- المشاركات
- 1,773
- الدّولة
- تونس
- الولاية
- بنزرت
- م. الدّراسي
- دراسات معمّقة
- الاختصاص
- أدب عربي
- المهنة
- أستاذ
"الفضاء المكاني والنص الأدبي" أ.د. سلوى العباسي بن علي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"كل الأمكنة الآهلة تحمل فكرة البيت"
غاستون بشلار "شعرية المكان"
1- المكان واجهات المفهوم:
• الواجهة اللغويّة النّقليّة:
في التّعريف المعجمّي للفظ "مكان" قد نتفاجأ بانعدام وجود رأي جازم لدى لغاتنا القدامى يحسم قضية الاصل الاشتقاقيّ لهذا لاسم ،فكان ترددّهم بين إرجاعه إلى الجذر (ك،و،ن) وفعله "كان، و الجذر (م،ك،ن) وفعله "مكن" و الجذر (ك، م، ن) وفعله "كمن".
يقول ابن منظور في لسانه مستشهدا بقولة اللّيث:
" مكان في أصل تقدير الفعل مفعَل لأنّه موضع لكينونة الشيء" ، وهو ما ذهب إليه الزبيدي أيضا مستدلاّ بقولة أحدهم" المكان اشتقاقه من كان يكون، ولكنّه لمّا كثر في الكلام صارت الميم كأنّها أصيلة"
و رجّح بعضهم أن اسم "مكان على وزن مفعَل من كان وليس على وزن فعَال من مكن"،وفي "جمهرة ابن دريد" دلّ على معنى "الإحاطة والاستتار" فكمَن الشيء في الشيء ،توارى فيه"
والمتمكّن من الأسماء في النّحو المعرب عكس غير المتمكّن ،أي المبنيّ وغير المنصرف.
من هنا تنبجس أولى الإشكالية المعجميّة لمعنى المكان خلاصة معان متقاربة تتردّد بين دلالات الكون والتّمكين والكمون والتمكّن.فيحفّ به الغموض من النّاحية اللغويّة أو على الأقل لا يبدو متّفقا عليه كما قد نعتقد.
أمّا في القرآن فكان ورود لفظ "مكان" في سياقات مختلفة فهو بمعنى:
- الموضع في قوله تعالى: "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا" (سورة مريم الاية 199) وفي قوله :"واٌسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِي اٌلمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ" (الذاريات الآية 41)
- وهو يحمل دلالة المنزلة في قوله تعالى:" وَرفعنَاهُ مَكَانًا عَلِيَّا" (مريم 57)
• الواجهة الفلسفية المعرفية
وأمّا في نظريات المعرفة والفلسفة فلم يكن المكان يوما فضاء خاويا من فكرة التّفكير في الوجود ومشكلاته المادية و"الميتافيزيقية" في ذات الحين، فكان "كيانا تصوّريّا" موضوع مقاربات عدّة فكّرت في علاقته بمعنى الوجود مطلقا وبالمواضع التي تحتلها الأشياء والكائنات في الكون.
فكان الرقعة الحسيّة /المجرّدة التي يشغلها الكائن أو الأجسام في أبعادها الماديّة ينضاف إليها التّفكير المجرّد في أقيسة تلك المادّة. انبرى المكان في أكثر من نظرية وطرح فلسفي وعلمي موضوع تجريدات ومعادلات صوريّة أكثر ممّا كان موضوعة إدراك حسيّ.
افلا تلتقي العلوم حينئذ مع الشعريات في اتخاذ مسافة تصوّرية من المكان مفهوما تجريديّا أكثر ممّا قد نظنّ؟
لقدّ عدّ المكان حاويا للتجربة الخارجية التي يحياها الإنسان في وعيه بوجوده ،فهو "منفسح ثلاثي الأبعاد تتخذ فيه الأجسام والأحداث حيزها الوجودي واتجاهها النسبي" عند نيوتن وهو رباعي الأبعاد لدى أنشتاين يتغيّر بتغبيّر تراكم كتل المادة ومجال الجاذبية الناجم عنها. وفي منظور "الفيزياء الكميّة" ( لوباتشفسكي Lobachevsky وريمان Riemann) جاز القول بفضاءات محدّبة وأخرى مقعّرة فتغيّر بموجب ذلك التصوّر الإقليدي المسطّح لهندسة المكان.
امّا "وليام جيمس" فعالج المكان برؤية حسيّة دفعته في اتجاه تصنيف الأمكنة المحسوسة إلى مكان بصري وسمعي وشميّ ولمسي يتاثر وعينا الإدراكي بامتداداته وتقلّصاته وحركيته وتفاعلاته بما يحويه ويحيط به بما يلجه من لاقطات حسيّة أو قنوات.
وهو كما عدّه الذرّيون "فضاء" أو فراغا يمثل توزيعا منظّما لوجود الأشياء في مجالها الكوني ،فإذا كان الزمان مقسما إلى آونات غير محدودة، فالمكان أيضا يشكّل رقعة غير محددة علميا تتكون من عدد غير معروف من الذرّات.
لكنه في علاقة بالكون الفيزيائيّ للكائنات يمثل حيّزا يحوط الكتلة الماديّة للشيء وقد اكتسب وجوده العينيّ الملموس ليبقى نسبيا في كلّ النّظريات الفيزيائية تقريبا لانه يرتبط جدليا بالزّمان نقيضه السلبي الدّال على فكرة الفناء في حين كان هو قرينة البقاء. (الحركة متصوّر مركّب كما عند "هيغل" هو نتاج هذا التصارع الزمان والمكاني من أجل إثبات فكرة الوجود) وهذا ما جعل بعض الفاسفة المثاليين (كفبرادلي مثلا) ينفي وجدهما نفيا مطلقا ويعتبرهما "مظهرين غير حقيقيين ينطويان على تناقض داخلي"
فالمكان مفهوم حركي وزمني في ذات الوقت يعطي مع مكمّله الآخر(أي الزّمن) فكرة "الامتداد" والزّمن فيه يعدّ "بعدا رابعا منظّما للأبعاد المكانية الثلاثية فيه أي: الطّول والعرض والارتفاع" .
فيرى العالم الفيزيائي "نيوتن"- مثلا- أن لا وجود لمكان بلا مادّة" ،بل هو شكل المادّة وقد اتّخذت لها حيّزا، فلا وجود لمكان مطلق بلا مادّة، وإنما هو خاصيات الشيء الماديّ وقد شغل موضعا محدّدا محاصرا بالإدراك .
لاشكّ إذن في أنّ العلوم تجريديّة وتجريبيّة كانت قد وصلت معرفة الأشياء بالأمكنة لتستثير إشكالات "الأينية التي هي في عمقهامحامل لعديد الأسئلة الفلسفية الابستمولوجية التي ناقشت بطروح مختلفة مسألة "الكيفية" و"الحركة" و"السرعة "والطّاقة"، فلا تتحدّد "هندسة المكان"(La géométrie de l’espace) بمعزل عن تحديد مقادير قيس الزمن وبمنأى عن معادلات الطّاقة وكتل المادة، الكلّ يقدّر بحسبان، والتقدير الفيزيائيّ جوهر فلسفة المكان وعلميّة الوعي الظّواهريّ به وبامتداداته ورسومه في وقت واحد.
وكأنّ بهذا تغدو الأمكنة بهذا متشيئّة "غير مشتّتة" (كما يقول بشلار) أي تتخذّ أحيزتها الدلالية من مدلولات الأشياء التي تحتويها.
فهل كلّ الأمكنة متشيّئة بطبعها؟ هل المكان سابق المادة؟ أم مزامن لها؟ أسئلة فلسفية عميقة لاصقت قضيّة المكان حيثما حلّ موضوعا للتفكير أو التّنظير. (افلاطون، ارسطو، ،الفلاسفة العرب المسلمون ،ديكارت، كانط...)
ما يمكن تأكيد مبدئيّا وعلى الأقلّ هو أنّ المكان في مختلف مطارحاته المعرفية العلمية والفلسفية عدّ حاضن موجود بشري له معالمه النّاطقة بمعنى الحياة، بل لا يمكن أن نعي بوجوده دون أن يكتسي هذا البعد الحيويّ "الأنطولوجيّ" وهو ما يجعله مختلفا عن "البقعة" و"الموضع" و و"الخلاء" و"المحلّ" وما شابه ذلك... متميّزا بـ"ظاهريّته" و"كينونته" ونسبيّته وحركيّته في آن واحد .ولهذا قالت العرب:"كن مكانك وقم مكانك واقعد مقعدك"
يشاكل المكان عند ابن سينا "السطح الباطن من الجرم الذي يحوي المماس للسطح الظاهر للجسم المحوي"؛ ويمثل في أذهان المتكلّمين في صورة "الفراغ المتوهم الذي يشغله الجسم، وينفذ فيه أبعاده"
وفي منظور الأشاعرة هو الصورة العاكسة لمفهوم الزّمان عكس "معلوم" لـ"موهوم" ، فهو عندهم: "متجدد معلوم، يقدر به متجدد آخر موهوم"، وهو عند أفلاطون" الحاوي للموجودات المتكاثرة ،ومحلّ التّغيير والحركة في العالم المحسوس، عالم الظّواهر الحقيقيّ"
2- صوب تأسيس مبحث الجغرافيا الشعريّة أو "الجيوبوتيقا"
إنّنا لا نستطيع مقاربة المكان الأدبي من وجه تعليميّة نقديّة دون المرور بقضاياه الشعريّة التي تجعل منه "موضوعة" للدرس والتدبّر تصدّت لها مطارحات عدّة في إطار ما سميّ درس الفضاء الأدبي"(L’espace littéraire) ودلالتها الظّاهرة والخفيّة، التي بان بالكاشف أنها نتاج قراءات وضروب من التأويل،فما المكان الأدبيّ سوى تأويلنا نحن للمعاني التي يشغلها ويحيل إليها مرجعيا والتي لها منازل في الذّاكرة والوجدان والمخيال معا وخاصة لها محاّل منضّدة في منظومة الأجناس وصنافة النّصوص وأنواع الخطاب.
ولعلّ حلولنا في تلك المنازل هو المدخل الرئيسيّ إلى البحث في قيمة المكان الأدبيّ مكوّنا لا غنى عنه عند تشكيل المخيّل الأدبي وقد استحال إطارا ذا إحالة، أي صار "متمكّنا" - لو استعرنا التعبير الفلسفي- تلك الإحالة هي الفكرة الغامضة في درس المكان وهي أعقد الإشكالات التعليمية التي نصادفها في دروس القراءة لأدبية،لاسيّما والأمكنة تنطوي على أبعاد نفسية مجرّدة،لامرئيّة يقول"هوفدينغ"(Hoffding) :"لاينفصل المكان النّفسيّ النسبيّ الذي ندركه بحواسّنا عن المكان المتمكّن" و"المكان المثالي الذي ندركه بعقولنا مكان رياضي صوري مجرد"
والجغرافيا، من ناحية أخرى، لا قيمة لها مجرّدة من تواريخها، لذا فكل احتفاء بالأمكنة يتطلّب تعريجا على ذكر الأزمنة ولا وجود لثبات عند معالجة مقولة المكان حتى في النصوص التي تبدو مجتثّة من سياقاتها كالصّور والتّماثيل ،بينما هي ليست رسوم جسوم ميتة ،وإنّما هي في أصلها وقائع مشادة داخل أمكنة، علينا أن نعيد رسم ملامحها وترميم معالمها، لا يمكن أن يقتصر تعاملنا مع فكرة المكان على معنى "الخلاء " ،لأنه حينما يستحيل موضوع درس أدبيّ أو غيره يضحي موضع تمكين وهو الفرق الذي أقامه الفلاسفة العرب ومنهم أبو بكر الرّازي، بين مكان مطلق لا متمكّن فيه وبين مكان عامر بمن يحويه ويحتويه أي مكان ذي متمّكن.
المكان موضع من تحوّز وتلبّث فأقام الدليل على حدوث تجربة ،تلك التجربة تحتاج إلى من يحولها من وقائع وجودية تاريخيّة ثقافية اجتماعية كانت وتمّ لها الانقضاء إلى وقائع لغوية غير منتهية ولا متناهية مهما ادّعت خواء التّسجيل وانتحت نحو الاستعارية والتخييل ،تبقى مشدودة بوتد الى مكان مّا علينا استكتشافه أو إعادة اكتشافه.
حسب "الأدب حينها، أنّه هو أيضا من ضروب الجغرافيات التي من وظائفها أن تعمد إلى تعمير الفراغات وملء الردحات الخاوية لكي تجعل منها عنوان تجربة لها ذاكرة مكانية ليس الأدب سوى تجربة في المكان
ذاك مشغل "الجيو وبوتيقا" أو "الهندسة الشعرية"(la géo poétique) التي اتّخذت من الفضاءات الأدبية المسكونة بالظواهر البشرية العمرانية موضوعا لها ومن جغرافية الأدب مبحث اشتغال نقديّ مباشر على نصوص اختار أصحابها "ثيمة المكان" غرضا ومنحى في الكتابة ومنها صار هناك مصطلح "الجغرافيا الأدبية"(la géo littérature) يكفي أن نستدلّ على ذلك بكتابات أدب الرحلات واليوميات والسيرة الذاتيّة القائمة على التنقّل والتحوّل في الأمكنة.ولنا في ادبنا العربي امثلة كثيرة. إنّنا نعدّه مبحثا غضّا يمكن أن يستثمر في درس النّصوص التي يقرؤها تلاميذنا بأدوات جديدة كلّ الجدّة من مظاهر الإضافة والتّجديد فيها ضبط "أوجه العلاقة بين فضائية الذّات قاصّة أو شخصيّة قصصية أو روائية أو شعريّة متخيّلة وبين الفضاء الجغرافي كما يقدمه ويدرسه علم الجغرافيا والبلدان فالأدب يعمل على تجسيد الأمكنة وإعطائها ابعادا "مشخصنة" قد لا تصل إلى إظهارها النزعة العلمية في تناول ظاهرة المكان طبيعيا أكان ام بشريا.
للأدب تلك القدرة السحريّة على مدّ التّخوم وتعويم الحدود وخلخلتها وإحداث التداخل والتباعد والتماهي والتوازي الذي يفلح في جعل الأمكنة حيّة نابضة بالحياة ناطقة بالرموز والتعبيرات، قابلة لضروب غير متناهية من القراءات لا تحصر دلالة الأقاليم والبقاع في مساحة ومحيط و"ديموغرافيا" وتقسيمات مجالية معدودة، وإنّما يهبها القدرة الإنشائية على أن تروغ المقاربة الطبوغرافية الفجّة وأن تراوغ الاحكام والأرقام ليبقى للأدب جغرافيته الخاصّة التي لا تدرك إلاّ من داخله ومما نتوارثه من سنن القول والتعبير والتخييل. للأدب ذلك الانغماس "الماورائي" في حجب اللغة التي تغلف الأمكنة وتحجبها لتوقع وهم تخييلها وتصويرها داخل بقع منغلقة على ذاتها (إحاليا بما هي ضروب "الخطاب الثخن"(discours opaque) مرجعه في ذاته لا خارجه (هو من تصميم ذاكرة أدبية قادرة في كل وقت على امتصاص حدود الأمكن وتحويلها وطمس معالمها وتبديلها نستحضر هنا "تأملات موريس بلنشو"Maurice Blanchot))
ولا يمكننا التغافل عن شعرية المكان الأدبي "فينومنولوجيا" الصورة الأدبية وجمالية الفضاء المخيّل عند غاستون بشلار (Gaston Bachelard) رائد "الفينومنولوجيا الشعرية" في مؤلّفه الشّهير "شعرية الفضاء"(la poétique de l’espace) في مكانية وعينا ألفة لما ترسّب في أعماق وعينا عن فضاءاتنا المأنوسة وتساميا عن "الأمكنة الشقيّة" في اتّجاه الأمكنة التي نحبّ .فوعينا بالأمكنة ليس وعي تصعيد وتنفيس (على عكس ما يذهب إليه التحليل النفسي) وإنما هو وعي "ظاهرتي" قوامه فكرة التسامي وهي روح الّشعر وهو أيضا الصورة التي ننشئها عن "الأمكنة الآهلة"("حجرة الروح") ورمزها "البيت"وهو "مقابل القبو" (اللاوعي) فـ"بيوتنا تعيش معنا طيلة الحياة" كما يقول بشلار
يكذّب بشلار ما قد نعتقده ونظنّه عن الصّورة الأدبيّة كونها مقذوفة أعماق أو صدى لترسّبات قابعة في مخيالنا ولا وعينا واستدعاء لماض سحيق أو نائم في الذّاكرة،فهو ينفي مبدأ "السببيّة" عن الصورة الشعريّة معتبرا أنّها ليست نتيجة وعينا زمانيا أو مكانيا محدّدا، وإنّما هي من ينتج هذا الوعي الزماني والمكاني على نحو مّا أشبه ما يكون بالظهور المفاجئ على سطح النّفس هو عبارة عن "انبثاق من اللغة وباللغة" .
يرى بشلار في الصّورة حضورا مميّزا للذات المبدعة التي تتقمص الصّورة أحوالها فتحترف "التأمّل الشارد" و"الحلم الشعريّ" وبنفس القيمة تستثمرالصورة أيضا تجليّات القارئ باعتباره مسهما في إنتاج وعينا "الفينومنولوجي" بشعريتها المكتنزة غير القابلة للاختزال والانحسار في ترسيمات موحّدة متشابهة تنمذج صور العالم المعيش أو المتخيّل داخل أنساق مضبوطة أو ثني أطر محدودة منظمة فللصورة "أنطولوجيتها المباشرة" وفوضاها الحدسية ورنينها(Retentissement) الواهب للأصداءغير المنقطعة المغمّدة في تضاعيف النّفس ورؤى الروح
ينفي بشلار عن الصورة شيئيتها وظاهريتها الانعكاسية المباشرة ويرى لها انطباعية مخصوصة موغلة في الذّاتية، هناك عدة مرايا تتمازج ظلالها على صفحة الذّاكرة الأدبيّة والإبداعية لتنتج الصّور وترتسم عليها ملامح الأمكنة. وهي مسألة على غاية من الرّهافة والغموض ليس من الهيّن اختزالها أو انحسارها داخل مشهد واقعيّ محرّف أو متخيّل. فيجوز الحديث عندئذ عن "الوعي الحالم" للصورة فكما لا يمكننا البتّة أن نفكّ بشكل نهائيّ حاسم رموز أحلامنا ونفضّ مغالق طلاسمها ليس من الهيّن إرجاع الصورة إلى إطار مخيّل له مرجع أوحد أو قعر واحد في مجاهل الإدراك البشريّ، للصّورة هندستها المحضة التي مرجعها الذّات لا الموضوع.
"بهذا المعنى يمكن لقصيدة شعرية أو قصة محكية أن تدلّ على العالم بما يكفي من العمق الذي يوازي مؤلّفا في الفلسفة"
وكذلك درسنا صنافة الأنماط النصيّة ومنظومة الأجناس شعرية ونثرية:
أفليس السّرد انقضاء لمتتالية حدثية يتحيّزها فضاء قصصي مواكب لتلك البنية المتنامية فهو الرقعة التي عليها تدور تلك الأحداث لتسهم في تشكيل معالم القصة ومتخيّلها (la diégèse) وقد تعاملت معه الدّراسات السردية بصفته مقوما أساسيا وركنا ركينا فيها لا وجود لقصّ دونه شأنه في ذلك شأن الزمان وهو ما سمّي في جميع الأجناس القصصية بـ"الإطار الزماني المكاني"(le cadre spatio- temporel)
والوصف ليس بعيدا عن ذلك لكنه بطبعه الانفساحي الانتشاري ينتظم بقعته التصويرية بنظام لوحة أو ومدونة أو قائمة يعدّ الفضاء الموصوف أهمّ ركائزها لممارسة كل تقنيات الطيّ والنشر والتخصيص والتعليق وإعادة الصوغ، وكذلك الحوار يتطلب مواجهة كلامية في فضاء متقارب أو متباعد فإن تباعد كان ترسلا وتراسلا والحجاج قول ملقى داخل مقام يحول فضاء إقناع أو حمل على الاقتناع بصدق قضية ما.
لا يمكن درس الأدب ونقده بمعزل عن فكرة المكان ،كل قراءة أدبيّة لأثر من الآثار تحتاج إلى جغرافية مّا ،وحديثنا عن الجغرافيا امر مفروض لأنها تعدّ المصطلح الابسط والأكثر شمولية وشيوعا عن علم المكان ،فكثيرا ما يوسم أي مبحث متّصل بالمكان بكونه جغرافيا حتى وإن لم يكن طبيعيّا ،كلّ الأمكنة تشي بمدى انتشار المشغل الجغرافي مبحثا عميقا يخترق عدّة مجالات علمية وأدبية، سواء اعترفنا بذلك أم تغاضينا عن الأمر لاسيّما في الطروح الشكلانية الخائبة التي لا تزال تجترها مقارباتنا وبرامجنا وهي تطلب بإلحاح محاولات جادّة للتجديد (يكفي أن نستدلّ على هذا بشبه انعدام ذكر لفظ "مكان في سفر برامج المرحلة الثانوية المعمول بها حاليّا فقد ورد 3 مرات دون سواها ، لم تتجاوز مصطلحي "البناء" و"الإطار)وهو دليل ينضاف ليؤكّد قصور الرؤية التعليمية المتّبعة حاليا عن إدراك أوساع المكان الأدبي موضوعة نقدية تستحقّ أكثر من مدخل وجهاز نظريّ يثري محصلات الشروح النصيّ ويبني المعرفة الأدبيّة على ركائز مفهومية وموسوعية أكثر ثراء ومرونة وعمقا يحتاجها جميع المتعلمين عند منافذة النصّ الأدبي شعرا أم نثرا قديما أم حديثا.
فما قيمة القصائد الشعرية القديمة دون طلول؟ ثم أليس الشعر استعارة مكانية عن "بيت الشّعر؟
الم يكن الشعر ولا يزال إنشادا دائما على صروح الأمكنة يكلّم الديار ويتكلّم عنها فيبصرها ويتبصّر بها، بنظرة تلتقي مع رؤى غيرها وتسعى في ذات الوقت إلى تبديلها واستبدالها؟ كلّ ذلك يجعل من الشعر فضاء متحولا بالسماع وبالتخييل يردّد قوله وترجيعه إلى مالا نهاية ،ويراهن على كونه سيظل دائما موسوما بإيقاعيّة مّا عمودية أم حرّة ،هي فضاؤه الموزون المقفّى ومعماره المشكّل أبيات أو أسطرا، الموزع إلى بياض وسواد وفراغ وامتلاء ومواضع وقف واسترسال تلك هي الهندسة الشعرية التي لا يمكن أن تفقد أبدا صبغتها المكانية مسموعة ومخيّلة.
فإذا ما استحضرنا الطالع الشهير للشاعر الجاهليّ عنترة بن شدّاد :
هل غادر الشّعراء من متردّم؟ أم هل عرفت الدّار بعد توهّم؟
اليس طالعا في تأبيد دلالية الشعر جنسا مكانيا يقاوم آفة النّسيان بالذكرى والوقوف على أطلال المعنى فضاء لا ينتهي مهما تجاذبته الأساليب والرؤى؟
حتّى أن تجارب التحديث والحداثة لم تتعدّ كونها محاولات مضنية في خلخلة رسوم شعرية تمرّدت بأشكال مختلفة على رسوم أوزانها وقيود ألفاظها وربقة معانيها لتجدّد إهاب معمارها في كلّ مرّة .
لا يدرك الشعر دون ان نتعامل معه بصفته جدلية هدم وبناء تجربة تبرهن على وجودها اللغوي الفريد داخل معمارها ، لا وجود للشعر خارج فكرة المعمار، وهو جنس لايفتأ يتصارع مع ضديده النثري على حيازة المزيد من الرقع والبقع مجازا وتخييلا ليستعير منه في ذات الوقت قدرته على مجاوزة السنن دون فقد مساحته الشعرية ليتلاشى ويندثر.
وما معنى درس حكاية أو نادرة أو مقامة دون ولوج عوالم أمكنتها ومحاولة استنطاق دلالتها من خارجها المرجعي ومن داخلها الحكائي نفسه مسيّجا بالإخبار؟
والرواية أليست "جنسا مكانيا"أكثر من كلّ الأجناس فهي وليدة رحم الأمكنة و "ما من جنس أدبي أثبت وجوده عبر نظام أمكنته ورسم حدود مخيّله مثلها،إنّها قادرة على أن تمنح قارئها خارطة أمكنتها ليتتبع المسلك الأوضح إلى إدراك العالم الروائيّ محسوسا ويستحيل فضاء ماديا فوقه ينتشر الحدث ويتنامى ويتعقّد ويمتدّ" إذ من خصائص المكان الروائي "الشهادة" أي هو العنصر الشاهد أكثر من غيره على تسجيل الأحداث وتوثيق الوقائع والإيهام بمصداقيتها التي ترتقي إلى مستوى التجربة المكانية المتكاملة تجرى داخلها شبكة من العلاقات والشخصيات المتصارعة على رقعة مكانية مّا. تعتبر "كريستين لاهاي" (Christiane Lahaie) المكان في الرواية"مؤشّر هويّة"(Un indicateur d’identité) أي أنّ الرّواية تعرف بمكانيتها وأمكنتها قبيل أي شيء آخر. وهذا ما نجده أيضا عند "باجو"(D .H .Pageaux) الذي يرى في المكانية "(la spatialité) ترميزا يسكن الثقافة واللغة الأدبية سكنى غير جامدة ولا ثابتة لأنها تاريخية تواكب تجارب عاشها الإنسان داخل فضائه عبر تحيز جسده تلك الأمكنة والعلاقات التي انخرط فيها من خلال المكان تنقل بواسطة ذكر الأمكنة في الأدب عن طريق اللغة "
فالذروة صعود على ربوة مكان سردي خفيّ غامض والسقطة مهوى أشد غموضا نستشعر من خلاله الكارثة والتدهور وتعقيد الحبكة بتوالد المشاريع داخل قصة واحدة يتطلّب ضرورة تعدّدا في فضاءات الحكي الروائي واستقطابات مضادّة أو متفرّعة، والتضمين والاستطراد مجاوزة للمكان الواحد في القص وإحلال لأحيزة متشابكة تجعل المبنى الحكائي شبيه علبة أو درج خزانة (la structure emboitée)
المكان الروائي هو أيضا استعاري مموه على قدر تسجيليته وما يخفيه أكثر ممّا يشفّ عنه من فضاءات إحالة مرجعية وهو فريد على قدر تشابهه الحكائي القائم على عنصر "المحاكاة" وماسك بناصية غيره عبر تناصيته المنجبة.
ومن ثمة ، تتنوع الأمكنة في الرواية بتنوّع الوظائف التي تنهض بها في بناء معالم الحكي المطوّل والتصرّف فيه نسقا وإيقاعا ووجهات نظر ومشاهد وصفية وقولية كما يتلون بتلاوين التسجيل والتخييل والتعليم فالأمكنة تاريخية وواقعية ورمزية ونفسية وهناك حتى الأمكنة الشعرية حينما تحاكي الرواية الشعروتقفو خطواته الراقصة فلا تمضي إلى الأمام بل تدور على اعقابها وتشكل لوحات نغمية تنبش الذّاكرة الإيقاعية للأدب وتدك الحواجز بين منظومه ومنثوره لتتغلف بالمجاز وتكفّ عن المصارحة والإعلام لتنخرط في لعبة المداهمة والمعاتمة والتبعيد.نجد هذا خاصة في الكتابات الروائية الجديدة التي طلّقت المنحى التقليدي في إيراد المعنى المكاني في القصّ،كما يحضر المكان برؤى متباينة شمولية ثلاثية الابعاد أو متجزئة أو متداعية أو متشظية متناثرة كما يكون له سطح وعمق ومنها الأمكنة "السريالية" والأمكنة شبيهة الحلم (رواية الشحاذ أنموذجا) وهناك المكان المشاد في الخلاء المطلق الخرافي العجيب ومكان الحدث ومكان الشخصية..
ولا تختلف الأقصوصة عن هذا المنحى لتشكل أمكنتها داخل بنيتها العضوية وتجعل المكان يترصّد لحظة الانقلاب لينحت فيها مجرى انقلابيا أو يحدث الحبسة الانفجارية أو الدفق المتدفّق في أوصال الكشف والتنويرأو الفضاء المتعاود المخاتل الخلاسي كالأخيلة ،كأضغاث الأحلام كالهلوسة فهو المكان الذي يهذي ويتنفس ويمتد في المساحات الغفل المسكوت عنها أو غير المسماة، ويسمح بذلك لهذا الجنس الآسر بأن يحافظ على اكتماله رغم الإيجاز والقصر.
والمسرحيات في تنويعاتها الكلاسيكية والحديثة بتجريبها وتغريبها ما هي إلاّ فن يصطنع الفرجة عبر تنويع مشهدية المكان ويعيد تشكيل مكونات فضائه الركحي (l’espace scénique)بمؤشرات وممسرحات لا تخلو من آثار مكانية لا يمكن أن يقفز عليها الدّرس الادبيّ ولا أن يغضّ البصر عن فرجاتها وفجواتها التي منها ينبجس ما يعرف بـ"الحركة المسرحية"
كلّ نصّ مسرحيّ هو معدّ للإخراج مبذول للأداء برؤية مكانية هي عبارة عن "موضعة مشهدية"la mise en scène) هي أيضا مواضعة مكانية بين المخرج والمتفرّج وكاتب النصّ حول جغرافية الفرجة وطقسيتها المحسوبة حركيّا على الرّكح.والفضاءات في فنّ المسرح أنواع:
- الفضاء الدرامي وهو فضاء التخييل الفرجوي فضاء غائب في نصّ المسرحية حاضر في نصّ المتلقيّ(l’espace dramatique)
- الفضاء الركحي وهو فضاء المشاهدة والفرجة(l’espace scénique)
- الفضاء "السينوغرافي"(l’espace scénographique) وهو الامتداد القائم بين الفضاء الركحي والفضاء المسرحي
- الفضاء الحركي : وهو الفضاء الذي يشغله المؤدي وفق المحدد في دوره(l’espace gestuel)
- الفضاء النصي: يقصد بها فضاء الكتابة الدراماتورجية وكيفية تقسيم المبنى المسرحي في نصّه(l’espace textuel)
- الفضاء الداخلي أو كواليس المسرحية(l’espace intérieur)
عمل ورشي:
- ادرس نماذج من المدونة الأدبية المقترحة للقراءة في برنامج الثانوي من مدخل تعليمية المكان فضاء أدبيا مسهما في تشكيل دلالات المبنى والمعنى
- فكك عناصر المكانية الشعرية في محور من محاور الشعر العربي من برنامج الثانية او الثالثة او الرابعة آدابا وانتهج لها نهجا استقرائيا يصل بتلاميذك إلى نتائج جديدة
- ما قيمة المكانية الأدبية في تشكيل القص الخرافي من الحكاية المثلية؟
- ابرز قيمة المكان في جغرافية الشعر الوطني
- أي دور للأمكنة في محوري النادرة، المقامة؟
- هل يسهم تغيير مبنى الفضاء الشعري في نحت تجربة التجديد الشعري في القرنين الثاني والثالث للهجرة؟
- ادرس الكون الرومنطيقي انطلاقا من مدخل المكان الأدبي؟
- ما دور المكانية في رسم الصورة الحربية للشعر الحماسي؟
- هل بالإمكان وضع خطاطة واضحة لخارطة الأمكنة في رسالة الغفران؟
- ما دلالات المكان في رواية "خان الخليلي"؟ ما خصائص المكان في الوجود الروائي للشحاذ؟
- بيّن الفرجوية الدرامية في نماذج من النص المسرحي المدرّس في برنامج الثانوي (بيغماليون" / "شهرزاد" لتوفيق الحكيم"؟
سلوى العباسي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"كل الأمكنة الآهلة تحمل فكرة البيت"
غاستون بشلار "شعرية المكان"
1- المكان واجهات المفهوم:
• الواجهة اللغويّة النّقليّة:
في التّعريف المعجمّي للفظ "مكان" قد نتفاجأ بانعدام وجود رأي جازم لدى لغاتنا القدامى يحسم قضية الاصل الاشتقاقيّ لهذا لاسم ،فكان ترددّهم بين إرجاعه إلى الجذر (ك،و،ن) وفعله "كان، و الجذر (م،ك،ن) وفعله "مكن" و الجذر (ك، م، ن) وفعله "كمن".
يقول ابن منظور في لسانه مستشهدا بقولة اللّيث:
" مكان في أصل تقدير الفعل مفعَل لأنّه موضع لكينونة الشيء" ، وهو ما ذهب إليه الزبيدي أيضا مستدلاّ بقولة أحدهم" المكان اشتقاقه من كان يكون، ولكنّه لمّا كثر في الكلام صارت الميم كأنّها أصيلة"
و رجّح بعضهم أن اسم "مكان على وزن مفعَل من كان وليس على وزن فعَال من مكن"،وفي "جمهرة ابن دريد" دلّ على معنى "الإحاطة والاستتار" فكمَن الشيء في الشيء ،توارى فيه"
والمتمكّن من الأسماء في النّحو المعرب عكس غير المتمكّن ،أي المبنيّ وغير المنصرف.
من هنا تنبجس أولى الإشكالية المعجميّة لمعنى المكان خلاصة معان متقاربة تتردّد بين دلالات الكون والتّمكين والكمون والتمكّن.فيحفّ به الغموض من النّاحية اللغويّة أو على الأقل لا يبدو متّفقا عليه كما قد نعتقد.
أمّا في القرآن فكان ورود لفظ "مكان" في سياقات مختلفة فهو بمعنى:
- الموضع في قوله تعالى: "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا" (سورة مريم الاية 199) وفي قوله :"واٌسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِي اٌلمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ" (الذاريات الآية 41)
- وهو يحمل دلالة المنزلة في قوله تعالى:" وَرفعنَاهُ مَكَانًا عَلِيَّا" (مريم 57)
• الواجهة الفلسفية المعرفية
وأمّا في نظريات المعرفة والفلسفة فلم يكن المكان يوما فضاء خاويا من فكرة التّفكير في الوجود ومشكلاته المادية و"الميتافيزيقية" في ذات الحين، فكان "كيانا تصوّريّا" موضوع مقاربات عدّة فكّرت في علاقته بمعنى الوجود مطلقا وبالمواضع التي تحتلها الأشياء والكائنات في الكون.
فكان الرقعة الحسيّة /المجرّدة التي يشغلها الكائن أو الأجسام في أبعادها الماديّة ينضاف إليها التّفكير المجرّد في أقيسة تلك المادّة. انبرى المكان في أكثر من نظرية وطرح فلسفي وعلمي موضوع تجريدات ومعادلات صوريّة أكثر ممّا كان موضوعة إدراك حسيّ.
افلا تلتقي العلوم حينئذ مع الشعريات في اتخاذ مسافة تصوّرية من المكان مفهوما تجريديّا أكثر ممّا قد نظنّ؟
لقدّ عدّ المكان حاويا للتجربة الخارجية التي يحياها الإنسان في وعيه بوجوده ،فهو "منفسح ثلاثي الأبعاد تتخذ فيه الأجسام والأحداث حيزها الوجودي واتجاهها النسبي" عند نيوتن وهو رباعي الأبعاد لدى أنشتاين يتغيّر بتغبيّر تراكم كتل المادة ومجال الجاذبية الناجم عنها. وفي منظور "الفيزياء الكميّة" ( لوباتشفسكي Lobachevsky وريمان Riemann) جاز القول بفضاءات محدّبة وأخرى مقعّرة فتغيّر بموجب ذلك التصوّر الإقليدي المسطّح لهندسة المكان.
امّا "وليام جيمس" فعالج المكان برؤية حسيّة دفعته في اتجاه تصنيف الأمكنة المحسوسة إلى مكان بصري وسمعي وشميّ ولمسي يتاثر وعينا الإدراكي بامتداداته وتقلّصاته وحركيته وتفاعلاته بما يحويه ويحيط به بما يلجه من لاقطات حسيّة أو قنوات.
وهو كما عدّه الذرّيون "فضاء" أو فراغا يمثل توزيعا منظّما لوجود الأشياء في مجالها الكوني ،فإذا كان الزمان مقسما إلى آونات غير محدودة، فالمكان أيضا يشكّل رقعة غير محددة علميا تتكون من عدد غير معروف من الذرّات.
لكنه في علاقة بالكون الفيزيائيّ للكائنات يمثل حيّزا يحوط الكتلة الماديّة للشيء وقد اكتسب وجوده العينيّ الملموس ليبقى نسبيا في كلّ النّظريات الفيزيائية تقريبا لانه يرتبط جدليا بالزّمان نقيضه السلبي الدّال على فكرة الفناء في حين كان هو قرينة البقاء. (الحركة متصوّر مركّب كما عند "هيغل" هو نتاج هذا التصارع الزمان والمكاني من أجل إثبات فكرة الوجود) وهذا ما جعل بعض الفاسفة المثاليين (كفبرادلي مثلا) ينفي وجدهما نفيا مطلقا ويعتبرهما "مظهرين غير حقيقيين ينطويان على تناقض داخلي"
فالمكان مفهوم حركي وزمني في ذات الوقت يعطي مع مكمّله الآخر(أي الزّمن) فكرة "الامتداد" والزّمن فيه يعدّ "بعدا رابعا منظّما للأبعاد المكانية الثلاثية فيه أي: الطّول والعرض والارتفاع" .
فيرى العالم الفيزيائي "نيوتن"- مثلا- أن لا وجود لمكان بلا مادّة" ،بل هو شكل المادّة وقد اتّخذت لها حيّزا، فلا وجود لمكان مطلق بلا مادّة، وإنما هو خاصيات الشيء الماديّ وقد شغل موضعا محدّدا محاصرا بالإدراك .
لاشكّ إذن في أنّ العلوم تجريديّة وتجريبيّة كانت قد وصلت معرفة الأشياء بالأمكنة لتستثير إشكالات "الأينية التي هي في عمقهامحامل لعديد الأسئلة الفلسفية الابستمولوجية التي ناقشت بطروح مختلفة مسألة "الكيفية" و"الحركة" و"السرعة "والطّاقة"، فلا تتحدّد "هندسة المكان"(La géométrie de l’espace) بمعزل عن تحديد مقادير قيس الزمن وبمنأى عن معادلات الطّاقة وكتل المادة، الكلّ يقدّر بحسبان، والتقدير الفيزيائيّ جوهر فلسفة المكان وعلميّة الوعي الظّواهريّ به وبامتداداته ورسومه في وقت واحد.
وكأنّ بهذا تغدو الأمكنة بهذا متشيئّة "غير مشتّتة" (كما يقول بشلار) أي تتخذّ أحيزتها الدلالية من مدلولات الأشياء التي تحتويها.
فهل كلّ الأمكنة متشيّئة بطبعها؟ هل المكان سابق المادة؟ أم مزامن لها؟ أسئلة فلسفية عميقة لاصقت قضيّة المكان حيثما حلّ موضوعا للتفكير أو التّنظير. (افلاطون، ارسطو، ،الفلاسفة العرب المسلمون ،ديكارت، كانط...)
ما يمكن تأكيد مبدئيّا وعلى الأقلّ هو أنّ المكان في مختلف مطارحاته المعرفية العلمية والفلسفية عدّ حاضن موجود بشري له معالمه النّاطقة بمعنى الحياة، بل لا يمكن أن نعي بوجوده دون أن يكتسي هذا البعد الحيويّ "الأنطولوجيّ" وهو ما يجعله مختلفا عن "البقعة" و"الموضع" و و"الخلاء" و"المحلّ" وما شابه ذلك... متميّزا بـ"ظاهريّته" و"كينونته" ونسبيّته وحركيّته في آن واحد .ولهذا قالت العرب:"كن مكانك وقم مكانك واقعد مقعدك"
يشاكل المكان عند ابن سينا "السطح الباطن من الجرم الذي يحوي المماس للسطح الظاهر للجسم المحوي"؛ ويمثل في أذهان المتكلّمين في صورة "الفراغ المتوهم الذي يشغله الجسم، وينفذ فيه أبعاده"
وفي منظور الأشاعرة هو الصورة العاكسة لمفهوم الزّمان عكس "معلوم" لـ"موهوم" ، فهو عندهم: "متجدد معلوم، يقدر به متجدد آخر موهوم"، وهو عند أفلاطون" الحاوي للموجودات المتكاثرة ،ومحلّ التّغيير والحركة في العالم المحسوس، عالم الظّواهر الحقيقيّ"
2- صوب تأسيس مبحث الجغرافيا الشعريّة أو "الجيوبوتيقا"
إنّنا لا نستطيع مقاربة المكان الأدبي من وجه تعليميّة نقديّة دون المرور بقضاياه الشعريّة التي تجعل منه "موضوعة" للدرس والتدبّر تصدّت لها مطارحات عدّة في إطار ما سميّ درس الفضاء الأدبي"(L’espace littéraire) ودلالتها الظّاهرة والخفيّة، التي بان بالكاشف أنها نتاج قراءات وضروب من التأويل،فما المكان الأدبيّ سوى تأويلنا نحن للمعاني التي يشغلها ويحيل إليها مرجعيا والتي لها منازل في الذّاكرة والوجدان والمخيال معا وخاصة لها محاّل منضّدة في منظومة الأجناس وصنافة النّصوص وأنواع الخطاب.
ولعلّ حلولنا في تلك المنازل هو المدخل الرئيسيّ إلى البحث في قيمة المكان الأدبيّ مكوّنا لا غنى عنه عند تشكيل المخيّل الأدبي وقد استحال إطارا ذا إحالة، أي صار "متمكّنا" - لو استعرنا التعبير الفلسفي- تلك الإحالة هي الفكرة الغامضة في درس المكان وهي أعقد الإشكالات التعليمية التي نصادفها في دروس القراءة لأدبية،لاسيّما والأمكنة تنطوي على أبعاد نفسية مجرّدة،لامرئيّة يقول"هوفدينغ"(Hoffding) :"لاينفصل المكان النّفسيّ النسبيّ الذي ندركه بحواسّنا عن المكان المتمكّن" و"المكان المثالي الذي ندركه بعقولنا مكان رياضي صوري مجرد"
والجغرافيا، من ناحية أخرى، لا قيمة لها مجرّدة من تواريخها، لذا فكل احتفاء بالأمكنة يتطلّب تعريجا على ذكر الأزمنة ولا وجود لثبات عند معالجة مقولة المكان حتى في النصوص التي تبدو مجتثّة من سياقاتها كالصّور والتّماثيل ،بينما هي ليست رسوم جسوم ميتة ،وإنّما هي في أصلها وقائع مشادة داخل أمكنة، علينا أن نعيد رسم ملامحها وترميم معالمها، لا يمكن أن يقتصر تعاملنا مع فكرة المكان على معنى "الخلاء " ،لأنه حينما يستحيل موضوع درس أدبيّ أو غيره يضحي موضع تمكين وهو الفرق الذي أقامه الفلاسفة العرب ومنهم أبو بكر الرّازي، بين مكان مطلق لا متمكّن فيه وبين مكان عامر بمن يحويه ويحتويه أي مكان ذي متمّكن.
المكان موضع من تحوّز وتلبّث فأقام الدليل على حدوث تجربة ،تلك التجربة تحتاج إلى من يحولها من وقائع وجودية تاريخيّة ثقافية اجتماعية كانت وتمّ لها الانقضاء إلى وقائع لغوية غير منتهية ولا متناهية مهما ادّعت خواء التّسجيل وانتحت نحو الاستعارية والتخييل ،تبقى مشدودة بوتد الى مكان مّا علينا استكتشافه أو إعادة اكتشافه.
حسب "الأدب حينها، أنّه هو أيضا من ضروب الجغرافيات التي من وظائفها أن تعمد إلى تعمير الفراغات وملء الردحات الخاوية لكي تجعل منها عنوان تجربة لها ذاكرة مكانية ليس الأدب سوى تجربة في المكان
ذاك مشغل "الجيو وبوتيقا" أو "الهندسة الشعرية"(la géo poétique) التي اتّخذت من الفضاءات الأدبية المسكونة بالظواهر البشرية العمرانية موضوعا لها ومن جغرافية الأدب مبحث اشتغال نقديّ مباشر على نصوص اختار أصحابها "ثيمة المكان" غرضا ومنحى في الكتابة ومنها صار هناك مصطلح "الجغرافيا الأدبية"(la géo littérature) يكفي أن نستدلّ على ذلك بكتابات أدب الرحلات واليوميات والسيرة الذاتيّة القائمة على التنقّل والتحوّل في الأمكنة.ولنا في ادبنا العربي امثلة كثيرة. إنّنا نعدّه مبحثا غضّا يمكن أن يستثمر في درس النّصوص التي يقرؤها تلاميذنا بأدوات جديدة كلّ الجدّة من مظاهر الإضافة والتّجديد فيها ضبط "أوجه العلاقة بين فضائية الذّات قاصّة أو شخصيّة قصصية أو روائية أو شعريّة متخيّلة وبين الفضاء الجغرافي كما يقدمه ويدرسه علم الجغرافيا والبلدان فالأدب يعمل على تجسيد الأمكنة وإعطائها ابعادا "مشخصنة" قد لا تصل إلى إظهارها النزعة العلمية في تناول ظاهرة المكان طبيعيا أكان ام بشريا.
للأدب تلك القدرة السحريّة على مدّ التّخوم وتعويم الحدود وخلخلتها وإحداث التداخل والتباعد والتماهي والتوازي الذي يفلح في جعل الأمكنة حيّة نابضة بالحياة ناطقة بالرموز والتعبيرات، قابلة لضروب غير متناهية من القراءات لا تحصر دلالة الأقاليم والبقاع في مساحة ومحيط و"ديموغرافيا" وتقسيمات مجالية معدودة، وإنّما يهبها القدرة الإنشائية على أن تروغ المقاربة الطبوغرافية الفجّة وأن تراوغ الاحكام والأرقام ليبقى للأدب جغرافيته الخاصّة التي لا تدرك إلاّ من داخله ومما نتوارثه من سنن القول والتعبير والتخييل. للأدب ذلك الانغماس "الماورائي" في حجب اللغة التي تغلف الأمكنة وتحجبها لتوقع وهم تخييلها وتصويرها داخل بقع منغلقة على ذاتها (إحاليا بما هي ضروب "الخطاب الثخن"(discours opaque) مرجعه في ذاته لا خارجه (هو من تصميم ذاكرة أدبية قادرة في كل وقت على امتصاص حدود الأمكن وتحويلها وطمس معالمها وتبديلها نستحضر هنا "تأملات موريس بلنشو"Maurice Blanchot))
ولا يمكننا التغافل عن شعرية المكان الأدبي "فينومنولوجيا" الصورة الأدبية وجمالية الفضاء المخيّل عند غاستون بشلار (Gaston Bachelard) رائد "الفينومنولوجيا الشعرية" في مؤلّفه الشّهير "شعرية الفضاء"(la poétique de l’espace) في مكانية وعينا ألفة لما ترسّب في أعماق وعينا عن فضاءاتنا المأنوسة وتساميا عن "الأمكنة الشقيّة" في اتّجاه الأمكنة التي نحبّ .فوعينا بالأمكنة ليس وعي تصعيد وتنفيس (على عكس ما يذهب إليه التحليل النفسي) وإنما هو وعي "ظاهرتي" قوامه فكرة التسامي وهي روح الّشعر وهو أيضا الصورة التي ننشئها عن "الأمكنة الآهلة"("حجرة الروح") ورمزها "البيت"وهو "مقابل القبو" (اللاوعي) فـ"بيوتنا تعيش معنا طيلة الحياة" كما يقول بشلار
يكذّب بشلار ما قد نعتقده ونظنّه عن الصّورة الأدبيّة كونها مقذوفة أعماق أو صدى لترسّبات قابعة في مخيالنا ولا وعينا واستدعاء لماض سحيق أو نائم في الذّاكرة،فهو ينفي مبدأ "السببيّة" عن الصورة الشعريّة معتبرا أنّها ليست نتيجة وعينا زمانيا أو مكانيا محدّدا، وإنّما هي من ينتج هذا الوعي الزماني والمكاني على نحو مّا أشبه ما يكون بالظهور المفاجئ على سطح النّفس هو عبارة عن "انبثاق من اللغة وباللغة" .
يرى بشلار في الصّورة حضورا مميّزا للذات المبدعة التي تتقمص الصّورة أحوالها فتحترف "التأمّل الشارد" و"الحلم الشعريّ" وبنفس القيمة تستثمرالصورة أيضا تجليّات القارئ باعتباره مسهما في إنتاج وعينا "الفينومنولوجي" بشعريتها المكتنزة غير القابلة للاختزال والانحسار في ترسيمات موحّدة متشابهة تنمذج صور العالم المعيش أو المتخيّل داخل أنساق مضبوطة أو ثني أطر محدودة منظمة فللصورة "أنطولوجيتها المباشرة" وفوضاها الحدسية ورنينها(Retentissement) الواهب للأصداءغير المنقطعة المغمّدة في تضاعيف النّفس ورؤى الروح
ينفي بشلار عن الصورة شيئيتها وظاهريتها الانعكاسية المباشرة ويرى لها انطباعية مخصوصة موغلة في الذّاتية، هناك عدة مرايا تتمازج ظلالها على صفحة الذّاكرة الأدبيّة والإبداعية لتنتج الصّور وترتسم عليها ملامح الأمكنة. وهي مسألة على غاية من الرّهافة والغموض ليس من الهيّن اختزالها أو انحسارها داخل مشهد واقعيّ محرّف أو متخيّل. فيجوز الحديث عندئذ عن "الوعي الحالم" للصورة فكما لا يمكننا البتّة أن نفكّ بشكل نهائيّ حاسم رموز أحلامنا ونفضّ مغالق طلاسمها ليس من الهيّن إرجاع الصورة إلى إطار مخيّل له مرجع أوحد أو قعر واحد في مجاهل الإدراك البشريّ، للصّورة هندستها المحضة التي مرجعها الذّات لا الموضوع.
"بهذا المعنى يمكن لقصيدة شعرية أو قصة محكية أن تدلّ على العالم بما يكفي من العمق الذي يوازي مؤلّفا في الفلسفة"
وكذلك درسنا صنافة الأنماط النصيّة ومنظومة الأجناس شعرية ونثرية:
أفليس السّرد انقضاء لمتتالية حدثية يتحيّزها فضاء قصصي مواكب لتلك البنية المتنامية فهو الرقعة التي عليها تدور تلك الأحداث لتسهم في تشكيل معالم القصة ومتخيّلها (la diégèse) وقد تعاملت معه الدّراسات السردية بصفته مقوما أساسيا وركنا ركينا فيها لا وجود لقصّ دونه شأنه في ذلك شأن الزمان وهو ما سمّي في جميع الأجناس القصصية بـ"الإطار الزماني المكاني"(le cadre spatio- temporel)
والوصف ليس بعيدا عن ذلك لكنه بطبعه الانفساحي الانتشاري ينتظم بقعته التصويرية بنظام لوحة أو ومدونة أو قائمة يعدّ الفضاء الموصوف أهمّ ركائزها لممارسة كل تقنيات الطيّ والنشر والتخصيص والتعليق وإعادة الصوغ، وكذلك الحوار يتطلب مواجهة كلامية في فضاء متقارب أو متباعد فإن تباعد كان ترسلا وتراسلا والحجاج قول ملقى داخل مقام يحول فضاء إقناع أو حمل على الاقتناع بصدق قضية ما.
لا يمكن درس الأدب ونقده بمعزل عن فكرة المكان ،كل قراءة أدبيّة لأثر من الآثار تحتاج إلى جغرافية مّا ،وحديثنا عن الجغرافيا امر مفروض لأنها تعدّ المصطلح الابسط والأكثر شمولية وشيوعا عن علم المكان ،فكثيرا ما يوسم أي مبحث متّصل بالمكان بكونه جغرافيا حتى وإن لم يكن طبيعيّا ،كلّ الأمكنة تشي بمدى انتشار المشغل الجغرافي مبحثا عميقا يخترق عدّة مجالات علمية وأدبية، سواء اعترفنا بذلك أم تغاضينا عن الأمر لاسيّما في الطروح الشكلانية الخائبة التي لا تزال تجترها مقارباتنا وبرامجنا وهي تطلب بإلحاح محاولات جادّة للتجديد (يكفي أن نستدلّ على هذا بشبه انعدام ذكر لفظ "مكان في سفر برامج المرحلة الثانوية المعمول بها حاليّا فقد ورد 3 مرات دون سواها ، لم تتجاوز مصطلحي "البناء" و"الإطار)وهو دليل ينضاف ليؤكّد قصور الرؤية التعليمية المتّبعة حاليا عن إدراك أوساع المكان الأدبي موضوعة نقدية تستحقّ أكثر من مدخل وجهاز نظريّ يثري محصلات الشروح النصيّ ويبني المعرفة الأدبيّة على ركائز مفهومية وموسوعية أكثر ثراء ومرونة وعمقا يحتاجها جميع المتعلمين عند منافذة النصّ الأدبي شعرا أم نثرا قديما أم حديثا.
فما قيمة القصائد الشعرية القديمة دون طلول؟ ثم أليس الشعر استعارة مكانية عن "بيت الشّعر؟
الم يكن الشعر ولا يزال إنشادا دائما على صروح الأمكنة يكلّم الديار ويتكلّم عنها فيبصرها ويتبصّر بها، بنظرة تلتقي مع رؤى غيرها وتسعى في ذات الوقت إلى تبديلها واستبدالها؟ كلّ ذلك يجعل من الشعر فضاء متحولا بالسماع وبالتخييل يردّد قوله وترجيعه إلى مالا نهاية ،ويراهن على كونه سيظل دائما موسوما بإيقاعيّة مّا عمودية أم حرّة ،هي فضاؤه الموزون المقفّى ومعماره المشكّل أبيات أو أسطرا، الموزع إلى بياض وسواد وفراغ وامتلاء ومواضع وقف واسترسال تلك هي الهندسة الشعرية التي لا يمكن أن تفقد أبدا صبغتها المكانية مسموعة ومخيّلة.
فإذا ما استحضرنا الطالع الشهير للشاعر الجاهليّ عنترة بن شدّاد :
هل غادر الشّعراء من متردّم؟ أم هل عرفت الدّار بعد توهّم؟
اليس طالعا في تأبيد دلالية الشعر جنسا مكانيا يقاوم آفة النّسيان بالذكرى والوقوف على أطلال المعنى فضاء لا ينتهي مهما تجاذبته الأساليب والرؤى؟
حتّى أن تجارب التحديث والحداثة لم تتعدّ كونها محاولات مضنية في خلخلة رسوم شعرية تمرّدت بأشكال مختلفة على رسوم أوزانها وقيود ألفاظها وربقة معانيها لتجدّد إهاب معمارها في كلّ مرّة .
لا يدرك الشعر دون ان نتعامل معه بصفته جدلية هدم وبناء تجربة تبرهن على وجودها اللغوي الفريد داخل معمارها ، لا وجود للشعر خارج فكرة المعمار، وهو جنس لايفتأ يتصارع مع ضديده النثري على حيازة المزيد من الرقع والبقع مجازا وتخييلا ليستعير منه في ذات الوقت قدرته على مجاوزة السنن دون فقد مساحته الشعرية ليتلاشى ويندثر.
وما معنى درس حكاية أو نادرة أو مقامة دون ولوج عوالم أمكنتها ومحاولة استنطاق دلالتها من خارجها المرجعي ومن داخلها الحكائي نفسه مسيّجا بالإخبار؟
والرواية أليست "جنسا مكانيا"أكثر من كلّ الأجناس فهي وليدة رحم الأمكنة و "ما من جنس أدبي أثبت وجوده عبر نظام أمكنته ورسم حدود مخيّله مثلها،إنّها قادرة على أن تمنح قارئها خارطة أمكنتها ليتتبع المسلك الأوضح إلى إدراك العالم الروائيّ محسوسا ويستحيل فضاء ماديا فوقه ينتشر الحدث ويتنامى ويتعقّد ويمتدّ" إذ من خصائص المكان الروائي "الشهادة" أي هو العنصر الشاهد أكثر من غيره على تسجيل الأحداث وتوثيق الوقائع والإيهام بمصداقيتها التي ترتقي إلى مستوى التجربة المكانية المتكاملة تجرى داخلها شبكة من العلاقات والشخصيات المتصارعة على رقعة مكانية مّا. تعتبر "كريستين لاهاي" (Christiane Lahaie) المكان في الرواية"مؤشّر هويّة"(Un indicateur d’identité) أي أنّ الرّواية تعرف بمكانيتها وأمكنتها قبيل أي شيء آخر. وهذا ما نجده أيضا عند "باجو"(D .H .Pageaux) الذي يرى في المكانية "(la spatialité) ترميزا يسكن الثقافة واللغة الأدبية سكنى غير جامدة ولا ثابتة لأنها تاريخية تواكب تجارب عاشها الإنسان داخل فضائه عبر تحيز جسده تلك الأمكنة والعلاقات التي انخرط فيها من خلال المكان تنقل بواسطة ذكر الأمكنة في الأدب عن طريق اللغة "
فالذروة صعود على ربوة مكان سردي خفيّ غامض والسقطة مهوى أشد غموضا نستشعر من خلاله الكارثة والتدهور وتعقيد الحبكة بتوالد المشاريع داخل قصة واحدة يتطلّب ضرورة تعدّدا في فضاءات الحكي الروائي واستقطابات مضادّة أو متفرّعة، والتضمين والاستطراد مجاوزة للمكان الواحد في القص وإحلال لأحيزة متشابكة تجعل المبنى الحكائي شبيه علبة أو درج خزانة (la structure emboitée)
المكان الروائي هو أيضا استعاري مموه على قدر تسجيليته وما يخفيه أكثر ممّا يشفّ عنه من فضاءات إحالة مرجعية وهو فريد على قدر تشابهه الحكائي القائم على عنصر "المحاكاة" وماسك بناصية غيره عبر تناصيته المنجبة.
ومن ثمة ، تتنوع الأمكنة في الرواية بتنوّع الوظائف التي تنهض بها في بناء معالم الحكي المطوّل والتصرّف فيه نسقا وإيقاعا ووجهات نظر ومشاهد وصفية وقولية كما يتلون بتلاوين التسجيل والتخييل والتعليم فالأمكنة تاريخية وواقعية ورمزية ونفسية وهناك حتى الأمكنة الشعرية حينما تحاكي الرواية الشعروتقفو خطواته الراقصة فلا تمضي إلى الأمام بل تدور على اعقابها وتشكل لوحات نغمية تنبش الذّاكرة الإيقاعية للأدب وتدك الحواجز بين منظومه ومنثوره لتتغلف بالمجاز وتكفّ عن المصارحة والإعلام لتنخرط في لعبة المداهمة والمعاتمة والتبعيد.نجد هذا خاصة في الكتابات الروائية الجديدة التي طلّقت المنحى التقليدي في إيراد المعنى المكاني في القصّ،كما يحضر المكان برؤى متباينة شمولية ثلاثية الابعاد أو متجزئة أو متداعية أو متشظية متناثرة كما يكون له سطح وعمق ومنها الأمكنة "السريالية" والأمكنة شبيهة الحلم (رواية الشحاذ أنموذجا) وهناك المكان المشاد في الخلاء المطلق الخرافي العجيب ومكان الحدث ومكان الشخصية..
ولا تختلف الأقصوصة عن هذا المنحى لتشكل أمكنتها داخل بنيتها العضوية وتجعل المكان يترصّد لحظة الانقلاب لينحت فيها مجرى انقلابيا أو يحدث الحبسة الانفجارية أو الدفق المتدفّق في أوصال الكشف والتنويرأو الفضاء المتعاود المخاتل الخلاسي كالأخيلة ،كأضغاث الأحلام كالهلوسة فهو المكان الذي يهذي ويتنفس ويمتد في المساحات الغفل المسكوت عنها أو غير المسماة، ويسمح بذلك لهذا الجنس الآسر بأن يحافظ على اكتماله رغم الإيجاز والقصر.
والمسرحيات في تنويعاتها الكلاسيكية والحديثة بتجريبها وتغريبها ما هي إلاّ فن يصطنع الفرجة عبر تنويع مشهدية المكان ويعيد تشكيل مكونات فضائه الركحي (l’espace scénique)بمؤشرات وممسرحات لا تخلو من آثار مكانية لا يمكن أن يقفز عليها الدّرس الادبيّ ولا أن يغضّ البصر عن فرجاتها وفجواتها التي منها ينبجس ما يعرف بـ"الحركة المسرحية"
كلّ نصّ مسرحيّ هو معدّ للإخراج مبذول للأداء برؤية مكانية هي عبارة عن "موضعة مشهدية"la mise en scène) هي أيضا مواضعة مكانية بين المخرج والمتفرّج وكاتب النصّ حول جغرافية الفرجة وطقسيتها المحسوبة حركيّا على الرّكح.والفضاءات في فنّ المسرح أنواع:
- الفضاء الدرامي وهو فضاء التخييل الفرجوي فضاء غائب في نصّ المسرحية حاضر في نصّ المتلقيّ(l’espace dramatique)
- الفضاء الركحي وهو فضاء المشاهدة والفرجة(l’espace scénique)
- الفضاء "السينوغرافي"(l’espace scénographique) وهو الامتداد القائم بين الفضاء الركحي والفضاء المسرحي
- الفضاء الحركي : وهو الفضاء الذي يشغله المؤدي وفق المحدد في دوره(l’espace gestuel)
- الفضاء النصي: يقصد بها فضاء الكتابة الدراماتورجية وكيفية تقسيم المبنى المسرحي في نصّه(l’espace textuel)
- الفضاء الداخلي أو كواليس المسرحية(l’espace intérieur)
عمل ورشي:
- ادرس نماذج من المدونة الأدبية المقترحة للقراءة في برنامج الثانوي من مدخل تعليمية المكان فضاء أدبيا مسهما في تشكيل دلالات المبنى والمعنى
- فكك عناصر المكانية الشعرية في محور من محاور الشعر العربي من برنامج الثانية او الثالثة او الرابعة آدابا وانتهج لها نهجا استقرائيا يصل بتلاميذك إلى نتائج جديدة
- ما قيمة المكانية الأدبية في تشكيل القص الخرافي من الحكاية المثلية؟
- ابرز قيمة المكان في جغرافية الشعر الوطني
- أي دور للأمكنة في محوري النادرة، المقامة؟
- هل يسهم تغيير مبنى الفضاء الشعري في نحت تجربة التجديد الشعري في القرنين الثاني والثالث للهجرة؟
- ادرس الكون الرومنطيقي انطلاقا من مدخل المكان الأدبي؟
- ما دور المكانية في رسم الصورة الحربية للشعر الحماسي؟
- هل بالإمكان وضع خطاطة واضحة لخارطة الأمكنة في رسالة الغفران؟
- ما دلالات المكان في رواية "خان الخليلي"؟ ما خصائص المكان في الوجود الروائي للشحاذ؟
- بيّن الفرجوية الدرامية في نماذج من النص المسرحي المدرّس في برنامج الثانوي (بيغماليون" / "شهرزاد" لتوفيق الحكيم"؟
سلوى العباسي