الوفاء الدّائم

عضو مهمّ
منتدى تونس التربوي
ناشر الموضوع
المشاركات
777
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
المستوى الدّراسي
خيار آخر
الاختصاص
-
المهنة
-
غير متّصل
    أبو القاسم الشابي: الشّعر ابن الحياة
  • #1
الــقسم : بحوث و دراسات
أبو القاسم الشابي: الشّعر ابن الحياة

لا يموت الشّاعر طبعا لأنّه مجبول على الالتحام بقوى الوجود الجوهريّة التي لا تكفّ عن الحضور في كلّ مكان ‏وزمان، ولا يعدّ الموت البيولوجي غير ارتهان مشترك بين الكائنات لحقيقة مطلقة. وما الشّابي غير شاعر حوّلته الرّؤية ‏العميقة رغم انحسار الامتداد الزّمني إلى إنسان خالد.
ورغم انقضاء هذه العقود على رحيله فإنّ سؤال راهنيّة تطلّعاته ‏تبقى جائزة خاصّة في سياقات ثقافيّة تونسيّة وعربيّة جعلت منه سلطة أدبيّة، وقامة إبداعيّة تسبّب بعض النّتاج النّقدي ‏في تأليهها دون وعي بسلبيّة هذا التّأليه بل بتضاربه مع رؤية الشّابي الفنّيّة.
ولذلك لا يمكن النّظر إلى سؤال الرّاهنيّة ‏من زاوية تصنيم شعريّة الشّاعر بقدر ما يجب الوقوف عند المكوّنات الأساسيّة التي تجعل من الشّابي راهنيّا وغير ‏مرتهن بالتّمشّي التّصنيمي الذي تنطلق منه مقاربات نقديّة شكّلت في الحقبة الأخيرة بديلا رمزيّا لـ"المناصب الشّرعيّة" ‏التي قاومها الشّابي وانصرف عنها لكونها مرادف أمين لسلطة التّحجّر في الوجود.
لقد وقف الشّابي ضدّ مألوف الرّؤية ‏الشّعريّة بشكل متناظر مع سعيه إلى التّجديد. فاصطدم بالذّائقة العربيّة حين واجه بشكل متميّز وعجيب "الخيال الشّعري ‏عند العرب". لقد توقّف الشّابي عند جوهر ماهيّة الشّعر، أي عند الرّؤية الشّعريّة التي تكون بمثابة المولّد الرّئيسي للفعل ‏الإبداعي، وهو في هذا الوقوف ما يزال راهنيّا، فمجمل الكتابات والتّجارب العربيّة الرّائدة ما تزال تواجه "الرّؤية ‏المحنّطة للخيال العربي" التي تحوّلت لدى المتلقّي العربي إلى نوع من الطّوطم، لا تجب مهاجمته ولا زحزحته عن ‏كاهل الشّعريّة العربيّة.
لقد اختار الشّابي أن يكون في رؤيته متّصلا بالرّؤية الغربيّة التي لها "رنّة عميقة داوية" في ‏مقابل الرّؤية العربيّة ذات "الرنّة السّاذجة البسيطة"، وما هذه الرّنّة غير إيقاعيّة الشّعريّة الثّائرة التي تتوهّج في أعماق ‏الحياة والوجود، وبقدر ما تلمّس الشّابي راهنيّة لامارتين وغوته في عصره بقدر ما نستشعر راهنيّة الشابّي اليوم دون ‏أن نخفي موقفنا النّقدي من كلّ الكتابات التي زعمت قراءة الشّابي دون أن تقرأه فعلا. ‏
كلّما دلفت إلى كتابه "في الخيال الشعري" أدركت أنّنا لم نقرأ بعد ما يجب قراءته وأنّ ظلم الشابي ما يزال مستمرّا من ‏قبل دارسيه ونقّاده.
ففي كلّ قراءة تتراءى لي إشراقات فكريّة وحسّ مستقبلي وإلماعة روح تستوطن الآتي أكثر ممّا ‏تقيم في الحاضر.‏
نحن اليوم، بالمعنى الرّاهني، نحتاج إلى إعادة قراءة الشّابي خارج موجّهات المقاربات السّابقة التي سيّجته في دائرة ‏الرّومانسيّة العربيّة أو التّأثّر بالشّعر المهجري أو الشّعر الوطني فحسب، فإذا نوينا الحديث عن الرّاهنيّة لن نجد مناصا ‏من تحرير الشّابي من معتقل المنظار النّقدي، ولا نغالي حين ندعو إلى تجديد قراءته دون أن نتعالى عن دراسات نقديّة ‏استطاعت أن تلتحم بنسغ الرؤية الشّعريّة للشّاعر.
نادى أبو القاسم الشابي بأن يكون الشّعر ابن الحياة، وهو الذي صرّح بأنّ "لكلّ عصر حياته التي يحياها ولكلّ حياة أدبها ‏الذي تنفخ فيه من روحها القشيب"، وهو يفرّق بين "شعر الحياة الخالد وبين شعر السّخافات والتّقاليد" وهو بذلك قد أمعن ‏في تأسيس رؤية للشّعر تلامس جوانب رؤية الشّاعر المعاصر، بل علّه بلغ رغم يفاعته درجة التّمكّن من جوهر العمليّة ‏الشّعريّة من حيث الوعي بمولّداتها والوقوف على أفقها الممكن والمستحيل في آن.
ألم يكن هجومه على الخيال العربي ‏من أبرز الأطر النّظريّة التي ولّدت تجربته الكتابيّة؟ ومع ذلك تحتاج مواقف الشّابي في هذا الصّدد إلى إعادة قراءة دون ‏مغالاة بالطّبع ودون إسقاط لمفاهيم معاصرة على مباحثه بل إنّ أهمّ ما يمكن بحثه في حدود الرّاهنيّة هو الآليّات الفكريّة ‏والشّعريّة التي جعلت من روحه روحا ثائرة، تتّجه إلى عمق الحياة باعتبارها معين التّجربة الشّعريّة ومداد كلماتها.
ثمّة ‏دعوة إلى التّناغم الشّعري مع الحياة بما في ذلك الإنصات الشّفيف إلى خفقانها. ألا نحتاج اليوم إلى شعر يتناغم فعلا مع ‏الحياة أي إلى شعريّة تكون بنت الحياة لا بنت البلاغة؟
لاختبار هذه الرّاهنيّة نستدعي المدوّنة النثريّة للشّابي، دون أن نغفل عن شعره، نستنطقها بما هي السّند المرجعي ‏لتفكيره، فهو إضافة إلى فعله الشعري لم يحترز من الكتابة النثريّة بل جعلها جزءا من حياته الإبداعيّة وربّما بقيت هذه ‏الكتابة بعيدة نسبيّا عن التّناول النّقدي قياسا بالاهتمام البليغ بـ"أغاني الحياة"، فقد تحاشى بعض النّقّاد إعمال النّظر في ‏هذه الكتابات مخافة أن تعرقل المنهج النّقدي على الغوص في جماليّة النصّ الشعري.
إلاّ أنّنا نقف عند هذه الكتابات ‏النثريّة وتخصيصا كتاب " في الخيال الشعري عند العرب" للتّوغّل في بؤرة تكوّن الرؤية الشعريّة باستقصاء المكوّن ‏الفكري لمسألة الصّورة الفنّيّة لدى أبي القاسم الشّابي. ‏

‏1/ في التباس تصنيف كتاب "الخيال الشعري" وغربته
ينشأ البحث في الصّورة الفنيّة من زاوية اكتناه لماذائيّة الشعر، حيث يدور السّؤال في منبت الشّعر وماهيّته وهو بذلك ‏يتّصل بميتافيزيقا النّشأة والتّبلور. وحين نضع المنجز النّظري للشّابي وخاصّة كتابه "في الخيال الشعري عند العرب" ‏تواجهنا مشكليّة التّصنيف فهل نعدّ الكتاب نقدا أم تنظيرا أم نوعا آخر يشبه ما نسمّيه راهنا بـ"البيان الشّعري".
لكنّ ‏الشّاعر لا يتعرّض لتجربته الشّخصيّة في الكتابة ولا يبني لها نسقا بشكل مباشر، وإنّما يمرّر في كتابه مواقف وأفكار ‏هي تعبير صادق عن رؤيته لـ"الشعريّة العربيّة القديمة" وهو في هذا التّناول يعبّر عن طبيعة الكتابة التي يرنو إليها، ‏فدحضُ هذه الشعريّة والتّمرّد عليها في المتن النّظري يحمّل الشّاعر مسؤوليّة تحقيق هذا العدول في مستوى كتابته.
لذلك ‏يعدّ الكتاب في نوعه صيغة متداخلة للنّقد والتّنظير والتّبشير، فعلا ثمّة بعد تبشيري في الكتاب وهو سمة البيانات التي ‏تنزع إلى تحطيم السّائد ثمّ التّلويح بأفق جديد. ولئن صحّ القول بنسبة ضئيلة، أنّ الشّابي شحيح في الحديث عن تجربته ‏فإنّه في تنظيره للشعر مفهوما وتشكيلا جعل من ذات الشّاعر ذاتا نموذجيّة حامت حولها جميع تصوّراته.
ففي حديثه ‏عن الشّاعر بإطلاقٍ إدماجٌ لذاته في هذه الذّات الشّعريّة الكونيّة، وإذا ما فهمنا هذا الأسلوب الذي يتّبعه الشّابي فإنّنا ‏نسحب بذلك جميع مكوّنات الرؤية الشعريّة العامّة للشّعر إلى رؤيته المخصوصة، فندرك بهذا أنّ رؤيته لـ"الشعريّة ‏الجديدة" نابعة من تجربته الذّاتيّة عكس ماذهب إليه بعض النّقّاد ومن بينهم إحسان عبّاس حين أنكر على الشّابي ذلك ‏بقوله:" لا يحدّثنا الشّابي عن لحظة الإبداع في حياته الشعرّية.
وهو في حديثه عن الخيال الشعري عند العرب يستشهد ‏بتجارب غيره ولا يقف عند تجربته الذّاتيّة في هذا المجال"1 ولكنّ كتاب "الخيال الشعري عند العرب" يصدر عن تجربة ‏مخصوصة لذات الشّابي وربّما مثّل التباس تصنيف نوع الكتاب في هذا الحكم القاسي، وفي غير هذا الكتاب لا يداري ‏الشابّي اندفاعة الشّعر ومقامات نشوئه.
فهو في مذكّراته يصدح:" إنّني شاعر. وللشّاعر مذاهب في الحياة تخالف قليلا أو ‏كثيرا مذاهب النّاس فيها. وفي نفسي شيء من الشّذوذ والغرابة أحسّ أنا به حين أكون بين النّاس ..يجعلني أتبع سننا ‏ورسوما تحبّها نفسي، وربّما لا يحبّها النّاس. وأفعل أفعالا قد يراها النّاس شيئا محبوبان وألبس ألبسة ربّما يعدّها النّاس ‏شاذّة عن مألوفاتهم[..] أنا شاعر. والشاعر يجب أن يكون حرّا كالطّائر في الغاب، والزّهرة في الحقل، والموجة في ‏البحار."3 ‏
واجه الشّابي معارضة من قبل النّقاد في تونس وفي المشرق، فنقدُ الشعر العربي القديم أثار مواقف ضديّة قديمة وحديثة ‏تفيد نوعا من الاتّفاق النّقدي أساسا حول " مغالاة " الشّابي وإفراطه في الحماسة.
واللاّفت أنّ الشابي دفع بالكتاب إلى ‏المطبعة بعد سنة من إلقاء محتواه في شكل محاضرات "دون أيّ تنقيح أو زيادة أو حذف" كما أكّد هو نفسه في تصدير ‏الكتاب و يرسّخ هذا التشديد إمعان صاحبه في المحافظة على أفكاره رغم عداوة البعض لها، وهي ممارسة تجنح إلى ‏بيان إصراره على تأكيد سمتين أساسيّتين في الكتاب أوّلهما نبرة التّمرّد والجرأة وثانيهما عدم التّراجع عن أفكار الكتاب، ‏ويؤكّد هذا التّمشّي إيمانه برؤيته التّنظيريّة. ‏
بعد صدور الكتاب ببضع سنوات يقدّمه الكاتب مختار الوكيل في مقالة بمجلّة "أبولو" فيعارض ما ذهب إليه الشّابي من ‏إنكار الخيال الشعري عند العرب، معتبرا هذا الحكم متطرّفا، ولئن التمس عذرا للشابي بردّ الحكم إلى "شحذ القرائح ‏واستنهاض الهمم حتّى يصل الخيال الشعري على أيدي الشباب العرب إلى درجة سامية لم يحلم بها السّابقون في هذا ‏الميدان"‏ ‏.
فإنّنا نجد في هذا العذر/المبرّر نوعا من النّقد الملطّف وهو ما يتكرّر في كتابات نقديّة أكثر عمقا ومعاصرة ‏فنعثر على الموقف ذاته للنّاقدة سلمى الخضراء الجيّوسي التي اتّهمت الشّابي بعدم فهمه لروح العالم القديم وشعره ‏وحركة الفنّ في المجتمع الجاهلي أو الإسلامي.
وهو اتّهام ينقض كليّة مشروع الشابي في كتابه "الخيال الشعري عند ‏العرب" ويعني ذلك أنّ الشابي يفتقر إلى آليّات قراءة النّتاج الشعري القديم وهذا ما صرّحت به الجيّوسي:" إنّ هجوم ‏الشابي في هذه المحاضرة على الموقف الكلاسيكي العربي من المرأة"وهو موقف معقّد لم ير فيه الشّابي إلاّ وجها ‏واحدا" وعلى مدلولات الشعر الحماسي الجاهلي وحيويّته في مجتمعه يكشف نقصا في ثقافته الكلاسيكيّة في إلمامه ‏بتاريخ المجتمع العربي ودور الشعر فيه.
غير أنّها تقف شاهدا على روح الفترة التي كان يكتب فيها وعلى جرأته ‏الشّخصيّة النّادرة وثورته ورفضه وطموحه"4. و لا يذهب جلّ النّقد هذا المذهب في إنكار معرفة أبي القاسم للشعر ‏العربي فقد نجد حكما مختلفا ومناقضا بشكل مطلق.
يُشيد فؤاد القرقوري بثقافة الشّابي قائلا:" إنّ محاضرته عن "الخيال الشعري عند العرب" لخير دليل على إلمام أبي ‏القاسم بالأدب العربي منذ عصوره الأولى وعلى دقّة فهمه لخصائصه وسعة معرفته لأعلامه" 5وفي رأيه مناصرة ‏ضمنيّة للنتائج التي باح بها الكتاب، لكنّ هذا الرّأي بقي محتاجا إلى تفصيل.
لذلك فإنّ مجمل الموقف النّقدي يفنّد ‏تصوّرات الشابي ويحكم على ثقافته بالهشاشة، وهو ما تسبّب نسبيّا في إهمال النّقد لهذا الكتاب، وكأنّ نتائجه هزيلة ‏ومردودة على صاحبها حيث لم يقع غير تثمين نبرة الشابي دون محتوى رؤيته في صيغة تنفي عنه صفة النّاقد والمنظّر ‏و لا تجلّ غير صفة الشاعر.
ولا يعني ذلك أنّ المتعاطفين مع كتاب الشابي قد أنصفوه أيضا لأنّ تمجيدهم للكتاب وجّه ‏نحو مساندة الشابي في هجومه على الجمود في الشعر القديم. فمن بين معاصري الشابي ينتصر زين العابدين السنوسي ‏للكتاب بقوله:" الشيخ أبو القاسم لم يتحاش أن يصادم في كثير من النقد بخطابه ذاك، مراكز كانت نفوسنا متوطّنة عليها. ‏
إذ صارحنا في هذا السّمر بنقد الأدب العربي، الذي خلدت نفوسنا منذ أمد الدّراسة على أنّه مقدّس وعلى أنّه المثال ‏الأعلى الذي يجب أن يرفع له ذوو الكفاءات نتائجهم في وجل"6 . ومن بين اللاّحقين من النقّاد نعثر على رأي شوقي ‏أبو شقرا بقوله:" أهميّة الشابي في هذا الكتاب هي وقفته الرّافضة"7، فيتوافق المساندون مع الرّافضين في إقرار "نبر ‏الشابي" ويهاجم الرافضون محتوى الكتاب بينما يسكت المساندون عن الخصائص التّثويريّة له. ‏
إزاء التّلقّي السلبي للنّقاد سارع الشّابي إلى الردّ على المشارقة دون التّونسيين، متّهما إيّاهم بقصور الفهم وعدم التّمييز ‏بين نوعين من الخيال: "الخيال الصّناعي" و"الخيال الفنّي". ولكنّ هذا الردّ والتّوضيح لم يلجم النّقد من مواصلة تأكيد ‏الحكم بتسرّع الشابي في دراسته للأدب العربي وافتقاره لثقافة واسعة تجعله على بيّنة بخصائص الشعريّة العربيّة.
ولقد ‏حدس الشابي أنّه يتعرّض لمسألة في غاية التّركيب وهي مسألة "الخيال" بل إنّه لامس أخطر مكوّن في العمليّة الشعريّة ‏برياديّة واضحة حيث لم تشهد تلك الفترة التّاريخيّة تناولا لـ"الخيال الشعري العربي" وحسبه أنّه كان فاتحا لهذا المدار ‏الفكري في نقد الشعر.
لذلك جاء خطاب كتابه ملتبَسا بين روح الشّاعر الذي اكتشف أرضا بكرا في التّفكير العربي ‏وبين بناء كتابي يجمع بين صنعة النّقد وأدوات المفكّر والمنظّر. وإذا كنّا نقرّ بجدّيّة مبحث الشّابي وطرافته في ذلك ‏العصر فإنّنا ننظر في نتائجه ضمن أفق عصره دون أن نظلمه فنطالبه بالعمق النّظري الذي تبلور لاحقا في كتابات ‏الغربيّين بالخصوص.
ولم يكن الشابي في كتابه مجرّد شارح مثلما ذهب إلى ذلك أبو شقرا وإنّما تحلّى بصفات من ‏يمشي في سبيل غير مطروقة وغامضة المسالك. ‏

‏2/ النّزوع التّصويري المبدع
نتعمّق في مسألة الصّورة لدى أبي القاسم فإذا نحن في حوار مع الينبوع الصّافي لرؤيته الشعريّة، أي المعين الأساسي ‏لاندفاعة شعره. ولا ننفي عن هذا الينبوع أثر شخصيّته ونفسيّته المتألّمة. هذه النّفسيّة التي استطاعت إلى جانب الفكر ‏فيه أن تهتدي إلى تشكيل نبع التّصوير الفنّي.
وقد نجد بعض النّقّاد من اهتدى إلى أهميّة هذا النّبع مثل فريد غازي حين ‏أفرد فصلا في كتابه عن الشابي بعنوان"النّزعة الإبداعيّة" فتلمّس دون أن يبلغ أقصى البحث مكمن الشّاعريّة ومرتكز ‏الفعل الإبداعي للتصوير الفنّي، بل إنّه لم يفهم آنذاك مرمى نزعة الشابي وعمقها ظنّا منه أنّها مجرّد فكرة "مستقاة من ‏فيض ينبوع الإبداعيّة الغربيّة" وهي "فكرة جبرانيّة محضة" واتّهم أبا القاسم بنقص في الإدراك النفساني والعقلي، وذو ‏نزوع هروبي لم يتعقّل متغيّرات المجتمع ولا حركته التاريخيّة وهو يشبه الإبداعيين الغربيين الذين لاذوا بالأشواق ‏المبهمة.
يقول عن هذه النّزعة:" وهي نزعة بيّنة عند الشابي وعند كثير يتّسم بها إلى يومنا في بلادنا وفي غير بلادنا ‏نفر غير قليل، نزعة ما نزال نطالع آثارها على صفحات جرائدنا ومجلاّتنا، تمتاز بالهروبيّة من كلّ مسؤوليّة، وبأشعار ‏مشوّشة، تتخلّلها العبارات "الميتافيزيقيّة" الرّنانة الفارغة كلّها دموع وعواطف، تناثرت فيها ‏الزّهور..والعطور..والبخور..والحرير."8.
ولئن ردّ غازي هذه النّزعة إلى جهل الشابي بأحوال مجتمعه واضطراب ‏نفسيّته إلى درجة التعقّد فإنّه لم يميّز بين نزوع التقليد والاتّباع في التجربة الشعريّة وبين أصالة تجربة الشابي في ‏مراودته للوجود وانغراسه في إشكاليّة انبثاقة الشعر.
فتهيّأ له أنّ أبا القاسم يتّكئ على الإبداعيّة الغربيّة فينسخها وكأنّ ‏شعره ليس صوتا لتجربته في الوجود. لذلك فإنّ اتّجاه النّقد إلى إغفال وعي الشاعر بمشكليّة الشعر واتّهامه بالهروب هو ‏من باب الجهل بقيمة أساسيّة في تجربة الشّاعر وهي وقوف الشاعر في حضرة الشعر ذاته.
لننصت إلى أبي القاسم في ‏أنينه المدوّي:" إنّني طائر غريب بين قوم لا يفهمون كلمة واحدة من لغة نفسه الجميلة، ولا يفقهون صورة من صور ‏الحياة الكثيرة التي تتدفّق بها موسيقى الوجود في أناشيده ، الآن أيقنت أنّني بلبل سماوي قذفت به يدُ الألوهيّة في جحيم ‏الحياة فهو يبكي وينتحب بين أنصاب جامدة لا تدرك أشواق روحه، ولا تسمع أنّات قلبه الغريب..وتلك هي مأساة قلبي ‏الدّامية"9‏.
يمكن أن نعثر على هذا الفيض من اللّوعة مبثوثا في كتابات عربيّة وغربيّة لمبدعين من أزمنة متفرّقة ولغات متنوّعة ‏وذاك لا يفنّد أصالة التّجربة ولا يعدمها بمثل ما لا يتّهمها بالانبتات عن المجتمع. كلّ ما في الأمر أنّ نفس الشاعر أيّا ‏كان منبته تتّصل بينبوع كوني للإبداع كلّما انفضّت عن المادّي وتكشّفت على عالم الرّوح.‏
كما يمكن أن نستشفّ من خلال هذا المقطع القصير من إنشاد أبي القاسم دقّة إدراكه لمكوّنات الفعل الشّعري في ربطه ‏بين الشعر واللّغة وبين الشعر والصّورة. فروحه التي تحترق شوقا بيتها اللّغة ومدادها الصّورة.
ولا تفيد غربته بين بني ‏قومه معنى الانقطاع عنهم وإنّما تعكس فهمه العميق لغربة القوم عن أنفسهم وعن الوجود، فلا ينبع ألمه من شقاء ذاته ‏وإنّما من لوعته على بني قومه الذين استحالوا إلى أنصاب مهجورة من الرّوح. وانحاز الشّابي إلى كلام النّفس مفرّقا ‏بينه وبين اللّغة وهو تمييز شعري خلاّق في زمنه، فسؤال الشعر مرتبط بسؤال اللّغة، وسرّ فجيعة الشاعر الذي يتّخذ ‏من الطّائر رمزا له عجز النّاس عن فهم" لغة نفسه" وهي لغة ليست كلغة القوم بلا ريب أي أنّها الكلام الشعري بامتياز، ‏وما انقطاع النّاس عن لغة الشاعر إلاّ انقطاع عن لغة نفوسهم أيضا.
هكذا يكون الشاعر محلّقا بين أرض وسماء، بين ‏لغة القوم ولغة نفسه، ممزّقا بين ثنائيّات عديدة: البلبل السّماوي/جحيم الحياة، أشواق الرّوح/أنصاب جامدة. تلك هي نفس ‏الشّاعر تخفق بحدّة التّباين الذي تسعى اللّغة إلى صياغته. لكنّ أبا القاسم يحدّد المنازل فيجعل اللّغة دون الخيال لأنّها ‏‏"أصغر وأعجز" و"ضيّقة ومحدودة" ولا يراها مادّة جامدة تستقرّ في النّفوس وتحملها البشريّة، وشرط انفتاحها على ‏المجهول موكول بشحذها بالخيال.

فهو يصرّح بأنّ" اللّغة مهما بلغت من القوّة والحياة فلا ولن تستطيع أن تنهض من ‏دون الخيال"10 فالخيال بتعبيره هو "الكنز الأبدي" للّغة تستمدّ منه جذوتها، ولكنّه على عكس اللّغة لا ينفد بينما اللّغة ‏عاجزة عن "استيفاء ما في النّفس الإنسانيّة من عمق وسعة وضياء"، ويعني ذلك أنّ مغامرة اللّغة محفوفة بالعجز، في ‏حين تظلّ الرّوح محلّقة أبدا. ‏
‏ يأتي "التّصوير" في منزلة تالية بعد اللّغة كأنّه يشكّلها، وهو تصوير يتّخذ من الحياة منبعه الرّئيسي، غير أنّه تصوير ‏موصول بالموسيقى وهنا ينشأ انزياح رائع. فالشّابي يرفع المحسوسات إلى درجة المجرّد. لأنّ القوم يرون بأعينهم دون ‏أن يستطيعوا بلوغ طور القبض على رؤية اللاّمرئي من خلال المرئي.
فمن يستطيع القبض على الموسيقى أو رؤيتها؟ ‏ألا يتعرّض الشّابي إلى ذائقة جماليّة جديدة تهفو إلى السموّ بالعين من البصر إلى البصيرة، من الحسيّ المشاع مثلما ‏تشاع الغريزة إلى الرّوحي الذي ينعتق من "غباوة" مفرطة كان الشابي في عداء دائم لها. ألم يكن مشروع الشابي أن ‏تتحوّل العين إلى أذن، أن تنصت العين وتخترق حجب الرّوح بافتضاضها للصّورة؟ ‏

‏3/ الخيال الشعري موطن الصّورة‏
يتلمّس الشابي مناطق جديدة، ولا أحد يتعاظم لمطالبته بأنى يكون مفكّرا بالمعنى التّام للكلمة أو عالِما، حسبه أنّه شاعر ‏قاده حسّه الشعري وصدقيّة تجربته إلى تناول قضيّة الصّورة من باب التّخييل دون أن نتبيّن لهذا التّناول مرجعيّة فكريّة ‏محدّدة ومعلن عنها في خطاب الشّابي.
وإن كانت مؤثّرات عربيّة وغربيّة ثاوية في بعض ردهات الخطاب فإنّنا لا يمكن ‏أن ننكر طليعيّة طرح الشابي. وحين تعرّض لمشكليّة الخيال الشعري فقد وضع نظره على مكوّن منسي في بناء الفكر ‏العربي، والغريب أنّ ما اهتدى إليه الشابي صنّف في باب خطاب شاعر حول قضيّة شعريّة، فحجبت بذلك إضافته ‏النّوعيّة .
لم يطرح الشابي هذه المشكليّة من منظار الشعر فحسب وإن تقيّد بإطاره العام وإنّما طرحها من زاوية أشمل ‏تمتدّ على الفكر العربي الذي ينتمي إليه. وكأنّه سارع إلى توكيد أهمّية قراءة الفكر العربي من زاوية "الخيال" فيه. ‏ولذلك فإنّ تصوّرات الشابي اختُزلت كثيرا وسطّحت بردّ معركته إلى معركة ضيّقة ضدّ الشعر الكلاسيكي في حين أن ‏ما انتبه إليه من خطورة اكتفاء العرب بنوع من نوعي الخيال لم يعره المفكّرون في عصره أو بعد عصره أيّ اهتمام.‏
لقد أفصح الشّابي عن مشروعه فقال:" إنّني لا أقصُر بحثي على ما أبقاه العرب من شعر ونثر ليس غير، بل إنّني ‏سأجتاز هذين إلى قسم آخر هو كالشعر صورة مغرية من صور الخيال" ولئن عنى بهذا القسم الأساطير العربيّة فإنّ في ‏انزياحه عن المطابقة بين الخيال والشعر انفتاح على ما أسماه بـ"جوانب الحياة الفكريّة" التي راح يبحث عن حضور ‏الخيال فيها ومقوّماته ، مشخّصا أشكاله وتمظهراته. فلا يعقل بعد ذلك أن نأسر جهده ودراسته في باب الشّعر.
لأنّه لم ‏يقصد بالخيال الشّعري، خيالا منغلقا على نوع مخصوص من الكتابة وإنّما لم يجد مصطلحا آنذاك يدقّق ما كان بصدد ‏اقتفاء أثره، فبحثه ينخرط في "الخيال الشّاعري" أو في ما يمكن أن يسمّى راهنا بـ" بويطيقا الخيال".‏
إذن يأتي جهد الشّابي خارج التّصنيفات الكتابيّة، وحين واجه مسألة الصورة، فبحدس خارق، لأنّها زلوقة، ولهذا السبب ‏لم يفهم النّقّاد نتائج مبحثه، فالصورة بالتعبير الباشلاري" لا تحتاج إلى دراسة أكاديميّة" فهي بنت الرّوح بدل العقل ‏وتكون متّصلة بـ"الوعي الحالم".
وفي التّصوّر الباشلاري ليست الصّورة الشعريّة ذات طبيعة تكوينيّة بل تنويعاتيّة. فلا ‏يمكن لقارئ الشعر أن يبحث عن الصّورة الشعريّة كبديل عن شيء إذ لها حقيقتها. ليست هناك علاقة سببيّة بين ‏الصورة الشعريّة والأنماط العليا وهي ليست صدى للماضي. هناك إقرار بوجود هويّة وديناميّة خاصّتين بالصّورة.
‏ولكنّ أبا القاسم لامس هذه الجوانب قبل أن يتعمّق فيها البحث الفلسفي، منشئا هذه العلاقة الصميمة بين الخيال والصورة ‏في تعريف قوامة التّمييز بين نوعين أساسيين من الخيال، يرتبط الأوّل بما اصطلح على تسميته بـ"الخيال الفنّي أو ‏الشعري" الذي "يضرب بجذوره إلى أبعد غور في صميم الشعور" وليست له صلة بالعقل

المصدر: موقع وزارة الثقافة السورية
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:

المواضيع المتشابهة


أعلى أسفل