جلال البحري

منتدى تونس التّربوي
مؤسّس الموقع
    الفلسفة السفسطائية وتفكيك النص المسرحي
  • #1
الــقسم : بحوث و دراسات
الفلسفة السفسطائية وتفكيك النص المسرحي
د. حسن عبود النخيلة

حسن عبود النخيلة


إلماحة في تأملية الميتامسرح

إذا كانت الجدلية القائمة بين النسخة والأصل، والحقيقة والوهم، والواحد والمتعدد، والساكن والمتحرك، والمرئي واللامرئي، أفكار تكرس الخاصية التأملية في الممارسة الميتامسرحية، وتؤسس لمنظومتها الفكرية، فإن للفكر السفسطائي مكانته في هذا الجانب، عبر تركيزه على المفارقة القائمة بين الحقيقي والوهمي بوصفهما يتولدان من منهجية (صدق الأضداد) التي يقوم عليها الفكر السفسطائي الذي (يجعل الرأي صادقاً وكاذباً في آن واحد . ذلك انك عندما تبدي رأياً حول موضوع ما فأن رأيك هو لك الواقع الصحيح وفقاً للمنهج، أما بالنسبة للآخرين ممن يقضون في الموضوع فهي أنهم يعارضون رأيك هذا، فلابد أن رأيهم هم أيضاً واقع صحيح وفق المنهج ذاته، فما هي النتيجة المترتبة؟ المترتب على ذلك هو انك ترتأي لنفسك آراء صحيحة واقعية وترتأي للآخرين آراء وهمية فرأيك إذن صادق وخاطئ)(1) .

وهكذا منحت الفلسفة السفسطائية الأحكام الفكرية مجرىً واسعاً من الحركة لا تحده حدود، وعبر تعدد صور الحقيقة بتعدد القائلين بها يتهيأ للوهمي عوامل حضوره - بخاصة - وانه لم يعد هناك حكم ثابت تجاه المظاهر الحياتية، وحيال الموجودات . فلم يعد هناك من منطق عقلي لتقرير الحقيقة، وإنما المنطق الوحيد هو منطق الإحساس، وقد أكد هذا الأمر (بروتاجوراس)، وهو يقارن ما بين الإدراك العقلي والإدراك ألحسي فعلى حد قوله: (العقل الخالص من حيث انه يختلف عن الإدراك الحسي أو حتى من حيث انه معيار صحيح كالإدراك الحسي خرافة)(2) .

وهذا الانسياق خلف الإدراك الحسي هو أساس التوالد في الحقائق اللامتناهية، المحكومة بكم من الذين يُعملون إحساسهم تجاه ذات الموضوع أو غيره .

وهو من قاد بالنتيجة أيضاً إلى فن تحرري جرئ مشحون بالتأمل، لا يحفل بالمقدس أو العقلي . ولعل المثال البارز على هذه النزعة السفسطائية التي اجترأت على تحطيم الثوابت الفكرية والدينية والدرامية، هو (يوربيدس)، عبر أسلوبه المسرحي الذي تجسد على الصعيدين البنائي والفكري، وقد برزت الخاصية التأملية الميتامسرحية، في اعتماده على جانبي الفن والواقع والحقيقة والوهم، اللذان يطرحهما في مسرحياته وقد تغذيا بشكل واضح بالمعطيات السفسطائية .

فعلى صعيد المجاورة بين الفن والواقع اعتمد (يوربيدس) حيلة الإله من الآلة* التي تمثل استخداماً فنيا ادخله (يوربيدس) عبر مجريات الحبكة الدرامية، ويتبدى عبر هذا الاستخدام لحظة الفصل بين الواقع والفن، إذ تتقاطع الخاتمة المتأتية من خلال الإله من الآلة مع المسار الواقعي الذي يقدمه (يوربيدس) لأنه يشكل علامة اقتحام للطبيعة التسلسلية المنطقية للحدث – ويبرز ذلك بشدة في مسرحية (ميديا) .

ويتبدى من زاوية ثانية التقاطع والجدل بين ثنائية الحقيقة والوهم، عبر الأيديولوجية التي تلجأ إليها شخصياته في تعاطيها لمفاهيم تنزع إلى خدمة إيديولوجيا الشك (فقد تأثر ببروتاجوراس وبروح التفكير الحر التي سادت عصره، ولذا ترى معالجته للأساطير مشوبة بالشك والنقد الهادم)(3).

إن هذا الشك بصوته المتعالي الذي يجعل من الأفكار، والقيم، والعقائد، محلاً للمراجعة والتأمل يساند في إبراز الخاصية التأملية الميتامسرحية، وهو يستند بمرجعياته وأصوله إلى المعطيات الفكرية لكل من (بروتاجوراس) و(جورجياس)، وعلى الرغم مما يجمع بين الاثنين من طابع فكري مشترك لكنهما يختلفان في مديات الإقرار بموضوع نسبية الحقيقة، فمن ناحية (بروتاغوراس) يرى أن مقاليد البت بأمر الحقيقي واللاحقيقي تعود إلى الإنسان وحده فـ (الإنسان مقياس الأشياء جميعاً، سواء ما تعلق منها بحقيقة تلك التي توجد، أو ببطلان تلك التي لا توجد)(4).

وفي ضوء ذلك يكون كل إنسان مشروعاً لإقرار الحقيقة، ومن ثم تتعدد الحقائق بتعدد أطرافها على اختلاف مستوياتهم، وتلغى سيادة المفهوم الثابت، أو الحقيقة الخالصة، وتبنى على الحقيقة الواحدة حقائق لا متناهية .

أما (جورجياس) فإنه يستبعد من الأساس الإمكانات المرتبطة بفكرة بلوغ الحقيقة، إذ يذهب إلى القول بالحجج الثلاث الآتية: (1- لا وجود لشيء، و2- إذا وجد أي شيء، فلا يمكن معرفته، و3- حتى لو كانت المعرفة ممكنة، فلا يمكن مشاركة الآخرين بها)(5).

وما أفاد منه (يوربيدس) من خلال تأثره بالأفكار التي جاء بها كل من (بروتاجوراس) و(جورجياس) هو بروز نبرة الشك في نصوصه وتعاليها أحياناً، وقد تبدت في موقفه من الآلهة والإنسان، بخاصة، ونتج على أثرها تقديمه لشكل فني يمتاز بخصوصيته لكي يحقق انعكاساً يتواشج مع هذه الأفكار. في ضوء ذلك تكون البنية الدرامية المفككة – قصدياً- عند (يوربيدس) - بعدها منتجة للخاصية التأملية -، تكون هذه (البنية) – كما يصفها – (احمد عتمان) – (الوسيلة الأكثر ملاءمة لنقل أفكاره الجديدة، التي لم تكن منسجمة تمام الانسجام مع عصر الشاعر .)(6) .

هكذا تحقق هذه البنية الدرامية المفككة صورة للأفكار المفككة بالمقابل، وعبر جدلية الاثنين اللذين يتجاذبان قطبي الحقيقة والوهم، والفن والواقع، تسري الخاصية التأملية وتقوى في بعض من مسرحيات (يوربيدس) .



د. حسن عبود النخيلة


الهــــــوامش



) د. محمد حسين النجم، السوفسطائية في الفكر اليوناني اطروحتها ونقدها، ط1 (بغداد : بيت الحكمة، سلسلة عالم الحكمة رقم (3)، 2008)، ص 225- 226.

(2) المصدر نفسه، ص 119 .

* الاله من الالة : هو حل خارجي للعقدة المسرحية ذلك لانه يأتي في الغالب من خارج الاحداث، وقد وصفت هذه الحيلة المسرحية بـ " إله من الآلة " لأن الاله كان يظهر فجأة في نهاية المسرحية مرفوعاً على احدى الآلات ليكون فوق مستوى البشر والاحداث الارضية الجارية . د. احمد عتمان، مقدمة مسرحية : هرقل مجنوناً، تأليف: يوربيدس (القاهرة : المركز القومي للترجمة، 2009)، ص 14.

(3) برتراند رسل، تاريخ الفلسفة الغربية : الكتاب الاول الفلسفة القديمة ، ترجمة: د. زكي نجيب محمود، مراجعة : أحمد أمين ،(القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2010)، ص 147.

(4) أ.هـ . آرمسترونغ، مدخل الى الفلسفة القديمة،ترجمة : سعيد الغانمي، ط1 (بيروت : المركز الثقافي العربي، 2009) ، ص 48.

(5) غنار سيكربك و نِلز غيلجي، تاريخ الفكر الغربي من اليونان القديمة الى القرن العشرين ، ترجمة : د. حيدر حاج اسماعيل، ط1، (بيروت : المنظمة العربية للترجمة، 2012) ص 93.

(6) د. احمد عتمان، مقدمة مسرحية : هرقل مجنونا، تأليف : يوربيدس، ترجمة وتقديم : احمد عتمان، ط2، (القاهرة : المركز القومي للترجمة، 2009)، ص 24 .
 
  • المشاهدات
    21
  • الرّدود
    0
  • أعلى أسفل