• منتدى تونس التّربوي

    ميادين الإبداع

الإنساني بين الكثرة و الوحدة في انفتاح الإنيّة: من الإنيّة إلى البينذاتيّة ( الفردي و الكوني: سارتر )

جلال البحري

منتدى تونس التّربوي
مؤسّس الموقع
المشاركات
1,773
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
م. الدّراسي
دراسات معمّقة
الاختصاص
أدب عربي
المهنة
أستاذ
في انفتاح الإنيّة: من الإنيّة إلى البينذاتيّة ( الفردي و الكوني: سارتر )
( منقول )
التّمهيد:
يقول ديكارت في منتصف التأمّل الثّاني: " ماذا أرى من نافذتي غير قبّعات و معاطف، لا أرى من نافذتي... بل آلات "
لا يمكن أن أجزم من وجهة فلسفيّة تأمّليّة أنّ ما أشاعدُهُ هو إنسان، فأنا على يقين بأنّي أفكّرُ و المِثْلُ بالمِثلِ. و لكن عندما يتعلّق الأمر بتبادل تجربتنا حول ذاتها المفكّرة هل بإمكاننا إدراك الذّات من الخارج؟
يستحيل على الشّعور بالذّات أن يدرك من الخارج، يتمثّل المشكل إذن في عدم إمكانيّة تبادل هذه التّجربة التّي تقوم على الانغلاق
الحلّ: ضرورة تعريف غيريّة الآخر، فلو كان الغير كموضوع إنسانا فماذا ينجم عن ظهوره؟ هل علاقتي بالغير هي من قبيل العلاقة المعرفيّة أم هي علاقة مباشرة أم تستدعي وسائط؟
الأطروحة:
إنّ الآخر شرط ضروريّ لوجود الذّات في العالم و لوعيها بذاتها، و لكي يتحقّق التّعايش يتعيّن على الذّات الاعتراف بالآخر و أن تكون مسؤولة إزاءه
يقرّ سارتر بالعلاقة الضّرورة بين وجود الآخر و وجود الأنا، فواقع الغير لا مفرّ منه.
الأطروحة المستبعدة: نقد سارتر للكوجيتو الدّيكارتي الذّي يتأسّس على تمركز الذّات حول ذاتها و يؤكّد على وجود الذّات بما هي فكر دون حاجة إلى الآخر ( الذّاتيّة المتعالية )
الإشكاليّة:
هل أدرك ذاتي في فرديّتي و بإقصائي للغير أم أنّ الأمر يقتضي الاعتراف بالغير بما هو شرط أساسيّ لوجودي و لتحقّقي؟
نظام البرهنة:
i- نقد سارتر للتصوّرات الكلاسيكيّة حول الإنسان
ii- منزلة الآخر في تحديد كينونتي
البرهنة:
I- نقد سارتر للتصوّرات الكلاسيكيّة حول الإنسان

يتوجّه سارتر بالنّقد إلى الأطروحات ذات الأساس الميتافيزيقي ( أفلاطون - ديكارت ) التّي تعبرُ أنّ الإنسان ماهيّة، بمعنى جملة من الخصائص الثّابتة التّي تجعل من الإنسان جوهرا ثابتا أو صورة عقليّة. فالأنا باعتباره العقل أو النّفس تجعل الإنسان يتحدّد كصورة ثابتة واحدة لا تقبل التجزئة.
إنّ الحديث عن الماهيّة يفضي إلى القول بأنّ للإنسان طبيعة، فيتحدّد بذلك كقيمة أخلاقيّة لا تتغيّر وفق الظّروف
ليس للإنسان ماهيّة في منظور سارتر بل هو كائن مادّي يتنزّل ضمن معيش و واقع اجتماعيّ و اقتصاديّ و تاريخيّ يُقيم انطلاقا من هذا الواقع علاقة بالذّوات الأخرى
ii- منزلة الآخر في تحديد كينونتي
يعتبرُ سارتر أنّ الإنسان قُذف به في هذا العالم دون ماهية، و عليه أن يتحمّل أعباء وجوده. فيصنع ماهيّته بنفسه. ذلك أنّ " الوجود يسبق الماهيّة بالنّسبة للإنسان " فالوجود شأن ذاتيّ شخصيّ يخصّ الإنسان كفرد " الإنسان صانع ذاتِهِ بذاتِهِ " غير أنّه لا وجود لأنا منعزلة عن الآخر بل تكون منخرطة في العالم تحدّدها الظّروف الاجتماعيّة و الاقتصاديّة و السياسيّة و التاريخيّة...
الآخر هو قدر الأنا: ضرورة الاعتراف به كحضور في العالم، فالآخر هو الأهمّ بالنّسبة للأنا لمزيد التعرّف على ذاته و لإثبات إنيّته. فهو ما يسمحُ للأنا بصنع ذاته
إنّ صنع الذّات لذاتها يتمّ في نطاق علاقة الصّراع و النّفي القائمة بين الأنا و الغير، و هي علاقة نفي متبادل. فأنا أموضع الغير و أنفيه و يموضعني بدوره و ينفيني، و هو ما تكشف عنه تجارب وجوديّة عديدة منها تجربة الخجل.
يُعرّف سارتر الخجل بقوله: " إنّ الخجل شعور بدائيّ ( أصلي، مبدئي... ) لا لأنّني اقترفتُ ذنبا أو ارتكبت خطأ بل لأنّني تهاويت في هذا العالم بين الأشياء و لأنّني أحتاج إلى وساطة غيري كي أصبح ما أنا عليه "
إنّ الشعور مأتاه حاجة الأنا إلى الآخر أي إلى وساطة يتحقّق الأنا في الحقيقة و يسجّل حضوره في العالم.
من المستحيل أن أخجل و أنا وحدي
إنّ هذا الأنا الذّي أخجل منه ليس مجرّد صورة قبيحة أو مشينة علقت بفعل حادث، بل هو أساسا اعتراف بأنّي كما يراني الآخر، هو اعتراف صارخ بأنّي ما يراهُ غيري.
تكمُن أهميّة الآخر في الحالة الوجدانيّة التّي يحدثها في الأنا، حيث أكون باستمرار منزعجا و في خطر، ذلك أنّ الآخر يفصل بيني و بين ذاتي. فأنا أفلتُ من ذاتي و أكيدُ إلى غيري وجها لا أعرفُهُ لأنّي أجهل كيف يحكم عليّ. هذا ما يجعلني أحسّ بخطر يُحدق بي في نظر الغير إنّ هذه الوضعيّة تدفعُ الأنا إلى إنشاء معناه في هذا العالم، لأنّ الإحساس بالملل ( الحيرة التّي يشعر بها الإنسان في كلّ لحظة من وجوده ) نتيجة الصّراع ضدّ الآخر دليل على تحمّل الفرد لمسؤوليّة وجوده.
نستنتج إذن أنّ الآخر يُمثّل شرطا ضروريّا لإثبات وجودي، و يتجلّى ذلك في تأكيد سارتر " الغير هو وسيط ضروريّ بيني و بين ذاتي "
هذا ما يجعل تجربة الطّفل المتوحّش التّي تعبّر عن غياب الغير، تحيلنا إلى فقدان الإنسان لإنسانيّته. فالآخر هو شرط بإمكان تحقّق الذّات كذات واعية إنسانيّة و لكنّه عائق في آن، فعندما أستغني عنه أكون مهدّدا بفقدان الذاتيّة.
النّقاش:
- المكاسب:
تكمن قيمة هذا الموقف في أنّه يضع حدّا للتّعالي و لإقصاء الغير و للحرب الدّائمة بين الذّوات، و ذلك بهدف الاعتراف بالآخر و الوعي بالحاجة إليه. فيتحوّل الآخر إلى مجال لتحقّق الوعي بالذّات
- الحدود:
يظلّ التّواصل في نطاق الصّراع رهين خصائص الذّات و رهين الواقع الاجتماعي و السياسي الذّي تتنزّل ضمنه لذلك يصعب علينا تعميمُهُ على كلّ الذّوات.