جلال البحري

منتدى تونس التّربوي
مؤسّس الموقع
المشاركات
1,527
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
المستوى الدّراسي
دراسات معمّقة
الاختصاص
أدب عربي
المهنة
أستاذ
    مسألة الاستبداد عند روّاد النّهضة العربيّة الحديثة: شرح النّصّ الرّابع
  • #1
السّنة الأولى: إجازة عربيّة
كليّة الآداب بمنّوبة


حضارة حديثة
المسألة الأولى
السّداسي الأوّل
السّنة الجامعيّة: 2014 - 2015

- شرح نصوص -
مسألة الاستبداد عند روّاد النّهضة العربيّة الحديثة
الدّكتور: محمّد بن الطيّب

شرح النّصّ الرّابع
الــنّـــصّ
الاستبداد و العلم

ما أشبه المستبدَّ في نسبته إلى رعيته بالوصيّ الخائن القوي، يتصرّف في أموال الأيتام وأنفسهم كما يهوى ما داموا ضعافاً قاصرين؛ فكما أنّه ليس من صالح الوصيّ أن يبلغ الأيتام رشدهم، كذلك ليس من غرض المستبدّ أن تتنوّر الرعية بالعلم.
لا يخفى على المستبدّ، مهما كان غبياً، أنْ لا استعباد ولا اعتساف إلا مادامت الرّعية حمقاء تخبط في ظلامة جهل وتيه عماء، فلو كان المستبدُّ طيراً لكان خفّاشاً يصطاد هوام العوام في ظلام الجهل، ولو كان وحشاً لكان ابن آوى يتلقّف دواجن الحواضر في غشاء الليل، ولكنّه هو الإنسان يصيد عالِمَه جاهلُهُ.
العلم قبسةٌ من نور الله، وقد خلق الله النّور كشّافاً مبصراً، يولّد في النفوس حرارةً وفي الرؤوس شهامةً، العلم نور والظلم ظلام، ومن طبيعة النّور تبديد الظّلام، والمتأمل في حالة كلِّ رئيس ومرؤوس يرى كلَّ سلطة الرئاسة تقوى وتضعف بنسبة نقصان علم المرؤوس وزيادته.
المستبدُّ لا يخشى علوم اللغة، تلك العلوم التي بعضها يقوّم اللسان وأكثرها هزلٌ وهذيان يضيع به الزمان، نعم؛ لا يخاف علم اللغة إذا لم يكن وراء اللسان حكمة حماس تعقد الألوية، أو سحر بيان يحلُّ عقد الجيوش؛ لأنه يعرف أنّ الزمان ضنينٌ بأن تلد الأمهات كثيراً من أمثال: الكميت وحسان أو مونتيسكيو وشيللر.
وكذلك لا يخاف المستبدُّ من العلوم الدينية المتعلِّقة بالمعاد، المختصة ما بين الإنسان وربه، لاعتقاده أنّها لا ترفع غباوةً ولا تزيل غشاوة، إنما يتلهّى بها المتهوِّسون للعلم، حتى إذا ضاع فيها عمرهم، وامتلأتها أدمغتهم، وأخذ منهم الغرور، فصاروا لا يرون علماً غير علمهم، فحينئذٍ يأمن المستبدُّ منهم كما يُؤمن شرُّ السّكران إذا خمر. على أنّه إذا نبغ منهم البعض ونالوا حرمة بين العوام لا يعدم المستبدّ وسيلة لاستخدامها في تأييد أمره ومجاراة هواه في مقابلة أنّه يضحك عليهم بشيء من التعظيم، ويسدُّ أفواههم بلقيماتٍ من مائدة الاستبداد؛ وكذلك لا يخاف من العلوم الصناعية محضاً؛ لأنّ أهلها يكونون مسالمين صغار النّفوس، صغار الهمم، يشتريها المستبدُّ بقليل من المال والإعزاز، ولا يخاف من الماديين، لأنّ أكثرهم مبتلون بإيثار النّفس، ولا من الرياضيين؛ لأنّ غالبهم قصار النظر.
ترتعد فرائص المستبدُّ من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية، والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع، والسياسة المدنية، والتاريخ المفصّل، والخطابة الأدبية، ونحو ذلك من العلوم التي تُكبر النفوس، وتوسّع العقول، وتعرّف الإنسان ما هي حقوقه وكم هو مغبون فيها، وكيف الطلب، وكيف النّوال، وكيف الحفظ. وأخوف ما يخاف المستبدّ من أصحاب هذه العلوم، المندفعين منهم لتعليم النّاس الخطابة أو الكتابة وهم المعبَّر عنهم في القرآن بالصالحين والمصلحين في نحو قوله تعالى: «أنّ الأرض يرثها عباديَ الصالحون» وفي قوله: «وما كان ربُّك ليهلك القرى بظلمٍ وأهلها مصلحون»، وإنْ كان علماء الاستبداد يفسِّرون مادة الصلاح والإصلاح بكثرة التعبُّد كما حوّلوا معنى مادة الفساد والإفساد: من تخريب نظام الله إلى التشويش على المستبدين.
والخلاصة: أنَّ المستبدّ يخاف من هؤلاء العاملين الراشدين المرشدين، لا من العلماء المنافقين أو الذين حفر رؤوسهم محفوظاتٌ كثيرة كأنّها مكتبات مقفلة!
كما يبغض المستبدُّ العلمَ ونتائجه؛ يبغضه أيضاً لذاته، لأن للعلم سلطاناً أقوى من كلِّ سلطان، فلا بدَّ للمستبدِّ من أن يستحقر نفسه كلما وقعت عينه على من هو أرقى منه علماً. ولذلك لا يحبُّ المستبدُّ أن يرى وجه عالمٍ عاقل يفوق عليه فكراً، فإذا اضطر لمثل الطبيب والمهندس يختار الغبي المتصاغر المتملِّق. وعلى هذه القاعدة بنى ابن خلدون قوله: «فاز المتملقون»، وهذه طبيعة كلِّ المتكبرين، بل في غالب الناس، وعليها مبنى ثنائهم على كلِّ من يكون مسكيناً خاملاً لا يُرجى لخيرٍ ولا لشرٍّ.
وينتج مما تقدَّم أنَّ بين الاستبداد والعلم حرباً دائمةً وطراداً مستمراً: يسعى العلماء في تنوير العقول، ويجتهد المستبدُّ في إطفاء نورها، والطرفان يتجاذبان العوام. ومن هم العوام؟ هم أولئك الذين إذا جهلوا خافوا، وإذا خافوا استسلموا، كما أنَّهم هم الذين متى علموا قالوا، ومتى قالوا فعلوا.
العوام هم قوة المستبدُّ وقُوْتُهُ. بهم عليهم يصول ويطول؛ يأسرهم فيتهللون لشوكته؛ ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقائه حياتهم؛ ويهينهم فيثنون على رفعته؛ ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته؛ وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريماً؛ وإذا قتل منهم لم يمثِّل يعتبرونه رحيماً؛ ويسوقهم إلى خطر الموت، فيطيعونه حذر التوبيخ؛ وإن نقم عليه منهم بعض الأباة قاتلهم كأنهم بُغاة.
والحاصل أنَّ العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل والغباوة، فإذا ارتفع الجهل وتنوَّر العقل زال الخوف، وأصبح الناس لا ينقادون طبعاً لغير منافعهم، كما قيل: العاقل لا يخدم غير نفسه، وعند ذلك لا بدَّ للمستبدِّ من الاعتزال أو الاعتدال. وكم أجبرت الأمم بترقّيها المستبدَّ اللئيم على الترقّي معها والانقلاب – رغم طبعه – إلى وكيلٍ أمين يهاب الحساب، ورئيسٍ عادل يخشى الانتقام، وأبٍ حليمٍ يتلذذ بالتحابب. وحينئذٍ تنال الأمة حياةً رضيّة هنية، حياة رخاء ونماء، حياة عزّ وسعادة، ويكون حظّ الرئيس من ذلك رأس الحظوظ، بعد أن كان في دور الاستبداد أشقى العباد؛ لأنه على الدوام ملحوظاً بالبغضاء، محاطاً بالأخطار، غير أمين على رياسته، بل وعلى حياته طرفة عين؛ ولأنه لا يرى قطّ أمامه من يسترشده فيما يجهل؛ لأنَّ الواقف بين يديه مهما كان عاقلاً متيناً، لا بدَّ أن يهابه، فيضطرب باله، فيتشوش فكره، ويختلّ رأيه، فلا يهتدي على الصواب، وإن اهتدى فلا يجسر على التصريح به قبل استطلاع رأي المستبدّ، فإن رآه متصلِّباً فيما يراه فلا يسعه إلا تأييده راشداً كان أو غيّاً، وكلُّ مستشار غيره يدَّعي أنَّه غير هيّاب فهو كذَّاب؛ والقول الحقُّ: إنَّ الصدق لا يدخل قصور الملوك؛ بناءً عليه؛ لا يستفيد المستبدُّ قطُّ من رأي غيره، بل يعيش في ضلال وترددٍ وعذابٍ وخوف، وكفى بذلك انتقاماً منه على استعباده النّاس وقد خلقهم ربهم أحراراً.
إنَّ خوف المستبدّ من نقمة رعيته أكثر من خوفهم من بأسه؛ لأنَّ خوفه ينشأ عن علمه بما يستحقُّه منهم، وخوفهم ناشئ عن جهل؛ وخوفه عن عجزٍ حقيقي فيه، وخوفهم عن توهّم التخاذل فقط؛ وخوفه على فقد حياته وسلطانه، وخوفهم على لقيمات من النّبات وعلى وطنٍ يألفون غيره في أيام؛ وخوفه على كلِّ شيء تحت سماء ملكه، وخوفهم على حياةٍ تعيسة فقط.
كلما زاد المستبدُّ ظلماً واعتسافاً زاد خوفه من رعيّته وحتّى من حاشيته، وحتى ومن هواجسه وخيالاته. وأكثر ما تُختم حياة المستبدِّ بالجنون التّام. قلت: «التام» لأنّ المستبدَّ لا يخلو من الحمق قطّ، لنفوره من البحث عن الحقائق، وإذا صادف وجود مستبدٍّ غير أحمق فيسارعه الموت قهراً إذا لم يسارعه الجنون أو العته؛ وقلتُ: إنه يخاف من حاشيته؛ لأنَّ أكثر ما يبطش بالمستبدين حواشيهم؛ لأنَّ هؤلاء أشقى خلق الله حياةً، يرتكبون كلَّ جريمةٍ وفظيعة لحساب المستبدِّ الذي يجعلهم يمسون ويصبحون مخبولين مصروعين، يُجهدون الفكر في استطلاع ما يريد منهم فعله بدون أن يطلب أو يصرِّح. فكم ينقم عليهم ويهينهم لمجرَّد أنهم لا يعلمون الغيب، ومن ذا الذي يعلم الغيب، الأنبياء والأولياء؟ وما هؤلاء إلا أشقياء؛ أستغفرك اللهم! لا يعلم غيبك نبيٌّ ولا وليٌّ، ولا يدّعي ذلك إلاّ دجّال، ولا يظنُّ صدقه إلاّ مغفَّل، فإنَّك اللهم قلت وقولك الحقّ: «فلا يظهر على غيبه أحداً» وأفضل أنبيائك يقول: «لو علمتُ الخير لاستكثرت منه».
من قواعد المؤرِّخين المدققين: إنَّ أحدهم إذا أراد الموازنة بين مستبدَّين كنيرون وتيمور مثلاً، يكتفي أن يوازن درجة ما كانا عليه من التحذُّر والتحفُّظ. وإذا أراد المفاضلة بين عادلين كأنو شروان وعمر الفاروق، يوازن بين مرتبتي أمنهما في قوميهما.
لما كانت أكثر الديانات مؤسسة على مبدأي الخير والشر كالنور والظلام، والشمس وزحل، والعقل والشيطان، رأت بعض الأمم الغابرة أنَّ أضرَّ شيء على الإنسان هو الجهل، وأضرّ آثار الجهل هو الخوف، فعملت هيكلاً مخصصاً للخوف يُعبد اتقاءً لشرِّه.
قال أحد المحررين السياسيين: إني أرى قصر المستبدِّ في كلِّ زمان هو هيكل الخوف عينه: فالملك الجبار هو المعبود، وأعوانه هم الكهنة، ومكتبته هي المذبح المقدَّس، والأقلام هي السكاكين، وعبارات التعظيم هي الصلوات، والناس هم الأسرى الذين يُقدَّمون قرابين الخوف، وهو أهم النواميس الطبيعية في الإنسان، والإنسان يقرب من الكمال في نسبة ابتعاده عن الخوف، ولا وسيلة لتخفيف الخوف أو نفيه غير العلم بحقيقة المخيف منه، وهكذا إذا زاد علم أفراد الرعية بأنّ المستبدَّ امرؤٌ عاجز مثلهم، زال خوفهم منه وتقاضوه حقوقهم.
ويقول أهل النظر: إنَّ خير ما يستبدل به على درجة استبداد الحكومات؛ هو تغاليها في شنآن الملوك، وفخامة القصور، وعظمة الحفلات، ومراسيم التشريفات، وعلائم الأبَّهة، ونحو ذلك من التمويهات التي يسترهب بها الملوك رعاياهم عوضاً عن العقل والمفاداة، وهذه التمويهات يلجأ إليها المستبدُّ كما يلجأ قليل العزِّ للتكبُّر، وقليل العلم للتصوُّف، وقليل الصِّدق لليمين، وقليل المال لزينة اللباس.
ويقولون: إنَّه كذلك يُستدلُّ على عراقة الأمة في الاستعباد أو الحرية باستنطاق لغتها؛ هل هي قليلة ألفاظ التعظيم كالعربية مثلاً؟ أم هي غنية في عبارات الخضوع كالفارسية، وكتلك اللغة التي ليس فيها بين المتخاطبين أنا وأنت، بل سيدي وعبدكم؟!
والخلاصة أنَّ الاستبداد والعلم ضدان متغالبان؛ فكلُّ إدارة مستبدة تسعى جهدها في إطفاء نور العلم، وحصر الرعية في حالك الجهل. والعلماء الحكماء الذين ينبتون أحياناً في مضايق صخور الاستبداد يسعون جهدهم في تنوير أفكار النّاس، والغالب أنَّ رجال الاستبداد يُطاردون رجال العلم وينكلون بهم، فالسعيد منهم من يتمكّن من مهاجرة دياره، وهذا سبب أنَّ كلَّ الأنبياء العظام – عليهم الصلاة والسلام وأكثر العلماء الأعلام والأدباء والنبلاء – تقلَّبوا في البلاد وماتوا غرباء.
إنَّ الإسلامية أولَّ دين حضَّ على العلم، وكفى شاهداً أنَّ أول كلمة أُنزلت من القرآن هي الأمر بالقراءة أمراً مكرراً، وأوَّل مِنَّةٍ أجلَّها الله وامتنَّ بها على الإنسان هي أنَّه علَّمه بالقلم. علَّمه به ما لم يعلم. وقد فهم السَّلف الأول من مغزى هذا الأمر وهذا الامتنان وجوب تعلُّم القراءة والكتابة على كلِّ مسلم، وبذلك عمَّت القراءة والكتابة في المسلمين أو كادت تعمُّ، وبذلك صار العلم في الأمة حراً مباحاً للكلِّ لا يختصُّ به رجال الدّين أو الأشراف كما كان في الأمم السابقة، وبذلك انتشر العلم في سائر الأمم أخذاً على المسلمين! ولكنْ؛ قاتل الله الاستبداد الذي استهان بالعلم حتى جعله كالسلعة يُعطى ويُمنح للأميين، ولا يجرؤ أحد على الاعتراض، أجل؛ قاتل الله الاستبداد الذي رجع بالأمة إلى الأمية، فالتقى آخرها بأولِّها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال المدققون: إنَّ أخوف ما يخافه المستبدون الغربيون من العلم أن يعرف الناس حقيقة أنَّ الحرية أفضل من الحياة، وأن يعرفوا النفس وعزَّها، والشّرف وعظمته، والحقوق وكيف تُحفظ، والظلم وكيف يُرفع، والإنسانية وما هي وظائفها، والرّحمة وما هي لذّاتها.
أما المستبدون الشرقيون فأفئدتهم هواء ترتجف من صولة العلم، كأنّ العلم نار وأجسامهم من بارود. المستبدون يخافون من العلم حتى من علم الناس معنى كلمة «لا إله إلا الله»، ولماذا كانت أفضل الذكر، ولماذا بُني عليها الإسلام. بُني الإسلام، بل وكافة الأديان على «لا إله إلا الله»، ومعنى ذلك أنّه لا يُعبد حقاً سوى الصانع الأعظم، ومعنى العبادة الخضوع ومنها لفظة العبد، فيكون معنى لا إله إلا الله: «لا يستحق الخضوع شيءٌ غير الله». وما أفضل تكرار هذا المعنى على الذاكرة آناء الليل وأطراف النهار تحذُّراً من الوقوع في ورطة شيء من الخضوع لغير الله وحده. فهل – والحالة هذه – يناسب غرض المستبدين أن يعلم عبيدهم أنْ لا سيادة ولا عبودية في الإسلام ولا ولاية فيه ولا خضوع، إنما المؤمنون بعضهم أولياء بعض؟ كلا؛ لا يلائم ذلك غرضهم، وربما عدّوا كلمة «لا إله إلا الله» شتماً لهم! ولهذا؛ كان المستبدون – ولا زالوا – من أنصار الشِّرك وأعداء العلم.
إنَّ العلم لا يناسب صغار المستبدين أيضاً كخَدَمَة الأديان المتكبِّرين وكالآباء الجُهَلاء، والأزواج الحمقى، وكرؤساء كلِّ الجمعيات الضعيفة. والحاصل: أنَّه ما انتشر نور العلم في أمةٍ قطّ إلا وتكسَّرت فيها قيود الأسر، وساء مصير المستبدّين من رؤساء سياسة أو رؤساء دين.


الــشّـــرح
يُعالجُ الكواكبي في هذا النّصّ علاقة الاستبداد بالعلم و قوامه قانون عام استنبطهُ بالاستقرار أنّه كلّما قلّ العلم أو قلّ نفعه و أثره انتعش الاستبداد و تمكّن و رسخ و كلّما زاد العلم و عمّ تنوير العقول ضعف الاستبداد و قلّت وطأته و ذهبت قوّته.
و في هذا السّياق وضّح الكواكبي علاقة العلماء مع المستبدّين و صنّفهم إلى صنفين: " المتهوّسون للعلم من أصحاب العلوم الدّينيّة المتعلّقة بالمعاد " و " العلماء العاملون المرشدون " فالصّنفُ الأوّل يأمنهم المستبدّ و لا يخشاهم و أمّا الصّنف الثّاني فهم الذّين يخشى المستبدّ أثرهم في النّاس، و من ثمّة يُشكّلون خطرا على استقرار مُلكه.
و قد صدّر المؤلّف نصّه بتقرير حقيقة مفادها أنّ الاستبداد قرين الجهل، فلا يمكن أن يكون استبداد و استعباد و عسف إلاّ إذا كانت الرعيّة " حمقاء تخبط في ظلامة جهل ". فالجهلُ إذن هو مهاد الاستبداد و هو شرط وجوده. فاُنعدامه يُفضي إلى الحريّة. و قد استعمل الكواكبي لتقريب صورة المستبدّ 3 تشبيهات:
1- تشبيه بالوصيّ الخائن المتصرّف في أموال اليتامى كما يشتهي، بمعنى أنّه لا يتجرّأ على ذلك السّلوك الشّائن لو لم يكن اليتامى ضعافا قاصرين. فالضّعف و القصور فيهم هو الذّي ساعده على سوء التصرّف في أموالهم، فإذا بلغوا رشدهم و اشتدّ عودهم لم يمكنه أن يستولي على أموالهم و أن يتصرّف فيهم كما يشاء. و كذلك الرعيّة فهو يستبدّ بها مادامت ضعيفة جاهلة، فإذا تنوّرت بالعلم و عرفت حقوقها لم يمكنه أن يستديم استبداده بأمرها و استنزافه لخيراتها.
2- تشبيه المستبدّ بالخفّاش الذّي لا يمكنه الاصطياد إلاّ في اللّيل
3- تشبيه المستبدّ بابن آوى الذّي يستغلّ اللّيل لصيد الدّواجن
و وجه التّشبيه هو الظّلام، الظّلام الحسيّ في المشبّه به و الظّلام المعنويّ في المشبّه و هو الجهل، فالجهل ظلام و العلم نور.
و الحقيقة التّي يُقرّرها المؤلّف أنّ الاستبداد لا ينتعشُ إلاّ في مناخ الجهل، و من ثمّة فإنّ وطأة الاستبداد تشتدّ كلّما انتشر الجهل و عمّ و تنقص كلّما ازداد العلم و انتشر.
و يُشير المؤلّف إلى أنّ المستبدّ لا يخشى العلوم بإطلاق، فهو لا يخشى علوم اللّغة كالنّحو و الصّرف و لا علوم الدّين المتعلّقة بعلاقة الإنسان بربّه، و إنّما يخشى الفلسفة و علم الاجتماع و الحقوق و العلوم السياسيّة و علم التّاريخ و الخطابة و ما ذاك إلاّ لأنّها تهدّد نظامه الاستبداديّ، فهي تساهم في توعية النّاس و تنوير بصائرهم حتّى ينتبهوا إلى سوء أحوالهم في ظلّ الاستبداد و تحملهم على المطالبة بتغيير أوضاعهم.
و أمّا أرباب تلك العلوم فقد اعتبرهم الكواكبي من الصّالحين المُصلحين الذّين تنطبقُ عليهم الآيات القرآنيّة التّي تُشير إلى دورهم الإيجابيّ في المجتمع، و كأنّ بالكواكبي لا يعتبرُ العالم عالما حقّا إلاّ إذا كان منغمسا في هموم مجتمعه ساعيا إلى الإصلاح مؤثّرا في النّاس يسعى إلى التّنوير و يبثّ الوعي.
و الحقّ أنّ الكواكبي إذ يُوصل هذا المفهوم في القرآن الكريم إنّما يستلهم ثنائيّة مركزيّة في ثقافتنا الإنسانيّة و هي اقتران العلم بالعمل، فلا فائدة من العلم إذا لم تكن له ثمرة عمليّة تعود بالنّفع على النّاس. و ما أقرب هذا المفهوم للعالم العامِل بمفهوم آخر سيظهر في الحضارة الأوروبيّة بعد الكواكبي بعشرات السّنين، و هو مفهوم " المثقف العضوي ": هو ذاك المثقّف الذّي لا يبقى في بُرجه العاجي منعزلا عن النّاس و إنّما يختلط بهم و يندمج فيهم و يقودهم نحو التحرّر.
و لم يخل حديث الكواكبي من نقد شديد لطائفة من العلماء الذّين أضاعوا أعمارهم فيما لا ينفعهم و لا ينفع النّاس. و لذلك سهل على المستبدّ أن يستخدمهم لتبرير استبداده و تأييد أمره و أن يوظّفهم لخدمته بعرض يسير من الدّنيا.
و المستبدّ كما يُعادي العلم خوفا من نتائجه التّي قد تُقوّض دعائم الاستبداد يعاديه بذاته. و قد فسّر الكواكبي ذلك تفسيرا نفسيّا دقيقا منطلقه أنّ سلطان العلم أقوى من كلّ سلطان. و لذلك يستبطنُ المستبدّ استحقار نفسِه أمام من هو أعلم منه و لذلك تكون بينه و بين العلماء الحقيقيين جفوة، فلا يُحيط بنفسه عند الاضطرار إلاّ المتصاغرين المتملّقين حتّى يستديم شعوره بالتكبّر عليهم.
و النّتيجة التّي يتوصّل إليها الكواكبي هي التوتّر المستمرّ و الحرب الدّائمة بين الاستبداد و العلم. أمّا موضوع الصّراع بينهما فهو عامّة النّاس، إذ يسعى العلماء العاملون في تنوير العقول أي توعية النّاس و تعليمهم حقوقهم و تبصيرهم بأوضاعهم و حثّهم على المطالبة بتغييرها.
يجتهدُ المستبدّون في الإبقاء على الوضع السّائد: وضع الجهالة و الحماقة و غياب العلم.
و لذلك بيّن الكواكبي السّلوك اللاّعقلاني لدى العامّة و كشف ما فيه من تناقضات في مناخ الاستبداد و أنّ السرّ في ذلك هو الجهل، فالجهل هو المصيبة الكبرى التّي حافت بالعامّة فأفضت بها إلى الخضوع و الخنوع.
قال الكواكبي: " و الحاصلُ أنّ العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف النّاتج عن الجهل و الغباوة " و هذا مصداق القول المأثور: يفعلُ الجاهل بنفسه ما لا يفعل العدوّ بعدوّه.
و هكذا نتبيّن صدق القاعدة التّي أثبتها الكواكبي:

" فإذا ارتفع الجهلُ و تنوّر العقلُ زال الخوفُ و أصبح النّاسُ لا ينقادون طبعا لغير منافعهم "
و عند إذن لا يبقى أمام المستبدّ إلاّ " الاعتزال " أو " الاعتدال "، فإمّا أن يترك السّلطة و إمّا أن يُعدّل سلوكه من الاستبداد إلى العدل.
و لعلّ الكواكبي يستمدّ هذه القاعدة من تاريخ الأمم الأوروبيّة التّي أتيح لها الخروج من نظم الاستبداد إلى نظم الحريّة بفضل علماء النّهضة و حكماء التّنوير في تلك الحضارة.
و ما يعاضد ذلك ما هو مشاهد من أحوالها إذ استطاعت أن تغيّر أوضاعها و تحمل مسانديها على ترك الاستبداد.
إنّ هذا النّصّ و إن كان قد صيغ في أسلوب تقريريّ فإنّه مشحون بالتّشجيع على نبذ الخوف من الاستبداد و الدّعوة الضمنيّة إلى مقاومته. يظهر ذلك في نهاية النّصّ حيث ينبه الكواكبي إلى نفسيّة المستبدّ، فهو يخاف نقمة العامّة أكثر من خوفهم من بأسه لأنّه يعلم ما يستحقّه منهم. أمّا خوفهم منه فهو ناشئ من جهلهم. فخوفه يقينيّ متحقّق و خوفهم موهوم. لذلك لا يأمن المستبدّ إذا وعى النّاس حقيقة وضعهم و أدركوا مكامن قوّتهم و بدّدوا أوهامهم أن يثوروا عليه و يطيحوا به.
 
التعديل الأخير:
  • المشاهدات
    756
  • الرّدود
    0

  • أعلى أسفل