جلال البحري

منتدى تونس التّربوي
مؤسّس الموقع
    مسألة الاستبداد عند روّاد النّهضة العربيّة الحديثة: شرح النّصّ الأوّل
  • #1
السّنة الأولى: إجازة عربيّة
كليّة الآداب بمنّوبة

حضارة حديثة
المسألة الأولى
السّداسي الأوّل
السّنة الجامعيّة: 2014 - 2015

- شرح نصوص -
مسألة الاستبداد عند روّاد النّهضة العربيّة الحديثة
الدّكتور: محمّد بن الطيّب

شرح النّصّ الأوّل

الـــنّــــصّ
الحمد للّه، خالق الكون على نظامٍ محكم ٍ متين، والصّلاة والسّلام على أنبيائه العظام، هداة الأمم إلى الحقّ المبين، لاسيما منهم على النبيّ العربيّ الذي أرسله رحمةً للعالمين ليرقى بهم معاشاً ومعاداً على سلّم الحكمة إلى علّيين.
أقولُ وأنا مسلم عربي مضطر للاكتتام شأن الضّعيف الصّادع بالأمر، المعلن رأيه تحت سماء الشرق، الرّاجي اكتفاء المطالعين بالقول عمّن قال: وتعرف الحقّ في ذاته لا بالرجال، إنني في سنة ثماني عشر وثلاثمائة وألف هجرية هجرتُ دياري سرحاً في الشّرق، فزرتُ مصر، واتخذتها لي مركزاً أرجع إليه مغتنماً عهد الحرّيّة فيها على عهد عزيزها حضرة سمي عم النّبي (العباس الثاني) النّاشر لواء الأمن على أكناف ملكه، فوجدتُ أفكار سراة القوم في مصر كما هي في سائر الشّرق خائضةٌ عباب البحث في المسألة الكبرى، أعني المسألة الاجتماعية في الشّرق عموماً وفي المسلمين خصوصاً، إنما هم كسائر الباحثين، كلّ ٌ يذهب مذهباً في سبب الانحطاط وفي ما هو الدواء. وحيثُ إني قد تمحّص عندي أنّ أصل الدّاء هو الاستبداد السّياسي ودواؤه دفعه بالشّورى الدّستورية. وقد استقرَََََّ فكري على ذلك – كما أنّ لكُلّ نبأ مستقراً – بعد بحث ثلاثين عاماً... بحثاً أظنّهُ يكاد يشمل كلّ ما يخطرُ على البال من سبب يتوهّمُ فيه الباحث عند النظرةِ الأولى، أنهُ ظفر بأصل الدّاء أو بأهمّ أصوله، ولكنْ؛ لا يلبث أنْ يكشف له التّدقيق أنّه لم يظفر بشيء، أو أنّ ذلك فرعٌ لا أصل، أو هو نتيجة لا وسيلة.
فالقائلُ مثلاً: إنّ أصل الدّاء التّهاون في الدّين، لا يلبث أنْ يقف حائراً عندما يسأل نفسه لماذا تهاون النّاس في الدّين؟ والقائل: إنّ الدّاء اختلاف الآراء، يقف مبهوتاً عند تعليل سبب الاختلاف. فإن قال: سببه الجهل، يَشْكُلُ عليه وجود الاختلاف بين العلماء بصورة أقوى وأشدّ... وهكذا؛ يجد نفسه في حلقة مُفرغة لا مبدأ لها، فيرجع إلى القول: هذا ما يريده الله بخلقه، غير مكترث بمنازعة عقله ودينه له بأنّ الله حكيمٌ عادلٌ رحيمٌ...
وإنّي، إراحةً لفكر المطالعين، أعدّد لهم المباحث التي طالما أتعبتُ نفسي في تحليلها، وخاطرتُ حتّى بحياتي في درسها وتدقيقها، وبذلك يعلمون أنّي ما وافقتُ على الرّأي القائل بأنّ أصل الدّاء هو الاستبداد السّياسي إلا بعد عناءٍ طويل يرجحُ قد أصبتُ الغرض. وأرجو الله أنْ يجعل حُسنَ نيَّتي شفيع سيئاتي، وهاهي المباحث:
في زيارتي هذه لمصر، نشرتُ في أشهر جرائدها بعض مقالات سياسية تحت عنوانات الاستبداد: ما هو الاستبداد وما تأثيره على الدّين، على العلم، على التّربية على الأخلاق، على المجد، على المال... إلى غير ذلك.
ثم في زيارتي إلى مصر ثانيةً أجبتُ تكليف بعض الشبيبة، فوسّعتُ تلك المباحث خصوصاً في الاجتماعيات كالتربية والأخلاق، وأضفت إليها طرائق التخلُّص من الاستبداد، ونشرتُ ذلك في كتاب سمَّيته "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" وجعلته هديةً مني للنّاشئة العربية المباركة الأبية المعقودة آمال الأمة بيُمْنِ نواصيهم. ولا غروَ، فلا شباب إلا بالشباب.
ثمّ في زيارتي هذه، وهي الثالثة، وجدتُ الكتاب قد نفد في برهةٍ قليلة، فأحببتُ أن أعيد النّظر فيه، وأزيده زيداً مما درستُهُ فضبطتُه، أو ما اقتبستُه وطبَّقتُه، وقد صرفتُ في هذا السبيل عمراً عزيزاً وعناءً غير قليل... وأنا لا أقصد في مباحثي ظالماً بعينه ولا حكومةً وأمَّة مخصصة، وإنما أردتُ بيان طبائع الاستبداد وما يفعل، وتشخيص مصارع الاستعباد وما يقضيه ويمضيه على ذويه... ولي هناك قصدٌ آخر؛ وهو التنبيه لمورد الداء الدّفين، عسى أن يعرف الذين قضوا نحبهم، أنهم هم المتسببون لما حلَّ بهم، فلا يعتبون على الأغيار ولا على الأقدار، إنما يعتبون على الجهل وفَقْدِ الهمم والتّواكل.. وعسى الذين فيهم بقية رمقٍ من الحياة يستدركون شأنهم قبل الممات...
وقد تخيّرتُ في الإنشاء أسلوب الاقتضاب، وهو الأسلوب السّهل المفيد الذي يختاره كُتَّاب سائر اللغات، ابتعاداً عن قيود التعقيد وسلاسل التّأصيل والتّفريغ. هذا وإنّي أخالف أولئك المؤلِّفين، فلا أتمنى العفو عن الزلل؛ إنما أقول:
هذا جهدي، وللناقد الفاضل أن يأتي قومه بخير منه. فما أنا إلا فاتح باب صغير من أسوار الاستبداد. عسى الزمان يوسِّعه، والله وليُّ المهتدين.
عبد الرحمن الكواكبي
1320هـ = 1902م

--------------------------------------------------------
الــشّـــرح
النّصّ مقدّمة الكتاب وضّح فيه الكاتبُ الظّروف التّي حفّت بتأليفه و الملابسات التّي أحاطت بتصنيفه و المراحل التّي مرّت بها كتابته و الأبواب الكبرى التّي تضمّنها و المقاصد التّي رامها.
و قد سلك فيه المسلك التقليديّ الذّي جرت عليه سنّة التّأليف في المجال التّداولي العربي الإسلامي، فقد ابتدأه بديباجة على نحو ما يُصدّر به الأقدمون كتبهم و خطبهم، فيها ثناءٌ على الله و صلاة و سلام على النبيّ الأكرم، و لكنّها تضمّنت مع ذلك محسّنا بديعيّا يُسمّيه القُدامى براعة الاستهلال تجلّى في مضمون التحميد و فيه إشارة على أنّ الله خلق الكون على نظام محكم متين، و هذا ما يستوجبُ الحمد و يقتضي الشّكر. و فيه تلميحٌ إلى أنّ الاستبداد إنّما يجري على نقيض هذا التّدبير الإلهيّ و يسعى في هدمه و تدميره لأنّه يُفضي إلى الخراب الشّامل و الدّمار العام لنظام المجتمع فتتداعى أركانه و تنحلّ روابطه و يختلّ توازنه. و هذه المعاني ممّا سيتبسّط فيها المؤلّف عند الإشارة إلى مفاسد الاستبداد.
و تجلّت براعة الاستهلال في مضمون الصّلاة و السّلام على الرّسول الأكرم باعتباره مبعوثا من الله رحمة للعالمين أي للنّاس أجمعين، و أنّ تلك الرّحمة منوطة بمقصد الرّسالة الأسنى و هي الارتقاء بالنّاس معاشا و معادا على سلّم الحكمة إلى العليين، فالرّسالة المحمّديّة إذن هي رسالة تقدّم مستمرّ و ترقّ مطّرد و هي لا تقتصرُ على العمل للدّار الآخرة و إنّما تشملُ العمل للدّنيا ابتغاء تحقيق صلاح النّاس في معاشهم و ضمان اطّراد ترقّيهم و استمرار تقدّمهم. و ما من شكّ في أنّ الاستبداد يحولُ دون تحقيق ذلك بل يعمل على إفساد اجتماعهم و تخريب معاشهم و مزيد تردّيهم و ارتكاسهم و تقهقرهم و تأخّرهم. فالاستبداد عدوّ تقدّمهم و مصيرهم الانحطاط، فهم نقيضٌ مع حكمة الله في الكون و مقاصد الدّين و أهداف الرّسالة المحمّديّة.
فإذا كانت الدّيباجة قد سلكت مسلك الإيماء و الدّلالة الضمنيّة بالفحوى، فإنّ بقيّة النّصّ قد سلك مسلك الإفصاح. و قد استهلّها بالتّعريف بنفسه بالصّفة لا باللّقب، إذ اكتفى بعنوان الهويّة الدّين و اللّغة ( " مُسلم عربيّ " ) و دخل مباشرة في بيان دواعي التّأليف و أسباب التّصنيف و عدم التّصريح بالاسم، و أشعر منذ البدء بظروف الكتابة تحت وطأة الاستبداد، فقد حملته على الكتابة باسم مُستعار ( " الرحّالة كـ " ) مخافة أن تنالَهُ يدُ الاستبداد بسوء، و لذلك اعتذر للقارئ بالضّعف ( " فأنا الضّعيفُ الصّادعُ بالأمر " ) و في ذلك تواضع لأنّ الرّجل قد اشتهر بالشّجاعة في الصّدع برأيه و المجاهرة بمعارضتِهِ فضلا على أنّه معروف لدى دوائر الاستبداد العثمانيّ و أعوانِهِ. و لذلك يبدُو أنّ " الاكتتام " لا يرجع إلى خوف على النّفس و إنّما يعودُ إلى خوفٍ على الكتاب أن لا يُلاقي الذّيُوعَ و الانتشارَ لأنّ أعوان الاستبداد سيُبادرُون إلى منعِه بمجرّد صُدوره. فكان إخفاء الاسم تدبيرا غايتُه خروج الكتاب إلى أوسع جمهور ممكن. يدعمُ هذا الاستنتاج قول المؤلّف: " و تعرّف الحقّ في ذاته لا بالرّجال "
ثُمّ قصّ على القائل مُلابسات التّأليف، و هي متّصلة بالبيئة السياسيّة التّي ظهر فيها، و قد تميّزت باستبداد جاثم على صُدُور النّاس يعدّ عليهم أنفاسهم و لا سيما أرباب الأقلام منهم و قادة الرّأي و دعاة الحريّة فيهم. فقد كتبه المؤلّف الحلبيّ و هو في ظلّ السّلطنة العثمانيّة في عهد " السّلطان عبد الحميد " الذّي اشتُهر بالعسف و الاستبداد و قمع كلّ نفس تحرّريّ. و لذلك سعى الكواكبي إلى الضّرب في الأرض، فاختار الاستقرار في أرض مصر لما كانت تعيشُه من أجواء الحريّة في عهد " الخديوي عبّاس حلمي " فرآها المجال الأنسب للصّدع بآرائه الجريئة حول الاستبداد، و لذلك لاحظنا ثناء من المؤلّف على الخديوي عبّاس بأنّ عهده عهد الحريّة و بأنّ لواء الأمن قد نشر في مملكته. و ما من شكّ في أنّ الأمن و الحريّة شرطان لا غنى عنهما لتفتّق القرائح لثمرات العقل، فإذا انضاف إلى ذلك أنّ أولي الرّأي في مصر و نخبتها النيّرة منشغلة في ذلك الوقت في المسألة الاجتماعيّة بحثا في أسباب الانحطاط و سُبل الخروج منه، و لذلك نزّل الكاتبُ مشغله الفكريّ في سياقه السياسيّ و الثّقافيّ العام مُبرزا أنّه حينما ألّف كتابه لم يكن بمعزل عمّا كان يدورُ بين النّخب العربيّة الإسلاميّة من نقاش حول داء الانحطاط و آفة التخلّف الـذّي أصاب الأمّة الإسلاميّة.
مُبيّنا بعض وجوه الاختلاف بينهم في تشخيص الأزمة الشّاملة حاقت بها. و ينتهي إلى تقرير الرّأي القاطع في القضيّة و القول الفصل فيها و هو أنّ أصل الدّاء الذّي أصابَ الأمّة هو " الاستبداد السياسيّ و دواؤه دفعه بالمشورة الدّستوريّة " و هذا هو ملخّص الكتاب كلّه و عنوان الأطروحة التّي يتضمّنها. و قد تولّى الكواكبي الدّفاع عن هذا الرّأي و تعضيده بحجّتين، أوّلهما أنّه رأي قد استقرّ عليه فكره بعد ثلاثين عاما من البحث، فطول المدّة التّي استغرقها البحث تُوحي بعمقه و اتّساعه و شموله " بحثاً أظنّهُ يكاد يشمل كلّ ما يخطرُ على البال من سبب يتوهّمُ فيه الباحث عند النظرةِ الأولى، أنهُ ظفر بأصل الدّاء أو بأهمّ أصوله ".
و يدلّ على أنّه انتهى إليه بعد دراسة متأنّية و اختبار طويل، يظهر ذلك في قوله: " و لكن لا يلبث أن يكشف له التّدقيق أنّه لم يظفر بشيء أو أنّ ذلك فرع لأصل أو هو نتيجة لا وسيلة "
و الحجّة الثّانية متفرّعة عن الأولى لأنّها مثال منها فإرجاع الدّاء إلى التّهاون في الدّين أو الاختلاف في الآراء لا بدّ أن تعترضَه طعون تجعله متهافتا، فلم يبق بعد السّبر و التّقسيم إلاّ علّة واحدة كبرى هي الاستبداد.
و ترغيبا للقارئ في الكتاب أشار الكاتب إلى الجهد الذّي بذله في التّأليف و المعاناة التّي قاساها في الكتابة و المخاطرة التّي أقدم عليها في إعداد الكتاب. و هو ما ينبئ بأنّ الكتاب لم يكن عاديّا و إنّما كان استثنائيّا بحكم موضوعه و الظّروف التّي ألّف فيها.
و بعد بيان الملابسات العامّة شرع في استعراض مراحل التّأليف مبيّنا أنّ أصل الكتاب مقالات نُشرت في أشهر الجرائد المصريّة تباعا، تناولت مفهوم الاستبداد و آثاره السلبيّة في الدّين و العلم و التّربية و الأخلاق و المال و غيرها. ثمّ وضع عنوانه " طبائع الاستبداد و مصارع الاستعباد " مبيّنا أنّ الجمهور المتوجّه إليه بالكتاب هو "
للنّاشئة العربية المباركة الأبية المعقودة آمال الأمة بيُمْنِ نواصيهم "
فما من شكّ في أنّ تعيين الجمهور المتلقّي للكتاب يؤكّد أنّ السّمة المميّزة له هي السّمة النضاليّة المقاومة، فليس المقصود منه الفائدة النّظريّة و التّرف الفكريّ و إنّما المقصود به تغيير الواقع. و لذلك توجّه إلى الشّباب لأنّهم الأقرب إلى الاستجابة لنداء الثّورة لما يمتازون به من حماس و دفاع.
و في المرحلة الثّالثة و بعد نفاذ الطّبعة الأولى في مدّة قصيرة قرّر المؤلّف أن يُعيد النّظر في كتابه توسعة و ضبطا، ثمّ ختم هذه الفاتحة بالحديث عن الاستبداد مطلقا لأنّ الهدف هو بيان مفاسده و آثاره المسيئة في كلّ زمان و مكان.
ليختم النّصّ بالإشارة إلى أنّ هدفه من التّأليف أن لا يعتب النّاس على الأغيار و الأقدار و أن يستفيقوا من غفلتهم و أن يُدركوا أنّ سبب سطوة الاستبداد الجهل و التّواكل و ضعف الهمم، و في ذلك استنهاض للنّاس و دعوة إلى الثّورة على الظّلم.
إنّها كتابة نضاليّة ثوريّة هادفة ترُوم تغيير واقع العسف و الاستبداد.
 
  • المشاهدات
    892
  • الرّدود
    0

  • أعلى أسفل