- المشاركات
- 1,773
- الدّولة
- تونس
- الولاية
- بنزرت
- م. الدّراسي
- دراسات معمّقة
- الاختصاص
- أدب عربي
- المهنة
- أستاذ
التّواصل بما هو نظام رموز
( منقول )
وضعيّة استكشاف:
إذا سلّمنا مع إيريك فروم بأنّه لم توجد حضارة في الماضي و لا توجد في الحاضر و يبدو أنّها لن توجد في المستقبل حضارة بلا دين، و إذا سلّمنا مع بركسون بأنّه يمكن أن توجد مجتمعات دون فنّ و مجتمعات دون علم و يمكن أن نجد مجتمعات دون فلسفة و أنّه لا يمكن أن يوجد أبدا مجتمع دون دين. فعلينا أن نبحث و نستشكل كثافة حضور الدّين و قيمته بما هو نظام رموز و وسيط تواصل بين الذّات و ذاتها و بين الذّات و العالم و بين الذّات و الآخر و علاقة المجموعة بالمجموعة للتعرّف إلى إمكان تحقيقه لإنسانيّة الإنسان أو أن يكون علّة لاغترابه و موته و تشتدّ الحاجة إلى هذا الاستشكال في زمن سيادة العلم و الصّورة.
ماذا نقصد بقولنا أنّ الدّين هو نظام رمزيّ؟
هل هذا النّظام الرمزيّ يفضي إلى التّواصل أم إلى اللاّتواصل؟
النّصّ السّند:
المقدّس و الدّنيوي اليوم
الإنسان الديني، مهما كان السياق التاريخي الذّي يغرق فيه، يؤمن دائما بأنّ حقيقة مطلقة موجودة دائما، و أعني بها المقدّس الذّي يخترق هذا العالم و يتجلّى فيه في نفس الوقت، و هو لهذا السبب يقدّس العالم و يعترف به حقيقيّا. فهو يؤمن أنّ للحياة أصلا مقدّسا، و أنّ الوجود البشري يحرّك جميع قواها الكامنة بمقدار ما هو وجود ديني، أي: المشاركة في ( الحقيقة ). فالآلهة قد خلقت الإنسان و العالم، و الأبطال المحضّرون أتمّوا فعل الخلق، و تاريخ جميع هذه الأعمال الإلهيّة و شبه الإلهيّة قد حفظته لنا الأساطير. إنّ الإنسان، إذ يُحيّن التاريخ المقدّس، و يحاكي المسلك الإلهي، يقيم و يبقى بالقرب من الآلهة، أي في الحقيقي و ذي المعنى.
من السّهل أن نرى كلّ ما يفصل هذا النمط من الوجود عن عالم وجود الإنسان غير الديني. لكن هناك قبل كلّ شيء هذه الواقعة: الإنسان غير الديني يرفض الوجود المفارق، و يقبل نسبيّة " الحقيقة "، و يحدث له أن يشكّ حتّى في معنى الوجود. لقد عرفت الثقافات الكبيرة الأخرى، هي أيضا، أناسا غير دينيين، و ليس من المستحيل أن يوجد منهم حتّى في المستويات القديمة من الثقافة، على الرغم من أنّ الوثائق لم تؤكّد لنا ذلك حتّى الآن. لكن ازدهار الإنسان غير الديني إنّما حدث فقط في المجتمعات الغربيّة الحديثة. الإنسان الحديث غير الديني يتّخذ وضعا وجوديّا جديدا: لا يعترف إلاّ بأنّه موضوع و أداة للتاريخ، و يرفض كلّ دعوة إلى الوجود المفارق. بعبارة أخرى، لا يقبل نموذجا بشريّا خارج الشرط البشري، كالذّي انصرف الإنسان الديني إلى فكّ رموزه في مختلف الأوضاع التاريخيّة. الإنسان يخلق نفسه، و لا يصل إلى خلق نفسه تماما إلاّ بمقدار ما يتجرّد من القداسة و يجرّد العالم منها. القدسي هو العقبة بامتياز أمام حريّته. لن يصير هو نفسه إلاّ أن يثوب إلى رشده جذريّا. لن يصير حرّا حقّا إلاّ أن يقتل الإله الأخير.
ليس من حقّنا هنا أن نبحث في هذا الموقف الفلسفي. و علينا أن نقتصر على القول أنّ الإنسان الحديث غير الديني يحمل، في نهاية المطاف، وجودا مأساويّا، و أنّ اختياره الوجودي هذا لا يخلو من عظمة. لكنّ هذا الإنسان غير الديني ينحدر من سلالة الإنسان الديني، و هو صنيعته، أراد ذلك أم لم يُرد، و قد تكوّن انطلاقا من أوضاع اتّخذها أسلافه.
مرسيا آلياد
المقدّس و الدّنيوي
إشكاليّة النّصّ:
ما منزلة المقدّس داخل التّجربة الإنسانيّة؟
هل هو الحقيقة المطلقة و علّة الوجود أم هو عائق يحول دون الحريّة و الخلق الإنساني و التاريخيّة؟
عناصر النّصّ:
- خصائص النظرة الدينيّة للإنسان و الكون
- خصائص الإنسان غير المتديّن و مميّزاته و نظرته للكون
القسم التحليلي:
- خصائص النّظرة الدينيّة للإنسان و الكون:
تنبني تمثّلات الإنسان المتديّن و تصوّراته لذاته و لعلاقته بالآخرين و الكون على التّسليم بوجود قوّة خارقة مفارقة تحكم الكون، " حقيقة مطلقة " فالدّين يُحيل إلى الاعتقاد بأنّ للكون أصلا مقدّسا و هو علّة نظامه و خلقه.
الدّين: هو التّسليم و الإيمان بوجود قوّة أو قوى غيبيّة تسيطر على الكون و تنظّمه و هي علّته.
إذا كان التديّن يؤسّس على الاعتقاد بالقوى الخارقة و المفارقة للإنسان و للطّبيعة و التّي يجب تعظيمها و إجلالها و تقديسها. فمن تبعات ذلك أن ينشطر العالم و نظرتنا للكون إلى ما يسمّيه الكاتب " المقدّس و الدّنيوي "
هذا المقدّس غير ذي موضوع محدّد، فقد يكون حجارة أو نارا أو شمسا أو شجرة أو بقرة أو نهرا أو فأرا أو أنصاف آلهة أو إله واحدا.
و قد ينشطر المكان و الزّمان إلى أشخاص إلى مقدّس و مدنّس، إذ يوجد أمكنة مقدّسة و أزمنة مقدّسة و أشخاص مقدّسون.
المقدّس: ما يجب تعظيمه
الدنيوي: ما يجب احتقاره
إذا كان المقدّس غير ذي موضوع محدّد كلّ شيء قد يصبح مقدّسا إذا تواضع النّاس على ذلك، إذن المقدّس ليس في الأشياء ذاتها و إنّما في ما يضيفه و يضفيه الإنسان على الأشياء.
المقدّس هو خلق و إنشاء إنسانيّ، فالبقرة ليست مقدّسة كبقرة و إنّما يعتقد الهنود أنه توجد فيها قوّة خارقة يستمدّون منها القوّة و البركة و الفعل، معنى هذا أنّ المقدّس هو:
" المقدّس: إسقاط إنسانيّ من العالم اللاّمحسوس إلى العالم المحسوس، إنّه خلق عالم مغاير لعالم الطّبيعة هو الجانب الروحاني "
إنّ هذا المقدّس تتواضع عليه مجموعة بشريّة ما في تعظيمها، هو حقيقة مطلقة و ثابتة و دائمة و على البشر أن يخضعوا لها و يقدّموا القرابين و الهدايا و الطّقوس و الشّعائر و العبادات و التذلّل و التقرّب منها.
إنّ الدّين يحدث توازنا في الشخصيّة: طمأنينة + سكينة + انتماء + هويّة + تواصل + أخلاقية + اجتماعية
و لو أردنا أو التمسنا حجّة على الحضور المكثّف للدّين بما هو وسيط/ تواصل فإنّ السّلوكات و العادات هي مناسبة للمشاركة و الالتقاء و التّكامل و الوصل بل أنّ المقدّس في بعض القبائل يمثّل الرّابط القويّ و الرّوحاني الذّي يشدّ أفراد القبيلة، و أمّا طوطم القبيلة فقد يكون رمزا أسدا أو فيلا أو زهرة أو نسرا، و التّواصل بما هو نظام رموز لا يقف عند النّبات أو الحيوان أو الأشخاص بل يتعدّى ذلك إلى الألوان فالأبيض رمز للسّلام و الأحمر رمز الثّورة و النّسر رمز القوّة، كما أنّ فرويد يتحدّث عن الرّموز بما هي وسائل علميّة يؤوّل بها المكبوت، فالماء رمز العلم و الأفعى رمز الجنس
يؤكّد " إنّ المقدّس غموض رهيب " و يقصد أنّه لقيا بين اليأس و الرّجاء، المعرفة و الجهل، الترغيب و الترهيب، الخوف و الشجاعة، الكمال و النقص، الفقر و الغنى، الضعف و القوة...
إنّه يحدث السّكينة و الطمأنينة و الرّاحة النفسيّة للشخصيّة الفرديّة، كما أنّ الرّقصات و الشّعائر و الأعياد و الاحتفالات رمز الخصوصيّة و الهويّة، فالإنسان الذّي خلق المقدّس إنّما يطلب الكمال.
إنّ الدّين رمز للتّسامح و التآخي و المحبّة و التكافل الاجتماعي و التآزر
إنّ الإنسان عندما يخلق المقدّس يطلب المطلق و الكلّي و يعتبر الإله مصدر العدل و المساواة و الخير.
الحركات المشحونة دينيّا مطلبها التّواصل مع الذّات و الآخر و الإله.
الدّين بمنطقه ( الحلال و الحرام ) يجعل الحياة الاجتماعيّة ممكنة و ينظّمها وفق أخلاقيّة و مبادئ و معايير تواصليّة من خلال الممارسة الدينيّة يخرج الإنسان من عزلته و من تقوقعه ليلتقي بالآخرين.
إذا كانت الممارسة الدينيّة بما هي نظام من الرّموز و خلق للمقدّس و تعظيم و إجلال للإله الحقيقة المطلقة، فإنّ الأمر يقتضي منّا مراجعة نقديّة تتعلّق بمفهوم الخوف و الجهل فــ:
ألا يكون الإنسان خالق الآلهة و ليست الآلهة خالقة الإنسان؟
هل يمكن للإنسان أن يتخلّى عن الممارسة الدينيّة في تجربته الحياتيّة التواصليّة؟
هل يجوز أن نعتبر الدّين عائقا يحول دون التطوّر و التمدّن و التّواصل؟
تكشف المقاربة الماركسيّة أنّ الخوف و الجهل هما منبعا نشوء الفكر الدّيني، فعندما وجد الإنسان نفسه قبالة الطّبيعة جاهلا بقوانينها و سننها و أحداثها شعر بالخوف و الرّهبة فقام بـ " تأليه " الطّبيعة و " تقديسها ". هذا الخلق للمقدّس هو مأتى " الاغتراب " " هو أن يصبح الإنسان ما ليس هو " فالطّقوس شاهد على الضّعف و العجز. المتديّن يستبدلُ العقل بالنّقل، التفكير بالخشوع، الإبداع بالتّسليم. إنّه شخص يشعر بالضّعف، لا يملك ثقة بالنّفس و بقدراته و لا يملك الجرأة على مواجهة الواقع " إنّ الدّين شمس وهميّة تدور حول الإنسان ما دام هذا الإنسان لا يدور حول ذاته " ( ماركس )
" إنّ الإنسان شيّع جنازة الإله و حلّ محلّه " ( مارسيا آلياد )
" إنّ الدّين هو وعي الذّات بذاتها لذا لم تعِ ذاتها " ( ماركس )
" إذا أراد الإنسان أن يتحكّم في الطّبيعة يتوجّب عليه أمران: أوّلا أن يطرد الآلهة من الطّبيعة و ثانيا أن يترك السّماء للعصافير و الملائكة " ( فرويد )
- خصائص الإنسان غير المتديّن و مميّزاته و نظرته للكون:
يذهب ماركس آليّا للإقرار بأنّ ردّ الاعتبار إلى الإنساني يبدأ بالكشف عن حقيقة الدّين و موقعه و منزلته و نمط حضوره و تأثيره ببيان نظرة الثّقافة الغربيّة الحداثويّة إلى هذا النّظام الرّمزي بما هي دعوة إلى العَلْمَانيّة، اللاّئكيّة التّي تفصل الدّين عن الحياة أو عن الدّولة و عن العلاقات الاجتماعيّة، و تعتبره شأنا شخصيّا فالبداية هي الإقرار بأنّ الدّين لا موقع له و لا أثر و لا تأثير في الحياة المدنيّة بل هو عائق أمام التقدّم و التطوّر و التاريخيّة، لذلك يجبُ أن نمرّ من استبدال الربّ بالإنسان و الخوف بالقدرات الذاتيّة و الجهل بالعلم.
فإذا كان السياسي يُوظّف الدّيني لخدمة سياسته فإنّنا اليوم نلاحظ أنّ الدّيني يحتاج إلى السياسي لتمرير مصالحه.
إنّ الدّين اليوم عنوان للطائفيّة و العرقيّة و الإثنيّة ( الإثنولوجيا: علم الأعراق و الأجناس ) و العنف و القتل و المقابر الجماعيّة و حائط العزل و جدار الفصل العنصري، و انتهى الأمر إلى القتل بالهويّة و الميّت مجهول الهويّة.
إنّنا نشهد اليوم ادّعاءات زائفة و مغالطات تتحدّث عن حوار الأديان، و الحال أنّ ما يحدث هو صراع الأديان، فالحروب و الاحتلال و إن كان ظاهرها تصدير الحريّة و الديمقراطيّة و حقوق الإنسان فإنّ باطنها أنّها حروب دينيّة و ادّعاء نصرة الآلهة بل إنّ ما يسمّى الحرب على الإرهاب هي إعلان عن حرب على الدّيانة الإسلاميّة. فسقطت البشريّة فيما يسمّيه هنتنجتون " صدام الحضارات "
الدّين هو نظام رمزيّ ذو حدّين فهو تأليف و وحدة و تماسك و لكنّه كذلك تشتيت و تفرقة و اقتتال و تعصّب و تشنيع للمذاهب
المساءلة النقديّة:
- المكاسب:
ما نتعلّمه من هذا الفيلسوف الحضور المتنوّع للفكر الدّيني و نمط تأثيره في المجتمعات و مبرّرات التخلّي عنه
قيمة هذا النصّ أنّه وضّح لنا دلالة العلمانيّة و معناها و نمط حياة المجتمعات الغربيّة ( اللاّئكيّة )
- الحدود:
لئن بدا النصّ إقصاء و دحضا للمارسة الدينيّة تشريعا للممارسة الإنسانيّة فإنّ الكاتب يعترف بأنّ الدّين نظام رمزيّ لا يمكن لمجتمع ما أن يتخلّى عنه بل اللاّمتديّن هو من سلالة المتديّن
لعلّ المجتمعات الغربيّة التّي لفظت الدّين قد سقطت في تضخيم المادّة و المصلحة و النّجاعة، فكان من تبعات ذلك انهيار قيمي و أسري و اجتماعي.
( منقول )
وضعيّة استكشاف:
إذا سلّمنا مع إيريك فروم بأنّه لم توجد حضارة في الماضي و لا توجد في الحاضر و يبدو أنّها لن توجد في المستقبل حضارة بلا دين، و إذا سلّمنا مع بركسون بأنّه يمكن أن توجد مجتمعات دون فنّ و مجتمعات دون علم و يمكن أن نجد مجتمعات دون فلسفة و أنّه لا يمكن أن يوجد أبدا مجتمع دون دين. فعلينا أن نبحث و نستشكل كثافة حضور الدّين و قيمته بما هو نظام رموز و وسيط تواصل بين الذّات و ذاتها و بين الذّات و العالم و بين الذّات و الآخر و علاقة المجموعة بالمجموعة للتعرّف إلى إمكان تحقيقه لإنسانيّة الإنسان أو أن يكون علّة لاغترابه و موته و تشتدّ الحاجة إلى هذا الاستشكال في زمن سيادة العلم و الصّورة.
ماذا نقصد بقولنا أنّ الدّين هو نظام رمزيّ؟
هل هذا النّظام الرمزيّ يفضي إلى التّواصل أم إلى اللاّتواصل؟
النّصّ السّند:
المقدّس و الدّنيوي اليوم
الإنسان الديني، مهما كان السياق التاريخي الذّي يغرق فيه، يؤمن دائما بأنّ حقيقة مطلقة موجودة دائما، و أعني بها المقدّس الذّي يخترق هذا العالم و يتجلّى فيه في نفس الوقت، و هو لهذا السبب يقدّس العالم و يعترف به حقيقيّا. فهو يؤمن أنّ للحياة أصلا مقدّسا، و أنّ الوجود البشري يحرّك جميع قواها الكامنة بمقدار ما هو وجود ديني، أي: المشاركة في ( الحقيقة ). فالآلهة قد خلقت الإنسان و العالم، و الأبطال المحضّرون أتمّوا فعل الخلق، و تاريخ جميع هذه الأعمال الإلهيّة و شبه الإلهيّة قد حفظته لنا الأساطير. إنّ الإنسان، إذ يُحيّن التاريخ المقدّس، و يحاكي المسلك الإلهي، يقيم و يبقى بالقرب من الآلهة، أي في الحقيقي و ذي المعنى.
من السّهل أن نرى كلّ ما يفصل هذا النمط من الوجود عن عالم وجود الإنسان غير الديني. لكن هناك قبل كلّ شيء هذه الواقعة: الإنسان غير الديني يرفض الوجود المفارق، و يقبل نسبيّة " الحقيقة "، و يحدث له أن يشكّ حتّى في معنى الوجود. لقد عرفت الثقافات الكبيرة الأخرى، هي أيضا، أناسا غير دينيين، و ليس من المستحيل أن يوجد منهم حتّى في المستويات القديمة من الثقافة، على الرغم من أنّ الوثائق لم تؤكّد لنا ذلك حتّى الآن. لكن ازدهار الإنسان غير الديني إنّما حدث فقط في المجتمعات الغربيّة الحديثة. الإنسان الحديث غير الديني يتّخذ وضعا وجوديّا جديدا: لا يعترف إلاّ بأنّه موضوع و أداة للتاريخ، و يرفض كلّ دعوة إلى الوجود المفارق. بعبارة أخرى، لا يقبل نموذجا بشريّا خارج الشرط البشري، كالذّي انصرف الإنسان الديني إلى فكّ رموزه في مختلف الأوضاع التاريخيّة. الإنسان يخلق نفسه، و لا يصل إلى خلق نفسه تماما إلاّ بمقدار ما يتجرّد من القداسة و يجرّد العالم منها. القدسي هو العقبة بامتياز أمام حريّته. لن يصير هو نفسه إلاّ أن يثوب إلى رشده جذريّا. لن يصير حرّا حقّا إلاّ أن يقتل الإله الأخير.
ليس من حقّنا هنا أن نبحث في هذا الموقف الفلسفي. و علينا أن نقتصر على القول أنّ الإنسان الحديث غير الديني يحمل، في نهاية المطاف، وجودا مأساويّا، و أنّ اختياره الوجودي هذا لا يخلو من عظمة. لكنّ هذا الإنسان غير الديني ينحدر من سلالة الإنسان الديني، و هو صنيعته، أراد ذلك أم لم يُرد، و قد تكوّن انطلاقا من أوضاع اتّخذها أسلافه.
مرسيا آلياد
المقدّس و الدّنيوي
إشكاليّة النّصّ:
ما منزلة المقدّس داخل التّجربة الإنسانيّة؟
هل هو الحقيقة المطلقة و علّة الوجود أم هو عائق يحول دون الحريّة و الخلق الإنساني و التاريخيّة؟
عناصر النّصّ:
- خصائص النظرة الدينيّة للإنسان و الكون
- خصائص الإنسان غير المتديّن و مميّزاته و نظرته للكون
القسم التحليلي:
- خصائص النّظرة الدينيّة للإنسان و الكون:
تنبني تمثّلات الإنسان المتديّن و تصوّراته لذاته و لعلاقته بالآخرين و الكون على التّسليم بوجود قوّة خارقة مفارقة تحكم الكون، " حقيقة مطلقة " فالدّين يُحيل إلى الاعتقاد بأنّ للكون أصلا مقدّسا و هو علّة نظامه و خلقه.
الدّين: هو التّسليم و الإيمان بوجود قوّة أو قوى غيبيّة تسيطر على الكون و تنظّمه و هي علّته.
إذا كان التديّن يؤسّس على الاعتقاد بالقوى الخارقة و المفارقة للإنسان و للطّبيعة و التّي يجب تعظيمها و إجلالها و تقديسها. فمن تبعات ذلك أن ينشطر العالم و نظرتنا للكون إلى ما يسمّيه الكاتب " المقدّس و الدّنيوي "
هذا المقدّس غير ذي موضوع محدّد، فقد يكون حجارة أو نارا أو شمسا أو شجرة أو بقرة أو نهرا أو فأرا أو أنصاف آلهة أو إله واحدا.
و قد ينشطر المكان و الزّمان إلى أشخاص إلى مقدّس و مدنّس، إذ يوجد أمكنة مقدّسة و أزمنة مقدّسة و أشخاص مقدّسون.
المقدّس: ما يجب تعظيمه
الدنيوي: ما يجب احتقاره
إذا كان المقدّس غير ذي موضوع محدّد كلّ شيء قد يصبح مقدّسا إذا تواضع النّاس على ذلك، إذن المقدّس ليس في الأشياء ذاتها و إنّما في ما يضيفه و يضفيه الإنسان على الأشياء.
المقدّس هو خلق و إنشاء إنسانيّ، فالبقرة ليست مقدّسة كبقرة و إنّما يعتقد الهنود أنه توجد فيها قوّة خارقة يستمدّون منها القوّة و البركة و الفعل، معنى هذا أنّ المقدّس هو:
" المقدّس: إسقاط إنسانيّ من العالم اللاّمحسوس إلى العالم المحسوس، إنّه خلق عالم مغاير لعالم الطّبيعة هو الجانب الروحاني "
إنّ هذا المقدّس تتواضع عليه مجموعة بشريّة ما في تعظيمها، هو حقيقة مطلقة و ثابتة و دائمة و على البشر أن يخضعوا لها و يقدّموا القرابين و الهدايا و الطّقوس و الشّعائر و العبادات و التذلّل و التقرّب منها.
إنّ الدّين يحدث توازنا في الشخصيّة: طمأنينة + سكينة + انتماء + هويّة + تواصل + أخلاقية + اجتماعية
و لو أردنا أو التمسنا حجّة على الحضور المكثّف للدّين بما هو وسيط/ تواصل فإنّ السّلوكات و العادات هي مناسبة للمشاركة و الالتقاء و التّكامل و الوصل بل أنّ المقدّس في بعض القبائل يمثّل الرّابط القويّ و الرّوحاني الذّي يشدّ أفراد القبيلة، و أمّا طوطم القبيلة فقد يكون رمزا أسدا أو فيلا أو زهرة أو نسرا، و التّواصل بما هو نظام رموز لا يقف عند النّبات أو الحيوان أو الأشخاص بل يتعدّى ذلك إلى الألوان فالأبيض رمز للسّلام و الأحمر رمز الثّورة و النّسر رمز القوّة، كما أنّ فرويد يتحدّث عن الرّموز بما هي وسائل علميّة يؤوّل بها المكبوت، فالماء رمز العلم و الأفعى رمز الجنس
يؤكّد " إنّ المقدّس غموض رهيب " و يقصد أنّه لقيا بين اليأس و الرّجاء، المعرفة و الجهل، الترغيب و الترهيب، الخوف و الشجاعة، الكمال و النقص، الفقر و الغنى، الضعف و القوة...
إنّه يحدث السّكينة و الطمأنينة و الرّاحة النفسيّة للشخصيّة الفرديّة، كما أنّ الرّقصات و الشّعائر و الأعياد و الاحتفالات رمز الخصوصيّة و الهويّة، فالإنسان الذّي خلق المقدّس إنّما يطلب الكمال.
إنّ الدّين رمز للتّسامح و التآخي و المحبّة و التكافل الاجتماعي و التآزر
إنّ الإنسان عندما يخلق المقدّس يطلب المطلق و الكلّي و يعتبر الإله مصدر العدل و المساواة و الخير.
الحركات المشحونة دينيّا مطلبها التّواصل مع الذّات و الآخر و الإله.
الدّين بمنطقه ( الحلال و الحرام ) يجعل الحياة الاجتماعيّة ممكنة و ينظّمها وفق أخلاقيّة و مبادئ و معايير تواصليّة من خلال الممارسة الدينيّة يخرج الإنسان من عزلته و من تقوقعه ليلتقي بالآخرين.
إذا كانت الممارسة الدينيّة بما هي نظام من الرّموز و خلق للمقدّس و تعظيم و إجلال للإله الحقيقة المطلقة، فإنّ الأمر يقتضي منّا مراجعة نقديّة تتعلّق بمفهوم الخوف و الجهل فــ:
ألا يكون الإنسان خالق الآلهة و ليست الآلهة خالقة الإنسان؟
هل يمكن للإنسان أن يتخلّى عن الممارسة الدينيّة في تجربته الحياتيّة التواصليّة؟
هل يجوز أن نعتبر الدّين عائقا يحول دون التطوّر و التمدّن و التّواصل؟
تكشف المقاربة الماركسيّة أنّ الخوف و الجهل هما منبعا نشوء الفكر الدّيني، فعندما وجد الإنسان نفسه قبالة الطّبيعة جاهلا بقوانينها و سننها و أحداثها شعر بالخوف و الرّهبة فقام بـ " تأليه " الطّبيعة و " تقديسها ". هذا الخلق للمقدّس هو مأتى " الاغتراب " " هو أن يصبح الإنسان ما ليس هو " فالطّقوس شاهد على الضّعف و العجز. المتديّن يستبدلُ العقل بالنّقل، التفكير بالخشوع، الإبداع بالتّسليم. إنّه شخص يشعر بالضّعف، لا يملك ثقة بالنّفس و بقدراته و لا يملك الجرأة على مواجهة الواقع " إنّ الدّين شمس وهميّة تدور حول الإنسان ما دام هذا الإنسان لا يدور حول ذاته " ( ماركس )
" إنّ الإنسان شيّع جنازة الإله و حلّ محلّه " ( مارسيا آلياد )
" إنّ الدّين هو وعي الذّات بذاتها لذا لم تعِ ذاتها " ( ماركس )
" إذا أراد الإنسان أن يتحكّم في الطّبيعة يتوجّب عليه أمران: أوّلا أن يطرد الآلهة من الطّبيعة و ثانيا أن يترك السّماء للعصافير و الملائكة " ( فرويد )
- خصائص الإنسان غير المتديّن و مميّزاته و نظرته للكون:
يذهب ماركس آليّا للإقرار بأنّ ردّ الاعتبار إلى الإنساني يبدأ بالكشف عن حقيقة الدّين و موقعه و منزلته و نمط حضوره و تأثيره ببيان نظرة الثّقافة الغربيّة الحداثويّة إلى هذا النّظام الرّمزي بما هي دعوة إلى العَلْمَانيّة، اللاّئكيّة التّي تفصل الدّين عن الحياة أو عن الدّولة و عن العلاقات الاجتماعيّة، و تعتبره شأنا شخصيّا فالبداية هي الإقرار بأنّ الدّين لا موقع له و لا أثر و لا تأثير في الحياة المدنيّة بل هو عائق أمام التقدّم و التطوّر و التاريخيّة، لذلك يجبُ أن نمرّ من استبدال الربّ بالإنسان و الخوف بالقدرات الذاتيّة و الجهل بالعلم.
فإذا كان السياسي يُوظّف الدّيني لخدمة سياسته فإنّنا اليوم نلاحظ أنّ الدّيني يحتاج إلى السياسي لتمرير مصالحه.
إنّ الدّين اليوم عنوان للطائفيّة و العرقيّة و الإثنيّة ( الإثنولوجيا: علم الأعراق و الأجناس ) و العنف و القتل و المقابر الجماعيّة و حائط العزل و جدار الفصل العنصري، و انتهى الأمر إلى القتل بالهويّة و الميّت مجهول الهويّة.
إنّنا نشهد اليوم ادّعاءات زائفة و مغالطات تتحدّث عن حوار الأديان، و الحال أنّ ما يحدث هو صراع الأديان، فالحروب و الاحتلال و إن كان ظاهرها تصدير الحريّة و الديمقراطيّة و حقوق الإنسان فإنّ باطنها أنّها حروب دينيّة و ادّعاء نصرة الآلهة بل إنّ ما يسمّى الحرب على الإرهاب هي إعلان عن حرب على الدّيانة الإسلاميّة. فسقطت البشريّة فيما يسمّيه هنتنجتون " صدام الحضارات "
الدّين هو نظام رمزيّ ذو حدّين فهو تأليف و وحدة و تماسك و لكنّه كذلك تشتيت و تفرقة و اقتتال و تعصّب و تشنيع للمذاهب
المساءلة النقديّة:
- المكاسب:
ما نتعلّمه من هذا الفيلسوف الحضور المتنوّع للفكر الدّيني و نمط تأثيره في المجتمعات و مبرّرات التخلّي عنه
قيمة هذا النصّ أنّه وضّح لنا دلالة العلمانيّة و معناها و نمط حياة المجتمعات الغربيّة ( اللاّئكيّة )
- الحدود:
لئن بدا النصّ إقصاء و دحضا للمارسة الدينيّة تشريعا للممارسة الإنسانيّة فإنّ الكاتب يعترف بأنّ الدّين نظام رمزيّ لا يمكن لمجتمع ما أن يتخلّى عنه بل اللاّمتديّن هو من سلالة المتديّن
لعلّ المجتمعات الغربيّة التّي لفظت الدّين قد سقطت في تضخيم المادّة و المصلحة و النّجاعة، فكان من تبعات ذلك انهيار قيمي و أسري و اجتماعي.
التعديل الأخير: