• منتدى تونس التّربوي

    ميادين الإبداع

محور التّجديد في الشّعر العربي تحليل قصيدة لأبي نواس.

Sweety Girl

عضو
منتدى تونس التّربوي
المشاركات
73
الدّولة
Tunisie
الولاية
Tataouine
م. الدّراسي
ثانوي
الاختصاص
Science expérimentale 3
المهنة
élève
تحليل نصّ أدبيّ
قال أبو نواس، الحسن بن هانئ:
شجاني (1) وأبلاني تذكر مـــــن أهوى وألبسني ثوبا من الضـــــــرّ والبلــوى
يدل على ما في الضمير مـــــــــن الفتى تقلب عينيه إلى شخص مــــن يهـــوى
وما كل من يهوى هوى هـــــــو صادق أخو الحب نضو(2) لا يموت ولا يحيا
خطبنا إلى الدهقان(3) بعـــــــض بناته فزوجنا منهن فـــي خدره(4) الكبــرى
رحيقا أبوها الماء والكرم أمـــــــــــــّها وحاضنها حــــــــر الهجير إذا يعـــمى
عقارا كأن البرق فــــــــــــــــي لمعانها تجلى لأبصار فكادت به تعــــــــــــمى
إذا ما علاها الماء خلت حبابـــــــــــــها تفاريق در فــــــــــــــي جوانب شـتى
فتزداد عند المزج طيبا كأنــــــــــــــّها إشارة مــــن تـهوى إلى كل ما تهــوى
وبينا نراها في الندامى أسيـــــــــــــرة إذ اندفعت فيـــهم فصاروا لها أســـرى
أميتت بلذات الكؤوس نفوســــــــــــهم فأنفســـــــــهم أحيا وأجسادهم مــــوتى
أديرا علــــــــيّ الكأس تنكشف البلوى وتلتـــــــــــذّ عيني طيب رائحـة الـدنيا
أبو نواس: الديوان،صص:29ـ30

كثيرا ما اتّخذ الشّاعر الجاهليّ الخمرة رمزا للفروسيّة والثّراء والنّسب الشّريف، أو وسيلة لنسيان شوقه إلى الحبيبة المتمنّعة. غير أنّ أبا نواس جعل منها في قصائده غرضا شعريّا مستقلا بذاته، ومعشوقة محببة إلى نفسه.
من ذلك قصيدته هذه التي نظمت على الطّويل بحرا، والألف الليّنة رويّا، وهي من خمريّاته، اقتطفت من ديوانه، وتقع تحديدا فيما بين الصّفحتين التّاسعة والعشرين والثّلاثين. وأبو نواس الحسن بن هانئ هو من شعراء التّجديد في القرن الثّاني للهجرة، تميّز ـ ليس بشهادة محبّيه فحسب، وإنّما بشهادة نقّاده وخصومه ـ حتى أنّ الجاحظ قال فيه: إنّ شعره يدخل القلب من غير إذن. وإن دلّ ذلك على شيء، فهو حتما يدل على إبداعه وتفوّقه. ويبدو أبو نواس في هذه القصيدة متغنّيا بالخمرة واصفا عالمها متّخذا إيّاها مذهبا له.
 ما الأساليب والصّور الشّعريّة التي توسّلها الشّاعر في وصف الخمرة وأثرها في النّدامى؟
 ما خصائص الإيقاع في القصيدة؟
 ما مظاهر التّجديد فيها؟
إنّ الدارس لهذه القصيدة بإمكانه أن يرجعها إلى مقطعين، اعتمادا على المعاجم الحاضرة فيها. المقطع الأوّل يمتدّ على الأبيات الثّلاثة الأولى وهو قائم على معجم غزليّ من خلاله صوّر الشّاعر حاله النّفسيّة المتأزّمة. أمّا المقطع الثّاني فقد حكم بقيّة القصيدة، ويحضر فيه معجم خمريّ وكان بمثابة مسرح فيه تغنّى الشّاعر بالخمرة وتغزّل بها.
كان المقطع الأوّل تمهيدا للمقطع الثّاني، وكان المقطع الثاني بمثابة تجاوز للمقطع الأوّل، حتّى لكأنّنا أمام محاورة بين الذات والنّموذج. وبذلك يخطر بأذهاننا التّساؤل عمّا ستفضي إليه هذه المحاورة؟
لعلّ أوّل ما يشدّ انتباه القارئ في الشّعر هو الإيقاع لكونه يقرع الأسماع ويترك أثرا في النّفس قبل أن يفصح النّصّ عن معانيه. هذا بالإضافة إلى أنّه يمنح القصيدة الشّهرة والخلود، وهو ما يجعلنا متشوّقين لاكتشاف ما انطوت عليه قصيدتنا من فنّ في هذا الجانب.
فأمّا من حيث الإيقاع الخارجيّ فقد نظمت هذه القصيدة على بحر الطّويل وهو من البحور المحبّذة لدى الأوائل، ومن أهمّ خصائصه أنّه يتّسم بطول النّفس. كما أنّ القافية كانت قائمة على مقطعين طويلين، والقصيدة يحكمها رويّ موحّد ألا وهو الألف المقصورة، كلّ ذلك يؤكّد أنّ أبا نواس لم يترك أيّة لمسة تحديثيّة فيما يتعلّق بالإيقاع الخارجيّ بل كان متّبعا أبدا. وأمّا من حيث الإيقاع الدّاخليّ فهو قائم على عدّة مستويات. ففي مستوى التّركيب تواترت في القصيدة المركّبات النّعتيّة من جهة ـ وذلك متّصل بالوصف ـ والمركّبات الإسناديّة الفعليّة من جهة أخرى، صوّر من خلالها الشّاعر ما في عالم الخمرة من حركة وحياة. ولذلك فإنّ أهمّ ما يستوقف القارئ في المستوى الصّرفيّ الأفعال التي صرّفت في الأبيات العشرة الأولى في الماضي الدّالّ على الانقضاء، في حين أنّها اقترنت في البيت الأخير بالاستقبال من خلال الأمر والمضارع المجزوم. كلّ ذلك يوحي لنا بأننا أمام حركتين متزامنتين: انغلاق لعالم، وانفتاح لعالم آخر. إلا أنّ أهمّ الجوانب التي تعكس اقتدار الشّاعر يتمثّل في المستوى البديعيّ، وقد وردت القصيدة زاخرة بأساليب متعدّدة نذكر منها على سبيل الذّكر لا الحصر الجناس غير التّامّ ( هو/ هوى )، والطّباق ( يموت/ يحيا )، والمقابلة (فأنفسهم أحيا وأجسادهم موتى ) والتّصدير في البيتين الثّامن ( تهوى/ تهوى ) والعاشر ( أميتت/ موتى ). وكذلك التّرديد وهو مقترن بالمستوى الصّوتي تعضده في ذلك أجراس الحروف ولعلّ أكثر الأصوات تواترا الميم والنّون وهما يتّصفان بالغنة المقترنة بالغنائيّة.
تجدر الإشارة ـ إذن ـ إلى أنّ إيقاع القصيدة اتّسم بقدر كبير من الثّراء والتّنوّع وإن بدا الإيقاع الخارجيّ رتيبا. الإيقاع حركة الذّات في تجربتها الشّعريّة، يعبّر عن محاورتها للنّموذج يصرّفه الشّاعر في مسالك الذات ليحتفل بالشعر احتفالا فرديا. ولعلّ الإيقاع الاحتفاليّ قد أضفى على القصيدة جماليّة خاصّة. لعلّها أن تكون هي نفسها جماليّة الصّورة التي يرسمها خيال الشّاعر لخمرته. فما الأساليب الفنّيّة التي توسّلها؟
قام المقطع الأوّل من القصيدة على أسلوب خبريّ أفاد التّحسّر ونلاحظ أنّ الشاعر هو من وقعت عليه الأفعال التي تضمّنها المطلع ( شجاني، أبلاني، ألبسني ) وهي أ فعال سلبيّة دلّت على أنّ نفس الشّاعر ثملى أحزانا. ذلك يحيلنا على شدّة شوق الشّاعر واضطرام عشقه. وهو ما يؤكّده حضور المعجم الغزليّ ( أهوى، يهوى، هوى، الحبّ... ). يدلّ المعجم الغزليّ الذي أسّس هذا المقطع على أنّ الشاعر يجاري الموروث الشّعريّ فكأننا أمام قسم النّسيب به يمهّد الشّاعر للقسم الثاني من قصيدته. إلا إنّ تعرّضه إلى مسألة الصّدق في الحب يمكن أن يفهم على أنّه موقف من الموروث يتّهم النّسيب بأنّه لا يعبّر حقيقة عمّا يعتمل في دواخل الشّاعر، وهو مبرّر لكي يتجاوزه الشّاعر إلى التّغنّي بالخمرة.
لا يختلف المقطع الثاني كثيرا عن المقطع الأوّل من حيث أسلوبه. فهو يتأسّس بدوره على أسلوب خبريّ عدا البيت الأخير من القصيدة. ويعود ذلك إلى كثافة الوصف فيه. ولا أدلّ على أنّ الشاعر يتجاوز التّغزّل بالحبيبة إلى التّغزّل بالخمرة من البيت الرّابع الذي يوهم القارئ بأنّه بصدد الحديث عن المرأة. لكن ّالمتمعّن فيه يدرك مدى تفنّن أبي نواس في وصف الخمرة، وذكائه في انتقاء الاستعارات التي يضمنها وصفه. فالفعل "خطبنا" هو طلب الخمرة" والدّهقان بائعها وتزويجها إنّما هو بيعها. هذه الاستعارات تؤكّد تعلّق أبي نواس بحبيبته خمرته. وهو إلى ذلك لا يفصح عن اسمها وكأنّما هي معنى لا تستوعبه الأسماء. ولعلّ ما يلفت الانتباه هو تنوّع أساليب الوصف، ونذكر من بينها الكناية (رحيقا، عقارا ) القائمة على حذف الموصوف وإقامة الصّفة مكانه، والتّشبيه ( كأنّ البرق في لمعانها/ خلت حبابها تفاريق درّ في جوانب شتّى )، فهذه التّشابيه تؤلّف صورة نورانيّة قائمة على المبالغة. إعلاءً لقيمة الخمرة ولمكانتها لدى الشّاعر، ولعلّ ذلك مرتبط بالأثر العجيب الذي تحدثه في شاربيها.
لقد طوّع الشّاعر اللغة ليقدّم للقارئ وصفا لأثر الخمرة في النّدامى يمكن أن نسمه "بالإصابة والذكاء وحسن التّمييز"، أداته في ذلك الاستعارة التي وردت في قوله:" أميتت بلذات الكؤوس نفوسهم" وما انطوت عليه من مبالغة تجعل الانتشاء والسكر بمثابة الموت. إلا أنّ المقابلة التي تضمّنها عجز البيت العاشر ( فأنفسهم أحيا وأجسادهم موتى )، تعلن عن أنّ هذا الموت لا يطال إلا الجسد وأنّه يعني انعتاق الرّوح وانفتاحها على حياة أخرى، أو هو خروج من سجن الواقع إلى عالم جديد ملئ لذّة وبهجة وسرورا وسعادة. هذا العالم يستهوي الشاعر فيوظّف الإنشاء وتحديدا الأمر مخاطبا الساقيين، والتّركيب الشّرطيّ ليعلن عن تجاوزه للأحزان والأشواق، للحال النّفسيّة التي بدا عليها في الاستهلال (تنكشف البلوى )، وليعلن كذلك عن تعلّقه بهذا العالم الجديد، عالم الخمرة الذي فيه يستطعم طيب رائحة الدّنيا، ليعلن عن مذهبه في الحياة والشّعر.
خلاصة القول، إنّ قصيدتنا جمعت بين معجمين معجم غزليّ ومعجم خمريّ وكأنّنا إزاء تأسيس لعلاقة وجدانيّة بين الشّاعر والخمرة. جسّد المعجم الغزليّ استهلالا ألفناه لدى الشّعراء الأوائل. وجسّد المعجم الخمريّ تغنّي الشّاعر بالخمرة الذي زخر بصور شعريّة عديدة اضطلعت بوظيفة الإيحاء والتّخييل ووسّعت الأفق الشّعريّ للقصيدة. هذه الصّور كانت بمثابة المسرب الذي وصل بالشاعر إلى إعلان الخمرة مذهبا في الشّعر ومذهبا في الحياة، كاسرا قيود الموروث الشّعريّ وأغراضه، وقيود الأشجان التي تكبّله متجاوزا الحال النّفسيّة التي بدا عليها في الاستهلال إلى عالم الخمرة البهيج. وهو ما انعكس على الإيقاع وجعل القصيدة وكأنّها احتفال بالخمرة وعالمها. ولا تفوتنا الإشارة إلى لغة الشّاعر، وإلى ما تميّزت به من سلاسة ورقّة وقرب مأخذ، وشّحت القصيدة، فإذا هي زاخرة بمواطن عديدة للتّجديد والطّرافة.
تقوم هذه الخمريّة شاهدا ـ دون أن تكون الشّاهد الوحيد ـ على تميّز أبي نواس في تجربته الشّعريّة، خاصّة في فهمه العميق للحياة الإنسانيّة، وفي تصوّره لوظيفة الفنّ. فهو قد أقام خمرياته على الخروج على الموروث الشّعري وعلى التّغنّي بالحياة مأخوذا بروحها، مفتتنا بلذّاتها. ولعلّ هذا ما أكسبه الخلود في ذاكرة الشّعر. ولكنّ ذاكرة الشّعر ستذكر لنا نموذجا آخر فهم الحياة فهما مغايرا، هو أبو العتاهية شاعر الزّهد.
فما خصائص تصوّر أبي العتاهية للحياة ولطرائق الفنّ؟


آملا أن تتحقق لكم الفائدة وعلى الله التكلان