BAC2020

عضو
منتدى تونس التربوي
    تقديم شامل لمسألة العمل: النجاعة و العدالة
  • #1
الــقسم : دروس
تقديم شامل لمسألة العمل: النجاعة والعدالة
1:مفهوم العمل ودلالته الإنسانيّة:
● يستدعي العمل كنشاط إنساني القيام بمجهود في شكل فعل يقع انجازه ويهدف إلى تحقيق غاية. ممّا يعني أنّ الانجاز يحتاج في تحقّقه إلى قصديّة توجّهه أو إلى نظام غائي يرصد نتائجه. يمثّل العمل ما يضيفه الإنسان على الأشياء ليغيّر منها, فيجعلها أكثر اتّساعا في استعمالاتها. أي يضفي العامل على الشيء من القيمة ما لم يمن به من قبل. فيرفع من الشيء إلى مستوى إنشاء القيمة فيه.
- العمل نشاط إنساني يروم به الإنسان السيطرة على الطبيعة.
- العمل جوهر إنسانية الإنسان, حتّى أنّنا لا نقول إنسانا عاقلا بل إنسانا صانعا كما أشار إلى ذلك هنري برغسون.
- يعدّ العمل من الشروط اللاّزمة لتكوين الذات وتحقّقها.
- العمل يحوّل الإنسان من طور السكون إلى طور الحركة والفاعليّة, ولعلّ هذا ما دفع بماركسإلى اعتباره خاصيّة إنسانية.
● الإنسان الذي يعمل هوّ وحده الذي ينتج الحضارة ويدرك مكامن الغموض في الطبيعة ويصبح سيّدا عليها وفهم طبيعة عالمه. إذ يقول ماركس عنه: « يحرّر الإنسان من سجن الضرورة وقهر الطبيعة ».
● يتّسم العمل ببعد إنساني رمزي, فهو ليس مجرّد جهد عضلي يهدف إلى تلبية حاجات مادية بل هوّ حدث أنطولوجي تتجلّى من خلاله الذات على أنّها ذات تتواصل مع نفسها ومع الآخر. ومن جهة ثانية كذات خلاّقة مبدعة حرّة. وهو يشير في صورته الإنسانية إلى: القصديّة والغائية والتنظيم والإبداع والذاتية.
♥ يرتبط العمل في مختلف مساراته بما هوّ إنساني, فيه تتحقّق إنسانية الإنسان سواء في لقائه بنفسه من خلال ما يبنيه العامل من ذاته داخل مصنوعاته, أو في علاقته بالأخر الذي يشاركه العمل, خاصّة وأنّ الأعمال الصناعية اليوم تتطلّب مبدأ التشارك في العمل وتقتضي أكثر من طرف للمشاركة في تجربة الإنتاج. فيكاد لا يوجد عمل اليوم يكتفي فيه الإنسان بجهده فحسب, وإنّما يحتاج الإنسان دائما إلى من يشاركه في العمل ويتقاسمه معه. إضافة إلى كلّ ذلك يجب توجيه العمل وجهة أخرى سواء بالمعنى الأخلاقي أو الاجتماعي أو النفسي. يقرّ فولتير بأنّ العمل يذهب عنّا ثلاث آفات: القلق – الرذيلة – الحاجة. ذلك ما يشرّع أنّ العمل يتحقّق فيه ما هوّ اقتصادي إلى جانب ما هوّ إنساني لينفتح على ثلاثة مجالات إنسانية: المجال النفسي – المجال الأخلاقي – المجال الاجتماعي:
- أمّا في علاقة العمل بما هوّ نفسي, فالعمل وحده بإمكانه أن يحقّق للإنسان توازنه فيجعله قادرا على الانتصار على القلق والسّأم والضجر. إذ يكفي تخيّل أناس لا يعملون حتّى يمكن تخمين القلق الذي يعذّبهم ويعتدي على إنسانيتهم ليتحوّلوا إلى كائنات غير سويّة على حدّ تعبير سيغموند فرويد.
- وفي علاقة العمل بما هوّ أخلاقي فهو يضمن للإنسان حسن توجيه زمنه والقدرة على التحكّم فيه, ممّا يضمن له استبعاد كلّ الرذائل والشرور. لا لأنّه كائن ملائكي وإنّما بالقدرة على صرف جهده داخل عمل يأخذ الكثير من استعداداته, فلا يكون له متّسع من الزمن لتصريف أهوائه وشهواته في مسارات غير أخلاقية.
- وأمّا في علاقة العمل بما هوّ اجتماعي, فإنّ العمل بإمكانه أن يؤكّد التماسك والوحدة الاجتماعية نتيجة التشارك الذي يفترضه فعل انجاز العمل. فإذا كان العمل الحرفي قديما مثلما يبيّن ذلك ماركس لا يحتاج إلى أكثر من مرافق في العمل, فإنّ العمل في نظامه الصناعي صار مجزّأ تتشارك فيه مجموعة من الأطراف لإنشائه وإتمام انجازه. ليكون العمل ليس مجرّد مناسبة للإنتاج وإنّما هوّ أيضا وبنفس الدرجة مناسبة لإقامة التبادل والتواصل بين المجموعة.
@ ذلك وحده ما أصبغ على العمل قيما اجتماعية وأخلاقية تحظى بالقبول والرضا. فليست كلّ الأعمال يمكن أن يقبل بها التصوّر الأخلاقي والاجتماعي.
2:في علاقة النجاعة بالعمل:
● ارتبط مفهوم العمل حديثا بالنجاعة نتيجة التحوّلات العلمية التي استندت في مكتشفاتها إلى الانتاجات التقنية, فغيّرت من صورة العالم مثلما غيّرت من صورة الإنسان وعمله. إنّ هذه التطوّرات التقنية قد استجابت إلى تطلّعات الواقع الإنساني ذاته نحو جعله أكثر تلاؤم مع الحاجات الاستهلاكية للإنسان. فكان التعويل على النجاعة كفيلا بتحقيق هذا المطلب.
معنى النجاعة: هيّ طريقة من التحقّق تضمن القدرة على تحقيق نوع خاص من الآداء يقع التخطيط لتحصيله. فهي أسلوب في العمل يتضمّن قصديّة منظّمة تسهم في تحقيق هدف نفعي. وتتحدّد كلّ نجاعة بمخطّط استراتيجي ينظّم أسلوب وطريقة العمل ليضمن لنفسه ما أراد من منفعة وفق التّعويل على مبدأ الآداء.
- تعني النجاعة: الواقعيّة – المصلحة – مصلحة الدولة – الإنتاجية – المردوديّة – المنفعة.
تحقّقات قيمة النجاعة داخل العمل: - وفرة الإنتاج الذي يساعد على تلبية المطالب ويخفّض من الأسعار.
- التّخطيط المنظّم للعمل.
- راحة العامل أي إنتاج أكثر في زمن أقلّ وبجهد أقلّ.
- إنشاء شروط وقواعد خاصّة بالعمل تعوّل على السرعة والدقّة والسهولة.
- التّقسيم التقني للعمل الذي ينتج عنه توزيع المهام ممّا يرفع من الإنتاج ويحقّق الجودة ويفي بكلّ المطالب رغم كثرتها.
3:مظاهر إفساد النجاعة للعمل:
- سلب إنسانية الإنسان.
- الانحراف بالعمل إلى مسارات نفعية براغماتيّة.
- الاغتراب: حيث تصبح الذّات متناقضة مع ما تنتجه. والاغتراب في معناه التام هوّ الاستلاب وهو كذلك اضطهاد واستغلال يحوّل العمل إلى شقاء وضياع للذّات. ويعرّفه جميل صليبا بقوله: « الاغتراب هوّ فقدان الإنسان لحريّته ولإستقلاليته الذاتية بتأثير الأسباب الاقتصادية والاجتماعية أو الدينيّة. يصبح الإنسان ملكا لغيره أو عبدا للأشياء المادية ».
- التشيئة: أي النظر إلى الإنسان كأداة أو كشيء.
- التّموضع: أي فقدان الذات الصانعة لوعيها بما تصنع بفعل التكرار الدائم لنفس العمل. وبذلك تقيم الذات خارج نفسها فلا تكاد تتعرّف على نفسها.
- إستعباد العامل.
@ إنّ اختزال النجاعة كخطر يتهدّد العمل قد لا يفي بحقيقتها التي تقولها وتخبر عنها. فهي بقدر ما تعتدي على الإنسان فهي تنفعه وبقدر ما تضرّ بالعمل فإنّها توجّهه. وهو ما يعني أنّ النجاعة مبدأ ملازم للنّشاط الإنساني المعاصر داخل عمله...لذلك يبقى العمل في حاجة إلى العدالة ليكون أكثر إنسانية.
4:في معنى العدالة وأهميّة ربطها بالنجاعة داخل العمل:
● يحيل معنى العدالة إلى: الإنصاف – المثالية – المساواة – إعطاء لكلّ ذي حقّ حقّه.
● يحيل معنى العدالة الاقتصادي إلى : توزيع الخيرات والثروات بصورة متساوية.
@ إنّ المجهود الحقيقي الذي يجب أن تطالب به الدولة المعاصرة هوّ التّخفيف من حدّة التصادم بين النجاعة والقيم. لذلك فإنّ الفلسفة السياسية المعاصرة تمثّل نموذجا لإخراج الدولة من التصادم الرأسمالي. فالنجاعة والعدالة لا تتحقّقان إلاّ معا. بل أنّ: « العدالة غير النجاعة لا تعني شيئا ».
@ يبدو التلازم بين العدالة والنجاعة أمرا ضروريا حتّى تتحقّق به عدالة اجتماعية. غير أنّ هذه العدالة الاجتماعية تحتاج إلى شروط أهمّها: التلازم بين المصلحة الفردية والمصلحة الجماعية – عقلنة العملية الإنتاجية بمعنى استخدام العقل كمعيار أو شرط.
● أكّد إريك فايل على أهميّة الجمع بين العدالة والنجاعة, لأنّ النظام الذي يهتمّ بالنجاعة و يهمل العدالة هوّ نظام ظالم.
● إنّ النظام السياسي العادل هوّ الذي يأخذ بعين الاعتبار مصلحة الكلّ لا مصلحة الجزء ( أي مصلحة العامل ومصلحة صاحب العمل ).
● وإذا كانت النجاعة اعتبارا للمصالح فإنّ العدالة هيّ مراعاة هذه المصالح ضمن قوانين عادلة تضبطها. فالنجاعة دون عدالة لا تكون قادرة على حماية نفسها. وكذلك عدالة دون نجاعة ليست أكثر من قوانين شكلية لا مضمون لها.
● ولأنّ العامل مواطن في مجتمع العمل, فلا بدّ من الاعتراف له بحقوقه, مثل الاعتراف تماما بأنّ لصاحب العمل مصالح وحقوق تضبط في قوانين صريحة تعتمد في النزاعات الشغليّة.
@ إذا كانت العدالة تتعلّق بالقوانين العادلة, فإنّ تطبيقها يتجاوز معنى التساوي أمام القانون لترتبط بمفهوم الإنصاف. فلقد بيّن أرسطو أنّ الفرق بين العدالة ليس فرقا في النّوع بل في الدرجة.
@ ولأنّ الإنصاف مجال للأخلاق والعدالة مجال للسياسية فإنّ تفوّق المنصف على العادل من قبيل تفوّق الأخلاق على السياسة. وإذا كان المنصف عادلا فالعادل ليس منصفا بالضرورة. لذلك يكون الإنصاف من قبيل تحسين ما هوّ عادل.
● أمّا المفكّر الأمريكي المعاصر راولس فقد تناول مسألة العدالة في سياق المجتمع المعاصر الذي يقوم على التفاوت ضمن نظرية شاملة تأخذ بعين الاعتبار مصلحة المضطهدين وكذلك المحرومين. لينعكس ذلك على العامل المثابر والمجتهد, حيث لا تكفي عدالة القوانين وحدها لأنّها تساوي بين الجميع ولا تميّز بين العامل والمجتهد ممّا يوجب الإنصاف بما هوّ عدل يكافأ فيه المجتهد على اجتهاده ويدفعنا إلى التمييز بين عدالة القوانين ومعنى الإنصاف الذي يتحدّد بما هوّ العادل داخل العدالة نفسها أي روح القانون حسب قول مونتسكيو.
نستنتج: @ ضرورة التمييز بين العمل على مستوى الحقّ والعمل على مستوى الواقع.
@ العمل الحقيقي هوّ معبر الإنسان إلى الإنسانية.
@ ضرورة التمييز كذلك بين العمل المنتج بما هوّ نشاط يمارسه الإنسان ضمن شروط اجتماعية واقتصادية معيّنة تكسبه دلالات نسبية أخرى تبعده عن دلالته العامّة. لذلك لا بدّ من الأخذ بعين الاعتبار بين العمل كقيمة يتطلّع إليها الإنسان كي يلتحق بالإنسانية به, وبين العمل كإنتاج يكسبه مدلولا نسبيا في سياق من الواقع والتاريخ والمجتمع. وهو تميّز يمتدّ إلى ضرورة إدراك الفارق بين القيمة بمدلولها المطلق وبين القيمة بمدلولها النسبي.
@ ضرورة التمييز بين العمل كإنتاج والعمل كإبداع مثل العمل الفنّي والعمل الفكري
 
  • المشاهدات
    384
  • الرّدود
    0
  • أعلى أسفل