جلال البحري

منتدى تونس التّربوي
مؤسّس الموقع
    شرح نصّ: أشير إليها باللّقمة
  • #1
الــقسم : شرح نصّ
شرح نصّ: أشير إليها باللّقمة
الــنـــــصّ
و حدث سمعناه على وجه الدّهر: زعموا أنّ رجلا قد بلغ في البُخل غايته... و أنّه كان إذا صار في يده الدّرهم خاطبه و ناجاه و فدّاه. و كان ممّا يقول له: كم من أرض قد قطعت و كم من كيس قد فارقت و كم من خامل قد رفعت و كم من رفيع قد أخْمَلْتَ؟ لكَ عندي أن لا تعْرَى و لا تضْحى. ثُمّ يُلقيه في كيسه و يقول له: اسكُن على اسم الله، و أنّه لم يُدخِلْ فيه درهما قطُّ فأخرجه. و كان أهله منه في بلاء، و كانوا يتمنّوْن موتَه و الخلاَص منه بالموْتِ و الحياةَ بدُونه.
فلمّا ماتَ و ظنّوا أنّهم استراحوا منه، قدِمَ ابنُهُ فاستولى على ماله و داره.
ثمّ قال: ما كان أُدْمُ أبي؟
قالوا: كان يتأدّمُ بجُبنة عنده.
قال: أرُونِيها
فإذا فيها حَزٌّ كالجدول من أثرِ مسحِ اللُّقْمَةِ.
قال: ما هذه الحُفرة؟
قالوا: كان لا يقْطَعُ الجُبْن و إنّما كان يمسَحُ على ظهره فيحْفِرُ كما ترى.
قال: بهذا أهْلَكني، و بهذا أقعدني هذا المقعد. لو علِمتُ ذلك ما صلّيْتُ عليه.
قالوا: فأنت، كيف تريد أن تصْنع؟
قال: أضعها من بعيد و أشير إليها باللّقمة.

الجاحظ
البخلاء، تحقيق: طه الحاجري
طبعة دار المعارف، 1971، ص.ص: 131- 132


الــــشّـــــرح

التّقديم: نادرة من نوادر البخلاء للجاحظ تندرج ضمن محور: الفكاهة و الهزل
المقاطع: حسب معيار الشخصيّات
- من البداية------ بدونه: قصّة الأب - البخيل
- البقيّة: قصّة الابن - البخيل
المقطع الأوّل: قصّة الأب- البخيل
الحديث: كلّ ما يتحدّث به من كلام و خبر
ســـــــمـــــــعـــــــــنــــــاه:
آليّة السّماع ضمير المتكلّم الجمع ( نحن )
زعــمــــوا: زعم: قال / أكثرُ ما يُستعمل الزّعم فيما كان باطلا أو فيه ارتياب
ضمير الغائب الجمع ( هم )

السّند في هذه النّادرة يفتقد إلى سلسلة روّاة واضحة المعالم: المصدر غير واضح
مصدر الخبر ( جمع ) = الذّاكرة الشعبيّة، و ما يعنيه ذلك من زيادة و مبالغة و تحريف
السّارد في هذا النصّ غير مشارك في الأحداث: سارد محايد
رجلا: نكرة = شخصيّة
خاطب - ناجى- افتدى: أفعال
الإطار الزماني: الماضي
الإطار المكاني: غير محدّد

توفّر مقوّمات القصّ في هذا النصّ:
النصّ ذو بنية قصصيّة
قد بلغ: أداة تحقيق تفيد التّأكيد
غايته: قمّته / ذروته

الشخصيّة الرئيسيّة وردت نكرة ( رجلا ) و لكن أزالت الصّفة ( البخل ) هذا اللّبس و هذا الغموض
ما يُحدّد هويّة هذا الرّجل هي صفة البخل التّي بلغت قمّتها و ذروتها... فكأنّ هذا الرّجل أصبح معادلا للبخل، بل هو البخل عينه
صار: ناسخ فعلي يفيد التحوّل
الدّرهم: معرفة

هناك تقابل بين البخيل و الدّرهم في مقولة التّعريف و التّنكير، و كأنّ سدّ تلك الثّغرة التّي أحدثها الخطاب في البداية ( التنكير ) لا يتحقّق بالبخل فقط، بل يستلزم توفّر ما به يكون البخيل بخيلا ( الدّرهم = المال )
يرتقي الدّرهم إلى مصاف القضيّة الوجوديّة: ما به يكون الإنسان إنسانا أي ما به تتحقّق هويّة الإنسان
يُصبح الدّرهم قوام الوجود
خاطبه / ناجاه/ فدّاه: استعارة ( تشخيص )
ناجاه = كلّمه بسرّ بما في قلبه من عواطف وغيرها

يُعامل البخيل درهمه معاملته لإنسان، فهو يُخاطبه مخاطبة الإنسان لصديقه و يُناجيه مُناجاة الإنسان لرفيقه و يفتديه افتداء الإنسان لحبيبه
يُصبح الدّرهم كائنا حيّا له مشاعر و أحاسيس
كم ( × 4 ): كم الخبريّة: التّكثير و التّعظيم
قد ( × 4 ): التّأكيد
كم من خامل... أخملت: مقابلة
التّكرار يخدم التّأكيد + يُضفي على النصّ إيقاعا خاصّا

البخيل يتغنّى بهذا الصّديق و الرّفيق و الحبيب ذاكرا صفاته و أعماله: الدّرهم
تمجيد الدّرهم و الرّفع من شأنه ( قيمته )
خطاب فيه غلوّ و مبالغة
قطعت / فارقت / رفعت / أخملت: أفعال مسندة إلى الدّرهم
الدّرهم = يضطلع بدور الفاعليّة

يرتقي البخيل بدرهمه إلى مصاف الخوارق، فهو:
- عابر للزّمان و المكان
- لاعب بمصائر البشر
الدّرهم يتحوّل إلى فاعل يمتلك الإرادة و القدرة
لا ( × 2 ): نفي
ثمّ: الاسترخاء و التمهّل
اسكن: أمر يفيد الدّعاء
اسم الله: مركّب إضافي: مجرور
لا تضحى: لا تبرز للشّمس فيُصيبك حرّها
بلاء: المحنة و الغمّ و الحزن

هذا الدّرهم الأسطوريّ يفترض وجود من يعرف قيمته و يُقدّر منزلته = البخيل
مبرّر وجود هذا البخيل هو صون هذا الكنز الثّمين الذّي خلقه الله تعالى
يستعمل البخيل معجما دينيّا ( الله ) و يُضمّن خطابه عبارات وردت في سورة طه ( " فقلنا يا آدمُ إنّ هذا عدُوٌّ لك و لزوجِكَ فلا يُخْرِجَنّكُما مِنَ الجنّة فتشقى ( 117 ) إنّ لكَ ألاّ تجُوعَ فيها و لا تعْرَى ( 118 ) و أنّك لا تظمأ فيها و لا تضْحَى ( 119 ) ) ليؤكّد:
- أنّه الوحيد القادر على أداء الأمانة: المحافظة على هذا الكنز الثمين
- أنّ جيبه بالنّسبة إلى الدّرهم يُعادل الجنّة بالنّسبة إلى المؤمن
و من هنا يجد البخيل تبريرا دينيّا لبخله، اعتمد فيه آليّة القياس: فكما أنّ خروج آدم من الجنّة هو حصيلة معصية، فإنّ خروج الدّرهم من جيب البخيل هو المعصية عينها
النتيجة:
- المبالغة في التمسّك بهذه الجوهرة الثمينة ( الدّرهم ) التّي يُساوي الحصول عليها تبريرا لوجود الذّات
- قطيعة بين البخيل و عائلته: " كانوا يتمنّوْن موتَه و الخلاَص منه بالموْتِ و الحياةَ بدُونه " لأنّ الموت هو الطريق الوحيد لفكّ هذا الارتباط " الوجودي " بين الدّرهم و البخيل
نقد انقلاب القيم في ذلك العهد: التفكّك الأسري
يتأسّس هذا المقطع على ضرب من المبالغة عمّقت معنى الغرابة في سلوك البخيل، فالدّرهم اكتسب صفات إنسانيّة أهّلته لأن يكون توأم البخيل و مبرّر وجوده، و هو ما يجعل محاولة الفصل بينهما تهديدا وجوديّا للبخيل و تشريعا لخواء الذّات من مقوّمات هويّتها.
هذه الغرابة تبعث على الضّحك و تُعمّق خطّ الفكاهة في النّادرة، و هو ما يجعلنا نتساءل:
هل أنّ هذه الفكاهة ستضمر في قصّة الابن بعد تغييب الأب البخيل أم أنّها ستزداد حدّة؟
المقطع الثّاني: قصّة الابن - البخيل
فـ: حرف استئناف
لمّا مات: الظرفيّة الزمنيّة
ظنّوا: اعتقدوا / توهّموا

هناك ربط محكم بين القصّة الأولى و القصّة الثّانية
النّادرة ليست خطابا مفكّكا ينقصه الترابط و الانسجام
النّادرة خطاب بُني بإحكام و صيغ بطريقة فنيّة فيها من الصّنعة الشيء الكثير
قدِم / استولى: فعلان مسندان إلى الابن
تغيّر الشخصيّة الرئيسيّة سيدفع سرديّة النصّ إلى الأمام و سيزيد من تلك المتعة التّي ينشدها القارئ
قال... قالوا... قال: نمط الكتابة: الحوار
الحوار يغلب على المقطع الثّاني
أطراف الحوار:
الابن + أفراد العائلة
موضوع الحوار:
الاستخبار عن أمر الأب الفقيد و تقديم موقف الابن من ذلك
وظائف الحوار:
- الوظيفة الإخباريّة:
ما / كيف: استفهام في معناه الأصليّ: الاستخبار عن شيء مجهول
يتأسّس هذا المقطع على ثنائيّة: الاستخبار و الإخبار
- الوظيفة التّعبيريّة:
أهلكـــني / أقعدني: ضمير المتكلّم المفرد
تعبير الابن عن أفكاره و مشاعره و أحاسيسه
- الوظيفة التأثيريّة:
محاولة الابن التّأثير في عائلته حتّى تتقبّل ما سيقوم به من أفعال
- الوظيفة التصويريّة:
أعاد لنا هذا الحوار ما كانت اللّغة قد ابتنته في المقطع الأوّل، فصورة الأب - البخيل تعود للظّهور من جديد، و كأنّها تلبّست صورة الابن في محاولة أبديّة لرفض فكّ الارتباط بينها و بين درهمها. إلاّ أنّ هذه الصّورة الثّانية تظهر أكثر بخلا و أعنف تقتيرا، فسلوك الأب مع الجبنة، مقارنة بسلوك الابن، كان إسرافا و هدرا لنعم الله
التّاليف:
نصّ نموذجيّ تظهر فيه ثنائيّة الهزل و الجدّ
- الهزل:
النصّ ينوس بين حدّين: الحضور و الغياب، في حركة دائريّة قطبها المال ( " المال هو القطب الذي تدور عليه رحى الدّنيا " ) و عمادها البخل. و الجامع بين الحدّين، حكمة ترسّخت في الذّاكرة الإنسانيّة: " هذا الشّبل من ذاك الأسد "
- الجدّ:
نقد بعض الظواهر الاجتماعيّة في عصر الجاحظ:
البخل الذّي تحوّل إلى مذهب في الحياة
التفكّك الأسري و الاجتماعي
 

المنصف الحامدي

عضو نشيط
منتدى تونس التربوي
    شرح نصّ: أشير إليها باللّقمة
  • #2
أجدت - أستاذنا - تحليلك للنص ولكن اعذرني في إبداء بعض الملاحظات البسيطة
* لم يكن التحليل كثير الارتباط بالمحور الذي يندرج النص في إطاره فلم نتبين كيف أشاع السارد ألوانا من الفكاهة في هذه النادرة بل كان التركيز أكثر على بناء الشخصية و بنية النادرة المحكمة ومن الأمثلة على تفشي الضحك :
- مخاطبة البخيل للدرهم حيث المناجاة و الفداء والإعلاء حد التقديس فالدرهم عنده هو الخافض الرافع المعز المذل.
- النسق الحثيث للسرد ( لما مات ...قدم ...فاستولى ) وتناقض هذا الاحساس المعدوم بفقد الأب مع حالة الجزع الشديدة بفقد المال .
- السؤال العجيب عن الأدم ودلالته على حدة الذكاء وغرابة توظيف هذا الذكاء في التافه من الأمور .
- ندم البخيل إذ صلى على أبي وتفجعه على التفويت في قليل زهيد من الجبن .
- الإجابة التي ينغلق عليها النص و التي يتفجر من خلالها الضحك متمثلة في التأدم عن بعد .
* الأمر الثاني الذي لم يحتف به تحليلك يتمثل في توظيف النادرة أسلوبا تهكميا جادا في محاربة القيم الفاسدة التي أودت بالفضائل والأرحام و العقيدة .
* البخيل يقتبس من القرآن لفظه ومعناه ولكنه يخالفه في منهجه : الإيثار والبذل ووصل الرحم وإعمال العقل في الصلاح والعمارة لا في الشح والتقتير و الفساد .
الخلاصة سيدي الكريم أن تناولك للنص على عمقه ودقة استنتاجاته أفيد في دراسة النادرة منه في دراسة الفكاهة والهزل.
← مع فائق الإحترام والتقدير لأستاذنا الذي لا يستطيع أحد أن يقيس قامته على هامته .​
 

إياد إياد

ضيف جديد
منتدى تونس التربوي
    شرح نصّ: أشير إليها باللّقمة
  • #3
شكرا على المجهود
 
  • المشاهدات
    96,344
  • الرّدود
    2

  • أعلى أسفل