• منتدى تونس التّربوي

    ميادين الإبداع

الإنساني بين الكثرة و الوحدة تأمّلات نقديّة للإنيّة و الغيريّة: حوار حول الرّاهن الحضاري ( كيف نؤرّخ للجسد: فوكو )

جلال البحري

منتدى تونس التّربوي
مؤسّس الموقع
المشاركات
1,773
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
م. الدّراسي
دراسات معمّقة
الاختصاص
أدب عربي
المهنة
أستاذ
تأمّلات نقديّة للإنيّة و الغيريّة: حوار حول الرّاهن الحضاري
( كيف نؤرّخ للجسد: ميشال فوكو )

( منقول )
الـــنــــصّ
كيف نؤرّخ للجسد
عالج المؤرّخون تاريخ الجسد منذ عهد طويل. فقد درسوا الجسد في نطاق الديمغرافيا أو علم الأمراض التاريخيين، و نظروا إليه بصفته بؤرة من الحاجات و النّوازع، و حيّز للمسارات الفزيولوجيّة و التحوّلات الحيويّة، و هدفا لإصابات جرثوميّة أو فيروسيّة. إنّهم بيّنوا إلى أيّ حدّ كانت المسارات التاريخيّة متضمّنة في ما يمكن اعتباره الركيزة البيولوجيّة الصرف للوجود، و أيّ مكانة ينبغي إضفاؤها، في تاريخ المجتمعات، على " أحداث " بيولوجية مثل دوران العصيّات ( Bacilles ) أو التمديد في فترة الحياة، بيد أنّ الجسد يتنزّل أيضا تنزيلا مباشرا في مجال سياسي، و علاقات السلطة تمارس عليه هيمنة مباشرة. إنّها تستثمره و تطبعه و تقوّمه و تُنكّل به و ترغمه على ضروب من الأعمال و تكرهه على الشعائر و تطالبه بضروب من الإشارات. و هذا الاستثمار السياسي للجسد مرتبط، بحسب علاقات معقدة و متبادلة، باستخدامه الاقتصادي، فإنّما يستثمر الجسد غالب الحالات في علاقات سلطة و هيمنة بوصفه قوّة إنتاج. بيد أنّ تكوينه بصفته قوّة إنتاج لا يكون ممكنا في مقابل ذلك إلاّ إذا أخذ داخل نظام استعبادي ( حيث تكون الحاجة أداة سياسيّة أيضا معدّة و محسوبة و مستعملة بعناية شديدة ) فإنّ الجسد لا يصبح قوّة نافعة إلاّ إذا كان جسدا منتجا و جسدا مستعبدا في آن واحد. و هذا الاستعباد لم يتمّ التحصّل عليه بواسطة وسائل العنف أو الإيديولوجيا وحدها بل من الممكن جدّا أن يكون مباشرا و فيزيائيّا، و أن يغالب القوّة بالقوّة، و أن يتعلّق بعناصر ماديّة و مع ذلك فهو لا يكون عنيفا، بل و يمكن أن يكون محسوبا و منظما بطريقة تقنيّة و يمكن أن يكون دقيقا و لا يستخدم أسلحة و لا إرهابا، و مع ذلك لا يتعدّى الصعيد الفيزيائي. و معنى ذلك أنّه يمكن أن توجد " معرفة " بالجسد لا تكون بالتحديد علما يكيفيّة اشتغاله، و سيطرة على قواه أشدّ من القدرة على دحرها: و هذه المعرفة و هذه السيطرة تشكّلان ما يمكننا تسميته بالتكنولوجيا السياسية للجسد.
و من المؤكّد أنّ هذه التكنولوجيا مبثوثة و من النادر أن تكون مصوغة في خطابات متصلة و نسقية. فهي مكوّنة في الغالب من قطع و أجزاء و تعمل بوسائل و طرق متفرّقة و هي ليست في جلّ الحالات و بالرغم من تماسك نتائجها سوى توظيف متعدّد الأشكال.
و بالإضافة إلى ذلك نحن لا نستطيع تحديد موضع التكنولوجيا السّياسيّة في صنف معيّن من المؤسّسات و لا في جهاز حكومي، فهذان الأخيران يلجآن إليها و يستعملان أو يقيّمان أو يفرضان بعضا من أساليبها. أمّا هي ذاتها فتقع بآليّاتها و مفعولاتها على صعيد آخر تماما.
إنّما يتعلّق الأمر، إن شئنا، بميكروفيزياء السّلطة تشغلها الأجهزة و المؤسّسات، و لكن مع وضع مجال صلاحيتها بشكل من الأشكال في ما بين هذه الآليّات الضخمة و بين الأجساد نفسها بماديتها و قواها.
ميشال فوكو
المراقبة و العقاب

إنّ مسألة الإنيّة و الغيريّة هي مسألة تقتضي أن نفكّر في الإنساني باعتباره حركة و مشروعا يتحقّق تدريجيّا من خلال وحدة المطلب و تعدّد الدّلالة. فالإنسان يفهم ذاته من خلال ما يقوّمهُ. فالإنيّة تحضر من خلال مجال مطلق يضمن استقلال الأنا، إلاّ أنّ الغيريّة تطرح هنا كضرورة باعتبارها متضمّنة في الإنيّة أو باعتبار أنّ الانفتاح على الغير ليس خيارا بل ضرورة. فالعالم هو الغير.
هما شرطان أساسيّان يتحدّد من خلالهما الوعي الذّي يتمّ بالضّرورة عبر الوعي بالآخر. و هذا الإدراك يشترط حضور العالم كهدف يتحقّق من خلاله هذا الأنا.
غير أنّ فلسفات التّأويل ( أقطاب الظنّة: نيتشة/ فرويد/ ماركس ) تظنّنت على الوعي
فهل هو تظنّن على القول بالذّات المفكّرة فحسب؟
إنّ التظنّن على الوعي ( القول بزيفه ) هو أيضا تظنّن على القول بالذّات المتجسّدة
فكيف نفهم هذا القول، في حين أنّ الحضارة المعاصرة تعتبر حضارة الجسد بامتياز؟
إنّ تحرير الجسد من سلطة النّفس أدّى إلى الإقرار بقيمته و بسيادته على الذّات و على العالم خاصّة بعد أن كشفت الفينومينولوجيا عن مستطاعاته المعرفيّة و الأنطولوجيّة و الاجتماعيّة و الثقافيّة.
غير أنّ عودة هذا المكبوت ( اللاّمفكّر فيه في نطاق الميتافيزيقي ) مع الفينومينولوجيا، أو هذا الجسد المتحرّر لا يمكن أن تكون عودة دون سلطة، و من هنا اعتبر ميشال فوكو أنّ كلّ طرح لإشكاليّة الجسد بمعزل عن إشكاليّة السلطة هو طرح واهم و زائف، لأنّ السّلطة مبثوثة في كلّ مكان. فهي " هذا الظّاهر الخفيّ الذّي يعترضنا حيثما ولّينا وجوهنا "
إنّ كلّ طرح للجسد له علاقة بميكروفيزياء السّلطة
ميكروفيزياء: السلطة مبثوثة في المؤسّسات و المواقع و التقنيات و شبكات العلاقات، و هي تتكوّن من جزئيّات. و من بين هذه الجزئيّات المعرفة و من بينها المعرفة بالجسد ( توجد السّلطة في مؤسّسات مرئيّة كالسّجن و المصنع و توجد في مجالات تبدوا بعيدة عن السّلطة كالمعرفة )
نستنتج إذن أنّ الجسد ليس بؤرة فعل حرّ مثلما اعتقد مرلوبنتي بل هو بؤرة فعل لصالح سلطة معيّنة
فأيّة دلالة للسّلطة؟
يتعيّن علينا الانتقال من طرح إشكاليّة السّلطة في علاقتها بالعدل و العنف و الشرعيّة ( طرح زائف و مثاليّ ) إلى طرح السّلطة من حيث هي إشكاليّة التغذية و الأمن و الرّفاه و توفير الصحّة. و بهذا الطّرح تكون السّلطة وجها لوجه أمام الجسد
كيف شخّص ميشال فوكو وضع الجسد في مجتمعاتنا المعاصرة؟
قدّم لنا فوكو تشخيصا أركيولوجيّا ( البحث في أصل السّلطة و آليّات اشتغالها و مواطنها الحقيقيّة/ الحفر في جسد السّلطة لتفكيكها و تبيان جزئيّاتها قصد معرفة وضع الجسد في كلّ جزئيّة منها ) لوضع الجسد في نطاق مجتمعاتنا المعاصرة، و أبرز من خلاله أنّ " السّلطة تستثمر الجسد و تطيعه و تنكّل به و ترغمه على ضروب من الأعمال و تكرهه على الشعائر و تطالبه بضروب من الإشارات "
كيف أُرّخ للجسد قبل ميشال فوكو؟
تعامل التّاريخ مع الجسد على أنّه موضوع بحث علميّ سواء في نطاق الدّيموغرافيا التّي نظرت إليه باعتباره موضوع إحصاء أو في نطاق علم النّفس التّحليلي باعتباره بؤرة من الحاجات و النوازع
إنّ الهدف من البحث البيولوجي و الفيزيولوجي و النّفسي هو معرفة مكوّنات هذه البنية من أجل السيطرة الكليّة على الجسد من خلال معرفة مكوّناته و قدراته و من أجل التمديد في الحياة.
إنّ هذا التّعامل مع الجسد لم يميّز بين الجسد الإنساني و الجسد الحيواني، بل تعامل معه على أنّه بنية حيّة يمكن أن تكون سليمة أو مريضة و قابلة للتوظيف في عدّة مجالات
كيف نقد فوكو هذا التّأريخ للجسد؟
اعتبر ميشال فوكو أنّ الحلقة المفقودة في هذا التّأريخ هو التنزيل السياسي، فالعلم في حدّ ذاته أصبح سلطة موظّفة لخدمة السّلطة السياسيّة، ذلك أنّ العلاقة القائمة بين السّلطة و الجسد هي علاقة هيمنة و استعباد. غير أنّ لهذه الهيمنة أشكال مختلفة، فهي لا تعني الترهيب فحسب بل تعني أيضا الترغيب. و الهدف من هذا الاستعباد هو تطويع الجسد، ذلك أنّ السّلطة هي مجموعة ممارسات تؤثّر في الجسد حتّى يُصبح بؤرة علامات. فالجسد علامة على السّلطة التّي يعيش في إطارها، ممّا يجعله يفقد خصوصيّته ليصبح مكمن علامات السّلطة.
فما هي إذن أشكال ممارسة السّلطة على الجسد؟
تتمثّل أشكال ممارسة السّلطة على الجسد في:
- الاستثمار: يتجلّى ذلك في تعامل السّلطة مه الجسد على أنّه أداة إنتاج و استهلاك و أداة إشهار و دعاية. فالجسد مثلما أكّد على ذلك " بودريار " لا يقف عند حدّ الاستهلاك من أجل التبادل و الاستعمال بل هو يستهلك من أجل التمايز الاجتماعي، فنحن لا نستهلك أشياء بل نستهلك علامات.
ممّا يبرز " السّلطة تولّد الرّغبة " التّي لم تعد عند ميشال فوكو طبيعيّة بقدر ما هي ثقافيّة.
- السّلطة تطبع الجسد: يصبحُ الجسد رمزا من رموزها أو علامة من علاماتها، فهي تنحته نحتا: معنويّا عن طريق المؤسّسات التربويّة و وسائل الإعلام و ماديّا عن طريق الوشم ( مثلا ) الذّي يعبّر بالنّسبة إلى بعض الشّعوب عن مرحلة الانتقال من المراهقة إلى الرّشد، فالطّبع على الجسد ظاهرة منتشرة منذ القدم.
- السّلطة تقوّم الجسد: تتمثّل هذه السّلطة في تقويم الجسد لكي يصبح طيّعا و خاضعا. و تمثّل الأسرة المؤسّسة الأولى التّي تُوكَل إليها هذه المهمّة ثمّ المؤسّسات التربويّة و الإصلاحيّة، و إن لم تنجح كلّ هذه المؤسسات يتحوّل إلى جسد منفي أو مسجون
- السّلطة تنكّل بالجسد: و هو عنف مادّي مباشر يسمّيه فوكو العقاب، و يكون عن طريق النّفي و السّجن و الإعدام، لأنّه جسد غير ملتزم بالقوانين الاجتماعيّة. فهو " الجسد البهائمي " ( جسد غريزي ) و هو يتنافى مع الجسد المقبول الذّي يحقّ له أن يوجد بالنّسبة للسّلطة " الجسد الصّامت "
- السّلطة ترغم الجسد على ضروب من الأعمال: الهدف من ذلك خلق أجساد طيّعة خاصّة بالسّلطة حيث يفقد الجسد كلّ مقوّماته الذاتيّة ( مثال: جسد الجندي )
- السّلطة تكرٍهُ الجسد على الشّعائر: الشّعائر الدينيّة المتّبعة من قبل الجهاز السياسي أو الشّعائر الوطنيّة لإحياء تراث معيّن لخدمة مصلحة نظام سياسي ما
- المطالبة بضروب من الإشارات: لكلّ سلطة علاماتها ( العلامات اللغويّة ) التّي تستخدمها المؤسّسات الاقتصاديّة و السياسيّة و التربويّة و الدينيّة ) التّي تريد أن تجسّدَها في الإنسان، فيصبح بذلك الجسد شبكة من العلامات و الرّموز. من ذلك عارضة الأزياء فكلّ حركة في جسدها دالة على سلطة معيّنة، و هو ما يجعل كلّ جسد رمزا
نستنتج إذن أنّ:
- أنّ الجسد مع فوكو أصبح " المنظومة الرمزيّة العامّة للسّلطة " بعد أن كان مع مرلوبنتي المنظومة الرمزيّة للعالم. فيذوبُ بذلك الجسد كذات ليصبح جسد المؤسّسات ( مثال: يمثّل الغذاء إعلانا عن تبنّي بعض المؤسّسات )
- نستنتج أنّ السّلطة من حيث هي " فعاليّة حيويّة " لا تعتمد إلاّ على أجساد البشر " السّلطة تخترق الأجساد و تصنعها " ممّا يعني أنّ السّلطة تصنع الإنسان، في حين سلّم سارتر بأنّ " الإنسان ذاته بذاته أو ينتج نفسه "
- كما نستنتج أنّ هذا الجسد لم يعد ينتمي إلى دائرة المسكوت عنه و الذّي أصبح يمثّل هويّتنا قد قبر نفسه بنفسه من خلال رغبته في الظّهور و قبر العقل لسقوطه في دائرة لعبة السّلطة بما هي لعبة عقليّة.