جلال البحري

منتدى تونس التّربوي
مؤسّس الموقع
    عوالم الفيروس الممكنة
  • #1
عوالم الفيروس الممكنة
توفيق قريرة

فكرة العوالم الممكنة Possible worlds المبسطة تقول، إن هناك عوالم أخرى غير عوالمنا الحقيقية التي نعيشها. ولكن هذا ليس كل شيء، فالعوالم التي نعيشها يمكن أن تكون هي أيضا عالما ممكنا غير أننا نعيشه على أنه عالم فعلي Actual world .
العوالم الممكنة لسانيا هي كل العوالم التي نصنعها بالكلام، ونعقد فيها الصلة بين المعنى والاعتقاد، ويصبح اعتقادنا فيها سُلوكا لغويا يسمح لنا بأن نؤول ونفترض، وننفي ونثبت، ونقتضي ونجري غيرها من العمليات الذهنية، التي نحن نتعامل بها يوميا مع الكلام. حين يتكلم الأشخاص نحن لا نسمع كلامهم، فقط نحن ننظر إليهم كيف يفكرون أيضا. ليس تبادلنا للكلام العادي من باب التواصل لمجرد التواصل، بل حتى يتم ما يسمى تواصلا، لا بد أن أرسم عمن أتواصل معه تصورا، فأكيف كلامي معه، وأسلك بالكلام إزاءه السلوك الذي يتطلبه منا أي تواصل. فكل متكلم هو صاحب سلوك لغوي، وراءه اعتقاد، وراءه عوالم ممكنة بالنسبة إليّ؛ وعليّ أنْ أتعامل معها لفهمها، على أنها عوالم ممكنة بالنسبة إليّ. العوالم الممكنة في هذا السياق، هي ما أشار إليه يوهانس مارتن في كتابه:
Interpreting Linguistic Behavior with Possible World Models
(تأويل السلوك اللغوي بمناويل العوالم الممكنة). في هذا الإطار من الفهم يقول يوهانس: «نحن نبني منوالا يصف معتقداتٍ معينة للمتكلم، ومعانيَ معينة للجمل في لغته؛ فنحن نبني بالتالي دلالة لسلوكه اللغوي باعتباره سلوكا ناجما عن تلكم المعتقدات والمعاني». فالعوالم الممكنة التي نفكر فيها تنتمي إلى عالم موحد، أو جامع يضمها، وهذه العوالم الممكنة تتألف من العناصر التي يمكن أن يرى بها المتكلم جملة من العوالم الصغرى، شكلا من أشكال تحقق العالم الشامل أو الجامع.
سآخذ مثالا ملائما من واقعنا اليومي، الذي استبد فيه على تفكيرنا فيروس العام: كوفيد 19، سأتعامل مع قول منظمة الصحة العالمية، إن الفيروس بات وباء عالميا، على أنه سلوك لغوي ينتمي إلى عالم ممكن، سنرى أنه ولّد عوالم فعلية وعوالم ممكنة في آن معا. وهذا يجعلني أفهم أن العالم موبوء حتى في قريتي الريفية النائية، وأن الفيروس موجود هناك في مكان ما، لأقل إنه في النقود التي سأستردها من البائع، بعد أن أشتري شيئا. سيكون عندي عالم أكبر (ع) الذي يتألف من (ع1، ع2 ، ع3) وهي العوالم الثلاثة الممكنة. في ع1 الفيروس موجود حتى في قريتي، التي ليس فيها أي حالة رسميا؛ وفي النقود شيء من فيروسات كوفيد التاسع عشر؛ وفي ع2 لا يوجد فيروس، ولكن القطعة الورقية أو المعدنية من النقود جاءت من منطقة أخرى تفشى فيها الفيروس؛ وفي ع3 ، لا يوجد فيروس في قريتي ولم تأت النقود من بعيد، ولكن الفيروس موجود، رغم ذلك في النقود. هذه الطريقة الأخيرة من بناء عالم ممكن (ع3) تبدو غير طبيعية، لأن المنطق السببي الذي منه يأتي الفيروس إلى العُملة ليس موجودا. فحتى يكون هذا العالم ممكنا أي عالم ع3 يمكن أن يكون تأويله كالتالي (ع3) : القرية خالية من الفيروس ولكن البائع سافر إلى جهة فيها فيروس، وتعامل بالنقود مع حامل فيروس وهو لا يعلم.
هناك عالم واحد من جميع العوالم الممكنة يتطابق مع الكيفية التي بها تسير الأمور فعليا في الوضعيات التي نفسر فيها أقوال المتحدثين عن الوباء، هذا العالم هو العالم الفعلي Actual World. لكن العناصر الأساسية التي ستقودنا إلى بناء هذا العالم الفعلي، هي في الحقيقة العناصر الأساسية التي نحصل عليها في الوضعية ونحن نؤول أقوال الذات، التي تتحدث عن الفيروس (المصدر السابق ،2) لنفترض أن المختصين يقولون لنا: لا يوجد فيروس في القرية، فأنا سأستنتج أنه لا يوجد فيروس في النقود، وسأطمئن أو سيكون العالم الفعلي: لا يوجد فيروس في القرية، لا يعني أنه لا يوجد فيروس في نقود القرية.

العالم الفعلي إذن، إزاء خفاء شبح الفيروس، هو في الحقيقة عالم ممكن بالنسبة إلى تأويلي أنا لكلام الأطباء أو الساسة؛ وهو في الحقيقة اعتقاد في الشخص ناجم عن تأويل لكلامه. وسيكون غير ذلك من التأويلات عوالم ممكنة أخرى. وعند غيري سيكون جزء من العوالم الأخرى، التي هي ممكنة بالنسبة إلى غيري، عوالم ممكنة تفتقد الروابط السببية أو المنطقية. سأمارس أنا تأويلا لكلام المختصين، حتى أصدق عالما ممكنا، سأعتبره عالما فعليا، وسأمارس أيضا التأويل على عوالم أخرى أعتبرها ممكنة. الإشكال ليس هنا الإشكال في انتقالي، اعتقادا وسلوكا بين عالم حقيقي الآن، وعالم حقيقي غدا، أو في تبادل العوالم الممكنة.
لآخذ على سبيل المثال عالما أعتبره أنا غير مقبول، ويعتبره غيري ممكنا: القرية ليس فيها فيروس، لأن الفيروس لا يدخل هذه المدينة فهي محصنة. هذا القول في بعض الأذهان هو العالم الحقيقي يعيش به ويصدقه كثيرون. هذا العالم الذي أحلله بما أنني لساني على أساس أنه عالم ممكن، يبنيه غيري عند التأويل على أنه عالم يمكن أن يكون فعليا، بل إن المرء يمكن أن يصدقه حتى ينجو من وسواس الإصابة بالفيروس. لنذهب إلى عوالم الكبار الممكنة في الخطابات الفعالة، وهي على لسان الساسة وعلماء الفيروسات، نحن متعودون على عوالم الساسة الممكنة، ولكننا متعودون أيضا على عوالم العلماء الممكنة: تأويلاتنا لمعتقداتهم مختلفة ولا شك لكنها يمكن أن تتحد.
بدأ كبار الساسة في العالم مستهزئين من خطورة الفيروس، قال بعضهم إن هذا الفيروس بسيط وستقضي عليه حرارة شمس ربيعية في إبريل/نيسان. سيصبح هذا عالما واقعيا، أو عالما ممكنا، حسب تأويلنا المبني على اعتقادنا في المتكلم. تأويل هذا الكلام في شهر فبراير/شباط شيء وتأويله في شهر إبريل شيء آخر؛ تأويله لدى من يصدق السياسي شيء، وتأويله لدى من لا يصدقه شيء آخر من جهة اعتماده عالما حقيقيا أو عالما ممكنا. أقوال المختصين في الفيروس هي أيضا تتطلب التأويل المبني على اعتقادك المتغير، أو الثابت من خطاباتهم، لكنها ستقود إلى خلق عوالم ممكنة عدة سيتعامل مع أحدها، على أنه عالم حقيقي أو واقعي. حين يتعلق الأمر بحقائق ثابتة هذا ليس مشكلا، لكن حين تتبدل الحقائق ينتقل الناس بين الممكن والواقعي، لكنه سيكون انتقالا لا يخلو من خسارات في الأرواح. (إصابة الفيروس لجهاز التنفس أو إصابته بتجلط الدم).
صحيح أن المعلومات عن الفيروس تتطلب وقتا وتحليلات يطول وقت بيان دقتها، لكننا نشير إلى أن نقول الانتقال بين العوالم الممكنة والعوالم الفعلية لا يخلو من صراع ضد مسببات الموت الحقيقية.
نحن نعيش في اليوم الواحد تغييرا في المواقف، إزاء هذا الفيروس، وحيرة في التأويل من شأنها أن تربك تصرفاتنا، باعتبارنا أفرادا لا نبني عوالمنا الممكنة بحرية ولسنا نعرف من نتبع وكيف نؤول، وهل أن أدواتنا في التأويل صحيحة.
إن أكنت أعتقد على سبيل المثال الآن، أن القول الشائع بأنه لا سبيل إلى النجاة إلا بالوقاية والحجر أهمها هو العالم الحقيقي الوحيد، فهذا يعني أنني اخترت أنْ اصطف بالتأويل في صف من اختار لي هذا الخيار. ماذا لو أنني أكتشف أن هناك عوالم أخرى ممكنة هي الأفضل؟ سأعد خارجا على القانون. ماذا لو اكتشف أهل القانون اليوم أن حلهم غير ناجع اليوم؟ هل سيتهمون أنفسهم بشيء ما؟ ليست العوالم الواقعية الآن إلا عالما واحدا ممكنا تريد الجماعة أن تعتبره عالما حقيقيا اعتمادا على عملية خطرة هي التأويل.

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية
 
  • المشاهدات
    83
  • الرّدود
    0
  • أعلى أسفل