدث القادح سيُعيق الشخصيّة عن تحقيق مشروعها
و معي الإسكندريّ أبو الفتح: واو المعيّة
شخصيّة مفردة ثانية ستخرج من نون الجماعة
ستصبح الحكاية مغامرة رجلين: عيسى بن هشام و الإسكندريّ أبو الفتح
قلتُ... فقال: نمط الكتابة: الحوار
أين: اسم استفهام يخرج عن معناه الأصلي و هو الاستخبار عن شيء مجهول ليفيد التمنّي
تمنّي عيسى بن هشام الخلاص و النّجاة
المسألة لم تعد تتعلّق بعدم تحقّق مشروع الشخصيّة و لكنّها أصبحت رهانا على البقاء ( سرقة الرّحل و الرّاحلة )
يكفي الله: أي يكفينا الله / الله معنا
الإسكندري يبدو في الظّاهر ( من خلال أقواله ) شخصيّة ورعة واثقة بالله مؤمنة بقضائه و قدره
و أتينا قرية: تحوّل في المكان
على شفير واد: مركّب بالجرّ: نعت
مغتمّون: خبر
من خشية السّيل: مركّب بالجرّ: مفعول لأجله
* الموصوف 1: القرية
الصّفات:
- تقع على شفير واد
- يُحيط بها الماء الجاري من كلّ نواحيها
الموصوف 2: أهل القرية
الصّفات:
- الاغتمام ( اغتمّ الشّخص: حزن و تكدّر )
- الخوف و الجزع
سبب حالة أهل القرية:
موقع القرية ( الخوف من السّيل: غرق القرية )
فقال: فعل قول ( نمط الكتابة = الحوار )
يا قوم: نداء ( للقريب )
المُنادِي: الإسكندريّ ( مفرد )
المُنادَى: القوم ( جمع )
أطيعوني / اذبحوا / أتوني / صلّوا: أمر
لا تُبرموا: نهي
يُفيدان النّصح و الإرشاد
ما أمرك؟: استفهام ( الاستخبار عن شيء مجهول )
أسلوب إنشائي طلبي
صلّوا / ركعتين / الله / حلال: معجم ديني
البقرة الصّفراء: تحيل إلى سورة البقرة و قصّة البقرة الصفراء
{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ(67)قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ(68)قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ(69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ(70)قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ(71)وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ(72)فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(73)}.
الإسكندريّ سيُحاول استغلال مُصيبة القوم و غفلتهم بعد أن تمكّن من ترصّد مكامن الضّعف فيهم.
هو رجل انتهازيّ: " مَنْ يقتنص الفرص ويستغل أيّة وسائل للمنفعة الشَّخصيّة "
هناك مقابلة بين المفرد و الجمع
المفرد ( الإسكندريّ ): يحتلّ موقع الفاعليّة ( في المستوى القولي: هو المُبادر بالكلام و هو الذي يحتلّ الحيّز الأكبر من الخطاب ( كمّ الملفوظ ) )
الجمع ( القوم ): يحتلّ موقع المفعوليّة ( التقبّل + الانفعال + الرّضوح )
إنّ خطاب الإسكندي يشي بقدرة المكدّي على الاحتيال ، فهو قد استطاع ببراعة أن يستدرج القوم إلى الفخّ الذي نصبه لهم عن طريق استنهاض العامل الديني فيهم. فقدّم نفسه شخصيّة ورعة مؤمنة بالله و قدرته... بل إنّه تقمّص دور الإمام الذّي تُنصتُ لتعاليمه الجماعة و تقتدي بهديه ( استعمال المعجم الدّيني / استغلال رمزيّة البقرة الصّفراء + رمزيّة الشيخ المنقذ: " المهدي المنتظر " / بناء الخطاب معجما و تركيبا على شاكلة خطب أئمّة المسلمين )
الإسكنديّ: رجل سريع البديهة شديد الفطنة و الذكاء و الخبث
القوم: السذاجة + البلاهة + التفكير الأسطوري و الغيبي
ثنائيّة: الطلب ( الإسكندي ) و الاستجابة ( القوم ) تُسيّج هذا المقطع و تؤكّد نجاح الحيلة
البقرة / الجارية
تحقّق الملذّات الحسيّة: المكافأة ( نجاح الحيلة )
احفظوا / اصبروا: أمر
لا: نهي
نصح + إرشاد
بعد أن كان الإسكنديّ ناصحا للجماعة في أمور دنياها ( التغلّب على السّيل ) أصبح ناصحا لها في أمور دينها ( كيفيّة أداء الصّلاة بطريقة سليمة )
طرائق الإضحاك في هذا النصّ:
- المفارقة بين الظاهر و الباطن:
الظّاهر: يبدو الإسكندريّ شخصيّة ورعة مؤمنة بالله و عاملة على إرشاد الجماعة في أمور دنياها و آخرتها
الباطن: شخصيّة انتهازيّة تستغلّ مصائب الآخرين لتحقيق أهدافها و هي مستعدّة لتوسّل مختلف الوسائل في مشروعها ذلك " الغاية تبرّر الوسيلة "
- الإضحاك عن طريق الأقوال:
خطاب الإسكندريّ في سجلاّته و مرجعيّاته و رمزيّاته لا يستجيب لمقام القول
- الإضحاك عن طريق الأحوال
طريقة أداء الصّلاة " انتصب انتصاب الجذع حتّى شكوْا وجع الضّلع " " و سجد حتّى ظنّوا أنّه هَجَدَ "
المقطع الثّالث: وضع الختام
أومأ إليّ: أشار إليّ
ساجدين: حال
ينغلق النصّ بحدث الهروب بعد أن تحقّق الظّفر المادّي ( الأكل + الجارية )
المقطع الشعريّ الذّي انغلق به النصّ خاصيّة من خاصيّات شكل المقامة
هناك علاقة تقاطع معنويّ بين هذا المقطع الشعريّ و ما سبقه من أحداث
التأليف
نصّ نموذجيّ يثبت لنا هذا الحضور المزدوج لثنائيّة الهزل و الجدّ في ثنايا الخطاب
فالنصّ يتأسّس ظاهرا على خطاب هزليّ يعبث بالمجموعة بعد أن فقدت العقل الرّاجح و المنطق السّليم
و هو يتأسّس باطنا على خطاب نقديّ يستهدف عطالة العقل و غيبوبته أمام سلطان التفكير الغيبي و الأسطوريّ