جلال البحري

منتدى تونس التّربوي
مؤسّس الموقع
    مسألة الاستبداد عند روّاد النّهضة العربيّة الحديثة: الدّرس الثّالث
  • #1
السّنة الأولى: إجازة عربيّة
كليّة الآداب بمنّوبة

حضارة حديثة
المسألة الأولى
السّداسي الأوّل
السّنة الجامعيّة: 2014 - 2015

- درس عام -
مسألة الاستبداد عند روّاد النّهضة العربيّة الحديثة
الدّكتور: محمّد بن الطيّب

الدّرس الثّالث
بدأ الكواكبي كتابه طبائع الاستبداد بالتّعريف بالاستبداد، فاستهلّه بالمعنى اللّغوي، فقال الاستبداد لغة هو " غرور المرء برأيه و الأنفة من قبول النّصيحة أو الاستقلال في الرّأي و في الحقوق المشتركة "
فالاستبداد عند الكواكبي تعصّب من ينتصر برأيه و يرفض قبول الرّأي الآخر و يستنكف من أن يشاركه أحد التّفكير أو هو استئثار المرء بالحقوق العامّة لنفسه، تلك الحقوق التّي للآخرين حقّ مشاركته فيها. و هذا المعنى يشمل الاستبداد على وجه العموم فيندرج فيه الفرد أيّا كان موقعه سواء أكان أبا أم معلّما أم موظّفا أم حاكما، فيكون الاستبداد أسريّا أو تربويّا أو إداريّا أو دينيّا أو ماليّا لأنّ " تحكّم النّفس على العقل و تحكّم الأب و الأستاذ و الزّوج و رؤساء بعض الأديان و بعض الطّبقات يوصف بالاستبداد مجازا أو مع الإضافة ".
و لئن أشار الكواكبي إلى أشكال كثيرة من الاستبداد، كاستبداد المتعمّمين ( الفقهاء ) و استبداد أصحاب الثّروة فإنّه يعدّ ذلك استبداد لا سياسي. يقول الكواكبي: " و يُراد بالاستبداد عند إطلاقه استبداد الحكومات خاصّة لأنّه أعظم مظاهر أضراره الـتّي جعلت الإنسان أشقى ذوي الحياة "
فالاستبداد السّياسي هو الأخطر و هو الأعظم تأثيرا في أشكال الاستبداد الأخرى، فهو الذّي يُوجدها بعد إن لم تكن و هو سبب الأسباب و علّة العلل في ضعف المسلمين و تخلّفهم. يقول: " تمحّص عندي أنّ أصل هذا الدّاء هو الاستبداد السّياسي فيه تختلّ السّلطة القانونيّة و يعمّ الانحلال "
و رغم إدراك الكواكبي تنوّع أشكال الاستبداد فإنّ تفكيره كان مُنحصرا إلى حدّ كبير في تأثير الاستبداد السّياسيّ في المجالات الأخرى لذلك خصّه بالتّعليل العميق، فرأى أنّ تأخّر المسلمين ناتج عن تدهور النّظم السياسيّة. و لذلك كان النّظام السّياسي أهمّ المسائل التّي شغلت فكرهُ. يقول: " و لمّا كان تعريف علم السّياسة بأنّه هو إدارة الشّؤون المشتركة بمقتضى الحكمة يكون بالطّبع أوّل مباحث السّياسة و أهمّها مبحث الاستبداد أي التصرّف في الشّؤون المشتركة بمقتضى الهوى "
فالاستبداد هو بحثه السّياسي الأساسي. و السّياسة هي إدارة الشّؤون العامّة، و هو ما يقتضي البحث عن الوسيلة الموصلة إلى تلك الإدارة و يتمّ ذلك بمقتضى أي تحكيم العقل في تسيير الشّأن العام وفق مصلحة المجموعة. و كلّ غياب للحكمة يستحضر الاستبداد، فيكون " التصرّف " في الشّؤون العموميّة بدل إدارتها و تغيب الحكمة العقليّة ليكون التصرّف بمقتضى الهوى و الشّهوة و نتاجهما هو الاستبداد.
يقول الكواكبي في تعريف الاستبداد: " الاستبداد في اصطلاح السياسي هو تصرّف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة و بلا خوف تبعة "
فالاستبداد في الحكم سواء أمارسَه فرد أم مجموعة أفراد ميزته الأساسيّة غياب القانون بحيث إذا لم تكن علاقة الحاكم بالمحكوم محكومة بقانون يكون التسلّط و الاستبداد.
إنّ غياب القانون يعني انعدام العقاب الذّي يمكن أن يردع القائم بالحكم عن التصرّف بمقدّرات الأمّة بلا خشية حساب و لا عقاب.
و يرفض الكواكبي صيغة الحكم الاستبدادي قائلا: " إنّ النّاس وضعوا الحكومات لأجل خدمتهم. و الاستبداد قلب الموضوع فجعل الرعيّة خادمة للرّعاة "
فالأصل في الحكومات أن توجد لتنظّم شؤون النّاس و تحقّق مصالحهم و تسهر على راحتهم، فإذا أخلّت بهذه الواجبات فلا يصحّ تسميتها حكومة على الإطلاق.
و لئن تعدّدت أشكال الاستبداد فإنّ منها شكلا تنحصر فيه سلبيّات الاستبداد كلّها و هو الأسوأ على الإطلاق إنّه " حكومة الفرد المطلق الوارث العرش القائد للجيش الحائز على سلطة دينيّة "
و لنا أن نقول كلّما قلّ وصف من هذه الأوصاف خفّ الاستبداد. و من مميّزات الحكومة المستبدّة التّي تكشف عن مدى ما وصلت إليه من ظلم " تعاليها في شأن الملوك و فخامة العصور و عظمة الحفلات و مراسم التّشريفات و علائم الأبّهة و نحو ذلك من التمويهات "
تُحاول بها الحكومة المستبدّة سدّ ثغرات عجزها و إخفاء ضعفها
و لبيان خصائص الحكم الاستبدادي قدّم لنا الكواكبي مثلا حيّا و واقعيّا عمّا يفعله الاستبداد مجسّدا في الحكومة العثمانيّة فأحصى في كتابه " أمّ القرى " ( الصفحات 163 - 167 ) 21 سببا لاختلال السّياسة العثمانيّة القائمة على الاستبداد السياسيّ منها مخالفة الشّرع و عدم الاستجابة لرغبات الرعيّة و مركزيّة الإدارة و وضع موظّفين غير أكفّاء و ممارسة الإرهاب ضدّ المعارضين و استبعاد العرب عن وظائف الدّولة.

 
التعديل الأخير:
  • المشاهدات
    1,337
  • الرّدود
    0

  • أعلى أسفل