• منتدى تونس التّربوي

    ميادين الإبداع

القصة القصيرة جدا بين الانغلاق و الانفتاح

  • بادئ الموضوع بادئ الموضوع salma
  • تاريخ البدء تاريخ البدء

salma

نجم المنتدى
منتدى تونس التّربوي
المشاركات
1,068
الدّولة
تونس
الولاية
نابل
م. الدّراسي
جامعي
الاختصاص
علوم
المهنة
طالبة: عربية

القصة القصيرة جدا
بين الانغلاق و الانفتاح


إن القصة القصيرة جدا عمل أدبي مختزل ومكثف، يعتمد تقنية الإقلال اللغوي المفضي إلى تشظي المعاني،عندما تقرأ نماذج منها تشعر بأنها قصيرة جدا لكنها غنية جدا،تشعر المتلقي بومضة ليست مضيئة وإنما خاطفة،تستفزه أكثر مما تضئ له المحيط الخارجي،تثير فضوله بطريقتها الملغزة،وما تنتجه القصة القصيرة جدا في ذهن المتلقي يعتمد على حساسية وقتية معينة لا نستطيع القول إن كانت قد تملكتنا أو أثارتنا.
وهي بذلك تكون مثيرة للاختلاف تحيل إلى مرجعيات كثيرة هي"المكتوب من قبل"أي أنها نصا مفتوحا على كثير من القراءات وتشجع على إنتاج المعاني و توليد الدلالات.
فعندما تكون القصة القصيرة جدا نصا مفتوحا ,,,,,,ible يكتب لكي يعيد القارئ كتابته أو إنتاجه، لأنها تحول المتلقي إلى منتج إيجابي عوض أن يكون مستهلكا سلبيا.

وهناك عوامل متعددة تساعد على توليد المعاني في القصة القصيرة جدا من بينها عملية التناص وما يولده في ذهن المتلقي من تداعيات،فالنص القصصي القصير جدا ليس بنية مغلقة وإنما هو بنية مفتوحة دوما على نصوص أخرى تتقاطع معها شكلا ومضمونا،مما يساعد على قراءتها قراءات متعددة لأنها تحتمل نهايات يقترحها المتلقي.
فالقصة القصيرة جدا بشكلها المختزل و المضمر تسترجع الزمن المستعاد المفقود الذي يملك قوة استعادة الأحداث المشتركة و المضمرة بين الملقي و المتلقين،الأحداث الماضية التي اختزنت في اللاشعور وتراكمت فأصبحت مصدرا وموردا للملقي في إنتاج القصة القصيرة جدا.
وفي الشعور الباطني أو اللاشعور يتجاور الملقي و المتلقي وتتداخل الأزمنة والأمكنة حيث يدخل المكان خلسة في الزمن من أجل توحيد حالاتنا الشعورية مما يساعد على صراع الشخصيات المؤدية للأدوار.
وفي فضاء القصة القصيرة جدا يبرز المعنى ويختفي مع حالات المتلقي الشعورية و اللاشعورية،تثير فيه ما مضى من الزمن وما عرفه من أحداث متجانسة وأخرى غير متجانسة تمكنه من الاقتراب من حالة العالم الخارجي،فلا توجد معرفة بدون مسبقات تثري ذهن المتلقي،فأنواع الفهم تفترض سلفا إدراكا قبليا،لأن المفاهيم المسبقة تتحكم في معارفنا وتساعد على تحريكها وتجديدها أثناء عملية القراءة.
فالأعوام في القصة القصيرة جدا تختزل وتصبح يوما واحدا،بل لحظة حاسمة في حياة الشخصيات التي تحرك الأحداث بالرغم من تكثيفها،وهذه اللحظة تعطي للعمل القصصي صفة الديمومة عندما تحرك متخيل المتلقي وتستدرجه لاستعادة كل الأعوام السابقة.
و اللحظة في القصة القصيرة جدا هي التي تجعلنا نشعر بحقيقة الزمن الماضي و الحاضر و المستقبل،وهي التي يمكن تسميتها باللحظة الأبدية التي تفجر مضمرات ومخزونات كل من الملقي و المتلقي.
وهكذا تكون القصة القصيرة جدا نصا مفتوحا قابلا للتلقي و التأويل بل أحيانا يصل إلى مرحلة الإنتاج وتوليد المعاني و الدلالات.
وانفتاح القصة القصيرة جدا راجع إلى تواجد عناصر القص وهي الملقي-المتلقي- القصة،ففكرة موت المؤلف في الدراسات البنيوية ل نقصد بها الموت الفيزيونومي وإنما نقصد بها الموت الفاعلي،الموت النحوي ،فالقاص يبقى حيا يحرك شخصياته يعيش فيها وينمو ويتحرك بها/معها يتحرك من الشخصية الفاعلة إلى الشخصية العاملة التي تقدم أدوارها في فضاء القصة القصيرة جدا،فعندما نسقط عنصرا من هذه العناصر الثلاثة يقع النص القصصي القصير جدا في فخ الانغلاق.
والقصة القصيرة جدا لا تمنح نفسها للمتلقي دفعة واحدة وإنما تنفتح أمامه بالتدريج وفي كل مرة يشعر المتلقي وكأنه يقرؤها للمرة الأولى.
كما أن القراءة تتعدد بتعدد القراءات وتتحول من القراءة الفردية إلى القراءة الجماعية،ونقصد بالقراءة الجماعية قراءات متعددة لقارئ واحد أو قراءة لجماعة من القراء.
فالقارئ الواحد الذي يقرأ النص عدة قراءات يتوصل إلى معاني ودلالات مختلفة،كما أن جماعة من القراء تصل إلى قناعات ودلالات متعددة ومختلفة.
غير أن القصة القصيرة جدا تصبح مغلقة إذا لم تجد المتلقي المناسب و المؤهل لفتح مغاليقه،وتقع في فخ الانغلاق عندما تقرأ في جانبها السانكروني أي عندما يفهم النص من الداخل دون ربطه بعالمه الخارجي الذي يساعد على تعدد المعنى.

تصبح نصا مغلقا تكتب من أجل القراءة فقط lisible،نصا لا يساعد على إنتاج المعنى،نص قصصي محنط يعتمد فيه صاحبه على البهرجة اللغوية أكثر من الاعتماد على اللغة الدلالية و التداولية.ففي قصة بحث القاص جمعة الفاخري
(ـ كَم هُوَ رَائِعٌ هَذَا الْقَمَرُ .. إَنَّهُ مُسْتَدِيْرٌ وَلامِعٌ مِثْلُ دِرْهَمٍ ..!!
لَمْ يَعْجِبْهُ تَشْبِيْهُهَا .. نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ ثُمَّ قَالَ : إِنَّهُ رَائِعٌ ، مُسْتَدِيْرٌ وَمُغْرٍ كَرَغِيْفِ خُبْزٍ ..!!
لَمْ يُعْجِبْهَا تَشْبِيْهُهُ .. !
افْتَرَقَا .. مَضَى كُلُّ يَبْحَثُ عَمَّا يَشْغَلُهُ ..!؟) رفيف أسئلة أخرى
يشعر المتلقي بانغلاق القصة وعتمتها،لكن في عتمة الظلام تشتغل الأذن الثالثة التي هي حاسة الإصغاء لنبضات الكلمات التي تفهم النص القصصي في سياقه وفي محيطه النفسي و الاجتماعي.
فالقصة هنا تحتاج إلى متلق حذق يفهم ما وراء الكلمات يخضع النص لعملية التأويل التي تفتح مغاليق النص وتكشف غموضه،وعند كشف الغموض تظهر متعة النص،فالقارئ إما أن ينزل بحر القصة القصيرة جدا ويكشف الحياة من جديد أو يكتفي بالفرجة عليها من بعيد ويصف الحدود والأبعاد.
فهي لا تملك الفرصة للثرثرة و الإفصاح وتقديم إجابات،لأنها لو ثرثرت وقدمت إجابات لما أصبحت قصة قصيرة جدا،إنها تشبه الشعر الذي يصنع بالمجاز و الاستعارة صورا فنية خاصة تحتوي العالم وتختزله،كما تشبه المسرحية التي تعتمد التركيز و التكثيف و التوتر و الصراع لعزل لقطة واحدة مغلقة من الواقع.

محمد يوب
أديب وناقد من المغرب

 
  • التفاعل
التفاعلات: آلاء حسني
114074.imgcache.gif