جلال البحري

منتدى تونس التّربوي
مؤسّس الموقع
ناشر الموضوع
المشاركات
1,523
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
المستوى الدّراسي
دراسات معمّقة
الاختصاص
أدب عربي
المهنة
أستاذ
غير متّصل
    مسألة الاستبداد عند روّاد النّهضة العربيّة الحديثة: الدّرس الرّابع
  • #1
السّنة الأولى: إجازة عربيّة
كليّة الآداب بمنّوبة

حضارة حديثة
المسألة الأولى
السّداسي الأوّل
السّنة الجامعيّة: 2014 - 2015

- درس عام -
مسألة الاستبداد عند روّاد النّهضة العربيّة الحديثة
الدّكتور: محمّد بن الطيّب

الدّرس الرّابع
صورة المستبدّ و أعوانه



يقوم الكواكبي بدراسة نفسيّة المستبدّ من خلال دراسة أخلاقه و ممارساته و علاقته بالمجتمع و يدرس صفات أعوانه و تصرّفاتهم. " فالمستبدّ هو من يتحكّم في شؤون النّاس بإرادته لا بإرادتهم و بحكمهم بهواه لا بشريعتهم "
و الكلمات التّي تُستعمَلُ مُرادفا للمستبدّ هي: " طاغية " " حاكم بأمره " " حاكم مطلق " و هي كلمات تدلّ على شخص واحد يُسميّه مستبدّا لا يهمّه إلاّ أن تكون الرّعايا أذنابا له و أن يكون النّاس أدوات لتلبية رغائبه. يقول الكواكبي: " يَودّ أن تكون رعيّته كالغنم دَرّا و طاعة... ليس لهم من هدف إلاّ خدمة مصالحه "
و يُبيّن الكواكبي كيف ينظُرُ المستبدّ إلى نفسه و إلى الآخرين، ففي لحظة جلوسه على العرش و وضع التّاج على رأسه " يرى نفسه كان إنسانا فصار إلها " فلا يقبل نقاشا و لا يُعصى له أمر، و هو لعلمه بسفالته يُحاول أن يُغطّي قصوره و دونيّته بشتّى الوسائل و ما ذلك التكبّر و التّعاظم إلاّ أقنعة يُعوّض بها عن نُقصه. فلذلك ترتعدُ فرائصه خوفا من رعيّته و يدرك بما يعلمه من نفسه من ظلم و عسف أنّ الرعيّة قد تُجرّده من تاجه في أيّ لحظة.
لذلك يستعينُ بشرّ النّاس و أظلمهم ممّن يثق بأنّهم على شاكلته لردع من تُسوّل له نفسُه دفع الظّلم أو ردّ الطّغيان فينشئ جيشا من المستبدّين الصّغار.
يقول الكواكبي: " إنّ المستبدّ لا يخرج قطّ على أنّه خائن خائف محتاج لعصابة تُعينه و تحميه، فهو و وزراؤه كزمرة لصوص: رئيس و أعوان "
و لا يلبث أن يخاف حتّى من أعوانه فضلا عن خوفه من الرعيّة. يقول الكواكبي: " أكثر ما يبطش بالمستبدّين حواشيهم، لأنّ هؤلاء أشقى خلق الله حياة، يرتكبون كلّ جريمة و فظيعة لحساب المستبدّ "
و لذلك يُحاول المستبدّ تنحيتهم و القضاء عليهم حتّى لا يتواطؤوا عليه، فيحاول تنحيتهم. و المستبدّ يُوهم النّاس عن طريق التّنكيل بأعوانه بأنّه صالحٌ عادلٌ و أنّ وزراءه و مساعديه هم الأشرار و كثيرا ما يُصدّقه النّاس مُتناسين أنّ المستبدّ هو الذّي عيّن هؤلاء المساعدين و الوزراء الأشرار.
هكذا يرسم الكواكبي صورة المستبدّ فهو كلّما زاد خوفه زاد بطشُه في محاولة منه للحفاظ على نفسه و كلّما ازداد ظلما زاد خوفُه من رعيّته و حتّى من حاشيته و ازدادت هواجسه و خيالاته: أصبحت نفسه تصوّر له أنّ كلّ من يُحيط به يسعى إلى قتله و يبقى غارقا في الدوّامة نفسها لما يعهده في نفسه من تعوّد على خيانة العهود و ظلم النّاس فيخاف حتّى من الهواء الذّي يتنفّسه، و نتيجة لذلك يرى الكواكبي أنّ: " أكثر ما تختم حياة المستبدّ بالجنون التّام "
أمّا أعوانه فيُختارون من حثالة المجتمع. يقول الكواكبي: " أسفلهم طباعا و خصالا أعلاهم وظيفة و قربا، و لهذا لا بدّ أن يكون الوزيرُ الأعظم المستبدّ هو اللّئيمُ الأعظمُ في الأمّة "
و ذلك ليتمكّن من تسليطه على رقاب النّاس، و هو موقن بأنّ هذا الشّخص و أمثالَه لن تأخذهم الرّأفة بأحد و لن يعصوا له أمرا
و هم مخادعون جبناء مرتشون يكدّسون ثرواتهم من السّرقات المسموح بها في عهد الاستبداد يُشاركون المستبدّ " في امتصاص دم الأمّة و ذلك بأخذهم العطايا الكبيرة و الرّواتب الباهضة "
و المستبدّ لا يفتأ يزيدُ عدد أعوانه مع زيادة ظلمه على رعاياه، فلا يلبث أن يعُمّ الاستبدادُ فيصير أسلوبا للعيش لأنّ كلّ فرد من أفراد الدّولة ( و خاصّة المقرّبين من المستبدّ ) يحاول تمثّل أفعال المستبدّ الأكبر و يحذو حذوه فينتشرُ الاستبداد في أركان الدّولة كلّها. يقول الكواكبي: " الحكومة المستبدّة تكون طبعا مستبدّة في كلّ فروعها من المستبدّ الأعظم إلى الشرطيّ إلى الفرّاش إلى كنّاس الشّوارع، و لا يكون كلّ صنف إلاّ من أسفل أهل طبقته أخلاقا لأنّ الأسافِلَ لا يهمّهم طبعا الكرامة و حسن السّمعة إنّما غاية مسعاهم أن يُبرهنوا لمخدومهم بأنّهم على شاكلته و أنصار لدولته "
هكذا يتشكّل هرمُ الاستبداد من القمّة إلى القاعدة.
إنّ الاستبداد في فكر الكواكبي ليس مجرّد حاكم يأمُرُ و ينهى، بل هو نظام يشمَلُ المجتمع كلّه، فالحاكم مستبدّ و أعوانه مستبدّون و أسرى الاستبداد يتخبّطون في ردود أفعال استبداديّة كلّ بحسب ما يُتاحُ له.
إنّ المستبدّ كما صوّره الكواكبي إنسانٌ مريض يستعيضُ عن القوّة الرّشيدة بالقوّة و العنف، فلا يدرك الحقّ نتيجة سياسته الاستبداديّة. و أعوان المستبدّ ليسوا سوى عصابة مرتزقة تستغلّ السّلطة التّي يمنحها إيّاها المستبدّ فتستأثر بحقّ الآخرين لنفسها و تنتقمُ منهم تعويضا عن نقصها و شعورها بالدّونيّة.
و في الجملة ليس الاستبدادُ فقط حكومة أو فردا يحكم و عصابة تساعده في ظلمه بل هو نظام شاملٌ يحكم العلاقات الاجتماعيّة كلّها فينقلبُ الأمرُ من حكومة مستبدّة فقط إلى دولة مستبدّة بكلّ ما فيها من هيئات و أفراد و علاقات.
 
التعديل الأخير:

أعلى أسفل