جلال البحري

منتدى تونس التّربوي
مؤسّس الموقع
العنوان : امرؤ القيس
الــقسم : بحوث و دراسات
FB_IMG_1583720640802.jpg


قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل

على أطلال مطلع هذه المعلقة الخالدة نقف على اسم كبير لأحد فطاحلة الشعر العربي وزعمائه ، والذي يعتبر أحد أشعر ثلاثة شعراء في الجاهلية ، بل يعتبر أولهم بحكم أنه أول من وقف على الديار وبكى وذكر مافيها .

عن الملك الضليل أتحدث ، وصاحب أشهر معلقة في تاريخ الشعر العربي ، امرؤ القيس .
هو حُندج بن حجر ، ولد في نجد سنة 500م وتحديدا في قبيلة كندة ، وامرؤ القيس لقب اشتهر به نسبة لصنم في الجاهلية كانوا يعبدونه ويسمى قيس .
مكانة أبيه وإمارته جعلت الشاعر يعيش مترفا فمال إلى اللهو وشرب الخمر ، وأخذ يقول الشعر بفطرته ، لكن أباه أنكر عليه ذلك فطرده ، واصبح الشاعر يتنقل بين القبائل والواحات متخذا أخلّاء له في معاقرة الخمر واللهو والصيد ، جاعلا شعره ترجمانا لتلك المغامرات .
توارث آباؤه السيادة على قبيلة بني أسد بنجد، وصار الأمر إلى أبيه حُجر، فكان يأخذ من بني أسد الإتاوة، وكان طاغية جبارا فثاروا عليه وامتنعوا عن أداء الإتاوة فسار إليهم وأخذ سادتهم وضربهم بالعِصيِّ فسُمّوا عبيد العصا، واستباح أموالهم وطردهم من ديارهم فحقدوا عليه وأصابوا منه غِرّة فقتلوه.

كعادته كان الشاعر جالسا مع ندمائه مستمتعا حتى وصله خبر مقتل أبيه فقال قولته التي صارت مثلا مشهورا : ‘ ضيّعني أبي صغيرا ، وحمّلني دمه كبيرا ، لا صحو اليوم ، ولا سكر غدا ، اليوم خمر وغدا أمر ‘
.
فتأهب لأخذ ثأره وتلك قاعدة راسخة ومعروفة عند العرب آنذاك وقد رأينا آثارها في حرب البسوس الطاحنة . فجمع حلفائه وانطلق يحارب بني أسد وقد قتل منهم أعدادا لدرجة أن القبائل توقفت عن مناصرته ورأت أنه قد حقق مبتغاه وأخذ بثأره .
لكن الشاعر لم يرض بذلك وأرادها حربا ضروسا ترد عز ملكه وشرف قبيلته والذي لن يُعزّ إلا بإراقة وديان من الدماء .
واخذ على عاتقه مسؤولية الثأر لأبيه، واسترجاع كفة حكم كندة، فحلف أن لا يغسل رأسه وأن لا يشرب خمراً، فجمع بأنصاره واستنجد بقبائل أخواله بكر وتغلب، وقتل عدداً غفيراً من بني أسد، فطلبوا أن يفدوه بمئة منهم فرفض، فتخاذلت عنه قبائل بكر وتغلب...
كان ملك الحيرة المنذر بن ماء السماء يخاف من استعادة امرؤ القيس لسلطته على بني أسد فطارده هو وتابعيه من قبيلة كندة فلجأوا إلي الحارث بن شهاب اليربوعي، إلا أنّ المنذر هدده فسلم إليه الكنديين وقتل منهم اثناعشر
استطاع امرؤ القيس أن يهرب واستنجد بالقبائل دون أن يساعده أحد ولذلك لُقّب بالملك الضليل.
كان شعر الغزل عند امرؤ القيس فاحشاً يحكي تفاصيل قصصه الغرامية، وكان بذلك من أول شعراء العرب الذين اتبعوا هذا الأسلوب مخالفاً بذلك التقاليد المتعارف عليها، فذاع صيته باللهو والمجون.
كان امرؤ القيس يشتهر بكثرة علاقاته العاطفية وتعرضه للنساء ويُقال أنّه كان يعترض طريق أية امرأة يراها وكان من أشهر النساء اللواتي تحدّث عنهن فاطمة بنت العبيد التي قال عنها:

أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
وإن تك قد ساءتك مني خليقةٌ فسلي ثيابي من ثيابك تنسل...
لا يوجد كلامٌ مؤكد عن وفاة امرؤ القيس فهناك الكثير من الجدل إلا أنّ الأكثر ترجيحاً أنّه قد توفي بسبب مرض الجدري وهو ما يفسره حصوله على لقب ذي القروح، ويقال أنّه توفي في عام 540م ولكن سنة وفاته أيضاً موضع خلافٍ للمؤرخين.
 
  • المشاهدات
    145
  • الرّدود
    0
  • أعلى أسفل