• منتدى تونس التّربوي

    ميادين الإبداع

لغة الضّاد تدريس العروض

  • بادئ الموضوع بادئ الموضوع سمر
  • تاريخ البدء تاريخ البدء

سمر

عضو نشيط
منتدى تونس التّربوي
المشاركات
226
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
م. الدّراسي
جامعي
الاختصاص
عربيّة
المهنة
طالبة
تدريس العروض
د. مصطفى حَرْكات
دراسة أنجزت بمناسبة دورة ابن الشنب الدولية

لماذا العروض؟: -
يتساءل الكثير عن أهمية العروض في زمان وكأن الشعر انتهج فيه منهجا يبعده عن الأوزان التقليدية. البعض يرى أن الوزن مجرد زخرفة لا داعي لإجهاد النفس في دراسة قواعده، والبعض الآخر يعتقد أن طبعه أسمى من العروض وأنه قادر على تمييز السالم من المكسور في الشعر دون تعلم، وفريق آخر يرى في الإيقاع والموسيقى بديلا للعروض
في عصر المادة والصراعات أصبح السؤال: لماذا العروض ؟ يُطرَح بإلحاح.

في هذه الأسطر سنثبت أن للعروض أهمية فوق ما يتصور الكثير وأن دراسته ضرورية وتطويرها لا يمر حتما بإلغاء تراثنا المجيد.

1 أهمية الوزن ووظائفه: -
العروض هو العلم الذي يدرس أوزان الشعر وأهميته مرتبطة بأهمية الوزن. وهذا الوزن الذي جاء به القدماء ليس مجرد تكرار اعتباطي للمتحركات والسواكن، ممل برتابته، مقيِّد لقريحة الشاعر وخياله.

وزن الشعر مرتبط باللغة، فبحروفها وحركاتها يقيس زمانه، وبكلماتها يحدد إيقاعه. وهذا الإيقاع مستمد من إيقاع اللغة، من طول وقصر حركاتها، من شدة ورخاوة حروفها، من جرس مصوتاتها، من الوسيقى التي رسمها أهلها
وتصبح قضية أهمية الوزن الشعري مرتبطة باللغة نفسها. ولا يستطيع أحد أن
ينكر أن العربية لغة يلعب الوزن فيها دورا أساسيا. على الأقل على المستوى الصرفي.

ومن جهة أخرى فإن للوزن أهدافا ووظائفَ متعددة نذكر منها:
2 وظيفة الاحتفاظ: من المعروف أن كل ما هو موزون قابل للديمومة أكثر -
مما هو منثور، وذلك لأن الوزن يثبّت الشكل، ففي الشعر لا نستطيع تبديل كلمة بأخرى أو إعادة ترتيب المفردات. ويظهر الوزن وكأنه حامٍ للأصل الذي وضع عليه الكلام. فلا غرابة إذن أن يستشهد النحويون بكلمات الشعر وتراكيبه.
ولنا في قضية حركات الإعراب عبرة. هذه الحركات قد نهملها في الخطاب
العادي، وعند قراءة النص النثري منا من يسكن أواخر الكلِم لتجنب اللحن.
ولكن الشعر لا يقبل إسقاط هذه الحركات لأن غيابها يخل بالوزن.

وغلى المستوى المعجمي فالشعر قد يكون أجمل قاموس. انظر إلى
مصطلحات البادية في الشعر الجاهلي إنها تمتاز بحيويتها فهي واردة في سياق التراكيب وسط الصور والحواس تنبض بالحياة وتشرح نفسها بنفسها خارج إطار التعريف الضيق.

فالشعر إذن مكتبة اللغة، فيه تسجل مفرداتها وتراكيبها ومعانيها.

1 وظيفة الحفظ: الاحتفاظ لا يكون فقط في الكتب فهو أيضا في الذاكرة. -
والجميع يعرف أن الوزن أخ الذاكرة ومن أجل هذا كتبت القصائد العلمية والتربوية مثل ألفية ابن مالك، وهذه المنظومات ليست مقصورة على ثقافتنا ولكنها واردة في لغات عديدة مثل اليونانية والروسية.

الوظيفة الغنائية: الشعر كان في القديم وما زال يغنَّ ، والتلحين لا يتلاءم -
إلا مع الكلام الموزون، فهوية الشعر الأولى، وعند كل الشعوب كانت مرتبطة
بالموسيقى. وإن لم يغن الشعر فهو على الأقل ينشد، والمتعة التي تمنَح للسامع تجمع ما بين جمال اللغة وجمال الوزن.

1 الوظيفة التراثية: الوزن جماعي. مهما كانت التجارب الإيقاعية للفرد -
فإن الظاهرة الأساسية لكل عروض هي شمول نظامه واستعماله من طرف فئة كبرى من الشعراء، وهذا مما يجعله من ميدان الثقافة، والتراث.
هذه الوظائف ترينا بأنه ليس من الصدفة أن يكون الشعر مرافقا لكل اللغات وأنه كان دوما موزونا.

1 مجالات استعمال الوزن: -
يخيل للكثير أن مجالات استعمال الوزن ضيقة وأنها تخص الشاعر وحده وتقتصر
على تأليف الشعر. ولكن هذه المجالات كث يرة في الحقيقة ومتنوعة. نذكر منها:
2 مجال تحقيق المخطوطات: يلتقي المحقق في كثير من الأحيان بأبيات -
شعرية حرفت بعض كلماتها أو غاب خطها، والوزن يكون في هذه الحالة عونا ثمينا.
1 مجال القراءة: عند قراءة الشعر الذي دوّن بدون حركات وخصوصا -
القديم منه يستعين القارئ بالوزن للتعرف على الصيغ الحقيقية للكلمات.

المجال الموسيقي: عند تلحين النصوص الشعرية يحتاج الموسيقيون إلى -
معرفة العروض وذلك لأنهم مطالبون باحترام مواقع الطول والقصر، ومهمتهم تصعب عند دخول الزحافات على البيت.
لنفرض أن موسيقارا لحن: يا دارمية...، وبنى لحنه على إطالة كل مقطع يبتدئ به البيت. الوزن يستقيم ربما في المطلع :
يا دار مية بالعلياء فالسند أقوت وطال عليها سالف الأبد
ولكن الوزن لا يتلاءم مع اللحن في البيت :
فَمَنْ أَطَاعَكَ فَانْفَعْهُ بِطَاعَتِهِ كَ مَا أَطَاعَكَ وَادْ لُلْهُ عَلَى رَشَدِ
إلا إذا نطق المغَنِّي بكلمة فمن، مطيلا حركة الفاء فتصبح فَامَنْ . وفي هذا تعنيف للغة مستقبح.
وتطابق أزمنة اللحن والإيقاع مع أزمنة العروض قضية يعرفها كل الملحنين، والبارعون هم الذين يحافظون على النطق السليم للغة.

1 مهام العروض: -
العروض هو نحو الشعر، ومهامه تتطابق مع مهام نحو اللغة، فهو يطمح أن
يكون نظاما من القواعد يحدد لنا ما هو مستعمل من الأوزان وما هو مهمل.
وهو بهذا يحاول أن يكشف لنا عن أسرار الشاعر الذي، عند تأليف القصيدة،
يجعل المتحركات في أماكن معينة ا ولسواكن في أماكن أخرى، ويبيح لنفسه التغيير في مواقع ولا يبيحه في أخرى، وبنهي قصيدته بروي متكرر ضمن قافية موحدة النمط.
كل هذا يكشف عنه العروض من خلال دراسة النصوص ولكن أيضا من خلال الانتباه للحس الإيقاعي.
ومهمة التقعيد إن كانت هي المهمة الأساسية في العروض فهي ليست المهمة الوحيدة:

العروض يبحث أيضا عن علاقة الشعر باللغة، وبالموسيقى، ويدرس الأشكال
بصفة آنية أو تاريخية، ويجري دراسات مقارنة بين أعاريض اللغات، وهذه المهام تكوّن محاور درس لباحثينا، سيتناولوها بنجاح إذا تحلوا بالروح العلمية وبالموضوعية.

5 تدريس العروض: -
الحس الإيقاعي اليوم مفقود عند معظم الناس وللتأكد من ذلك يكفي أن نسمع التلاميذ في المدارس يقرؤون الشعر. قراءتهم تشبه قراءة النثر، وعندما يكون بها انفعال وحماس وبلاغة فإن الوزن يغيب تماما.
والوزن بالنسبة لمن لا يملك الأذن الموسيقية هو مثل اللغة الأجنبية.
والعروض لمن يدرسه لأول مرة هو فعلا لغة أجنبية لها أبجديتها الخاصة ومفرداتها وصرفها ونحوها.
وتدريس العروض يقتضي المعرفة، والمهارة.

المعرفة مرتبطة بفهم النظام الخليلي وآلياته: حروفه وحركاته، أسبابه وأوتاده،
تفاعيله وأضربه، زحافاته وعلله.
المهارة مجسدة في أشياء ثلاثة: التقطيع، تأليف الشعر، الإنشاد.

2 التقطيع: التقطيع مثل الإعراب في النحو. يعرض على دارس العروض -
بيت معين يطلب تقطيعه مثلما تعرض جملة على دارس النحو ليعربها. ولكن الفرق بين الإعراب والتقطيع هو أن الأول يعتمد على قواعد مضبوطة والثاني لا يستند إلى أي منطق ومن أجل هذا أنشأنا خوارزميات التقطيع التي هي واردة في مؤلفاتنا وطلابنا استعملوها منذ سنوات.

1 تأليف الشعر: المهارة في العروض لا يمكن أن تقتصر على التقطيع. -
فهل يعقل أن يتعلم أحد لغة أجنبية دون أن يركب بنفسه بعض الجمل؟ المهارة تشملإذن تركيب الكلام الموزون. والمطلوب خلال هذا النوع من الممارسات هو التعامل مع الوزن واللغة في آن واحد، حتى يرى الدارس من خلال العمل الميداني صعوبة التوفيق بينهما. ففي مرحلة أولى يمكن للدارس أن يتقيد بالوزن دون التقيد بالطول، ثم تأتي مرحلة التقيد بالطول وأخيرا مرحلة التقيد بالقافية. وهكذا ينتقل تعلم العروض إلى هدف أسمى وهو تعلم الشعر.

1 الإنشاد : الوزن أساسه سمعي. وإنه لمن التناقض أن يكون تعلم -
العروض خطيا بحتا، مبنيا على المكتوب وحده.
كل متعلم للغة أجنبية يبدأ بتعلم نطق كلماتها وكلمات العروض هي تفاعيله، ولكل تفعيلة نطقها الخاص: متفاعلن تنطق بمد الألف بصفة ملحوظة وبالتركيز على النون، وهذا النطق لا يتغير زمانه إن حذفت حركة التاء عند الزحاف، ومستفعلن ينطق بها في الرجز بطريقة، وفي البسيط بطريقة أخرى. انظر إلى بيت الألفية:
كلامنا/ لفظ مفيد كإستقم.
إن قراءته الموزونة تقضي التوقف عند حدود التفاعيل لإبرازها، وتقضي التوفيق في النطق بين العناصر المتشابهة.
قراءة الشعر الموزون قراءة إيقاعية هي الإنشاد، والإنشاد مهما يكن الاختلاف
في تأديته له أسس واحدة قد حددنا قواعدها في أبحاثنا.

والإنشاد هو أساس الوزن وروحه. فلنتساءل: لماذا ألِّف الشعر؟ هل ألف لكي
يُقطَع بواسطة رموز مجردة قواعدها من ميدان المكتوب، أم ألف كي يصل إلى مسامع الناس عن طريق اللفظ المنطوق؟.
الجواب واضح، والوزن مثل الموسيقى لا يستطيع أن يكون مجرد نوتات موضوعة على الورق.
وتعلم الإنشاد يلزمه أن يكون منذ الصغر. فالمحفوظات تقرأ، وتغنّ ولكنها تنشد
أيضا. وهذا الإنشاد سينمي عند الطفولة ملكة شبيهة بالملكة اللغوية، وهي الملكة الشعرية.

5 الملكة الشعرية: -
الملكة الشعرية هي تلك الموهبة الفطرية التي بواسطتها يؤلف الشعراء
الكلام الموزون دون اللجوء إلى الرموز العروضية. هذه الملكة الشبيهة بالملكة اللغوية تكتسب عن طريق قراءة الشعر، وسماعه، وغناءه، وإنشاده...
وهدف التعليم الأسمى للعروض هو الوص ول بالملكة الإيقاعية إلى مستويين:
مستوى اكتشاف وزن أي بيت من خلال سماعه أو قراءته دون اللجوء -
إلى الرموز.
مستوى تأليف الكلام الموزون دون تكلف. -

9 مراحل تدريس العروض: -
يدرس العروض على مستويات مختلفة :

على مستوى المرحلة الابتدائية: يدرب الأطفال على الشعور بإيقاع الو زن،
وذلك من خلال المحفوظات والأناشيد.

* على مستوى المرحلة المتوسطة: تقطع بعض الأبيات بتحديد السواكن والمتحركات
والتفاعيل. والغرض هو إشعار التلميذ بماهية المكوِّن الوزني، وتنوعه.

* في المرحلة الثانوية: تدرس التفاعيل وبنيتها من أسباب وأوتاد، والبحور مع ذكر أضربها الشائعة والزحافات والعلل دون تعقيد في المصطلحات.

* في المرحلة الجامعية: يدرس النظام الخليلي بصفة وافية وبطريقة حديثة، والطريقة الحديثة في رأينا ليست أن نحيد عن التراث أو أن ندخل تصنيفات جديدة دون مبرر، ومفاهيم غامضة كالنبر الخرافي والإيقاع المبهم، ولكن الحداثة تكون في طريقة التعامل مع النظام الخليلي وعدم الاقتصار على سرد القواعد. ومع التوجهات التي يتخذها تدريس اللغة وعلومها فإنه بإمكاننا أن نظيف للعروض الجامعي الاتجاهات الآتية:
ربط الوزن باللغة وبنيتها: وذلك بإظهار مستويات العروض وتشابهها بمستويات
اللغة، وإدخال مفاهسيم الملكة والتأدبة ومحوري التبديل والتعويض والوظائف اللغوية.
التعمق في الدراسة الصوتية التي يستمد منها العروض أدوات وزنه.
الدراسات المقارنة بين الشعر العربي وأنماط من الشعر العالمي: عروض الكم في اليونانية، عروض النبر في الإنجليزية، عروض المقاطع في الفرنسية.
الربط بين إيقاع اللغة، وإيقاع الشعر.
الربط بين العروض وإيقاع الموسيقى.
درا سة الجوانب الجمالية للإيقاع.

مصطفى حركات
 
  • التفاعل
التفاعلات: محمد المسلم