بحوث و دراسات المقصد التعليمي التوعوي في مسرحية " مغامرة رأس المملوك جابر" لسعد الله ونوس

الوفاء الدّائم

عضو مهمّ
منتدى تونس التربوي
738
43
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
المستوى الدّراسي
خيار آخر
الاختصاص
-
المهنة
-
غير متّصل
المقصد التعليمي التوعوي في مسرحية " مغامرة رأس المملوك جابر" لسعد الله ونوس.
إن الهدف الذي يعمل ونوس على بلوغه و هو يضع الأسس لـ "مسرح التسييس" هو أن يعلّم الجماهير الجاهلة التي لم تنل حظا من التعليم يخوّل لها فهم واقعها المتردي، و الوعي بأسباب فساده، و الطرق الكفيلة بتغييره. فالمسرح وسيلة للتوعية و إيقاظ العقول لإخراج الجماهير من سلبيتها و صمتها . و لبلوغ هذا الهدف رأى ونوس ضرورة أن تعالج مسرحياته قضايا و إشكاليات وثيقة الصلة بواقع الطبقات الشعبية الكادحة . و سنحاول استخلاص طائفة منها من مسرحية " مغامرة رأس المملوك جابر".
أ- القضايا ذات الطابع السياسي :
إنّ المسرح من منظور سعد الله ونوس لا يمكن أن يدير ظهره للأحداث السياسية القائمة في مجتمعنا. فلا مناص من أن يكون المسرح مُسيَّسًا و تسييسيًّا بشكل أو بآخر. و كل كاتب مسرحي تحمل نصوصه موقفا سياسيا ما يروم إيصاله إلى جمهوره . فمسرحية " مغامرة رأس المملوك جابر" مشحونة بمضامين سياسية يريد الكاتب أن يوعي بها الناس ، و يحملهم على التفكير فيها :
- الصراع على السلطة و انعكاساته على واقع المجتمع ومصير البلاد : فالصراع بين الخليفة و وزيره على عرش الخلافة ما هو إلا صورة رمزية لتكالب الأحزاب و الأطياف السياسية على الحكم في البلاد العربية. و من يكن على قمّة هرم السلطة يفرض على الناس طاعته و طاعة حاشيته بالقوة. وقد عبر ونوس عن ذلك بوضوح و جلاء في المشهد التمثيلي الأول حيث يقول أفراد من عامة بغداد :<< عندما يجلس على العرش الخليفة لا أحد يطلب من عامة بغداد رأيا أو نصيحة – و عندما يسمي الخليفة وزيره يأمرنا بطاعته - فنطيعه >>. و بسبب الخلاف السياسي تتوتر الأوضاع و تضيع مصالح الشعب فلا يفكر فيها أحد. يقول أفراد من عامة بغداد في المشهد التمثيلي الثالث: << أتأمل أن يكون الخلاف من أجل تخفيض الضرائب! – أو من أجل تحسين أحوال الرعية! >>.
- علاقة الراعي بالرعية: الخليفة و وزيره وجهان لعملة واحدة. فكلاهما مستبد طاغية يحكم الناس بالعنف و القهر، و لا يرى غيرهما وسيلة لفرض طاعته عليهم، و يظهر ذلك من خلال حوار الوزير مع أحد أصحابه في المشهد الدرامي الخامس :<< ( باحتقار) العامّة ! و من يبالي بالعامة ؟.. لا .. هؤلاء لا يثيرون أيّة مخاوف .. يكفي أن تلوح لهم بالعصا حتى ينمحوا و تبتلعهم ظلمات بيوتهم ..>>.
- دور الحاشية الفاسدة : الحاشية تعمل على ترسيخ دعائم الاستبداد ، و يمثلها في المسرحية الأمير عبد الله و الأمير عبد اللطيف ، فكل الأمور تسير بتدبير منهما ، و كلاهما لا يدّخر جهدا في خدمة مصالح الخليفة و الوزير على حساب مصالح العامّة البائسة .فالأمير عبد الله يقترح على الخليفة أن يثقل كاهل العامة الجائعة بضرائب إضافية لإطعام جيوش الولاة التي ستزحف على بغداد للقضاء على الوزير قبل أن يستعين بالعجم . و الوزير نفسه من الحاشية الفاسدة التي لا تتورع عن خيانة البلاد للاستيلاء على السلطة .
- الاستقواء بالأجنبي : من القضايا السياسية الراهنة في كثير من البلدان العربية أن الساسة يحاولون فض نزاعاتهم على السلطة باستقواء بعضهم بعدو أجنبي. ورمز ونوس إلى ذلك في مسرحيته باستقواء الخليفة بحكام الولايات رغم ما يفرضون عليه من تنازلات تؤدي إلى تفكيك رقعة الخلافة . يقول الأمير عبد الله للخليفة في المشهد التمثيلي التاسع :<< أصدر الأمر لولاتك بالتحرك نحو بغداد...>> واستقواء الوزير بالعجم المتربصين بالخلافة. يقول في المشهد الخامس :<< الجيش الغازي يأتي ليحمي مصالحنا و يجهز لنا كرسي السلطة . فماذا يهمنا بعد ذلك ؟>>.
ب – القضايا ذات الطابع الاجتماعي :
- فضح السلبية و إدانة التخاذل و الصمت:
المجتمع العربي ممثل في المسرحية بعامة بغداد (التاريخ) و زبائن المقهى ( الواقع الراهن) . وهم يقفون من الأحداث موقفا يكاد يكون واحدا : السلبية و الخنوع و الصمت. وهو موقف الجماهير في البلاد العربية من الأزمات السياسية التي تنتابها من حين لآخر .ففي المشهد التمثيلي الأول يقول أهل بغداد مقرين بسلبيتهم التي يرون أنها طريق الأمان: << ما لنا نحن و شؤون السادة .- يأمروننا أن نبايع فنبايع.- يأمروننا أن نطيع فنطيع – و نحن عامة بغداد آثرنا السلامة و الأمان ، ننزف دماءنا الليل و النهار بحثا عن لقمة العيش ...>> . و يعلق الزبائن فيقولون:<< أي و الله كأن الأحوال لا راحت و لا جاءت – يا سيدي من زمان هذا هو طريق الأمان. – و الله عين الصواب ..>>.
- سيطرة الخوف و الجبن المكبلين للإرادة و المثبطين للعزائم، و يتجلى ذلك في الخوف الشديد الذي يستولي على أهل بغداد عند رؤيتهم للحراس وهم يقومون بدورياتهم في الشوارع :<<... و إلاّ ماذا يعني خروج الحراس من ثكناتهم ! – بالله لا تذكرنا. - أجارنا الله ... فاجأتني وجوههم عند المنعطف، فارتخت ساقاي، و كدت أسقط. – رؤية الموت أهون.- اكتسحوا الأسواق كالعاصفة. كان الناس يختفون في الجدران و هم يرتعشون ...>>.
- الانتهازية و الطمع إلى حد الخيانة : و جابر بطل المسرحية يجسم ذلك . فقد أعان الوزير على الاتصال بالعدو الخارجي بحمل رسالته إلى ملك العجم بعد أن وعده بالمال و الزواج و العتق من العبودية: << قلت لك عندما تبلغ الرسالة نعطيك من المراكز ما تريد .. وفي بغداد ستنتظرك المرأة التي تشتهي و كوم من المال..>>. و هذه الأخلاق عملة رائجة في المجتمع المعاصر، و نفهم ذلك من خلال حوار الزبائن بعد أن سمعوا جابرا يعرض خطته على الوزير: << الله يحميه .. يا عيني عليه.. – أي هيك تكون الرجال ....>>. فلا أحد منهم أدان سلوك جابر و هذا دليل على أن الخيانة في نظرهم تصرف مرضٍ.
- القضايا الاقتصادية : فساد السياسة أدى إلى تجويع العامة و انتشار البؤس و التهاب الأسعار بسبب الاحتكار. يقول أحد أهالي بغداد : << و لو تطورت الأزمة لأصبح كلّ شيء أغلى من الذهب...>>. ومن المشاهد المؤثرة في المسرحية المشهد العاشر الذي يصور وطأة الجوع و البؤس إلى درجة أن الناس هانت عليهم كرامتهم و أعراضهم في سبيل الطعام. زوج وزوجة فقيران في غرفة بائسة يسمعان رضيعهما يصيح من الجوع ، فيرضى الزوج أن تفرط زوجته في شرفها مقابل لقمة من الطعام، و جارهما << في بيته مؤونة تكفي المدينة لسنة ..>>.
و باختصار نقول إن سعد الله ونوس قد نوع القضايا المعروضة في المسرحية لتشمل واقع الجماهير الكادحة في الوطن العربي . و خلق بين الركح و الجمهور (ممثلا في الزبائن ) حوارا مباشرا يكشف ما بين الواقع المعروض على الركح و الواقع المعيش من تَطابق . و هذا من شأنه أن يجعل المتفرج يغادر المسرح وهو واع بإشكاليات واقعه. و قد وظف ونوس تقنيات مسرحية عديدة لتحقيق الهدف التوعوي التسييسي نذكر منها التغريب ، و الخطاب الوعظي المباشر الذي برز في المشهد الختامي حين توجه الحكواتي و زمرد و الرجل الرابع إلى الجمهور و الزبائن بقولهم :<< من ليل بغداد العميق نحدثكم، من ليل الويل و الموت و الجثث نحدثكم ..>>.
 

rafikra

ضيف جديد
منتدى تونس التربوي
1
1
الدّولة
tunisie
الولاية
nabeul
المستوى الدّراسي
جامعي
الاختصاص
langue arabe
المهنة
institutrice
غير متّصل
أعلى أسفل