• منتدى تونس التّربوي

    ميادين الإبداع

تعليميّة الأقصوصة

الوفاء الدّائم

عضو مهمّ
منتدى تونس التربوي
المشاركات
735
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
م. الدّراسي
خيار آخر
الاختصاص
-
المهنة
-
تعليميّة الأقصوصة
إعداد: سلوى العبّاسي بن علي
2009-2010
إشكالات الحلقة:
ما هي إشكالات تعريف للأقصوصة؟
هل من نظريّة أجناسيّة للأقصوصة تميّزها عن سائر الأجناس القصصية والمسرودات ؟
كيف ندرّس الأقصوصة؟
هل يتطلّب شرح النصّ الأقصوصيّ خلافا لبقيّة أنواع النّصوص السرديّة ضربا مخصوصا من المناولة يحيط بالأقصوصة الأقصوصيّ كما"نحيط بحرا بحبل" وكما " ننفذ جملا من سم الخيّاط"؟
كيف نقرأ نصّا أقصوصة دفعة واحدة، "في جلسة واحدة " وفي زمن تعليميّ قياسيّ لا يقبل التجزئة ولا التّراخي ولا الإرجاء " ؟
أليس ذاك النصّ القصير زمن الكتابة والتلقّي من النّصوص الطّويلة العصيّة المرهقة زمن التعلّم؟
مكوّنات الحلقة:
أ‌- العرض النّظريّ: (ساعة)
ب‌- التطبيقات البيداغوجيّة (ساعتان)
مذكّرة القراءة الخاصّة بالنصّ الأقصوصيّ.
جذاذة تأليف المحور.
سيناريوهات القراءات الممكنة للنصّ الأقصوصيّ القصير والطّويل.
قضايا التعريف والاصطلاح والنّشأة:
تلتبس قضايا تعريف الأقصوصة جنسا أدبيّا بقضايا النّشأة والأصول والمنابع وهي قضايا شكليّة في الظّاهر لكنّها وثيقة الصّلة بقضايا البناء الفنّي والمضامين. وفي اعتقادنا من الإجحاف الاكتفاء بتّعريفات تتعامل مع هذا الجنس تعاملا اختزاليّا تعميميّا يقف عند حدود الكمّ، ;ولا يطال العمق الأجناسيّ والجوانب الجوهريّة المتعلّقة بالنّوع ،ولا يعرّف الأقصوصة، كما هي في حدّ ذاتها، بل يعرّفها من خلال مقارنتها بغيرها ممّا قد يختلف معها أو يناقضها من الأجناس السّرديّة الأخرى، عملا بمبدإ يعرف الشيء بنقيضه أو بـ"الأضداد تعرف الأشباه" فتغدو بذلك الأقصوصة الجنس السّرديّ القصير مجرّد"قصّة قصيرة" (ترجمة للمصطلح الإنجليزيّ short story )،نقيض الرواية جنسا سرديّا مطوّلا فهي تختلف عن الرواية بقلّة عدد الكلمات (لا تتجاوز عشرة آلاف كلمة) أو بضمور عدد الصّفحات (لا تتجاوز أربعين صفحة)..
وهنا نتساءل ما الحلّ مع مسرودات هي أقلّ بقليل من هذا التّحديد المعياريّ الكمّي أو أكثر بقليل منه ؟ هل نحسبها على جنس الرواية ؟ أم على جنس الأقاصيص؟ ثمّ ماذا نفعل مع نصوص كثيرة تنشر في الصّحف السيّارة والمجلاّت تحت تسمية قصّة وإذا ما فكّر كاتبها في جمعها بين دفّتي كتاب حمل ذلك الكتاب عنوان مجموعة أقاصيص وكان مفردها أقصوصة لا قصّة؟
وهذا ما قد يستدعي بنفس القيمة طرح قضيّة الاصطلاح النّقديّ الذي يطلقه الغرب الفرنكفوني والأنجلوسكسونيّ وبلاد الشّرق والمغرب على هذا الجنس. فنحن (في تونس على الأقلّ) نعتمد مصطلح أقصوصة ولا تستخدم مصطلح قصّة أو قصّة قصيرة؟ فهل لصيغة التّصغير هذه دلالات اصطلاحية يمكن أن تحيل على ضرب من التّخصيص الأجناسيّ الذي نبحث عنه وقد لا نجده في مصطلحي" قصّة" أو "قصّة قصيرة"؟ هل صيغة التّصغير إذا ما تواضعنا في شأنها تغدو بذلك أقدر من سواها على بناء المتصوّر الإدراكيّ التجريديّ، السّليم، الملمّ في ذهن القارئ المختصّ والمتعلّم على حدّ السّواء بمجمل الخاصيّات الأدبيّة لهذا الفنّ السّرديّ والذي يتوقّف عليه ربّما، اقتدار الفهم الذي تنشده المدرسة؟
فالمتصوّر كما يعرّف حاليّا هو "التوسّط الذي تشتغل به القصديّة العرفانيّة حينما يكون هدفها الواقع من خلال عنصر التّعميم" وهو يسهم بذلك التّعميم التجريديّ إسهاما فعّالا مباشرا في بناء جملة المعارف الأدبيّة العامّة والشّكلية التي ينهض عليها نشاط القراءة الأدبيّة الذّي يعتبره "جيرار لونغلارد" مصبّ تلاق دلاليّ عرفانيّ خطير بين أنساق ثلاثة: نسق "القراءة الذّاتيّة" (كاستكشاف وفهم وتذوّق وتأوّل) ونسق "القراءة المدرسيّة"( كبناء للمعارف الأدبيّة في ضوء المحدّدات المؤسّسيّة المنقولة تعليميّا) ونسق "القراءة العالمة" (كنظريّة تمتح من علم الأدب ومقرّراته المعياريّة الأجناسيّة)
إنّنا نحتكم في النّقل الاصطلاحي لمفهوم الأقصوصة إلى مصطلح la nouvelle الفرنسي الذي بنى حدودا مائزة بين الأقصوصة مثلا وبين الحكاية le conte وبين مطلق القصّة أو الخبر كتعريب لمصطلح le récit الدّالّ على كلّ مسرود منقول حكيا باعتباره القاسم المشترك بين جميع الأجناس القائمة على السّرد La narration وباعتبار السّرد الخطاب الناقل له أي لذلك المسرود القصصيّ،أو القصّة ووحدتها الخطابيّة الدّنيا الجملة السرديّة.
واحتكامنا إلى التعريف الفرنسي مردّه الاشتراك الدّلاليّ في معنى "الحادثة" المنقولة عبرأسلوب الأخبار المنقولة في صفحة الحوادث اليوميّة للصّحف السيّارة (Les faits divers) وكذا شأن الأقصوصة إذ مدارها في الغالب الحادثة الواحدة التي تتحلّق حولها بقيّة الأحداث وتدور في فلكها القصّة ، وهي متّصلة اتّصالا شديدا بالشّخصيّة الرئيسيّة وبرنامجها السّرديّ الذي ندرسه عادة ب"المنوال الفاعلي" أو "منوال الفواعل"(Le model actantiel) وقوامه أدوار ستّة هي المرسل والمرسل إليه (علاقة اتصال) والذّات والموضوع (علاقة رغبة) و المساعد أو المؤازر (علاقة انسجام) والظّهير أو المعرقل (علاقة انفصال)
وهنا يمكن أن نأخذ تعريف المعجم الأدبيّ "هاشات"(Hachette) الأقرب في نظرنا إلى تحديد جنس الأقصوصة "،فهي عبارة عن قصّة تكون مركّزة في الغالب على حدث واحد، تقوم بتقصّي آثاره وتداعياته النّفسيّة لتبني من خلاله عالمها الفنّي المتخيّل. وشخصياتها عددها قليل ، وهي تختلف عن شخوص الحكاية(conte) في كونها لا تعبّر بالضرورة عن رموز أو عن حقائق غير معقولة ولكنّها تمتلك إلى حد ّمّا حقائق الواقع النفسيّ لتلك الشخصيات. وهي كذلك -خلافا للرّواية-(Roman) لا تدرس العالم النّفسيّ للشخصيات درسا كاملا مستفيضا وإنّما تسلّط الأضواء على جوانب منه دون أخرى بشكل جزئيّ خاطف لكنّه يمنح القارئ انطباعا بأنّ حياة كاملة قد وقع سردها في عدد محدود من الصّفحات"
إذن فالقصر والإيجاز في الأقصوصة معيار نوعيّ قبل أن يكون كميّا وهو دليلنا إلى ما فيها من توهّج وشدّة تركيز وكثافة وحصافة ووحدة عضويّة، مأتاها خاصّة وحدة الأطر والعالم المرجعيّ (وحدة الزمان والمكان والفعل والشخصية) التي تستعيرها من مقومات الجنس الحكائيّ الدّرامي القديم، كما حدّدتها الشعريّة الأرسطية ،حيث لا مجال للتراخي أوالتّطويل والإطناب والتهلهل في نسيج الحبكة (l intrigue كما قد تستعير من الدّراما مقوّمات أخرى ك "التّعرّف" (la reconnaissance) و الضّربة المسرحيّة (le coup de théâtre) المعلنة عن بداية التحوّل في اتّجاه النّهاية المحتومة أو المآل و التي تعطي الأقصوصة ميزتها الانقلابية أو الانفجارية في اتّجاه نهاية متسارعة، والتي يعبّر عنها ب"لحظة الكشف" وهي لحظة مصيريّة حاسمة في حياة الشخصيّة المسرودة، تبدأ عادة من بروز العقدة أو "لحظة الاشتداد" (Le moment de renforcement لتنتهي مع النّهاية .
يمكن حينئذ أن نعيّن لحظة الكشف باعتبارها الضّلع المنقوص أو المبتور من مثلّث المبنى السّرديّ للأقصوصة الذي تختلف به جوهريّا عن الشّكل الهرميّ للرواية


ومن ثمّ عرفت الأقصوصة أكثر من ولادة وأكثر من منبت وأكثر من بداية واتّجاه ،وهي في تعّدد أصولها و في طابعها التّجريبيّ الاكتساحيّ غامضة غموض نشأة الأدب نفسه بمختلف فروعه وأنواعه وأجناسه، وإن كان هناك شبه إقرار بأنّ ظهورها الفعليّ كان في أوروبا في عصر النّهضة مع أنواع من القصص الدّينيّ والحيوانيّ والعاطفيّ الوجدانيّ والشّعبيّ وأنّ تطوّرها الحقيقيّ و ارتقاءها السلاليّ أواستقرارها في مرتبة الجنس الأدبيّ كان في تجارب الغرب الأمريكي والروسيّ ثم الفرنسي والألماني بداية من القرن التّاسع عشر ومن أشهر روّادها "تشيخوف" و"إدغار ألان بو" و"ج يدي موباسان" وغيرهم...
وفي تاريخ الأدب العربيّ كانت الكتابة الأقصوصيّة من أبرز العناوين الدّالّة على الدخول في حقبة الحداثة شأنها في ذلك شأن الرواية .علما وأن الأقصوصة نشأت عند محمود تيمور والحكيم وعبد الحميد جودت السحار وسهيل ادريس وعلي الدوعاجي والبشير خريف وعز الدّين المدني وكتّاب آخرين معاصرين لم يكشف بعد بحث أكاديميّ متين عن حقيقة تجاربهم الإبداعيّة ولا عن مدى تطوّرها وتاريخها .
وتلفت الأقصوصة انتباهنا إلى أنّها نشأت منذ البدء وخلافا للرواية جنسا ناضجا مكتملا ، محكم البناء ، ولعلّ ذلك يرجع إلى توفّر أولئك الكتّاب على تقاليد القصّ القصير المتواترة في المسرودات الشفويّة العربيّة القديمة للحديث والخبر والنّادرة والمقامة والحكاية المثلية والخرافة وعلى رصيد حكائيّ ضخم في التراث العربيّ الإسلامي استلهمته واستمدّت من منابعه العجائبيّة والرّمزيّة والإخباريّة الواقعيّة والهزليّة أهمّ أصولها وأفكارها ومجازاتها وخيالاتها ولم تجد عناء كبيرا في تشكيل موادّها الفنيّة اللغويّة وفي شمج أخلاطها التعبيريّة في متشكّلات جديدة حادثة إضافة إلى استفادتها من تجارب الغرب .
بل إنّنا نستطيع القول –كما ذهب إلى ذلك محمّد القاضي- في درسه التجربة التّونسيّة إنّ الكتابة القصصيّة العربيّة المعاصرة على قدر كبير من التنوّع والثّراء حتّى في إطار الثّقافة الواحدة ولعلّ مدوّنة الأقاصيص التونسّية تؤكّد ذلك وتدعو إلى مقاربتها من منافذ كثيرة وباستخدام أدوات نقديّة متنوّعة تنوّع تلك البنى الأقصوصيّة ذاتها، حيث يقترح القاضي على القارئ جهازا مفاهيميّا يقدّم نفسه بسهولة للإجراء،فيكون صالحا لأكثر من نوع من أنواع القراءة الأدبيّة المتأنّية الوفيّة إلى محدّدات هذا الجنس الحادث الوافد علينا من الغرب.
فإليه نرجع الحديث عن أنواع البنى ك"بنيةالتتابع" و"البنية االدّائريّة" والانقلابيّة" وحتّى "الكنائيّة" و"الاستعاريّة" ومنه نستفيد من عديد الأدوات والمفاتيح التي استقدمها من النظريّات اللسانيّة و السرديّة والسيميائيّة وتحليل الخطاب وطوّعها للدرس الأقصوصيّ ك: "مستويات السّطح والعمق والتّأويل" و"المقوّم الخطابيّ" و"السّمات" و"الوظائف"...
والتجاء الأقصوصة حسبه " إلى أسلوب التّشبيه من خلال التّركيب وأسلوب الاستعارة من خلال التّماثل وأسلوب الكناية من خلال الجوار يغدو ركنا أساسيّا من أركان أدبيّتها ومحدّدا جوهريّا من محدّدات مقروئيّتها "
ولعلّنا نشارك القاضي إقراره بوجود خصوصيّة محليّة لتجارب الكتابة القصصية المعاصرة قد تسمح بإجراء دراسات مقارنة أقلّ ما يمكن أن نستفيده منها هو توسعة الجهاز النّظريّ لمفاهيم الأقصوصة والإسهام في تجديد تلك النظريّة وحتّى في تأصيلها استنادا إلى ما كتب في تجارب الأدب العربيّ المتقدّمة والمتأخّرة .
ومنها قد يتخلّص النّقد من عديد الأحكام الانطباعيّة المسقطة أو شديدة العموميّة أو تلك التي تجاوزها الحدث الإبداعيّ نفسه، لنتبيّن في المقابل خبايا هذا الجنس المدهش وخفاياه، التي قد لا تكتشف إلاّ إذا وهب النصّ نفسه للقراءة وللقارئ وسمح بضروب من التأويل والتأوّل ربّما لا تستوفيها النّظريات الغربيّة والمقولات التجنيسيّة المنمّطة المتعالية. وهذا ما سيصلنا بالجزء الثّاني من القسم النّظريّ وهو ما قررّنا تسميته بـ"المنوال الدريّ" في مقاربة النصّ الأقصوصيّ ،فما المقصود بذلك؟
2- "المنوال الدريّ"في مقاربة النصّ الأقصوصيّ:
نقترح لقراءة النصّ الأقصوصيّ منوالا تعليميّا جديدا من مناويل القراءة اخترنا أن نطلق عليه تسمية "المنوال الدريّ" أسوة بمفهوم "القصيد الدريّ" poème illumination)) الذي أوضحنا منابته النّظريّة إذ تذهب صاحبة المصطلح "سوزان برنار" إلى أنّ قصيد النّثر" تمكن تسميته أيضا بـ "القصيد الدريّ"لأنّه يتميّز بدرجة قصوى من التوهّج الدّاخليّ الدلاليّ والإيقاعيّ مأتاه قدرة هدا الجنس الغنائيّ على استجماع طاقاته اللغويّة وحشدها في اتّجاه وحدة الموقف والشّعور ليخلق في نفسيّة المتلقّي برهة شعرية إشراقيّة مسكونة بآثار تبلّرها الشعري(ّ(cristallisation poétique وهي برهة لا تقبل غشوها أو تعميتها أو قصم وحدتها العضويّة وتشتيت تركيزها الدّاخليّ ، وإلاّ فقد القصيد النّثريّ كنهه ومعناه، إذ "هو أشبه ما يكون بكتلة من الكريستال تتلألأ داخلها مئات الأضواء"
وهذا النقل الاستعاريّ للمصطلح مردّه تفكيرنا في أنّ"المقاربة التعليميّة الأجدى عند تدريس الأقصوصة، هي التي تفي أكثر من غيرها بمقوّمات الجنس ومنها تنهض على جملة من الدّعائم والشّروط المفاهيميّة الإجرائيّة حسب تغيّر سياقات النصّ المقروء وأنواعه وهذه الدّعائم وجدنا أنّها ستّة تتمثّل في:
كونها أوّلا قراءة شموليّة (lecture intégrale) أو أثريّة : يجب أن تلمّ بالنصّ في أثريّته (أي كأثر قبل أن يكون نصّا) كما يجب أن تدركه في كلّيانيته الأدبيّة (أي كوحدة بنائيّة دلاليّة شديدة الاتّساق والانصهار والتّناغم والتوهّج الدّلاليّ في مستوى ما ينطبع منها من آثار نفسيّة تخييليّة جماليّة في نفس المتلقّي عند تمثّله العالم المرجعيّ للأقصوصة . لأننا حسب قوانين "الجشطلت" قد لا نرى جناح الطّائرة من الجهة الأخرى لكنّنا تفترض أو تتخيّل بداهة أنّ الطّائرة لا تطير بجناح واحد.
هذه الوحدة مأتاها الاتساق الشّديد في مستوى بنينة الأحداث ونسيج الحبكة وصور توزيع الكاتب للوقائع المسرودة الرئيسيّة منها والغفل على رقعة العالم المتخيّل، ومردّها أيضا كيفيّة اجتهاده في الكشف عن وحدة الحادثة التي تدور في فلكها الأقصوصة كقصّة(récit) مرتبطة جوهريّا بمصير شخصيّة رئيسيّة ذات ملامح اجتماعيّة أخلاقيّة فيزيولوجيّة، وذات ماض نّفسيّ، حضاريّ وهي في النصّ بؤرة إشعاع دلاليّ ونقطة ارتكاز بنائيّ شديدة الثّقل وبالاستناد إلى برنامجها تتجلّى هندسة الأدوار و توزيعيّة الوظائف وأنسجة العلاقات. إنّ الشخصية مدار الحكي الأقصوصيّ و فعلها رّئيسيّ في الأحداث وفي مبنى تلك الأحداث بنفس القيمة أي في مستويي القصّة والخطاب معا. فهي المقوّم الأجناسي المولّد لبقيّة بقيّة المقوّمات الذي تتحلّق حوله بقيّة العناصر وتدور عليه دورة الأحداث ويتداعى نماء الحبكة بتداعيات أفعاله وأقواله وأحلامه أو أفكاره الباطنة ،ومعه تشتبك بقيّة الشّخصيات في علاقات مباشرة انسجاميّة أو صداميّة ،أو في علاقات غير مباشرة تكتفي فيها بالمراقبة أو المشاهدة فيكون حضورها ومضيّا سريعا أو باهتا أو هامشيّا غير مؤثّر تأثيرا حاسما في مجرى الأحداث.
لكنّ دورها يبقى هامّا وخطيرا في مستوى أسلبة الخطاب السّردي بأسلوب واحد وبنفس قصصي متناغم موقّع بتوقيعات العالم المتخيّل وأصدائه والأهمّ من ذلك أنّها قد تفلح في سدّ مسدّ الناقص والجزئيّ والمبتور من ذلك العالم و في ملاحمة النّسيج الحكائيّ للحبكة ومنع تهلهله أو انفراط عقده مهما كانت الحركة السرديّة مسكونة بالتوتّر والقفزات أو المفاجآت.
فالشّخصية مهما كان نوعها لها ثقلها الدلاليّ في البنية القصصية السّواء، لتظلّ في الأقصوصة أهمّ محبك من محابك المضمون المرجعيّ للخطاب وأجلّ مسبك من مسابك الشّكل والبناء تمنح النصّ قدرته العجيبة على أن يبعث في ذات المتلقّي إحساسا فريدا بمعايشة النصّ والحلول فيه أو ما يسمّى ب"القراءة المحاكاة"(lecture imitation) أو "القراءة المشاركة"(lecture participation).
هي ثانيا قراءة مسحيّة خاطفة :قادرة على تعرّف وحدة الأثر الأقصوصيّ بشكل لا يقوم على التقصّي والاستقصاء الخطيّ المفصّل لتفاصيل العالم الإنسانيّ المصوّر وإنّما يقوم بدوره على أسلوب مناور مباغت يأتي النصّ من مداخل مختلفة تفضي جميعها إلى مركزيّة المبنى والمعنى فيه، فينقلب الاستكشاف ضربا من ضروب المكاشفة ويغدو التّفاعل مع المقروء ،نوعا من الحلول في إشراقة الرؤية القاصّة بكلّ ما فيها من كثافة وتوهّج من الخارج ليقع تمثّل العالم القصصيّ بوصفه"حقيقة مخيّلة" Réalité fictive) وكلّ سيميائيّ شديد التّناغم والانصهار. وهذا ما قد يستدعي من المتعلّم اتباع استراتيجية استنباطيّة تذهب من الكلّ إلى مجموع الأجزاء ،تساعد في تحقيقها أنشطة التّلخيص والتجريد البياني الترسيميّ الخطاطيّ لترتيبيّة الأحداث والحكي معا أو للبرنامج السّرديّ وشبكة العلاقات بين الشّخصيات ونوعية السّجلات المستعملة لأسلبة الحكي ووضع الخطاب في قالب أسلوبيّ موحّد رغم ثراء مستوياته اللغويّة وتعدّد مقاصده الفكريّة الجماليّة.
ومبرّر هذا التّعامل أنّ الخطاب النّاقل للأقصوصة يصنع بكلّ الحيل الفنيّة اللغويّة كثافة عالمه الحكائيّ المنقول ليجعله حاضرا برمّته وبكلّ ثقله وبشكل لا يقبل التّجزيء والتأجيل في ذهن القارئ، ويمنحه عندئذ "وحدة الهاجس" أو "وحدة الانطباع" ،تلك الوحدة البنائيّة التي هي أيضا من آثار وحدة الأسلوب فهي أهمّ شاغل فنيّ في الأقصوصة يجب أن يدركه القارئ على نحو من الأنحاء وتحّققه الدّراسة الانتقائيّة التبئريّة للغة القصصية .
يقول القصّاص يوسف إدريس عن ذلك:" إنّ القصّة القصيرة وسيلة من وسائل إيصال الحقائق.. وسيلة من وسائل المعرفة والشيء الذي نعرفه من خلالها لا يُنسى أبدا،إذ أنّه نوع من المعرفة المؤصّلة الموثّقة،نوع من المعرفة النّاقدة ،المتّصلة، المتشابكة بحقائق الكون"
"فإذا كان الفنان بارعا-حسب "ادغار اَلان بو" فانه لا يسلط أفكاره على الأحداث وإنما هو يتصور سلفا انطباعا يروم بلوغه ثم ينتقي من الواقع ويركب من الأحداث ما يكفل له بلوغ التأثير المراد "وكما يقول عزّ الدّين اسماعيل :"فلينتقل كاتب القصة القصيرة من الزمن كيف شاء وليجتز من الشهور والسنين ما يشاء ولكن الذي يجعل عمله قصة قصيرة رغم ذلك... الوحدة الزمنية (..) التي تربط بين لمساتها الأحداث المتباعدة في الزمان"
هي ثالثا وكما شاء لها معظم كتّابها أن تكون "قراءة شكلانيّة"بمعنى أجناسيّة لا ترى معنى خارج الشّكل ولا يستقيم معها شرح للبنية يفصل البنية عن الخطاب ،فالمعنى الأدبيّ في الأقصوصة معنى جنس أي معنى شكل قبل أن يكون أيّ شيء آخر، و"الوحدة فيها ليست منطقيّة مضمونية على قدر ما هي وحدة فنيّة تخييليّة".
والنصّ الأقصوصيّ بشهادة معظم دارسيه مقروء أدبيّ لا يقبل في مطلق الأحوال الفصل والتّقسيم والتّجزئة أو التشظية والتّهشيم في مستوى المبنى كما لا تتجزأ رصاصة أو قذيفة بعد رميها، ومثلما لا تنفجر قنبلة إلا بعد إشعال فتيلها أو الضغط على زرّ إطلاقها، لأنّ ذلك البناء ما هو في النّهاية سوى مبنى - معنى ودلالة- شكل هي دلالة جنس عرف أوّل ما عرف باختزاليّته المرهفة وإلمامه المحيط بموضوعه المختار، ودقّته المتناهية في انتقاء المشاهد والأقوال الخادمة لتلك الوحدة واختصاره المقصّد للتفاصيل التي تعجّ بها القصص الإنسانية إلى درجة "تمكين القارئ من جميع المعطيات التي تولّد لديه لذة انتشاء تجعله كما لو كان إزاء لوحة شاملة تساعد رؤية كل عنصر من عناصرها على رؤية عناصر أخرى " (إدغار ألان بو)
وإذا ما عجز القارئ عن تحديد مأتى ذلك المعنى القابع في الذّاكرة الأجناسيّة للنصّ، الثّاوي في عمقها التّداوليّ الخطابيّ الذي هو عمق نظريّ بامتياز، فإنّ المشروع القرائيّ لذلك القارئ يبقى دائما خائبا، قاصرا عن مسك اللّحظة التي تعلن فيها تلك الأقصوصة عن ذاتها،أي لحظة "كشفها"التي هي أيضا لحظة اكتشافها كجنس لا وجود له خارجها، كما لا يوجد شعر خارج الإيقاع وكما لا توجد مسرحيّة خارج الفرجة. ف"لحظة الكشف هي اللحظة الجامعة لتجلّي الفكرة ووصول الإنطباع قمته هو وقوع تغير جذري يرافقه اهتزاز أو ارتجاج أو مفاجأة وربما التقاء هذه الألوان جميعا " وعلى أساس ذلك يصبح تعيين تلك اللحظة أهم بند من بنود العقد القرائيّ للأقصوصة مكوّنا تعليميّا أساسيّا ،بالغ الأهميّة لا يمكن اطّراحه من اهتمامات الدّرس وأهدافه ونشاط قارّ تنهض عليه كلّ حصّة من حصص المحور وإلاّ فقدت معناها وأحبط مشروعها القرائيّ .
و النّهاية كذلك قفلة أجناسيّة لا تقلّ أهميّة وتوهّجا عن "لحظة الكشف" رغم أنّها تأتي في نهايتها لتتمّ مشروع الوحدة والاتّساق والاحتساب المدروس لكمّ الأحداث والأقوال فهي مقوّم مهيكل للأقصوصة حاضرمنذ البدء في ذهن كاتبها عند تمثّله القصّة في "سردها الخالص" لو استعرنا عبارة "جينات" بل إنّه جزء لا يتجزّأ من لحظة الكشف وتتمّتها الضروريّة لاستكمال وحدة الحدث. إنّها فيها آخر بارق من بوارقها الإشعاعيّة وآخر دعقة من دعقات دفقها الدّلاليّ ،وهي التي تجعل آثارها راسخة في ذهن القارئ وذائقته حتى بعد فراغه من قراءة الأقصوصة .وهذا ما يؤكّد مرّة ثانية زعمنا بأنّ التعامل مع هذا الجنس من النّصوص يجب أن يرقى إلى مستواها الأدبيّ كأثر(œuvre) ويعيد النّصاعة إلى هذه المقولة التي طغت عليها مند السّبعينات من القرن العشرين مقولة النصّ فلحظة الكشف هي المتحكمة في طرائق الإنشاء وجميع الإيحاءات والروافد ومراكز الثقل.ومعها تنقلب الأقصوصة انقلابا حادا على نحو يجعل خطوطها الكبرى بيّنة واضحة" (شليغل) .
هنا نتساءل كم من الأقاصيص قرأ المتعلّم ليبني "أفق انتظاره الأجناسيّ" الذي يستطيع من خلاله أن يفرّق الأقصوصة عن مجرّد القصّة وعمّا درس من الأشكال الحكائيّة التراثيّة والحديثة الأخرى؟
إنّنا هنا نحتاج أوّلا إلى إنماء الرّصيد القرائيّ لذلك المتعلّم بتشجيعه على المطالعة وعلى القراءة بأنواعها قراءة النصّ القصير والطّويل، ونحتاج ثانيا إلى ترميم شبكة معارفه الموسوعيّة عند تكليفه مباشرة بالبحث وجمع المعلومات لبناء المعارف عن الأقصوصة ونظريّتها وتاريخها، فأنشطة التمهيد والعرض وسبر التصوّرات لا تقلّ قيمة عن أنشطة التفكيك والتحليل والاستقراء والمقارنة بين البنى الأقصوصيّة المدروسة وإبرام عقود القراءة وطرح فروضها وإضفاء معنى على تعلّمها فالاستكشاف بتنوّع تقنياته يصنع الرّابط مع النصّ (le lien avec le texte) ويسهم في استجلاء المواقف وفي إشراك المتعلّم في بنائها واستقصائها من الخارج (سياق الكتابة) ثمّ من الدّاخل (سياق الأحداث) وهو المسرب الأنسب للتّحفيز وتحريك الدّافعيّة نحو استقبال ذلك المقروء على طوله أوكثافته و غموضه .
والقراءة رابعا قراءة محوريّة تعتمد اختيارا منظّما دقيقا لمحاور الشّرح الفنيّة المضمونيّة بمعنى أنّها ليست خطيّة مسترسلة ولا مقطعيّة بالمفهوم التّقليديّ للمقطع كوحدة شرح متّصلة ببقيّة الوحدات،بل هي قراءة تتخيّر مقاطعها المشروحة في شكل وحدات محوريّة تنهض على مراكز اهتمام جامعة لا تفصل المبنى عن المعنى (كالمكونات المرجعيّة للأطر والبنية والبرنامج السّرديّ والعلاقات بين الشّخصيات وسماتها النفسيّة الأخلاقيّة الاجتماعية واللغة والأساليب والقضايا...) فيكون وفقها التّعامل معها تعاملا شموليا يؤدّي إلى استخلاص نتائج الكلّ من خصائص الجزء قياسا وتمثيلا.
وهذا ما يجعل منها خامسا قراءة تعدّديّة فارقيّة تقتضي بداهة تفريق المهاّم وتنويع الأنشطة وتعدّد وجهات النّظر وزواياه واستراتيجيات التّعامل مع المقروء تفكيكا وتحليلا وتأليفا وتأويلا وتأوّلا فضلا عن القدرة على التبرير والتعليل والتوسّع والاستدلال بالمبنى على المعنى أو العكس. وعلى أساسها يرافق المتعلّم في عملية رصد أنواع الخطاب وصنوف البنى وفي ضبط الوحدات البنائيّة الدّلاليّة المفصليّة بأشكال محسوسة تعتمد المراس والاحتكاك المباشر بالنّصّ ورسم الحدود.
فالفارقيّة لا تعني بالمرّة التخلّي عن وحدة المعارف والأهداف ومبدإ عدالة المشاركة وتكافؤ الفرص، كما لا تعني تهشيم وحدة النصّ بل إنّ طبيعته الأجناسيّة التي بيّنا (خاصّة الطّول النّسبي و شدّة التوهّج الدّاخليّ والوحدة العضويّة وتحوّل النصّ إلى أثر) هي التي ستصبح عوامل مساعدة في بناء هذاالمنوال الذي اقترحنا وتحويل تلك العوائق إلى أهداف وإلى مجموعة من المحدّدات المعرفيّة الثّابتة في مقاربة الجنس تنضاف إليها المتغيّرات الخطابيّة للنصّ المتنوّعة من سياق إنتاجي إلى آخر وحسب مقامات الإنتاج والتلقّي والتي يمكننا إجمالها في :
النّوع والاتجاه(الواقعي،الرمزي،الخرافي، العجائبيّ،النّفسي، الهزلي،التّراثيّ ، التّاريخيّ...)
المرجعيّات والأصول والمنابع والمؤثّرات (الخرافة، الحكاية المثلية،المسرحية،اللوحة،القصيد،السيرة الشعبية،السيرة الذاتية...)
البنية (تتابعية خطيّة،تدويريّة،انقلابية،ثنائية جدليّة...)
الخطاب السّارد (تعليمي،تأريخي،تسجيليّ،ناقد،كاشف،ساخر،مراوغ،مخاتل،رمزي إيحائيّ،شاعريّ،دراميّ...)
الشخصيات :المركزي والهامشي،الحاضر والغائب
العالم السّرديّ:المشهديّ الواقعيّ الشّفيف ،الاستبطاني، النفسي الكثيف، الواقعيّ والرّمزيّ، الإيحائيّ،العجائبيّ...
النهاية المتوقعة ، المفاجئة،الملغزة أو المفتوحة.
القضايا (التاريخي،الاجتماعي اليومي ،السياسيّ الإيديولوجي، الحضاري ،الكوني ،الذاتي ،النفسي،الذهني،الصّوفي،الشّعبيّ...)
هي سادسا قراءة بنائيّة نشيطة: تشغّل مهارات القراءة والسّماع والمشافهة وتستجمع نتائج الشّرح من موارد مختلفة فتعوّل تعويلا كبيرا على التقارع والتفاعل بين الأفكار والآراء المختلفة لجمهور القرّاء المتعلّمين وتستدعي المراوحة بين الطّريقتين الفرديّة والجماعية وتعتمد العمل الفرقي والتّشاركي والورشي وتوظّف بيداغوجيا المشروع والإدماج لتكنولوجيا الاتصال والمعلومات.
تفشل القراءة الأقصوصيّة فشلا ذريعا مع المنوال التلقيني الاستجوابيّ التّقليديّ ومع الشّرح الخطيّ والمقاربة السرديّة المبسّطة التجزيئيّة أو الاختزالية التي لا تنفذ إلى العمق الأجناسي البنائي للنصّ الأقصوصيّ كلاّ شديد الانسجام والتوهّج الدّاخلي أومع تلك القراءة المرجئة التي تؤجّل لحظة الكشف وتقضي على وحدة الانطباع.
لا يقبل النصّ الواحد القسمة إلى أكثر من نصّ وإن كان الدّرس قابلا للقسمة إلى أكثر من حصّة مع اختيار مدروس للمحتويات والأهداف والأنشطة