جلال البحري

منتدى تونس التّربوي
مؤسّس الموقع
المشاركات
1,527
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
المستوى الدّراسي
دراسات معمّقة
الاختصاص
أدب عربي
المهنة
أستاذ
    في انفتاح الإنيّة: من الذّاتيّة إلى البينذاتيّة ( الوعي بالذات يستوجب الوعي بالآخر )
  • #1
الــقسم : دروس
في انفتاح الإنيّة: من الذّاتيّة إلى البينذاتيّة
( منقول )
النّصّ السّند الأوّل:
الوعي بالذات يستوجب الوعي بالآخر ( هيجل )
لقد كان تحديد الإنيّة إلى حدود القرن 18 مركّزا على معنى الأنا بما هو جوهر متعال مستقلّ بذاته، و لم يحضر الآخر ( الغير ) إلاّ على صورة يجب إقصاؤها أو التسلّط عليها أو إخضاعها: لم يكن بالإمكان أن يحضر الآخر كإحراج يطرحُ من جديد مسألة الوعي بالذّات.
إنّ هذا الحضور اعترف به هيجل، فقد أعاد النّظر في وضعيّة الأنا الذّي سيضطرّ إلى استدعاء الوساطة أو الآخر لكي يعرّف إنيّته.
يعتبر هيغل أنّ الفكر يظهر و يتجلّى في التّاريخ، و أنّ التّاريخ هو معرفة بمراحل تطوّر الفكر الإنساني و بكيفيّة تشكّل هذا الوعي و تحقّقه .
الأطروحة:
- يقرّ هيغل بضرورة الانفتاح على الآخر لتحقيق الإنيّة و تحديدها
- يُمثّل الانفتاح على الآخر من أجل افتكاك الاعتراف بالذّات كذات واعية لحظة ضروريّة من لحظات الوعي بالذّات. و السّبيل إلى ذلك المجازفة بالحياة و خوض الصّراع.
الأطروحة المستبعدة:
تنسيب التصوّر الدّيكارتي للوعي باعتباره وعيا منقوصا لأنّه يفتقر للحقيقة.
الإشكاليّة:
- هل تتحقّق الإنيّة بالتّعالي عن الآخر و إقصائه أم بالانفتاح عليه لافتكاك الاعتراف بالذّات؟
- هل الآخر ينفي الوعي أم يؤسّسه؟
- كيف يتجاوز تحقّق الوعي بالذّات إقصاء الآخر لكي يتحدّد في علاقة صراع معه؟
- ضمن أيّة شروط يتحقّق الوعي بالذّات: أبإقصاء الآخر و التّعالي عنه أم بالاعتراف به و الانفتاح عليه؟
مسار الحجاج:
i- طبيعة الوعي بالذّات في شكله الأوّل
ii- الوعي بالآخر لحظة ضرورة من لحظات الوعي بالذّات
البرهنة:
i- طبيعة الوعي بالذّات في شكله الأوّل: منطلق الوعي بالذّات
ينطلق هيجل من فكرة الوعي باعتباره محرّكا أساسيّا للوجود الإنساني، لذلك سيكون مشروع البحث عن الوعي قائما على رحلة تقوم بها الرّوح، و حركة متواصلة تنشدُ من خلالها المطلق ( الرّوح أو العقل المغترب - العقل الذّاتي - العقل الموضوعي- العقل المطلق )
يكون المنطلق هو الوعي الحسّي و هو الوعي المباشر بالشيء في فرديّته، و تعبّر هذه اللّحظة عن فقدان الذّات في ثراء العالم المادّي ( الطّفل - الجاهل - الإنسان البدائي ) ثمّ الوعي بالذّات
تُحاول الرّوح أن تجد ما قد يعيدها لذاتها لكن إلى حدّ المستوى الذّي تتحرّك فيه هذه الرّوح من خلال الوعي لم تكن ترى في ذاتها إلاّ وجودا بسيطا مساويا لذاته يُقصي كلّ آخر، و كأنّنا في هذه المرحلة لازلنا نتحرّك داخل منطق الذّاتيّة الدّيكارتيّة، حيث لا ترى الذّات إلاّ ذاتها نافية كلّ وسائط و كلّ حضور للآخر عالما كان أو ذاتا أخرى.
نستنتج إذن أنّ الوعي بالذّات في اللّحظة الأولى هو وعي مطلق متعالي، فهو موجود لذاته و بذاته لا لغيره، و لهذا سيعمل هذا الوعي على اعتبار أنّه شيء متميّز متفرّد و أنّ الآخر موسوم بالسلبيّة لا قيمة له، فهو مجرّد عرض و ليس جوهرا.
إلاّ أنّ مغامرة الحياة ستضع كلّ هذه القناعات موضع تساؤل، إذ سيجد هذا الوعي بالذّات ذاته في مواجهة وعي آخر بالذّات. لذلك فإنّ الوعي بالذّات حسب رأي هيجل لا يتمّ بالصّورة الديكارتيّة. ذلك أنّ الذّات بعودتها إلى ذاتها ستدرك أنّها تفتقر للمحتوى و في حالة انعزال تامّ و عليها أن تثبت ذاتها بالانفتاح على الآخر.
ففي نفي ديكارت للعالم الخارجي إقرار بمدى ارتباط الذّات بالآخر لأنّه دفعها إلى نفيه.
يقرّ هيجل بأنّ الوعي في شكله الأوّل هو وعي منقوص، ذلك أنّ الذّات تكتفي بيقينها و اعتقادها بأنّها ذات واعية، في حين يتعيّن عليها الانتقال من اليقين إلى الحقيقة التّي تكمن في الانفتاح على الآخر. ذلك أنّ حقيقة الوعي بالذّات حسب هيجل تسكن في الآخر.
ii- الوعي بالآخر لحظة ضروريّة من لحظات الوعي بالذّات
إنّ الإقرار بالوعي بالذّات لذاته كوعي خالص لن يتواصل، و ذلك لكونه يجد نفسه في مواجهة وعي آخر بالذّات يشتركان معا في الحياة. و بأنّ كلّ منهما هو وعي بذاته خالص، و سينتج عن ذلك صراع يهدف من خلاله كلّ واحد منهما إلى انتزاع أو افتكاك الاعتراف من الآخر و يكون موضوع الصّراع الحياة أو الموت.
و الآخر بدوره وجود لذاته يحتاج إلى الإشباع بما هو وجود حيويّ، لكي تعي الذّات بذاتها تحتاج إلى الخروج و التموضع في التاريخ ( العمل - الفنّ... ) للدّخول في صراع مع الآخر، فيتحقّق الوعي الإنساني نتيجة افتكاك الاعتراف بالذّات كذات واعية من جهة الأنا و من جهة الآخر.
يعرّف هيجل الإنسان بكونه كائن رغبة، و تتّصف هذه الرّغبة منذ البداية بالأشياء الماديّة. غير أنّه في هذا المستوى لا يحقّق وعيه بذاته و إنّما يقع في الاغتراب/ الاستلاب الناتج عن كون الأشياء لا يمكنها أن تعترف بالذّات فتتحوّل عنده إذن هذه الرّغبة إلى رغبة في الاعتراف و لا يمكنها أن تتحقّق إلاّ من قبل ذات أخرى هي بدورها تسعى إلى أن تثبت ذاتها. لذلك يعتبر هيجل أنّ كلّ رغبة إنسانيّة يجب أن تتناول رغبة أخرى. ذلك أنّ الذّات لا ترغب في الآخر بل ترغب في رغبته فيها لتنتزع اعترافه بها كذات واعية.
إنّ كلّ إنسان حسب هيجل يرغب في أن يكون مرغوبا فيه، لذلك عليه أن يرتقي من مستوى الحيوانيّة إلى مستوى الإنسانيّة الحقّ عبر المخاطرة بالحياة أو الصّراع من أجل الحياة أو الموت.
و بما أنّ كلّ فرد مستعدّ للتضحية بالرّغبة في الحياة و القضاء على الآخر لكي يفتكّ الاعتراف، فإنّ لقاءهما لا يمكن أن يكون إلاّ صراعا من أجل الحياة أو الموت. و هو ما ينتهي إلى مغامرة بين هذين الوعيين إلى حدّ التفريط في الحياة، لكن لو فرضنا أنّ كلّ منهما سيتّخذ نفس الموقف فإنّ هذا الصّراع سيؤدّي بالضّرورة إلى فناء أحد الخصمين أو الإثنين و لم يحصل بذلك الاعتراف، لذلك لا بدّ أن يبقى طرفا النّزاع على قيد الحياة. و لن يتحقّق ذلك إلاّ إذا خاف أحد الطرفين و رفض المجازفة بحياته من أجل افتكاك الاعتراف و أرغم على الاعتراف بالذّات الأخرى دون أن تعترف به.
لدينا إذن في هذه الحالة:
- طرف يمضي بالصّراع إلى نهايته، أي المخاطرة و مواجهة الموت مثبتا بذلك وعيه الخاصّ بذاته انطلاقا من افتكاكه لاعتراف الآخر به فيصبح سيّدا
- طرف آخر يخشى الموت فيصبح عبدا للطّرف الأوّل الذّي اعترف به على أنّه سيّد دون أن يفتكّ منه الاعتراف فيتحوّل بذلك إلى عبد
تنشأ بذلك جدليّة السيّد و العبد
غير أنّ الوعي بالذّات فعليّا لن يتحقّق إلاّ من خلال عنصر الوساطة. الذّي يفترض أن يكون للوعيين معا وجود حقيقيّ عبر الآخر. لذلك فإنّ اعتراف العبد بالسيّد في البداية لا قيمة له لأنّ العبد و وجوده لا قيمة لهما في نظر السيّد
إنّ الاعتراف المتبادل هو شرط لكلّ وعي بالذّات مع هيجل
و لكي يتعرّف العبد على ذاته يجب أن يعمل، أي أن يدخل في صراع مع الطّبيعة و مع الآخر. فهذا العبد الذّي رفض في البداية المجازفة بحياته أدرك أنّه ليس من اليسير انتزاع اعتراف الآخر، لكن من خلال العمل تمكّن من تحقيق إنسانيّته.
نستنتج إذن أنّ جدليّة السيّد و العبد تُعبّر عن جدليّة الوعي الذّاتي و تكشف عن اختلاف مواقف الأفراد من ضرورة تحقيق وعيهم بذواتهم.
لم تعد الإنيّة وفق التصوّر الهيجلي قادرة أن تتحقّق دون وساطة الغيريّة ( الذّوات الأخرى ) بل إنّ إنسانيّة الإنسان لا تفهم إلاّ من خلال انفتاح ضروري على الآخر فالإنيّة تتحرّك داخل الوساطة.
الرّهانات:
- التحرّر من التحديد الضيّق و الميتافيزيقي للإنيّة كأنانة أو الأنا الواحديّة و التفطّن إلى الطّابع المركّب للإنيّة
- الانتقال من النظر إلى الغيريّة كنفي للإنيّة إلى اعتبارها شرط تحقّقها
المكاسب:
أن يعلن الوعي على ولادة الذّات كفكر، هذا لا يعني الانغلاق في عالم الأنانة و إقصاء الغير، بل هذا يفيد أن يتحوّل كلّ إثبات للإنيّة إلى إثبات الغيريّة، فالإنيّة ليست انصرافا عن الغيريّة بل انصرافا إلى الغيريّة
لا تتحقّق الإنسانيّة فعلا إلاّ عبر إطار بينذاتي ( إطار مدني - اجتماعي ) قائم على الاعتراف المتبادل
الحدود:
هل الصّراع هو الأفق الوحيد إلى العلاقة بين الذّوات؟ و هل قدر الإنساني أن يكون امتيازا لهذا دون ذاك؟
إنّ اللّقاء بالآخر لا يكون بالضّرورة مناسبة أو مجال للصّراع، بل إنّ الاعتراف بغيريّة الآخر تقتضي علاقة مواجهة ( الحضور وجها لوجه ) قوامها الحبّ و التعاطف و الصداقة
 
  • المشاهدات
    14,721
  • الرّدود
    0

  • أعلى أسفل