- المشاركات
- 122
- الدّولة
- تونس
- الولاية
- نابل
- م. الدّراسي
- جامعي
- الاختصاص
- شعبة الآداب
- المهنة
- أستاذ اللّغة العربيّة
بسم الله الرحمن الرحيم
أبو بكر الصّدّيق رضي الله عنه
اسمه: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤي القرشيّ التّيميّ.
كنيته : أبو بكر
لقبه : عتيق والصِّدِّيق. قيل لُقّب بـ " عتيق " لأنه كان جميلا أو لعتاقة وجهه أو لقدمه في الخير. وقيل: كانت أمّ أبي بكر لا يعيش لها ولد، فلمّا ولدته استقبلت به البيت فقالت:" اللّهمّ إنّ هذا عتيقك من الموت، فهبه لي."
ولُقّب بـ " الصِّدِّيق " لأنّه أوّل من صدّق النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من الرّجال وآمن به، بل بالغ في تصديقه كما في صبيحة الإسراء حين كذّبه أشرافُ قريش. وقد قيل له:" إنّ صاحبك يزعم أنّه أُسري به، فقال:" إن كان قال فقد صدق!"
وقد سمّاه الله صِدّيقا فقال سبحانه:" وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ."
جاء في تفسيرها: الّذي جاء بالصّدق هو النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم والّذي صدّق به هو أبو بكر رضي الله عنه. وسمّاه أيضا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم " الصِّدِّيق ".
روى البخاريّ عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم صعد أُحُدا مع أبي بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فقال: اثبت أُحدا، فإنّما عليك نبيّ وصِدّيق وشهيدان.
وكذلك كان أبو بكر رضي الله عنه يُسمّى " الأوّاه " لرأفته بالجميع.
مولده: ولد بعد عام الفيل بسنتين وستّة أشهر.
صفته: كان أبو بكر رضي الله عنه أبيض نحيفا، خفيف العارضَيْن، معروق الوجه، ناتئ الجبهة. وكان يخضّب بالحِنّاء والكَتَم. وكان رجلا أسيفا أي رقيق القلب رحيما.
فضائله: ما حاز الفضائل رجل كما حازها أبو بكر رضي الله عنه.
فهو أفضل هذه الأمّة بعد نبيّها صلّى الله عليه وسلّم. قال ابن عمرَ رضي الله عنهما:" كنّا نخيّر بين النّاس في زمن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فنخيّر أبا بكر ثمّ عمر بن الخطّاب ثمّ عثمان بن عفّان رضي الله عنهم. رواه البخاريّ.
وروى البخاريّ عن أبي الدّرداء رضي الله عنه قال:" كنت جالسا عند النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه حتّى أبدى عن ركبته فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:" أمّا صاحبُكم فقد غامر." وقال:" إنّي كان بيني وبين ابن الخطّاب شيء، فأسرعت إليه ثمّ ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى عليّ. فأقبلت إليك." فقال:" يغفر الله لك يا أبا بكر - ثلاثا -." ثمّ إنّ عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل:" أ ثَـمَّ أبو بكر؟" فقالوا:" لا." فأتى إلى النّبيّ فجعل وجه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يتمعّر، حتّى أشفق أبو بكر فجثَا على ركبتيه فقال:" يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم - مرّتيْن -." فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:" إنّ الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صَدَق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي – مرتين - فما أوذي بعدها."
فقد سبق إلى الإيمان، وصحب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وصدّقه، واستمرّ معه في مكّة طول إقامته رغم ما تعرّض له من الأذى، ورافقه في الهجرة. فهو ثاني اثنين في الغار مع نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم قال سبحانه وتعالى:" ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا."
قال السّهيلي:" ألا ترى كيف قال: "لا تحزن" ولم يقل:" لا تخف"؟ لأنّ حزنه على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شغله عن خوفه على نفسه."
وفي الصّحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنّ أبا بكر الصّدّيق رضي الله عنه حدّثه قال:" نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار فقلت:" يا رسول الله لو أنّ أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه!" فقال:" يا أبا بكر ما ظنّك باثنين الله ثالثهما."
ولما أراد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يدخل الغار دخل قبله لينظر في الغار لئلاّ يُصيب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم شيء.
ولمّا سارا في طريق الهجرة كان يمشي حينا أمام النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وحينا خلفه وحينا عن يمينه وحينا عن شماله.
ولذا لمّا ذكر رجال على عهد عمر رضي الله عنه فكأنّهم فضّـلوا عمر على أبي بكر رضي الله عنهما. فبلغ ذلك عمرَ رضي الله عنه فقال:" والله لَليلةٌ من أبي بكر خيرُ من آل عمر، ولَيومٌ من أبي بكر خيرُ من آل عمر. لقد خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لينطلق إلى الغار ومعه أبو بكر. فجعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه، حتّى فطن له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال:" يا أبا بكر مالك تمشي ساعة بين يديّ وساعة خلفي؟" فقال:" يا رسول الله أذكر الطّلب فأمشي خلفك، ثمّ أذكر الرّصد فأمشي بين يديك." فقال:" يا أبا بكر لو كان شيء أحببت أن يكون بك دوني؟" قال:" نعم، والّذي بعثك بالحق ما كانت لتكون من مُلمّة إلاّ أن تكون بي دونك." فلمّا انتهيا إلى الغار قال أبو بكر:" مكانَك يا رسول الله حتّى أستبرئ الجحرة." فدخل واستبرأ، ثمّ قال:" انزل يا رسول الله." فنزل. فقال عمر:" والّذي نفسي بيده لَتلك اللّيلةُ خيرُ من آل عمرَ." رواه الحاكم والبَيْهَقيّ في دلائل النّبوّة.
ولمّا هاجر مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخذ ماله كلّه في سبيل الله.
ولا ريبَ أنّه لذلك كلّه كان الصّدّيقُ رضي الله عنه أوّل الخلفاء الراشدين.
وقد أُمِرنا أن نقتدي بهم كما في قوله عليه الصّلاة والسّلام:" عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المَهديّين من بعدي. عُضّوا عليها بالنّواجذ." رواه الإمام أحمد والتّرمذيّ وغيرهما، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه.
واستقرّ خليفةً للمسلمين دون مُنازع، ولقّبه المسلمون بـ" خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم".
وقد أمره النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو في مرضه أن يُصلّي بالنّاس. ففي الصّحيحين عن عائشةَ رضي اللّهُ عنها قالت:" لمّا مَرِضَ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مرَضَهُ الّذي ماتَ فيه أَتاهُ بلالٌ يُؤْذِنهُ بالصّلاةِ فقال:" مُرُوا أَبا بكرٍ فلْيُصَلّ." قلتُ:" إنّ أبا بكرٍ رجلٌ أَسِيفٌ [وفي رواية رجل رقيق] إن يَقُمْ مَقامَكَ يبكي فلا يقدِرُ عَلَى القِراءَةِ." قال:" مُروا أَبا بكرٍ فلْيُصلّ." فقلتُ مثلَهُ. فقال في الثّالثةِ - أَوِ الرّابعةِ -:" إِنّكنّ صَواحبُ يوسفَ! مُروا أَبا بكرٍ فلْيُصلّ." فصلّى."
ولذا قال عمر رضي الله عنه:" أفلا نرضى لدنيانا مَن رَضِيَه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لديننا؟!"
وروى البخاريّ ومسلمٌ عن عائشة رضي الله عنها قالت:" قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في مرضه:" اُدعي لي أبا بكر وأخاك حتّى أكتبَ كتابا. فإنّي أخاف أن يتمنّى متمنٍّ ويقول قائل: أنا أوْلى، ويأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر."
وكان أبو بكر ممّن يُـفتي على عهد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم. ولذا بعثه صلّى الله عليه وسلّم أميرا على الحجّ في الحجّة الّتي قبل حجّة الوداع. روى البخاريّ ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:" بعثني أبو بكر الصّدّيق في الحجّة الّتي أمّره عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل حجّة الوداع في رهط يؤذنون في النّاس يوم النّحر:" لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان."
وأبو بكر رضي الله عنه حامل راية النبي صلى الله عليه وسلم يوم تبوك .
وأنفق ماله كلّه لمّا حثّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على النّفقة. قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه:" أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن نتصدّق، فوافق ذلك مالاً فقلت:" اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما." قال:" فجئت بنصف مالي." فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:" ما أبقيت لأهلك؟" قلت:" مثله." وأتى أبو بكر بكلّ ما عنده فقال:" يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟" فقال:" أبقيت لهم الله ورسوله!" قال عمر قلت:" والله لا أسبقه إلى شيء أبدا." رواه التّرمذيّ.
ومن فضائله أنّه أحَبّ النّاس إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. قال عمرو بن العاص لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم:" أيّ النّاس أحَبّ إليك؟" قال:" عائشة." قال:" قلت:" من الرّجال؟" قال:" أبوها." رواه مسلم.
ومن فضائله رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم اتّخذه أخا له. روى البخاريّ ومسلم عن أبي سعيد الخُدريّ رضي الله عنه قال:" خطب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم النّاس وقال:" إنّ الله خيّر عبدا بين الدّنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله." قال:" فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن عبد خُيّر، فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هو المُخيَّر، وكان أبو بكر أعلمَنا. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:" إنّ مِن أمَنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متّخذاً خليلاً غير ربّي لاتّخذت أبا بكر، ولكنْ أخوّة الإسلام ومودّته. لا يبقينّ في المسجد باب إلا سُـدّ إلا باب أبي بكر."
ومن فضائله رضي الله عنه أنّ الله زكّاه. قال سبحانه وبحمده:" وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى." فهذه الآيات نزلت في أبي بكر رضي الله عنه. فهو من السّابقين الأوّلين بل هو أوّل السابقين، إذ قال سبحانه:" وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ."
وقد زكّـاه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قائلا:" مَن جرّ ثوبه خُ]َلاءَ لم ينظر الله إليه يوم القيامة." قال أبو بكر:" إنّ أحد شِقَيْ ثوبي يسترخي إلاّ أن أتعاهد ذلك منه." فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:" إنّك لست تصنع ذلك خيلاءَ." رواه البخاريّ في فضائل أبي بكر رضي الله عنه.
ومن فضائله رضي الله عنه أنّه يُدعى من أبواب الجنة كلّها. فلتسمعْ إلى مَقال رسول الله عليه الصّلاة والسّلام:" مَن أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دُعي من أبواب الجنّة. يا عبد الله هذا خير. فمَن كان مِن أهل الصّلاة دعي من باب الصّلاة. ومَن كان مِن أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد. ومَن كان مِن أهل الصّدقة دُعي من باب الصّدقة. ومَن كان مِن أهل الصّيام دُعي من باب الصّيام وباب الرّيّان." فقال أبو بكر:" ما على هذا الّذي يُدعى من تلك الأبواب من ضرورةٍ؟ فهل يُدعى منها كلّها أحدٌ يا رسول الله؟" قال:" نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر." رواه البخاريّ ومسلم .
ومن فضائله أنّه جمع خصال الخير في يوم واحد. فقد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:" قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:" مَن أصبح منكم اليوم صائما؟" قال أبو بكر رضي الله عنه:" أنا." قال:" فمَن تبع منكم اليوم جنازة؟" قال أبو بكر رضي الله عنه:" أنا." قال:" فمَن أطعم منكم اليوم مسكينا؟" قال أبو بكر رضي الله عنه:" أنا." قال:" فمَن عاد منكم اليوم مريضا؟" قال أبو بكر رضي الله عنه:" أنا." فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:" ما اجتمعنّ في امرئ إلاّ دخل الجنّة."
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
يا سَائِلي عَنْ مَذْهَبِي وعَقيدَتِي *** رُزِقَ الهُدى مَنْ لِلْهِدايةِ يَسأَلُ
اسمَعْ كَلامَ مُحَقِّقٍ في قَولِه *** لا يَنْثَني عَنهُ ولا يَتَبَدَّل
حُبُّ الصَّحابَةِ كُلُّهُمْ لي مَذْهَبٌ *** وَمَوَدَّةُ القُرْبى بِها أَتَوَسّل
وَلِكُلِّهِمْ قَدْرٌ وَفَضْلٌ ساطِعٌ *** لكِنَّما الصِّديقُ مِنْهُمْ أَفْضَل
أعماله:
من أعظم أعماله سبقه إلى الإسلام وهجرته مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، وثباته يوم موت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
ومن أعماله قبل الهجرة أنّه أعتق سبعة كلهم يُعذّب في الله، وهم بلال بن أبي رباح وعامر بن فهيرة وزنّيرة والنّهديّة وابنتها وجارية بني المؤمّل وأم عُبَيْس.
ومن أعظم أعماله الّتي قام بها بعد تولّيه الخلافة حرب المرتدّين. فقد كان رجلا رحيما رقيقا ولكنّه في هذا الموقف كان أصلب وأشدّ من عمر رضي الله عنه الّذي عُرِف بالصّلابة في الرّأي والشّدّة في ذات الله. روى البخاريّ ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:" لمّا توفّي النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم واستُخلف أبو بكر وكفر مَن كفر من العرب قال عمر:" يا أبا بكر، كيف تقاتل النّاس وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:" أمِرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا لا إله إلاّ الله، فمَن قال لا إله إلاّ الله عُصِم منّي ماله ونفسه إلاّ بحقّه وحسابه على الله؟" قال أبو بكر:" والله، لأقاتلنّ مَن فرّق بين الصّلاة والزّكاة. فإنّ الزّكاة حقّ المال. والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدّونها إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لقاتلتهم على منعها." قال عمر:" فو الله، ما هو إلاّ أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنّه الحقّ.""
لقد سُجِّل هذا الموقف الصّلب القويّ لأبي بكر رضي الله عنه حتّى قيل:" نصر الله الإسلام بأبي بكر يوم الرّدّة وبأحمد يوم الفتنة."
فحارب رضي الله عنه المرتدّين ومانعي الزّكاة، وقتل الله مُسَيْلِمةَ الكذّاب في زمانه.
ومع ذلك الموقف فإنّه أنفذ جيش أسامة الّذي كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أراد إنفاذه نحو الشّام.
وفي عهده فُتِحت فتوحات الشّام وفتوحات العراق. وفي عهده جُمع القرآن إذ أمر رضي الله عنه زيدا بن ثابت أن يجمع القرآن. وكان عارفا بالرّجال، ولِذا لم يرضَ بعزل خالد بن الوليد، وقال:" والله، لا أشيم سيفا سلّه الله على عدوّه حتّى يكون الله هو يشيمه." رواه الإمام أحمد وغيره.
وفي عهده وقعت وقعة ذي القَصّة. عزم على المسير بنفسه حتّى أخذ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بزمام راحلته وقال له:" إلى أين يا خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ أقول لك ما قال لك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم أُحد:" شِـمْ سيفَك ولا تفجعنا بنفسك. وارجع إلى المدينة، فو الله لئن فُجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدا." فرجع أبو بكر رضي الله عنه وأمضى الجيش.
وكان أبو بكر رضي الله عنه أنسب العرب أي أعرف العرب بالأنساب.
زهـده :
مات أبو بكر رضي الله عنه وما ترك درهما ولا دينارا. عن الحسن بن عليّ رضي الله عنهما قال:" لمّا احتضر أبو بكر رضي الله عنه قال:" يا عائشةُ، انظري اللّقحة الّتي كنّا نشرب من لبنها والجفنة الّتي كنا نصطبح فيها والقطيفة الّتي كنّا نلبسها فإنّا كنّا ننتفع بذلك حين كنا في أمر المسلمين. فإذا مِتّ فاردديه إلى عمرَ." فلمّا مات أبو بكر رضي الله عنه أرسلت به إلى عمر رضي الله عنه فقال عمر رضي الله عنه:" رضي الله عنك يا أبا بكر لقد أتعبت من جاء بعدك."
ورعـه:
كان أبو بكر رضي الله عنه ورعا زاهدا في الدّنيا حتّى لمّا تولّى الخلافة خرج في طلب الرّزق، فردّه عمر واتّفقوا على أن يُجروا له رزقا من بيت المال نظير ما يقوم به من أعباء الخلافة. قالت عائشة رضي الله عنها:" كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوما بشيء، فأكل منه أبو بكر. فقال له الغلام:" تدري ما هذا؟" فقال أبو بكر:" وما هو؟" قال:" كنت تكهّنت لإنسان في الجاهليّة وما أحسِن الكهانة إلا أنّي خدعته، فلقيني فأعطاني بذلك. فهذا الّذي أكلت منه." فأدخل أبو بكر يده فقاء كلّ شيء في بطنه." رواه البخاريّ.
وفاته:
توفّي في يوم الاثنين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة من الهجرة وهو ابن ثلاث وستّين سنة.
فرضي الله عنه وأرضاه وجمعنا به في دار كرامته. لا ريبَ أنّنا لم نوفِّ أبا بكر والصّحابة والتّابعين كلّهم حقوقهم. فقد أتعبوا مَن بعدهم.
أبو بكر الصّدّيق رضي الله عنه
اسمه: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤي القرشيّ التّيميّ.
كنيته : أبو بكر
لقبه : عتيق والصِّدِّيق. قيل لُقّب بـ " عتيق " لأنه كان جميلا أو لعتاقة وجهه أو لقدمه في الخير. وقيل: كانت أمّ أبي بكر لا يعيش لها ولد، فلمّا ولدته استقبلت به البيت فقالت:" اللّهمّ إنّ هذا عتيقك من الموت، فهبه لي."
ولُقّب بـ " الصِّدِّيق " لأنّه أوّل من صدّق النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من الرّجال وآمن به، بل بالغ في تصديقه كما في صبيحة الإسراء حين كذّبه أشرافُ قريش. وقد قيل له:" إنّ صاحبك يزعم أنّه أُسري به، فقال:" إن كان قال فقد صدق!"
وقد سمّاه الله صِدّيقا فقال سبحانه:" وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ."
جاء في تفسيرها: الّذي جاء بالصّدق هو النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم والّذي صدّق به هو أبو بكر رضي الله عنه. وسمّاه أيضا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم " الصِّدِّيق ".
روى البخاريّ عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم صعد أُحُدا مع أبي بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فقال: اثبت أُحدا، فإنّما عليك نبيّ وصِدّيق وشهيدان.
وكذلك كان أبو بكر رضي الله عنه يُسمّى " الأوّاه " لرأفته بالجميع.
مولده: ولد بعد عام الفيل بسنتين وستّة أشهر.
صفته: كان أبو بكر رضي الله عنه أبيض نحيفا، خفيف العارضَيْن، معروق الوجه، ناتئ الجبهة. وكان يخضّب بالحِنّاء والكَتَم. وكان رجلا أسيفا أي رقيق القلب رحيما.
فضائله: ما حاز الفضائل رجل كما حازها أبو بكر رضي الله عنه.
فهو أفضل هذه الأمّة بعد نبيّها صلّى الله عليه وسلّم. قال ابن عمرَ رضي الله عنهما:" كنّا نخيّر بين النّاس في زمن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فنخيّر أبا بكر ثمّ عمر بن الخطّاب ثمّ عثمان بن عفّان رضي الله عنهم. رواه البخاريّ.
وروى البخاريّ عن أبي الدّرداء رضي الله عنه قال:" كنت جالسا عند النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه حتّى أبدى عن ركبته فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:" أمّا صاحبُكم فقد غامر." وقال:" إنّي كان بيني وبين ابن الخطّاب شيء، فأسرعت إليه ثمّ ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى عليّ. فأقبلت إليك." فقال:" يغفر الله لك يا أبا بكر - ثلاثا -." ثمّ إنّ عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل:" أ ثَـمَّ أبو بكر؟" فقالوا:" لا." فأتى إلى النّبيّ فجعل وجه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يتمعّر، حتّى أشفق أبو بكر فجثَا على ركبتيه فقال:" يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم - مرّتيْن -." فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:" إنّ الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صَدَق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي – مرتين - فما أوذي بعدها."
فقد سبق إلى الإيمان، وصحب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وصدّقه، واستمرّ معه في مكّة طول إقامته رغم ما تعرّض له من الأذى، ورافقه في الهجرة. فهو ثاني اثنين في الغار مع نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم قال سبحانه وتعالى:" ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا."
قال السّهيلي:" ألا ترى كيف قال: "لا تحزن" ولم يقل:" لا تخف"؟ لأنّ حزنه على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شغله عن خوفه على نفسه."
وفي الصّحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنّ أبا بكر الصّدّيق رضي الله عنه حدّثه قال:" نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار فقلت:" يا رسول الله لو أنّ أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه!" فقال:" يا أبا بكر ما ظنّك باثنين الله ثالثهما."
ولما أراد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يدخل الغار دخل قبله لينظر في الغار لئلاّ يُصيب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم شيء.
ولمّا سارا في طريق الهجرة كان يمشي حينا أمام النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وحينا خلفه وحينا عن يمينه وحينا عن شماله.
ولذا لمّا ذكر رجال على عهد عمر رضي الله عنه فكأنّهم فضّـلوا عمر على أبي بكر رضي الله عنهما. فبلغ ذلك عمرَ رضي الله عنه فقال:" والله لَليلةٌ من أبي بكر خيرُ من آل عمر، ولَيومٌ من أبي بكر خيرُ من آل عمر. لقد خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لينطلق إلى الغار ومعه أبو بكر. فجعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه، حتّى فطن له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال:" يا أبا بكر مالك تمشي ساعة بين يديّ وساعة خلفي؟" فقال:" يا رسول الله أذكر الطّلب فأمشي خلفك، ثمّ أذكر الرّصد فأمشي بين يديك." فقال:" يا أبا بكر لو كان شيء أحببت أن يكون بك دوني؟" قال:" نعم، والّذي بعثك بالحق ما كانت لتكون من مُلمّة إلاّ أن تكون بي دونك." فلمّا انتهيا إلى الغار قال أبو بكر:" مكانَك يا رسول الله حتّى أستبرئ الجحرة." فدخل واستبرأ، ثمّ قال:" انزل يا رسول الله." فنزل. فقال عمر:" والّذي نفسي بيده لَتلك اللّيلةُ خيرُ من آل عمرَ." رواه الحاكم والبَيْهَقيّ في دلائل النّبوّة.
ولمّا هاجر مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخذ ماله كلّه في سبيل الله.
ولا ريبَ أنّه لذلك كلّه كان الصّدّيقُ رضي الله عنه أوّل الخلفاء الراشدين.
وقد أُمِرنا أن نقتدي بهم كما في قوله عليه الصّلاة والسّلام:" عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المَهديّين من بعدي. عُضّوا عليها بالنّواجذ." رواه الإمام أحمد والتّرمذيّ وغيرهما، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه.
واستقرّ خليفةً للمسلمين دون مُنازع، ولقّبه المسلمون بـ" خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم".
وقد أمره النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو في مرضه أن يُصلّي بالنّاس. ففي الصّحيحين عن عائشةَ رضي اللّهُ عنها قالت:" لمّا مَرِضَ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مرَضَهُ الّذي ماتَ فيه أَتاهُ بلالٌ يُؤْذِنهُ بالصّلاةِ فقال:" مُرُوا أَبا بكرٍ فلْيُصَلّ." قلتُ:" إنّ أبا بكرٍ رجلٌ أَسِيفٌ [وفي رواية رجل رقيق] إن يَقُمْ مَقامَكَ يبكي فلا يقدِرُ عَلَى القِراءَةِ." قال:" مُروا أَبا بكرٍ فلْيُصلّ." فقلتُ مثلَهُ. فقال في الثّالثةِ - أَوِ الرّابعةِ -:" إِنّكنّ صَواحبُ يوسفَ! مُروا أَبا بكرٍ فلْيُصلّ." فصلّى."
ولذا قال عمر رضي الله عنه:" أفلا نرضى لدنيانا مَن رَضِيَه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لديننا؟!"
وروى البخاريّ ومسلمٌ عن عائشة رضي الله عنها قالت:" قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في مرضه:" اُدعي لي أبا بكر وأخاك حتّى أكتبَ كتابا. فإنّي أخاف أن يتمنّى متمنٍّ ويقول قائل: أنا أوْلى، ويأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر."
وكان أبو بكر ممّن يُـفتي على عهد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم. ولذا بعثه صلّى الله عليه وسلّم أميرا على الحجّ في الحجّة الّتي قبل حجّة الوداع. روى البخاريّ ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:" بعثني أبو بكر الصّدّيق في الحجّة الّتي أمّره عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل حجّة الوداع في رهط يؤذنون في النّاس يوم النّحر:" لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان."
وأبو بكر رضي الله عنه حامل راية النبي صلى الله عليه وسلم يوم تبوك .
وأنفق ماله كلّه لمّا حثّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على النّفقة. قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه:" أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن نتصدّق، فوافق ذلك مالاً فقلت:" اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما." قال:" فجئت بنصف مالي." فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:" ما أبقيت لأهلك؟" قلت:" مثله." وأتى أبو بكر بكلّ ما عنده فقال:" يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟" فقال:" أبقيت لهم الله ورسوله!" قال عمر قلت:" والله لا أسبقه إلى شيء أبدا." رواه التّرمذيّ.
ومن فضائله أنّه أحَبّ النّاس إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. قال عمرو بن العاص لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم:" أيّ النّاس أحَبّ إليك؟" قال:" عائشة." قال:" قلت:" من الرّجال؟" قال:" أبوها." رواه مسلم.
ومن فضائله رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم اتّخذه أخا له. روى البخاريّ ومسلم عن أبي سعيد الخُدريّ رضي الله عنه قال:" خطب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم النّاس وقال:" إنّ الله خيّر عبدا بين الدّنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله." قال:" فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن عبد خُيّر، فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هو المُخيَّر، وكان أبو بكر أعلمَنا. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:" إنّ مِن أمَنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متّخذاً خليلاً غير ربّي لاتّخذت أبا بكر، ولكنْ أخوّة الإسلام ومودّته. لا يبقينّ في المسجد باب إلا سُـدّ إلا باب أبي بكر."
ومن فضائله رضي الله عنه أنّ الله زكّاه. قال سبحانه وبحمده:" وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى." فهذه الآيات نزلت في أبي بكر رضي الله عنه. فهو من السّابقين الأوّلين بل هو أوّل السابقين، إذ قال سبحانه:" وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ."
وقد زكّـاه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قائلا:" مَن جرّ ثوبه خُ]َلاءَ لم ينظر الله إليه يوم القيامة." قال أبو بكر:" إنّ أحد شِقَيْ ثوبي يسترخي إلاّ أن أتعاهد ذلك منه." فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:" إنّك لست تصنع ذلك خيلاءَ." رواه البخاريّ في فضائل أبي بكر رضي الله عنه.
ومن فضائله رضي الله عنه أنّه يُدعى من أبواب الجنة كلّها. فلتسمعْ إلى مَقال رسول الله عليه الصّلاة والسّلام:" مَن أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دُعي من أبواب الجنّة. يا عبد الله هذا خير. فمَن كان مِن أهل الصّلاة دعي من باب الصّلاة. ومَن كان مِن أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد. ومَن كان مِن أهل الصّدقة دُعي من باب الصّدقة. ومَن كان مِن أهل الصّيام دُعي من باب الصّيام وباب الرّيّان." فقال أبو بكر:" ما على هذا الّذي يُدعى من تلك الأبواب من ضرورةٍ؟ فهل يُدعى منها كلّها أحدٌ يا رسول الله؟" قال:" نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر." رواه البخاريّ ومسلم .
ومن فضائله أنّه جمع خصال الخير في يوم واحد. فقد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:" قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:" مَن أصبح منكم اليوم صائما؟" قال أبو بكر رضي الله عنه:" أنا." قال:" فمَن تبع منكم اليوم جنازة؟" قال أبو بكر رضي الله عنه:" أنا." قال:" فمَن أطعم منكم اليوم مسكينا؟" قال أبو بكر رضي الله عنه:" أنا." قال:" فمَن عاد منكم اليوم مريضا؟" قال أبو بكر رضي الله عنه:" أنا." فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:" ما اجتمعنّ في امرئ إلاّ دخل الجنّة."
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
يا سَائِلي عَنْ مَذْهَبِي وعَقيدَتِي *** رُزِقَ الهُدى مَنْ لِلْهِدايةِ يَسأَلُ
اسمَعْ كَلامَ مُحَقِّقٍ في قَولِه *** لا يَنْثَني عَنهُ ولا يَتَبَدَّل
حُبُّ الصَّحابَةِ كُلُّهُمْ لي مَذْهَبٌ *** وَمَوَدَّةُ القُرْبى بِها أَتَوَسّل
وَلِكُلِّهِمْ قَدْرٌ وَفَضْلٌ ساطِعٌ *** لكِنَّما الصِّديقُ مِنْهُمْ أَفْضَل
أعماله:
من أعظم أعماله سبقه إلى الإسلام وهجرته مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، وثباته يوم موت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
ومن أعماله قبل الهجرة أنّه أعتق سبعة كلهم يُعذّب في الله، وهم بلال بن أبي رباح وعامر بن فهيرة وزنّيرة والنّهديّة وابنتها وجارية بني المؤمّل وأم عُبَيْس.
ومن أعظم أعماله الّتي قام بها بعد تولّيه الخلافة حرب المرتدّين. فقد كان رجلا رحيما رقيقا ولكنّه في هذا الموقف كان أصلب وأشدّ من عمر رضي الله عنه الّذي عُرِف بالصّلابة في الرّأي والشّدّة في ذات الله. روى البخاريّ ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:" لمّا توفّي النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم واستُخلف أبو بكر وكفر مَن كفر من العرب قال عمر:" يا أبا بكر، كيف تقاتل النّاس وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:" أمِرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا لا إله إلاّ الله، فمَن قال لا إله إلاّ الله عُصِم منّي ماله ونفسه إلاّ بحقّه وحسابه على الله؟" قال أبو بكر:" والله، لأقاتلنّ مَن فرّق بين الصّلاة والزّكاة. فإنّ الزّكاة حقّ المال. والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدّونها إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لقاتلتهم على منعها." قال عمر:" فو الله، ما هو إلاّ أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنّه الحقّ.""
لقد سُجِّل هذا الموقف الصّلب القويّ لأبي بكر رضي الله عنه حتّى قيل:" نصر الله الإسلام بأبي بكر يوم الرّدّة وبأحمد يوم الفتنة."
فحارب رضي الله عنه المرتدّين ومانعي الزّكاة، وقتل الله مُسَيْلِمةَ الكذّاب في زمانه.
ومع ذلك الموقف فإنّه أنفذ جيش أسامة الّذي كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أراد إنفاذه نحو الشّام.
وفي عهده فُتِحت فتوحات الشّام وفتوحات العراق. وفي عهده جُمع القرآن إذ أمر رضي الله عنه زيدا بن ثابت أن يجمع القرآن. وكان عارفا بالرّجال، ولِذا لم يرضَ بعزل خالد بن الوليد، وقال:" والله، لا أشيم سيفا سلّه الله على عدوّه حتّى يكون الله هو يشيمه." رواه الإمام أحمد وغيره.
وفي عهده وقعت وقعة ذي القَصّة. عزم على المسير بنفسه حتّى أخذ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بزمام راحلته وقال له:" إلى أين يا خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ أقول لك ما قال لك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم أُحد:" شِـمْ سيفَك ولا تفجعنا بنفسك. وارجع إلى المدينة، فو الله لئن فُجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدا." فرجع أبو بكر رضي الله عنه وأمضى الجيش.
وكان أبو بكر رضي الله عنه أنسب العرب أي أعرف العرب بالأنساب.
زهـده :
مات أبو بكر رضي الله عنه وما ترك درهما ولا دينارا. عن الحسن بن عليّ رضي الله عنهما قال:" لمّا احتضر أبو بكر رضي الله عنه قال:" يا عائشةُ، انظري اللّقحة الّتي كنّا نشرب من لبنها والجفنة الّتي كنا نصطبح فيها والقطيفة الّتي كنّا نلبسها فإنّا كنّا ننتفع بذلك حين كنا في أمر المسلمين. فإذا مِتّ فاردديه إلى عمرَ." فلمّا مات أبو بكر رضي الله عنه أرسلت به إلى عمر رضي الله عنه فقال عمر رضي الله عنه:" رضي الله عنك يا أبا بكر لقد أتعبت من جاء بعدك."
ورعـه:
كان أبو بكر رضي الله عنه ورعا زاهدا في الدّنيا حتّى لمّا تولّى الخلافة خرج في طلب الرّزق، فردّه عمر واتّفقوا على أن يُجروا له رزقا من بيت المال نظير ما يقوم به من أعباء الخلافة. قالت عائشة رضي الله عنها:" كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوما بشيء، فأكل منه أبو بكر. فقال له الغلام:" تدري ما هذا؟" فقال أبو بكر:" وما هو؟" قال:" كنت تكهّنت لإنسان في الجاهليّة وما أحسِن الكهانة إلا أنّي خدعته، فلقيني فأعطاني بذلك. فهذا الّذي أكلت منه." فأدخل أبو بكر يده فقاء كلّ شيء في بطنه." رواه البخاريّ.
وفاته:
توفّي في يوم الاثنين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة من الهجرة وهو ابن ثلاث وستّين سنة.
فرضي الله عنه وأرضاه وجمعنا به في دار كرامته. لا ريبَ أنّنا لم نوفِّ أبا بكر والصّحابة والتّابعين كلّهم حقوقهم. فقد أتعبوا مَن بعدهم.