جلال البحري

منتدى تونس التّربوي
مؤسّس الموقع
    العلاقة بين الخصوصيّة و الكونيّة: في صراع الخصوصيّات ( نصّ: المركزيّة الإثنيّة )
  • #1
الــقسم : دروس
العلاقة بين الخصوصيّة و الكونيّة:
1- في صراع الخصوصيّات
النّصّ: المركزيّة الإثنيّة- كلود ليفي ستروس

( منقول )
إنّ الموقف الأكثر قدما، و الذّي يستند دون شكّ إلى أسس نفسانيّة متينة نظرا إلى أنّه ينزع للظّهور مجدّدا لدى كلّ منّا عندما نكون في وضع غير منتظر، إنّما يتمثّل في الرّفض الكامل للأشكال الثقافيّة، الأخلاقيّة و الدينيّة و الاجتماعيّة و الجماليّة، البعيدة كلّ البعد عن القيم التّي نعتنقها. فتعابير مثل " عادات متوحّشين " و " ذلك ليس من عندنيّاتنا " و " كان علينا ألاّ نسمح بذلك " إلخ...، و الكثير من ردود الفعل الفجّة التّي تعبّر عن القشعريرة نفسها و عن التقزّز نفسه أمام أساليب العيش و الاعتقاد و التّفكير الغريبة عنّا. و هكذا كانت العصور القديمة تخلط كلّ ما لا يشترك مع الثّقافة اليونانيّة ( و من بعد الثّقافة اليونانيّة - الرومانيّة ) تحت اسم " البربري "، و فيما بعد استعملت الحضارة الغربيّة تعبير " متوحّش " في المعنى ذاته. فقد كان يختفي وراء هذه الصّفات الحكم نفسه، إذ من المرجّح أنّ كلمة " بربري " تقود من النّاحية اللغويّة " إلى غموض و جمجمة أغاني العصافير، بمواجهة القيمة التعبيريّة للّغة البشريّة، و كذلك كلمة " متوحّش " التّي تعني أنّه آت " من الغابة "، تذكّر بنوع من الحياة الحيوانيّة في مقابل الثّقافة الإنسانيّة. و في كلتا الحالتين إنّنا نرفض القبول بواقعة تنوّع الثقافة نفسها، و نفضّل أن نرمي خارج الثّقافة أي في الطّبيعة، كلّ ما لا يتّفق مع القواعد التّي نعيش عليها.
إنّ وجهة النّظر البسيطة هذه و لكن العميقة الرّسوخ لدى أغلب النّاس، ليست بحاجة للمناقشة بما أنّ هذا الكتيب يُشكّل تحديدا النّقض لها. و يكفي أن نلاحظ هنا مفارقة خفيّة ذات مغزى. إنّ هذا الموقف الفكري الذّي نرمي باُسمه " المتوحّشين " ( أو كلّ الذّين نختار باُعتبارهم كذلك ) خارج الإنسانية، هو تماما الموقف الأبرز و الأكثر تميّزا لهؤلاء المتوحّشين أنفسهم. و بالفعل نحن نعلم أنّ فكرة الإنسانيّة، التّي تشمل دون تمييز في العرق أو الحضارة، كلّ أشكال النّوع البشري، لم تظهر سوى متأخّرة جدّا و لم تعرف إلاّ اُنتشارا محدودا. و قد يبدو أنّها وصلت إلى أعلى درجات تطوّرها، غير أنّ الأمر ليس مؤكّدا على الإطلاق - و التّاريخ القريب يُثبت ذلك - أنّها ترسّخت بمنأى عن الالتباس و التّقهقر. و لكن، كان يبدو، بالنّسبة إلى قطاعات واسعة من الجنس البشري و طوال عشرات الألوف من السّنين، أنّ هذه الفكرة كانت غائبة غيابا كليّا.
و تتوقّف الإنسانيّة عند حدود القبيلة أو الجماعة اللّسانيّة و أحيانا حتّى عند حدود القرية، إلى الحدّ الذّي تُشير فيه أعداد كبيرة من السكّان إلى نفسها باُسم يعني " النّاس " ( و أحيانا - تقول بكثير من الرّصانة - " الطيّبون "، " الممتازون " " الكاملون " )، الأمر الذّي يعني أنّ القبائل الأخرى، و المجموعات و القرى لا تشترك في الفضائل - و حتّى في الطّبيعة الإنسانيّة - و لكنّهم يتألّفون على الأكثر، من " السيّئين " أو من " الأشرار " أو من " قرود الأرض " أو من " بيض القمّل ". و نذهب غالبا إلى حدّ حرمان الأجنبي من درجة الحقيقة الأخيرة هذه و ذلك بأن نجعل منه " شبحا " أو " خيالا ". و هكذا تحدث أوضاع غريبة حيث يتبادل متحدّثان الردّ بقسوم. في بلاد الأنتيي الكبرى ( Antilles )، بعد سنوات من اكتشاف أمريكا، في حين كان الإسبان يُرسلون بعثات التّحقيق للبحث في ما إذا كان السكّان الأصليّون يملكون روحا أم لا، كان هؤلاء يعمدون إلى إغراق السّجناء البيض في المياه و ذلك لكي يتحقّقوا عبر المراقبة الطّويلة، ممّا إذا كانت جثثهم قابلة للتحلّل أم لا.
هذه الطّرفة النّادرة و المأساويّة تُبرز جيّدا مفارقة النسبيّة الثقافيّة (...) و إنّه بقدر ما ندّعي التّمييز بين الثّقافات و الأعراف، ننتسب أكثر ما يكون الانتساب إلى تلك الأعراف التّي نُحاول إنكارها. فبرفضنا صفة الإنسانيّة على الذّين يبدون أكثر وحشيّة أو " بربريّة "، لا نقوم إلاّ باُستعارة واحد من مواقفهم المميّزة. إنّ البربريّ هو قبل كلّ شيء من آمن بوجود البربريّة.

كلود ليفي ستروس
" العرق و التّاريخ "
ترجمة سليم حدّاد
المؤسّسة الجامعيّة للدّراسات و النّشر و التّوزيع
الطبعة الأولى، 1982 ( مع بعض التّعديل )


يُحيل الاختلاف الثّقافي الذّي يُبرّر / يُشرّع الشكّ في وحدة الإنساني أو مشروعيّة الكوني على تعارض مقوّمات الهويّات الثقافيّة و نظرة الأفراد إليها و علاقتها بالآخر المختلف عنها.
فهل يعني الانتماء إلى هويّة ثقافيّة و الاعتراف بأصالتها إقرار بأفضليّتها على سائر الثّقافات الأخرى و تبرير للحكم على تلك الثّقافات بكونها أقلّ قيمة؟
الأطروحة:
إنّ الثّقافة التّي تدّعي التميّز و التحضّر و تُقصي الثّقافات الأخرى فتُلفي بها في دائرة التوحّش هي أكثر توحّشا لأنّها تتجاهل واقعة تنوّع الثّقافات ( النسبيّة الثقافيّة )
الأطروحة المستبعدة:
يستبعد الكاتب فكرة المركزيّة الثقافيّة التّي تجعل من الاختلاف تعلّة للإقصاء و مبرّرا للصّدام
الإشكاليّة:
هل يُعتبر الاختلاف بين الثّقافات مُبرّرا للإقصاء و التّهميش أم دافعا إلى الاعتراف بالخصوصيّة و احترامها طلبا للإثراء؟
هل يُفضي الاختلاف بين الثّقافات بالضّرورة إلى إقصاء الآخر من المجتمع الإنساني؟
الرّهانات:
- دلالة المركزيّة الثقافيّة و تجلّياتها
- دواعي أو مبرّرات القول بالمركزيّة
- دحض المركزيّة الثقافيّة من جهة تبعاتها
I- دلالة المركزيّة الثقافيّة و تجلّياتها:
- دلالاتها:
تُعتبر المركزيّة الثقافيّة موقفا فكريّا / وجهة نظر / نمطا في التّفكير و الحكم و في النّظر إلى الأشياء تكوّنه ثقافة ما عن ذاتها و عن الثّقافات الأخرى.
فكيف تقيم ذاتها؟
بمقتضى هذا الموقف تعتبر الثّقافة نفسها المركز / النّموذج / المثال / الأصل / المنبع / المعيار ممّا يجعلها مرجعا بالنّسبة لبقيّة الثّقافات.
كيف تنظر إلى الآخر؟
ينظر أنصار هذا الموقف إلى الآخر باعتباره تابعا له و أدنى منه مرتبة و هو دون مرتبة الإنسانيّة.
يتألّف مفهوم المركزيّة الإثنيّة من عبارة مركّبة من لفظين:
+ الإثنيّة: المجموعة الإنسانيّة التّي تشترك في عدد من الخصائص الثقافيّة، مثل العقائد و القيم و العادات مشكّلة بذلك هويّتها الثقافيّة المعبّرة عن خصوصيّاتها الفرديّة التّي تميّزها.
+ المركزيّة: اعتقاد أفراد تلك المجموعة بأنّ هويّتهم الثقافيّة هي الأسمى و هي الحقّ.
نستنتج إذن أنّ المركزيّة الثقافيّة تتمركز في رفض القبول بواقعة تنوّع الثّقافات نفسها.
كما نستنتج أنّها تمثّل موقفا تفاضليّا و نظرة معياريّة للثّقافة كما يتّضح ذلك في التعصّب.
التعصّب من جهة كونه تمركز حول ثقافة و مجموعة من الأفكار، إذ تتوحّد جماعة ما حول ثقافة و خصائص مشتركة تنفردُ بها و تتجاوز مجرّد التميّز نحو الامتياز بحيث تكون الخصائص الثقافيّة لتلك المجموعة أهمّ و أكثر إنسانيّة من غيرها. و كلّما ازداد هذا الاعتقاد ازداد التعصّب لتلك الثّقافة.
فكيف يتجلّى هذا الرّفض و هذا التعصّب؟
- التجلّيات ( التمظهرات )
يتجلّى هذا الرّفض من خلال ردود فعل لا تعبّر عن مواقف فرديّة عابر ة و تلقائيّة بل مرتبطة بالوجود الإنساني و متجذّرة في التّاريخ و هي راسخة في كلّ إنسان ممّا يُفسّر انتشارها الشّامل و استمرارها في الزّمن.
تعبّر عن التقزّز أمام أساليب العيش و الاعتقاد و التّفكير الغريبة عنّا على مستوى اللّغة و ذلك بقولنا عدات متوحّشين أو همجيين.
القول بالتوحّش يحيلنا إلى أجناس لا تستطيع أن ترقى إلى صنع الحضارة، كما يتجلّى ذلك في العصور الحديثة، فقد استخدمت الحضارة الغربيّة عبارة متوحّش للإشارة إلى نمط عيش الشّعوب " البدائيّة "
II- مبرّرات القول بالمركزيّة:
ليست المركزيّة الإثنيّة نزعة استثنائيّة معزولة، بل هي النّزعة التّي أطّرت الوعي الإنساني في فهمه للهويّة الثقافيّة و هيمنة على علاقة الثقافات ببعضها و لبيان ذلك يلجأ " كلود ستراوس " إلى الوقائع النفسيّة و التاريخيّة.
أ- البواعث - الأسباب النفسيّة:
يستند هذا الموقف ( المركزيّة الثقافيّة - الإثنيّة ) إلى أسس نفسانيّة لا إلى أسس عقليّة و تتمثّل في:
- النرجسيّة: الإنسان محكوم بدوافع تقوده نحو النرجسيّة في علاقته بذاته
إنّ علاقة ثقافة متمركزة حول ذاتها بثقافات أخرى مختلفة عنها تقوم على التقييم و الحكم الهادف إلى إبراز التّعالي و التميّز، و ذلك انطلاقا من التميّز بين شعب متحضّر إنساني و شعب بدائي و متخلّف و متوحّش و همجي.
تتجلّى النرجسيّة من خلال الرّغبة في تأكيد الذّات و في التفوّق.
- العدوانيّة: الرّغبة في السّيطرة و الهيمنة على الآخر و استيعابه
إنّ التّمركز حول الذّات يمنح الأنا ( الفرد أو الثقافة ) المُعتدّ بذاته مبرّرات لإفراغ الطّاقة العدوانيّة تُجاه الآخر الثّقافي دون الإحساس بالإثم أو بالذّنب سواء أكان العنف لفظي أو رمزي لكونه رمز الشرّ و التوحّش ممّا يُبرّر الاعتداء على رموزه.
( تدمير القبور - تدنيس معالم العبادة - تمزيق الكتب الدينيّة أو حرقها أو تحريفها ) و حتّى تبرير قتله و إبادته ( هذا ما يحدث للمهاجرين بأوروبا )
ب- بواعث تاريخيّة:
تأخّر ظهور فكرة الإنسانيّة كما نتصوّرها اليوم، و هي الفكرة التّي بمُقتضاها يشترك كلّ النّاس رغم اختلاف أعراقهم و حضاراتهم في الإنسانيّة. ممّا يسمح بالإقرار بوجود هويّة إنسانيّة كونيّة تُسلّم بأنّ الإنسانيّة واحدة رغم الاختلافات الدينيّة و العرقيّة و اللغويّة و الحضاريّة...
III- دحض المركزيّة من جهة تبعاتها:
الدّحض = الاعتراض على موقف ببيان تبعاته - من جهة تبعاته
الاستتباع هو كلّ ما يُمكن أن يترتّب على موقف و الاعتراض بالاستتباع يعني بيان أنّ ما يترتّب لا يقبله العقل أو يُفضي إلى تناقض أو يتعارض مع نظريّة ( علميّة ) أو يتناقض مع الواقع أو يُمثّل خطورة على الوجود الإنساني.
تتجلّى التبعات المركزيّة الثقافيّة على مستوى علاقة الثقافة بذاتها، على مستوى علاقتها بثقافة أخرى و على مستوى علاقة ثقافتها بالإنسانيّة.
- علاقتها بذاتها: إنّ تمركز الثّقافة حول ذاتها يقترن بتوهّم الاكتمال. ممّا يُؤدّي إلى:
الوعي الزّائف الذّي تُشكّله الثّقافة عن ذاتها
حرمان الثّقافة نفسها بنفسها من الاستفادة من أفكار و قيم الثّقافات الأخرى
إفقار الذّات ممّا يُؤدّي إلى موت الثّقافة ( الهويّة المُنغلقة هي هويّة قاتلة )
- علاقتها بثقافة أخرى:
تقترن المركزيّة بنزعة عدوانيّة و بإرادة فرض مواقفنا و اختياراتنا على الثّقافات الأخرى، ممّا يُؤدّي إلى:
سيادة منطق العنف في العلاقة بين الثّقافات و الشّعوب ( الدّمج - الاستيلاء ) ممّا يُؤدّي إلى صراع الخصوصيّات العرقيّة أو الدّينيّة ( ثقافة التّنافي هي ثقافة العنف )
اختزال الآخر في الصّورة التّي نحملها عنه و نفي غيريّته.
- علاقتها بالإنسانيّة:
تقترن المركزيّة بتوهّم المركزيّة و الإيهام بها، ممّا يُؤدّي إلى تمزيق وحدة الإنسانيّة و تصنيفها على أساس تفاضلي.
نستنتج إذن أنّ التّعريف الذّي قدّمه ستراوس للمركزيّة الثقافيّة و التّفسير الذّي وضّح به سرّ انتشارها و استمراريّتها يهدف إلى الحكم قيميا بكونها البربريّة نفسها " رإنّ البربري هو قبل كلّ شيء من آمن بوجود البربريّة ". و هو ما يُعبّر عن رفض قاطع لهذا الفهم للهويّة الثقافيّة
إنّ من يتبنّى المركزيّة الثقافيّة يتبنّى فهما مختلاّ للهويّة الثقافيّة و العلاقة بها.
علام يُراهن الكاتب في نقده لأنصار المركزيّة الثقافيّة؟
يُسلّم ستراوس أنّ كلّ هويّة تنشأ في إطار التّثاقف، بمعنى في إطار التّبادل مع الآخر الثّقافي أخذا و عطاء و الوعي بأنّ لكلّ مجموعة إنسانيّة سلّم من القيم يُعبّر عن خصوصيّاتها الفريدة دون إمكانيّة لإرساء التّفاضل بينها. و هو في ذلك يُراهنُ على:
الوعي بمخاطر النّظر إلى الاختلاف بما هو مُهدّد للذّات أو للخصوصيّة أو لطبيعة الوجود الإنساني.
ضرورة الاعتراف بحقّ الآخر في الاختلاف كشرط لتجاوز الصّراع بين الثّقافات و تحفيز الانفتاح و التّواصل بينها.
النّقاش:
- المكاسب: راهنيّة المسألة
إنّ ما يسِمُ علاقة الإنسان بالإنسان من عنف و إقصاء نتيجة سيطرة العولمة أو نتيجة الدّعوة إلى الانغلاق قصد الحفاظ على الهويّة يجعل هذا الموقف النّقدي الذّي اتّخذه الكاتب من المركزيّة الثقافيّة يكتسي قيمة في إطار مجتمعاتنا المعاصرة.
- الحدود:
هل يتولّد الصّراع بين الثّقافات في رفض حقّ الآخر في الاختلاف فحسب؟
لا يتولّد الصّراع عن رفض حقّ الآخر في الاختلاف بل ينتج أيضا عن مبرّرات إيديولوجيّة. إذ يُؤدّي تعارض المصالح ( الاقتصاديّة - السياسيّة... ) إلى الصّدام و الصّراع.
 
  • المشاهدات
    2,384
  • الرّدود
    0

  • أعلى أسفل