جلال البحري

منتدى تونس التّربوي
مؤسّس الموقع
ناشر الموضوع
المشاركات
1,523
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
المستوى الدّراسي
دراسات معمّقة
الاختصاص
أدب عربي
المهنة
أستاذ
غير متّصل
    مسألة الاستبداد عند روّاد النّهضة العربيّة الحديثة: الدّرس الثّاني
  • #1
السّنة الأولى: إجازة عربيّة
كليّة الآداب بمنّوبة

حضارة حديثة
المسألة الأولى
السّداسي الأوّل
السّنة الجامعيّة: 2014 - 2015

- درس عام -
مسألة الاستبداد عند روّاد النّهضة العربيّة الحديثة
الدّكتور: محمّد بن الطيّب

الدّرس الثّاني
مفهوم الاستبداد عند الكواكبي



إنّ الاستبداد و الكواكبي اسمان متلازمان ما إن يُذكر أحدهما حتّى يتبادر الآخر إلى الذّهن لأنّ الكواكبي يكادُ يكون الرّجل الوحيد الذّي اقتحم هذا الميدان الممنوع بشجاعة نادرة و سمّى الأشياء بمسمياتها من غير خوف و لا وجل. لقد استغرق زُهاء 30 عاما في البحث عن الدّاء الذّي أصاب المجتمع قبل أن يوجّه صفعة صريحة إلى المستبدّين من خلال مقالاته الجريئة التّي شغلت النّاس إلى يومنا هذا.
لقد ظهرت فكرة الاستبداد عند الكواكبي نتيجة عوامل متعدّدة متفاعلة، فكانت الظّروف السياسيّة القامعة و الواقع القاسي المتخلّف من جهة و تجربته الذاتيّة التّي كانت مليئة بالصّدام مع المستبدّين و أعوانهم و إحساسه المرهف بالعدل و عقيدته الإسلاميّة المتينة التّي تشرّبها من منابعها الأصلية و ثقافته السياسيّة الجامعة بين التّراث العربيّ و اليونانيّ و الفكر السّياسي الأوروبيّ من جهة أخرى، كلّ ذلك دفعه إلى البحث عن سبب التخلّف و محاولة العثور على أصل الدّاء و من ثمّة محاولة العثور على العلاج اللاّزم و تلمّس الطّرق الكفيلة بإخراجها من واقعها المأزوم.
لقد حاول الكواكبي البحث عن أصل الدّاء الذّي أصاب الأمّة بالتخلّف تمهيدا لمكافحته، فناقش الأفكار التّي سادت حول العلّة الكامنة وراء التخلّف، و كان ذلك بالخصوص في كتابه " أمّ القرى " وصف العهد الذّي ألّف فيه الكتاب، فقال: " إِنَّه لما كَانَ عهدنا هَذَا، وَهُوَ أَوَائِل الْقرن الرَّابِع عشر، عهدا عَم فِيهِ الْخلَل والضعف كَافَّة الْمُسلمين، وَكَانَ من سنة الله فِي خلقه أَن جعل لكل شَيْء سَببا، فَلَا بُد لهَذَا الْخلَل الطَّارِئ، والضعف النَّازِل، من أَسبَاب ظاهرية غير سر الْقدر الْخَفي عَن الْبشر؛ فدعَتْ الحمية بعض أفاضل الْعلمَاء والسراة وَالْكتاب السياسيين للبحث عَن أَسبَاب ذَلِك، والتنقيب عَن أفضل الْوَسَائِل للنهضة الإسلامية، فَأخذُوا ينشرون آراءهم فِي ذَلِك فِي بعض الجرائد الإسلامية الْهِنْدِيَّة " ( أمّ القرى، ص: 3 )
فكان الكتابُ مناقشة و تمحيصا و بحثا لمعرفة أسباب ذلك الفتور النّاشئ و دار البحث حول أسباب الدّاء في مذاكرات جمعيّة " أمّ القرى " فراح كلّ مندوب يُدلي بدلوه في استنتاجاته حول الموضوع.
و بعد استعراض مختلف الآراء استبان للكواكبي السّبب الرئيسيّ الذّي يتحكّم في الأسباب الأخرى و هو " صرف السّلطان قوّة سلطنته كلّها في سبيل حفظ ذاته الشّريفة و سبيل الإصرار على سياسة الانفراد " ( أمّ القرى، ص: 162 )
و هكذا انتشرت اللاّمبالاة، و إذا بالحاكم لا يعنيه من أمر الحكم إلاّ الاستجابة لأمرائه و شهواته فيتصرّف في شؤون الدّولة كأنّها ملكيّة خاصّة به و يترك تدبير شؤون الإدارة فيعمّ الضّعف و الاختلال، فكلّ علّة هي مقدّمة من ناحية و نتيجة من ناحية أخرى إلاّ الحكومة الفاسدة فهي في نظر الكواكبي تغذّي الشّرور الأخرى و من ثمّة تعتمد عليها في إرساء قواعد الاستبداد.
و بعد أن عرض الكواكبي آراء مندوبي الشّعوب الإسلاميّة في مؤتمره المنعقد بمكّة ردّ عليها بقوله: " فالقائل مثلا أنّ أصل الدّاء التّهاون في الدّين... " " و القائل إنّ الدّاء اختلاف الآراء " أو " الجهل... " و بعد أن سرد أقوالهم فنّدها واحدا واحدا، فقال: " لماذا تهاون النّاس في الدّين و ما سبب اختلافهم إذا لم يكن الجهل، لأنّ العلماء أيضا مختلفون في أرائهم " ثمّ ينتهي إلى تأكيد اقتناعه بأنّ أصل المشكلة هو الاستبداد. يقول: " و الحقيقة أنّ هناك سلسلة أسباب أخرى حلقتها الأولى الاستبداد "
فالاستبداد هو الذّي ثبّت الجهل و هو الذّي يحرّف الدّين عن أصله و يدعو إلى التّهاون فيه.
و الباحث عن السّبب " لو تتبّع الأسباب لبلغ إلى الحكم بأنّ التّهاون في الدّين أوّلا و آخرا ناشئ من الاستبداد "
و الاستبداد يُفسد الأخلاق و يفسد التّربية و يفسد المجتمع.
و إذا كان كتاب " أمّ القرى " بحثا في علّة الدّاء و استدلالا على أنّه الاستبداد لا شيء غيره فإنّ كتاب " طبائع الاستبداد " سيكون تعريفا لهذا الدّاء و بيانا لأعراضه و نتائجه و مدى خطورته على الدّين و المجتمع و محاولة للتعرّف على وسائل التخلّص منه و القضاء عليه و إقامة البديل الذّي يحُلّ محلّه.


 

أعلى أسفل