• منتدى تونس التّربوي

    ميادين الإبداع

قصص و عبر قصة الغلام والحجاج بن يوسف الثقفى

جلال البحري

منتدى تونس التّربوي
مؤسّس الموقع
المشاركات
1,773
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
م. الدّراسي
دراسات معمّقة
الاختصاص
أدب عربي
المهنة
أستاذ
قصة الغلام والحجاج بن يوسف الثقفى

ﮔﺎﻥ الحجّاج بن يوسف ذات يوم في الصّيد فرأى تسعة كلاب إلى جانب صبيّ صغير السنّ عمره نحو عشر سنوات وله ذوائب.

فقال له الحجاج : ماذا تفعل هنا أيّها الغلام ؟

فرفع الصبيّ طرفه إليه وقال له : يا حامل الأخبار لقد نظرت إلىّ بعين الاحتقار وكلمتني بالافتخار وكلامك كلام جبّار وعقلك عقل حمار.

فقال الحجاج له : أما عرفتني ؟

فقال الغلام : عرفتك بسواد وجهك لأنك أتيت بالكلام قبل السلام.

فقال الحجاج ׃ ويلك أنا الحجّاج بن يوسف.

فقال الغلام : لا قرّب الله دارك ولا مزارك فما أكثر كلامك وأقل إكرامك .

فما أتمّ كلامه إلاّ والجيوش حلّقت عليه من كل جانب وكلّ واحد يقول السلام عليك يا أمير المؤمنين ،

فقال الحجّّاج: احفظوا هذا الغلام فقد أوجعني بالكلام فأخذوا الغلام فرجع الحجّاج إلى قصره فجلس في مجلسه والناس حوله جالسون ومن هيبته مطرقون وهو بينهم كالأسد ثم طلب إحضار الغلام فلمّا مثل بين يديه ،ورأى الوزراء و أهل الدولة لم يخش منهم

بل قال : السلام عليكم، فلم يردّ الحجاج السّلام، فرفع الغلام رأسه وأدار نظره فرأى بناء القصر عالياً ومزيّنا بالنقوش والفسيفساء وهو في غاية الإبداع والإتقان.

فقال الغلام : أتبنون بكلّ ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلّكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبّارين فاستوى الحجّاج جالساً وكان متكئاً

فقالوا للغلام : يا قليل الأدب لماذا لم تسلّم على أمير المؤمنين السّلام اللائق ولماذا لم تتأدّب في حضرته ؟

فقال الغلام : يا براغيث الحمير منعني عن ذلك التّعب في الطريق وطلوع الدرج أمّا السّلام فعلى أمير المؤمنين وأصحابه ، يعني السّلام على علىّ بن أبى طالب وأصحابه

فقال الحجّاج : يا غلام لقد حضرت في يوم تمّ فيه أجلك وخاب فيه أملك.

فقال الغلام : والله يا حجّاج إن كان في أجلي تأخير لم يضرّني من كلامك لا قليل ولا كثير.

فقال بعض الغلمان : لقد بلغت من جهلك يا خبيث أن تخاطب أمير المؤمنين كما تخاطب غلاماً مثلك يا قليل الآداب انظر من تخاطب وأجبه بأدب واحترام فهو أمير العراق والشام.

فقال الغلام : أما سمعتم قوله تعالى " كلّ نفس تُجادل عن نفسها"

فقال الحجّاج : فمن عنيت بكلامك أيّها الغلام ؟

قال : عنيت به علي بن أبى طالب وأصحابه وأنت يا حجّاج على من تسلّم ؟

فقال الحجاج : على عبد الملك بن مروان.

فقال الغلام : عبدالملك الفاجر عليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين.

فقال الحجّاج : ولم ذلك يا غلام ؟

فقال : لأنّه أخطأ خطيئة عظيمة مات بسببها خلق كثير. فقال بعض الجلساء اقتله يا أمير المؤمنين فقد خالف الطاعة وفارق الجماعة وشتم عبد الملك بن مروان.

فقال الغلام : يا حجّاج أصلح جلساءك فإنهم جاهلون. فأشار الحجّاج لجلسائه بالصّمت.

ثمّ سأله الحجاج : هل تعرف أخي؟

فقال الغلام : أخوك فرعون حين جاءه موسى وهارون ليخلعوه عن عرشه فاستشار جلساءه.

فقال الحجّاج : اضربوا عنقه.

فقال له الرقاشي : هبني إيّاه يا أمير المؤمنين أصلح الله شأنك.

فقال الحجاج : هو لك لا بارك الله فيه.

فقال الغلام : لا شكر للواهب ولا للمستوهب.

فقال الرقاشي :أنا أريد خلاصك من الموت فتخاطبني بهذا الكلام. ثمّ التفت الرقاشي إلى الحجّاج وقال له: افعل ما تريد يا أمير المؤمنين.

فقال الحجّاج للغلام : من أيّ بلد أنت ؟

فقال الغلام: من مصر.

فقال له الحجّاج : من مدينة الفاسقين .

فقال الغلام : ولماذا أسميتها مدينة الفاسقين ؟

قال الحجّاج : لأن شرابها من ذهب ونساءها لعب ونيلها عجب وأهلها لا عجم ولا عرب.

فقال الغلام : لستُ منهم.

فقال الحجّاج : من أيّ بلد إذن ؟

قال الغلام : أنا من أهل خرسان.

فقال الحجّاج : من شرّ مكان وأقلّ الأديان.

فقال الغلام : ولم ذلك يا حجّاج ؟

فقال : لأنّهم عجم أعجام مثل البهائم والأغنام كلامهم ثقيل و غنيهم بخيل.

فقال الغلام : لستُ منهم.

فقال الحجّاج : من أين أنت ؟

قال : أنا من مدينة الشّام.

قال الحجّاج : أنت من أحسن البلدان وأغضب مكان وأغلظ أبدان .

قال الغلام : لستُ منهم.

قال الحجّاج : فمن أين إذن؟

قال الغلام : من اليمن.

فقال الحجّاج : أنت من بلد غير مشكور.

قال الغلام: ولم ذلك؟

قال الحجّاج : لأن صوتهم مليح و عاقلهم يستعمل الزمر و جاهلهم يشرب الخمر.

قال الغلام : أنا لستُ منهم.

قال الحجّاج : فمن أين إذن؟

قال الغلام : أنا من أهل مكّة.

فقال الحجّاج : أنت إذن من أهل اللؤم والجهل وقلة العقل.

فقال الغلام : ولم ذلك ؟

قال : لأنّهم قوم بعث فيهم نبيّ كريم فكذّبوه وطردوه وخرج من بينهم إلى قوم أحبّوه وأكرموه.

فقال الغلام : أنا لستُ منهم.

فقال الحجّاج : لقد كثرت جواباتك علي وقلبي يحدثني بقتلك.

فقال الغلام : لو كان أجلي بيدك لما عبدت سواك ولكن اعلم يا حجّاج أنّي أنا من أهل طيبة مدينة رسول الله صلّى الله عليه وسلم.

فقال الحجّاج : نعمت المدينة أهلها أهل الإيمان والإحسان فمن أيّ قبيلة أنت ؟

فقال الغلام : من ثلى بنى غالب من سلالة عليّ بن أبى طالب وكلّ نسب وحسب ينقطع إلاّ حسبنا و نسبنا فإنه لا ينقطع إلى يوم القيامة فاغتاظ الحجّاج غيظاً شديداً وأمر بقتله.

فقال له كلّ من حضر من الوزراء : ولكنّه لا يستحقّ القتل وهو دون سنّ البلوغ أيّها الأمير.

فقال الحجّاج : لا بدّ من قتله ولو يُنادي مُناد من السّماء.

فقال الغلام: ما أنت بنبيّ حتّى يُناديك مناد من السماء.

فقال الحجّاج : ومن يحول بيني وبين قتلك.

فقال الغلام : يحول بينك وبين قتلي ما يحول بين المرء وقلبه.

فقال الحجّاج : وهو الذّي يعينني على قتلك.

فقال الغلام : كلاّ إنّما يُعينك على قتلي شيطانك و أعوذ بالله منك ومنه.

فقال الحجّاج : أراك تُجاوبني على كل سؤال فأخبرني ما يُقرّب العبد من ربّه؟

فقال الغلام : الصّوم والصّلاة والزكاة والحجّ .

فقال الحجّاج: أنا أتقرّب إلى الله بدمك لأنّك قلت إنّك من أولاد الحسن والحسين.

فقال الغلام : من غير خوف ولا جزع أنا من أولاد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، إن كان أجلي بيدك فقد حضر شيطانك يُعينك على فساد آخرتك.

فأجابه الحجّاج : أتقول أنك من أولاد الرّسول وتكره الموت؟

قال الغلام : قال الله تعالى " ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة"

قال الحجّاج : ابن من أنت ؟

قال الغلام : أنا ابن أبي و أمّي.

فسأله الحجّاج : من أين جئت ؟

قال الغلام : على رحب الأرض.

فقال الحجّاج : أخبرني من أكرم العرب؟

فأجاب الغلام : بنو طي .

فسأله الحجّاج : ولم ذلك ؟

فقال الغلام: لأن حاتم الأصم منهم.

فقال الحجّاج : فمن أشرف العرب ؟

قال الغلام : بنو مضر.

فقال الحجّاج : ولم ذلك؟

فقال الغلام : لأن محمّد صلّى الله عليه وسلّم منهم.

فقال الحجّاج : فمن أشجع العرب ؟

فقال الغلام : بنو هاشم لأنّ عليّ بن أبي طالب منهم .

فقال الحجّاج: فمن أنجس العرب و أبخلهم وأقلّهم خيراً ؟

فقال الغلام : بنو ثقيف لأنّك أنت منهم وفي الحديث الشريف يظهر من بني ثقيف نمرود وكذّاب فالكذّاب مُسيلمة والنمرود أنت. فاغتاظ الحجّاج غيظاً شديداً وأمر بقتله، فشفع به الحاضرون فشفعهم فيه وسكن غضبه قليلاً.

وقال الحجّاج : أين تركت الإبل ذات القرون ؟

فقال الغلام : تركتها ترعى أوراق الصوان.

فصاح الحجاج به قائلاً : يا قليل العقل ويا بعيد الذهن هل للصوان ورق؟

فقال الغلام : وهل للإبل قرون ؟

فقال الحجّاج : هل حفظت القرآن ؟

فقال الغلام : هل القرآن هارب منّي حتّى أحفظه.

فسأله الحجّاج : هل جمعت القرآن ؟

فقال الغلام : وهل هو متفرّق حتّى أجمعه ؟

فقال له الحجّاج : أما فهمت سؤالي .

فأجابه الغلام : ينبغي لك أن تقول هل قرأت القرآن وفهمت ما فيه.

فقال الحجّاج : فأخبرني عن آية في القرآن أعظم؟ وآية أحكم؟
وآية أعدل ؟ وآية أخوف ؟ وآية أرجى ؟ وآية فيها عشر آيات بيّنات؟ وآية كذب فيها أولاد الأنبياء؟ وآية صدق فيها اليهود والنصارى ؟ وآية قالها الله تعالى لنفسه؟ وآية فيها قول الملائكة؟ و آية فيها قول أهل الجنة؟ وآية فيها قول أهل النار؟ وآية فيها قول إبليس ؟؟؟

فقال الغلام : أمّا أعظم آية فهي آية الكرسي
وأحكم آية: " إن الله يأمر بالعدل والإحسان "

وأعدل آية: " فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرّة شراً يره "

وأخوف آية: " أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنّة نعيم "
وأرجى آية: " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذنوب جميعها "

وآية فيها عشر آيات بيّنات هي: " إنّ في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب "

وأمّا الآية التي كذب فيها أولاد الأنبياء فهي: " وجاءوا على قميصه بدم كذب وهم إخوة يوسف كذبوا ودخلوا الجنة "

وأمّا الآية التّي صدق فيها اليهود والنصارى فهي: " وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء فصدقوا ودخلوا النّار "

والآية التّي قالها الله تعالى لنفسه هي: " وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين "

وآية فيها قول الأنبياء: " وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلاّ بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون "

وآية فيها قول الملائكة: " سُبحانك لا علم لنا إلاّ ما علّمتنا إنّك أنت العليم الحكيم "

و آية فيها قول أهل الجنّة: " الحمد لله الذّي أذهب عنّا الحزن إنّ ربّنا لغفور شكور "

وآية فيها قول أهل النّار: " ربّنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون "

وآية فيها قول إبليس: " أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين "

فقال الحجاج : أخبرني عمّن خُلق من الهواء ؟ ومن حُفظ بالهواء ؟ ومن هلك بالهواء ؟

فقال الغلام : الذي خُلق من الهواء سيّدنا عيسى عليه السّلام، والذّي حُفظ بالهواء سيّدنا سليمان بن داود عليهما السلام ؛ وأما الذّي هلك بالهواء فهم قوم هود.

فقال الحجّاج : فأخبرني عمن خُلق من الخشب ؟ والذّي حُفظ بالخشب ؟ والذّي هلك بالخشب ؟

فقال الغلام : الذي خُلق من الخشب هي الحيّة خُلقت من عصا موسى عليه السّلام، والذّي حُفظ بالخشب نوح عليه السّلام، والذّي هلك بالخشب زكريّا عليه السّلام.

فقال الحجّاج: فأخبرني عمّن خُلق من الماء ؟ ومن نجا من الماء ؟ ومن هلك بالماء ؟

فقال الغلام: الذّي خُلق من الماء فهو أبونا آدم عليه السّلام، والذّي نجا من الماء موسى عليه السلام، والذّي هلك بالماء فرعون.

فقال الحجّاج : فأخبرني عمّن خُلق من النّار ؟ ومن حُفظ من النّار ؟

فقال الغلام : الذي خُلق من النار إبليس، والذّي نجا من النّار إبراهيم عليه السّلام.

فقال الحجّاج : فأخبرني عن أنهار الجنّة وعددها ؟

فقال الغلام : أنهار الجنّة كثيرة لا يعلم عددها إلاّ الله تعالى كما قال في كتابه العزيز فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغيّر طعمه وأنهار من خمر لذّة للشاربين وأنهار من عسل مُصفى... وكلّها تجري في محلّ واحد لا يختلط بعضها ببعض ويوجد نظيره في الدّنيا وهو في رأس بني آدم طعم عينه مالح وطعم أذنه مرّ وطعم فمه عذب .

فقال الحجّاج : إنّ أهل الجنّة يأكلون ويشربون ولا يتغوّطون فهل يُوجد مثلهم في الدنيا ؟

فقال الغلام : الجنين في بطن أمّه يأكل ويشرب ولا يتغوّط.

فقال الحجّاج : فما أوّل قطرة من دم؟

فقال الغلام : هي حيض حواء.

فقال الحجّاج : فأخبرني عن العقل ؟ والإيمان ؟ والحياء ؟ والسّخاء ؟ والشجاعة ؟ والكرم؟ والشهوة ؟

فقال الغلام : إن الله قسّم العقل عشرة أقسام جعل تسعة في الرجال و واحداً في النّساء، والإيمان عشرة تسعة في اليمن وواحداً في بقية الدنيا، والحياء عشرة تسعة في النساء وواحداً في الرجال، والسّخاء عشرة تسعة في الرّجال وواحداً في النساء، والشجاعة والكرم عشرة تسعة في العرب وواحداً في بقية العالم، والشهوة عشرة أقسام تسعة في النساء وواحداً في الرجال.

فقال الحجّاج : فأخبرني ما يجب على المُسلم في السنة مرّة ؟

فقال الغلام : صيام رمضان.

فقال الحجّاج : وما يجب في العمر مرّة ؟

فقال الغلام : الحجّ إلى بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلا .

فقال الحجّاج : فأخبرني عن أقرب شيء إليك ؟

فقال الغلام : الآخرة .

ثم قال الحجّاج: سُبحان الله يأتي الحكمة من يشاء من عباده ما رأيت صبيّا أتاه الله العلم والعقل والذكاء مثل هذا الغلام.

فقال الغلام : أنا أهل لذلك.

فقال الحجّاج : فمن أحقّ الناس بالخلافة ؟

فقال الغلام : الذي يعفو ويصفح ويعدل بين الناس.

فقال الحجّاج : فأخبرني عن النّساء ؟

فقال الغلام : أتسألني عن النساء وأنا صغير لم أطـّلع بعد على أحوالهنّ و رغائبهن ومعاشرتهن ولكني سأذكر لك المشهور من أمورهن. فبنت العشر سنين من الحور العين، وبنت العشرين نزهة للناظرين، وبنت الثلاثين جنّة نعيم، وبنت الأربعين شحم ولين، وبنت الخمسين بنات وبنين، وبنت الستين ما بها فائدة للسائلين، وبنت السبعين عجوز في الغابرين، وبنت التسعين شيطان رجيم، وبنت المائة من أصحاب الجحيم.

فضحك الحجّاج وقال:أيّ النّساء أحسن؟

فقال الغلام : ذات الدّلال الكامل والجمال الوافر والنطق الفصيح التّي يهتزّ نهدها ويرتاح ردفها.

فقال له الحجاج : أخبرني عن أوّل من نطق في الشعر؟

فقال الغلام : آدم عليه السلام وذلك لمّا قتل قابيل أخاه هابيل.
أنشد آدم يقول :
بكــت عــينـي وحـق لـها بكاهـــا *** ودمــــع الـــعـــين منهمل يسيح
فـــمـا لـي لا أجــود بسـكـب دمع *** و هـابــيل تضمّنـه الـضــريـــــح
رمــى قــابـيـل هـــابــيــلاً أخـــاه *** وألحد في الثرى الوجه الـصبيح
تغـــيرت البـــلاد ومـــن عـــليها *** فــوجــــه الأرض مــغــبر كشيح
تـــبدل كـــل ذي طــعــم ولــــون *** لـــفـقـدك يا صــبــيـح يا ملــــيح
أيا هـــــابــيل إن تــقــتـل فإنــــي *** عـــليك الــــدهر مكتـئـب قريــح
فأنت حياة من في الأرض جميعاً *** وقــــد فــقـدوك يا روح وريـــح
وأنـــت رجــيــح قــدر يـا فصيح *** سلـــيم بـل ســـميح بــل صبيـــح
ولــــسـت مــيـت بـــــل أنت حي *** و قــابــيــل الشــقي هو الطريـح
علـــــيه السخــط من رب البرايا *** و أنت عـــليـــك تسليم صريـــح
فأجابه إبليس يقول :
تـنوح على البلاد ومن عليها *** وفي الفردوس قد ضاق بك الفسيح
وكـــنت بها وزوجك في نعيم *** مــن الــمــولـى وقـلـبك مسـتريـــح
خـدعتك في دهائي ثم مكري *** إلــــى أن فـــاتـك الــعيــش الرشيح

فقال الحجاج : أخبرني يا غلام عن أجود بيت قالته العرب في الكرم ؟

فقال الغلام : هو بيت حاتم طي.
حيث يقول:ـــ
وأكرم الضيف حتما حين يطرقني *** قبل العيال على عسر و إيسار

فقال الحجاج : أحسنت يا غلام وأجملت وقد غمرتنا ببحر علمك فوجب علينا إكرامك ثم أمر له بألف دينار وكسوة حسنة و جارية وسيف وفرس.

وقال الحجّاج في نفسه : إن أخذ الفرس نجا وإن أخذ غيرها قتلته فلما قدمها له.

ثم قال الحجاج : خذ ما تريد يا غلام فغمزته الجارية.

وقالت : خذني أنا خير من الجميع فضحك الغلام وقال ليس لي بك حاجة وأنشد يقول :ـــ
و قــرقعــت اللجان بـــرأس حــمراً *** أحــــب إلىّ مــما تــغــمـزني
أخـاف إذا وقعــت عــــلى فراشــي *** وطالت علتي لا تصحبينـــي
أخـــاف إذا وقــعــنا فــي مضـــيـق *** وجار الدهر بي لا تنصريني
أخـــاف إذا فـقــدت المــال عــندي *** تــمــيلي للخصام وتهجريني
فأجابته الجارية تقول :ــ
معاذ الله أفـــعــــل مـــا تــــقــول *** ولو قطعت شمالي مع يميني
وأكتم سر زوجــي فــي ضميري *** وأقـــنع باليسير وما يــجيني
إذا عاشـــرتني وعرفت طـــبعي *** ستــعــلم أنـــني خــير القرين

فقال الحجّاج : ويلك ألا تستحين تغمزينه وتجاوبينه بالشعر.

فقال الغلام : إن كنت تخيرني فإنني أختار الفرس أمّا إن كنت ابن حلال فتعطيني الجميع.

فقال الحجاج : خذهم لا بارك الله لك فيهم.

فقال الغلام : قبلتهم لا أخلف الله عليك غيرهم ولا جمعني بك مرة أخرى.

ثم قال الغلام : من أين أخرج يا حجّاج ؟

فأجابه الحجّاج : اخرج من ذاك الباب فهو باب السّلام.

فقال الجلساء للحجّاج : هذا جلف من أجلاف العرب أتى إليك وسبك وأخذ مالك فتدلّه على باب السلام ولم تدله على باب النقمة والعذاب ؟

فقال الحجّاج : إنّه استشارني والمستشار مؤتمن...

وخرج الغلام من بين يدي الحجّاج سالماً غانماً بفضل ذكائه وفهمه ومعرفته وحسن اطلاعه


​