- المشاركات
- 735
- الدّولة
- تونس
- الولاية
- بنزرت
- م. الدّراسي
- خيار آخر
- الاختصاص
- -
- المهنة
- -
"العَـلامَـة " بقلم "تزفيتان تودوروف"
ترجمة: د. خالـد اليعـبودي
إن مفهوم "العلامة" (Signe) أساسيٌّ في كل علوم اللغة، غير أنه وبسبب هذه المحورية صعُب تعريفه، وتزداد صعوبة التحديد إذا علمنا أن نظريات العلامة الحديثة لا تقتصر على دراسة الوحدات اللسانية فقط، وإنما تشمل أيضا العلامات غير اللفظية.
وبعد الفحص الدقيق يتبيّن أن التعريفات الكلاسيكية للعلامة إمَّا أنها تحصيل حاصل، أو هي قاصرة عن استيعاب هذا المفهوم في أدقِّ خاصياته. فهي تفترض أنّ كل العلامات تحيل بالضرورة إلى واقعين مترابطين، غير أنه لا يمكننا التمييز بين مستويين مُتبايِنين أشدَّ التبايُن إذا عرَّفنا "الدلالة" (Signification) ب"العلاقة":
فمن جهة نجد أنّ علامة "الأمّ" ترتبط ضرورة بعلامة "طفل". ومن جهة أخرى نجد أن "أم" تحيل إلى "أم" فقط دون الإحالة إلى "طفل" أيضا. وقد اقترح القديس "أغوسطين" (Augustin) فيما اعتبر من أوّل النظريات حول "العلامة" التعريف التالي: «العلامة شيء –إضافة إلى إحالتها على النوع المتضمّن بالمعاني- تثير في ذاتها شيئا آخر»، لكن كلمة "تثير" ذات دلالة دقيقة وفضفاضة في نفس الآن. فهي تفترض من ناحية أن المعنى يوجد خارج العلامة (حتى نتمكّن من استدعائه). ومن ناحية أخرى، إن إثارة شيء لآخر يتم دائما في مستوى واحد: وهكذا تدلّ "صفارة الإنذار" على بداية قصف، فتشير إلى الحرب، وقلق السكان..الخ. فهل يمكننا القول إن العلامة هي شيء يُعوِّض شيئا آخر أو يستبدله؟ إنه تعويض خاص للغاية، ممكن التحقق لا بهذا المعنى و لا ذاك، فلا "المعنى" (Sens) ولا "المرجع" (référent) قادران على أن يندرجا داخل الجُملة عوض "الكلمة".
وقد تنبَّه لهذا الأمر "سويفت" (Swift) حين افترض بأنه بإمكان المرء أن يحمل معه الأشياء التي يعتزم الحديث عنها (بما أن الكلمات ليست سوى بدائل عن هاته الأشياء)، ومن ثمَّ خلـُصَ إلى نتيجة أنه « إذا كانتْ انشغالات الإنسان مهمة ومختلفة الموضوعات، اضطرّ تبعا لذلك أن يحمل على ظهره علبة كبيرة من الأشياء.. » مع تحمُّل خطر أن يسحقه ثقلها..
يمكن إذن أن نعرِّف "العلامة" –باحتراس- باعتبارها كيانا:
1- قابلا لأن يصبح "محسوسا" (Sensible).
2- ويشير بذاته –لدى عدد محدد من المستعملين- إلى أمر غائب.
ويُسمَّى جزء العلامة الذي يمكن أن يصبح محسوسا، منذ "دي سوسير" (De Saussure) ب"الدال" (Signifiant)، ويُطلق على الجزء الغائب اسم "المدلول" (Signifié)، كما تـُنعَت العلاقة القائمة بينهما ب "الدلالة" (Signification). ولنوضح عناصر هذا التعريف واحدا فواحداً.
فمن الأكيد أن العلامة قد توجد دون أن تـُدرك. ولو استحضرنا جميع كلمات الفرنسية في فترة زمنية معينة، لتبيّن لنا أن لا وُجود مُدرك لها، ومع ذلك يبقى هذا الإدراك ممكنا في كل الأحوال. وقد قدَّم "ك. بارْك" (K. Burke) مقـترحا يعكس من خلاله نظام إدراك الدلالة، معتبرا الأشياء علامات على الكلمات (: الأفكار)، لكن هذا التصور الشبه-أفلاطوني يفترض دائما أن الدال يمكن أن يصبح مُدركا، و لا تتناقض هذه الخاصية مع تواجُد "الفونيم" (Phonème) إزاء الأصوات، وتواجُد "الكَرافيم" (Graphème) إزاء الحروف.
إن العلامة على الدوام، ذات طابع مؤسساتي (Institutionnel): بمعنى أنها لا تتواجد إلا بين جماعة محددة من المستعملين، وقد تنحصر في شخص واحد (مثال العقدة التي أُكوِّنـُها بمنديل لي). لكن لا وُجود للعلامات خارج المجتمع مهما قلّ عدد أفراده. و لا يصح القول أن الدخان علامة "طبيعية" للنار، فهو ناتج عنها، أو جزء من أجزائها، ووحدها مجموعة المستعملين تستعمله كعلامة.
ويتعلق العنصر الذي أثار الكثير من الجدال في نظرية العلامة، بطبيعة المدلول (Sé)، فقد حددناه فيما سَلفَ بأنه افتقاد، وغياب في الموضوع المُدرَك الذي يصبح بذلك دالا (Sa). ويُعادل هذا الغياب الجانب غير المحسوس، فمَنْ يُسلـِّم بالعلامة عليه أن يقبل بوجود التبايُن الرئيسي القائم بين الدالّ والمدلول، وبين المحسوس وغير المحسوس، وبين الحضور والغياب. و مِن تحصيل الحاصل القول بأن المدلول لا يوجد بمعزل عن علاقته بالدال، لا قبـْـله و لا بعده و لا في أيّ حيِّز آخر، فنفس الفعل يُنتج الدال والمدلول، وهما مفهومان لا يمكننا تخيُّل استحضار أحدهما دون الآخر. فالدال دون مدلول هو مجرد شيء، موجود لكنه غير ذي دلالة، والمدلول دون الدال هو شيء غير قابل للوصف، ولا حتى للتفكير فيه. إنه العدم ذاته، وعلاقة الدلالة هي إلى حدّ ما مضادّة لهوية الذات، فالعلامة هي في نفس الآن حضور وغياب، فهي من البدء ذات طابع مزدوج.
ويجب أن نهتمّ بمظهرين تكامليين لكل مدلول، المظهر الأول هو إلى حدّ ما عمودي يتبدّى لنا من خلال العلاقة الضرورية التي يقيمها هذا المظهر العمودي مع الدال، إذ تحدد هذه العلاقة حَيِّز المدلول، لكنها لا تسمح لنا بتعريفه تعريفا إيجابيا، إنه ما يفتقد إليه الدال.
والمظهر الثاني أفقي يتبين من خلال علاقة هذا المدلول بباقي المدلولات داخل نسق العلامات، وهذا التحديد بدوره سلبي (كما صرَّح بذلك دي سوسير، إذ يجعل المدلول "ما ليس عليه العناصر الأخرى". ويبدو من الأصحّ نعته ب"التحديد العلائقي" (Relationnelle))، غير أنه يتمّ داخل امتدادية (Continuum) مكوَّنة من مجموع المدلولات المشكـِّلة للنسق. (و لا نفسر طبيعة هذه الماهية باستعمال تسميات من قبيل "الفِكر"، "المفاهيم"، "الماهية"..على غرار ما شهدناه عند العديد من الفلاسفة وعلماء النفس). وسواء اعتمدنا المظهر العمودي أم المظهر الأفقي، فإننا لا نصل إلى المدلول سوى عبْر الدال..وهنا تكمن الصعوبة الكبرى في كل حديث عن العلامة. فالمعنى ليس ماهية تـُفحص بمعزل عن العلامات التي ندركـُه فيها، إذ لا وجود له سوى ضمن العلاقات التي يشارك فيها.
محيط العلامة (Autour du signe):
يفرض هذا التعريف "الضيق" إدراج مفاهيم أخرى بهدف وصف علاقات مُشابِهة إلا أنها مختلفة عنها، عادة ما نجد بينها خلطا والتباسا على غرار ما هو حاصل بين الدلالة والعلامة. وهكذا نميز بعناية (كما فعل جلّ المنظرين للعلامة) بين "الدلالة" (Signification) و"الوظيفة المرجعية" (التي تُسمَّى أحيانا "الماصدق" (Dénotation))، إذ لا يقوم "الماصدق" بين الدال والمدلول، وإنما يتأسس بين العلامة والمرجع (référent)، أي الشيء الواقعي في الحالة الأبسط للتصوّر: فليست المتوالية الصوتية (أو المتوالية الخطية) "تفاحة" التي ترتبط بمعنى "تفاحة"، بل الكلمة (العلامة ذاتها) هي التي ترتبط بالتفاح المحسوس والواقعي. ونضيف إلى ذلك أن علاقة "الماصدق" (Dénotation) تخصّ من جهة العلامات المتواردة لا العلامات النمطية (Signes-Types)، كما أنها من جهة ثانية أقلّ تواردا مما نتصوّر: إذ نتحدث عن الأشياء عند غيابها أكثر مما نتحدث عنها في حضورها، وفي نفس الوقت يصعب تصوّر "مراجع" أغلب العلامات. وقد ألحَّ "بيرس" (Pierce) (على غرار "دي سوسير" (DeSaussure)) على إبراز الدور الهامشي للماصدق في تعريف العلامة.
ويجب أيضا التمييز بين "الدلالة" (Signification) و"التمثيل" (Représentation) الدال على ظهور الصورة الذهنية لدى مستعمل العلامات. ويتوقف ذلك على درجة التجريد المتوفرة بمختلف طبقات المعجم.
فمن منظور يرتكز على أقسام الكلم، يتمّ هذا التدرّج ابتداء بأسماء الأعلام لينتهي بحروف المعاني وأدوات الربط والضمائر. ومن منظور دلالي يُمكن أن نلحظ درجات متنوعة من التجريد. ويلجأ الخيال كثيرا إلى الخاصيات التمثيلية للكلمات إلى درجة أن أهمّ مُثـُله العليا هو تحقيق درجة عالية من "الإيحاء" (évocation)؛ ومن ثمَّ جرت العادة بالحديث عن الآداب باستعمال مصطلحات "المحيط"، و"الفعل"، و"الأحداث"..إلخ..
ولقد سبق لِلرِّواقِيين (LesStoïciens) أن كشفوا عن هذه التقابلات، حين ميّزوا بين ثلاث علاقات في الجانب المدرك من العـلامة، وهي "الشيء الواقعي" (: الماصدق)، و"الصورة الذهنية" (L’imagepsychique) (: "التمثيل" (Représentation)) و "البيان" (Dicible) (: "الدلالة" (Signification)). والواقع أنّ "الماصدق" و"التمثيل" هما حالتان خاصتان لاستعمال أعمّ للعلامة نُسمِّيه ب"الترميز" (Symbolisation) يُقابل بين العلامة والرمز (Symbole) (ويدرس "هلمسليف" (Hjelmsleve) ظواهر مقاربة باللجوء إلى مصطلح "مفهوم" (Connotation)، غير أنّ هذا الاصطلاح يحيل عادة إلى معنى محدود).
فالترميز هو ترابط ثابت إلى حدّ ما بين وحدتين من نفس المستوى (بمعنى بين دالين أو مدلولين). فقد تدل كلمة "لهب" على لهب النار، لكنها ترمز في بعض الأعمال الأدبية إلى "الحب". وتدل كذلك عبارة "أنت خلـِّي" على الصداقة، غير أنها ترمز إلى الألفة ..إلخ. ويتبيّن من هذه العلاقات الأخيرة أن العلاقات القائمة فيها خاصة بما فيه الكفاية كيْ نسِمها بأسماء متمايزة.
ويتجلى الاختبار العملي الذي يسمح بالتمييز بين "العلامة" و"الرمز" في فحص عنصرين تربط بينهما علاقة. إذ نجد هذين العنصرين في العلامة من طبيعة مختلفة بالضرورة بينما هما متجانِسيْن في الرمز كما رأينا.
ويسمح هذا التقابل بتوضيح ما غَمُض في مسألة "اعتباطية العلامة" (L’arbitrairedu signe) التي عادت من جديد إلى الأضواء بفضل لسانيات "دي سوسير"، فالعلاقة بين الدال والمدلول هي بالضرورة غير مُعللة (Immotivée): فكلاهما من طبيعة مُغايِرة، ومن غير المعقول أن تشبه المتوالية الخطية أو الصوتية المعنى، كما أنّ هذه العلاقة في نفس الآن ضرورية لأن المدلول لا يمكن أن يوجد بدون الدال، والعكس صحيح أيضا. بينما تقوم العلاقة في "الرمز" بين "الرامز" (Symbolisant) و"المرموز" (Symbolisé)، وهي غير ضرورية (أو اعتباطية)، بما أن "الرامز"، وأحيانا أخرى "المرموز" (كالدّالين "لهب" و"حُبّ") يتواجدان مستقلين عن بعضهما البعض، ولهذه الغاية ذاتها فإن العلاقة لا يمكنها أن تكون إلا "مُعللة" (motivée)، وإلا فليس هناك موجب لإقامتها.
وتصنف هاته التعليلات (motivations) عادة إلى مجموعتين كبيرتين مُسْتخلصتين من التصنيف السيكولوجي للترابطات، وهما: "التشابه" (ressemblance) والتجاوُر (contiguïté)، (و يُعبَّر عنهما أحيانا ب"الأيقونة" (Icل»‘ne) و"القرينة" (Indice) لكن ليس بالمعنى الذي هو موجود لدى "ش.س. بيرس" (Pierce)) .
ونضيف هنا بأنه على غرار ما شهدناه في الترميز، فكل اقتران بين العلامة والمرجع، وبين العلامة والتمثيل، قابل لأن يكون مُعلـَّلاً. فهناك تشابه بين أصوات "كوكو" وشدو العصفور (المرجع أو التمثيل السمعي)، كما هو الحال أيضا بين معنييْ "لهب" و"حب"، إلا أنه لا وُجود للعلية (motivation) بين أصوات "كوكو" ومعناها، ولا بين كلمة "لهب" ومعناها. ومن ثمَّ يظهر أن إدراك العلامة لا يرتكز على ترابطات التشابه والاشتراك: لأن هذه الترابطات لا يمكنها أن تقوم بين الدوال والمدلولات. وتجدر الإشارة إلى أن التواصل اللغوي ينبني على استعمال الرموز، كما يرتكز وبصفة أكثر جلاء على العلامات.
ويجب التمييز أخيرا بين "العلامة" وبعض المفاهيم الأقلّ قربا منها، فقد أرجع اللسانيون الأمريكيون أتباع مدرسة "بلومفيلد" (Bloomfield) العلامة إلى "الإشارة" (Signal)، فالإشارة تـُوَلـِّد ردّ فعل ما، لكنها لا تتضمن أية علاقة دلالية، كما يتمّ إرجاع التواصل بين الحيوانات إلى جملة من الإشارات، فصيغة الأمر يمكن أن تأخذ في اللغة الإنسانية طابع إشارة: غير أنه بالإمكان فهم عبارة "اغلِق البابَ!" دون القيام بالفعل المطلوب: فالعلامة هنا هي التي قامت بدورها وليست الإشارة.
وهناك تمييز آخر يثير إشكالا في مدى جدواه: وهو التمييز بين العلامة والأمارة (Symptل»‘me)، أو العلامة الطبيعية (Signenaturel). فالأمارة في الحقيقة هي علامة تكوّن جزءا أساسيا من المرجع، فالحمى على سبيل المثال أمَارة على المرض. والواقع أنّ العلاقة في هذا المثال ليست من صنف الاقتران الحاصل بين الدال والمدلول (لأن المرض كحدث واقعي ليس له معنى بالمعنى الدقيق للكلمة)، وإنما هي من صنف الاقتران القائم بين "العلامة" و"المرجع" (أو "التمثيل"). وعلاوة على ذلك، يبدو أنّ هذه العلامات "الطبيعية" (وهي بالتالي كلية "universels") هي أقلّ طبيعية مما نتصوّر: فلا نسعل بنفس الكيفية في فرنسا ونيوزيلاندا. والعلامة دوما مُصطلح عليها (Conventionnel).
- العلامة اللغوية والعلامة غير اللغوية
(Signe verbal et signe non-verbal):
تبين من التحديد السابق أن العلامة ليست بالضرورة لغوية: فالعلم الوطني، والصليب المعقوف، وأي حركة ما، واللوائح المنظمة للسير، جميعها علامات، لذلك وَجبَ البحث في خصوصية اللغة الطبيعية.
فبداية تتميز اللغة بمظهرها النسقي، فلا يمكننا الحديث عن اللغة إذا كنا لا نتوفر سِوى على علامة مفردة، والواقع أن وجود هاته العلامة منعزلة يثير إشكالا، فمن جهة تتعارض بالضرورة مع غيابها، ومن جهة أخرى نضع العلامة دائما في علاقتها بالعلامات المضارعة لها (ولوْ لمْ يتمّ ذلك بطريقة صحيحة): إذ لم يتمّ ربط الصليب المعقوف بالنجم، والعلم الوطني بآخر، إلخ، ومع ذلك فالمراد من اللغة عادة كونها "نظام معقد" (Systèmecomplexe).
وثانيا تقتضي اللغة الطبيعية وجود "الدلالة" (Signification) بمعناها الدقيق الذي حددناه أعلاه، وهو قياس فضفاض يسمح لنا بالحديث عن اللغة في نسق رمزي آخر.
وثالثا نجد اللغة الطبيعية وحدها تتضمن بعض السمات الخاصة، هي:
أ) إمكانية استعمالها بغرض الحديث عن الكلمات ذاتها المكوِّنة للغة، فبالأحرى جميع أنساق العلامات.
ب) إمكانية إنتاج جُمَل لا تتوفر على "الماصدق" أو "التمثيل"، مثال ذلك: الكذب، والتورية وتكرار الجمل المشار إليها آنفا.
ج) إمكانية استعمال الكلمات بمعنى غير معروف من قبل لدى المتكلمين يتمّ فهمه بفضل السياق (مثال ذلك استعمال المجازات المحدثة..).
فإذا كنا نريد بمصطلح "ثانوية" (Secondarité) ما يسمح للغة بأداء جميع وظائفها، صحَّ أن نعتبر "الثانوية" ملمحا أساسيا في هذه اللغة. ويبدو أن "الثانوية" خاصية تنفرد بها اللغة الطبيعية، فهي ميزة قيمية تفصلها عن باقي الأنساق المماثلة. وفي حالة توفـّر الشرطين الأولين فقط، فنحن إزاء "نسق من العلامات" لا عن اللغة، وبتوفـُّر الشرط الأول لوحده، نتحدث عندئذ عن "السنن" (Code) (حتى ولو كان النظام المقصود مماثلا للغة)، وكلمة "السنن" هنا تدلّ على "نسق القيود". وهكذا تعدّ الموسيقى سننا: فكل عناصر التأليفات الموسيقية (من ارتفاعات وشدّات وأجراس إلخ..) ترتبط فيما بينها، غير أنها لا تدلّ على شيء خارج هذا الارتباط، كما أنها لا تتوفر على صفة "الثانوية"، ومجمل الأنساق الدلالية التي تحيط بنا ذات طابع مزدوج: فهي في آن واحد "سنن" (Codes) و"أنساق من العلامات" (Systèmesdesignes) و"أنساق رمزية" (Systèmessymboliques)، لكن جميعها لا تتوفر على السمات الثلاث الملازمة للغة. أما الأدب فهو يكشف عن فرض سنن ثان على اللغة (مثال ذلك القيود الصورية للشعر والرواية)، وفي نفس الوقت نجد الكلمات تستعمل في السياق الأدبي، خصوصا في الصور المجازية كرموز أكثر مما تستعمل كعلامات.
وتأخذ "العلامة" –بفضل انتمائها إلى نسق ما- أبعاداً لا يمكن ملاحظتها في حالة استخدامها منفردة، فمن جهة أولى، تدخل العلامة في "علاقات جدولية" (Rapports paradigmatiques) مع باقي العلامات، مما يمكننا من معاينة أن علامتين تتماثلان أو تتمايزان، وأن إحداهما متضمنة في الثانية أو غير متضمنة فيها، أن إحداهما تستلزم الثانية أو تقتضي وجودها..إلخ، مما يؤدي إلى القول بأن معجم اللغة منظم للغاية، وبأن علامات اللغة تتحدد في علاقة بعضها ببعض.
ويحيل "بيرس" (Peirce) إلى هذه الخاصية الملازمة للعلامات اللغوية بما يسميه ب "المؤوِّل" (Interprétant)، أو "المعرفة السياقية" (ConnaissanceCollatérale). وهاته العلاقات الجدولية التي تسمح بالتأويل هي ما اصطلح عليه "دي سوسير" ب"القيمة" (Valeur)، وما سماه "هلمسليف" (Hjelmslev) ب "شكل المحتوى" (FormedeContenu)، ونطلق عليه نحن على غرار "بنفنيست" (Benveniste) اسم "المفسِّر" (L’interprétance).
وقد لاحظنا آنفا وجود اختلاف بارز بين العلامة ذاتها والاستعمال الفردي الذي نسكت عنه، فقد قابل "بيرس" بين "العلامة النمطية" (Signe-type) و"العلامة المتواردة" (Signe-occurrence) [Type/Token-Legisign/Sinsign]. فمجموع كلمات النص يفضي إلى عدد العلامات المتواردة، ومجموع الكلمات المختلفة يفضي إلى عدد العلامات النمطية.
وأخيرا نشير إلى أن العلامة المتواردة المستعملة في الجملة تخضعُ لتغيرات داخلية: إذ يمكن أن تتآلف مع بعض العلامات، ولا تقبل التآلف مع علامات أخَر، علاوة على أن هذه التأليفات ذات طبيعة مختلفة، ويمكن أن ننعت هذا المظهر من العلامة الذي يسمح لها بالتواجد في الخطاب والتآلف مع العلامات الأخرى ب "الدالـِّيَة" (LaSignifiance).
وقد أشار "بنفنيست" (Benveniste) إلى أن اللغة الطبيعية وحدها قادرة على تضمّن هذين المظهرين في آن واحد. فالعناصر المكوِّنة للأنساق الأخرى على سبيل المثال تتوفر على "شبه دالية" (Simulacre designifiance): فالأنغام الموسيقية تتآلف تبعا لبعض القواعد المحددة، لكنها لا تشكل جداول. وعلى العكس من ذلك فالعناصر المكوّنة لأنظمة العلامات غير اللفظية تدخل في علاقة تفسيرية (Relationd’interprétation) لا علاقة دالية (Signifiance): إذ يَتناوب اللوْنان الأحمر والأخضر في علامات المرور دون أن تتآلف، وهذه سمة خاصة تنفرد بها اللغة الطبيعية البشرية.
[1]- هذا النص ترجمة لمقال "تزفيتان تودوروف" (Tzvetan Todorov)بعنوان "العلامة"(Signe)والمتضمن ب: "المعجم الموسوعي لعلوم اللغة" الذي ألفه بمعية رفيقه "أوزوالد ديكرو"(Oswald
ترجمة: د. خالـد اليعـبودي
إن مفهوم "العلامة" (Signe) أساسيٌّ في كل علوم اللغة، غير أنه وبسبب هذه المحورية صعُب تعريفه، وتزداد صعوبة التحديد إذا علمنا أن نظريات العلامة الحديثة لا تقتصر على دراسة الوحدات اللسانية فقط، وإنما تشمل أيضا العلامات غير اللفظية.
وبعد الفحص الدقيق يتبيّن أن التعريفات الكلاسيكية للعلامة إمَّا أنها تحصيل حاصل، أو هي قاصرة عن استيعاب هذا المفهوم في أدقِّ خاصياته. فهي تفترض أنّ كل العلامات تحيل بالضرورة إلى واقعين مترابطين، غير أنه لا يمكننا التمييز بين مستويين مُتبايِنين أشدَّ التبايُن إذا عرَّفنا "الدلالة" (Signification) ب"العلاقة":
فمن جهة نجد أنّ علامة "الأمّ" ترتبط ضرورة بعلامة "طفل". ومن جهة أخرى نجد أن "أم" تحيل إلى "أم" فقط دون الإحالة إلى "طفل" أيضا. وقد اقترح القديس "أغوسطين" (Augustin) فيما اعتبر من أوّل النظريات حول "العلامة" التعريف التالي: «العلامة شيء –إضافة إلى إحالتها على النوع المتضمّن بالمعاني- تثير في ذاتها شيئا آخر»، لكن كلمة "تثير" ذات دلالة دقيقة وفضفاضة في نفس الآن. فهي تفترض من ناحية أن المعنى يوجد خارج العلامة (حتى نتمكّن من استدعائه). ومن ناحية أخرى، إن إثارة شيء لآخر يتم دائما في مستوى واحد: وهكذا تدلّ "صفارة الإنذار" على بداية قصف، فتشير إلى الحرب، وقلق السكان..الخ. فهل يمكننا القول إن العلامة هي شيء يُعوِّض شيئا آخر أو يستبدله؟ إنه تعويض خاص للغاية، ممكن التحقق لا بهذا المعنى و لا ذاك، فلا "المعنى" (Sens) ولا "المرجع" (référent) قادران على أن يندرجا داخل الجُملة عوض "الكلمة".
وقد تنبَّه لهذا الأمر "سويفت" (Swift) حين افترض بأنه بإمكان المرء أن يحمل معه الأشياء التي يعتزم الحديث عنها (بما أن الكلمات ليست سوى بدائل عن هاته الأشياء)، ومن ثمَّ خلـُصَ إلى نتيجة أنه « إذا كانتْ انشغالات الإنسان مهمة ومختلفة الموضوعات، اضطرّ تبعا لذلك أن يحمل على ظهره علبة كبيرة من الأشياء.. » مع تحمُّل خطر أن يسحقه ثقلها..
يمكن إذن أن نعرِّف "العلامة" –باحتراس- باعتبارها كيانا:
1- قابلا لأن يصبح "محسوسا" (Sensible).
2- ويشير بذاته –لدى عدد محدد من المستعملين- إلى أمر غائب.
ويُسمَّى جزء العلامة الذي يمكن أن يصبح محسوسا، منذ "دي سوسير" (De Saussure) ب"الدال" (Signifiant)، ويُطلق على الجزء الغائب اسم "المدلول" (Signifié)، كما تـُنعَت العلاقة القائمة بينهما ب "الدلالة" (Signification). ولنوضح عناصر هذا التعريف واحدا فواحداً.
فمن الأكيد أن العلامة قد توجد دون أن تـُدرك. ولو استحضرنا جميع كلمات الفرنسية في فترة زمنية معينة، لتبيّن لنا أن لا وُجود مُدرك لها، ومع ذلك يبقى هذا الإدراك ممكنا في كل الأحوال. وقد قدَّم "ك. بارْك" (K. Burke) مقـترحا يعكس من خلاله نظام إدراك الدلالة، معتبرا الأشياء علامات على الكلمات (: الأفكار)، لكن هذا التصور الشبه-أفلاطوني يفترض دائما أن الدال يمكن أن يصبح مُدركا، و لا تتناقض هذه الخاصية مع تواجُد "الفونيم" (Phonème) إزاء الأصوات، وتواجُد "الكَرافيم" (Graphème) إزاء الحروف.
إن العلامة على الدوام، ذات طابع مؤسساتي (Institutionnel): بمعنى أنها لا تتواجد إلا بين جماعة محددة من المستعملين، وقد تنحصر في شخص واحد (مثال العقدة التي أُكوِّنـُها بمنديل لي). لكن لا وُجود للعلامات خارج المجتمع مهما قلّ عدد أفراده. و لا يصح القول أن الدخان علامة "طبيعية" للنار، فهو ناتج عنها، أو جزء من أجزائها، ووحدها مجموعة المستعملين تستعمله كعلامة.
ويتعلق العنصر الذي أثار الكثير من الجدال في نظرية العلامة، بطبيعة المدلول (Sé)، فقد حددناه فيما سَلفَ بأنه افتقاد، وغياب في الموضوع المُدرَك الذي يصبح بذلك دالا (Sa). ويُعادل هذا الغياب الجانب غير المحسوس، فمَنْ يُسلـِّم بالعلامة عليه أن يقبل بوجود التبايُن الرئيسي القائم بين الدالّ والمدلول، وبين المحسوس وغير المحسوس، وبين الحضور والغياب. و مِن تحصيل الحاصل القول بأن المدلول لا يوجد بمعزل عن علاقته بالدال، لا قبـْـله و لا بعده و لا في أيّ حيِّز آخر، فنفس الفعل يُنتج الدال والمدلول، وهما مفهومان لا يمكننا تخيُّل استحضار أحدهما دون الآخر. فالدال دون مدلول هو مجرد شيء، موجود لكنه غير ذي دلالة، والمدلول دون الدال هو شيء غير قابل للوصف، ولا حتى للتفكير فيه. إنه العدم ذاته، وعلاقة الدلالة هي إلى حدّ ما مضادّة لهوية الذات، فالعلامة هي في نفس الآن حضور وغياب، فهي من البدء ذات طابع مزدوج.
ويجب أن نهتمّ بمظهرين تكامليين لكل مدلول، المظهر الأول هو إلى حدّ ما عمودي يتبدّى لنا من خلال العلاقة الضرورية التي يقيمها هذا المظهر العمودي مع الدال، إذ تحدد هذه العلاقة حَيِّز المدلول، لكنها لا تسمح لنا بتعريفه تعريفا إيجابيا، إنه ما يفتقد إليه الدال.
والمظهر الثاني أفقي يتبين من خلال علاقة هذا المدلول بباقي المدلولات داخل نسق العلامات، وهذا التحديد بدوره سلبي (كما صرَّح بذلك دي سوسير، إذ يجعل المدلول "ما ليس عليه العناصر الأخرى". ويبدو من الأصحّ نعته ب"التحديد العلائقي" (Relationnelle))، غير أنه يتمّ داخل امتدادية (Continuum) مكوَّنة من مجموع المدلولات المشكـِّلة للنسق. (و لا نفسر طبيعة هذه الماهية باستعمال تسميات من قبيل "الفِكر"، "المفاهيم"، "الماهية"..على غرار ما شهدناه عند العديد من الفلاسفة وعلماء النفس). وسواء اعتمدنا المظهر العمودي أم المظهر الأفقي، فإننا لا نصل إلى المدلول سوى عبْر الدال..وهنا تكمن الصعوبة الكبرى في كل حديث عن العلامة. فالمعنى ليس ماهية تـُفحص بمعزل عن العلامات التي ندركـُه فيها، إذ لا وجود له سوى ضمن العلاقات التي يشارك فيها.
محيط العلامة (Autour du signe):
يفرض هذا التعريف "الضيق" إدراج مفاهيم أخرى بهدف وصف علاقات مُشابِهة إلا أنها مختلفة عنها، عادة ما نجد بينها خلطا والتباسا على غرار ما هو حاصل بين الدلالة والعلامة. وهكذا نميز بعناية (كما فعل جلّ المنظرين للعلامة) بين "الدلالة" (Signification) و"الوظيفة المرجعية" (التي تُسمَّى أحيانا "الماصدق" (Dénotation))، إذ لا يقوم "الماصدق" بين الدال والمدلول، وإنما يتأسس بين العلامة والمرجع (référent)، أي الشيء الواقعي في الحالة الأبسط للتصوّر: فليست المتوالية الصوتية (أو المتوالية الخطية) "تفاحة" التي ترتبط بمعنى "تفاحة"، بل الكلمة (العلامة ذاتها) هي التي ترتبط بالتفاح المحسوس والواقعي. ونضيف إلى ذلك أن علاقة "الماصدق" (Dénotation) تخصّ من جهة العلامات المتواردة لا العلامات النمطية (Signes-Types)، كما أنها من جهة ثانية أقلّ تواردا مما نتصوّر: إذ نتحدث عن الأشياء عند غيابها أكثر مما نتحدث عنها في حضورها، وفي نفس الوقت يصعب تصوّر "مراجع" أغلب العلامات. وقد ألحَّ "بيرس" (Pierce) (على غرار "دي سوسير" (DeSaussure)) على إبراز الدور الهامشي للماصدق في تعريف العلامة.
ويجب أيضا التمييز بين "الدلالة" (Signification) و"التمثيل" (Représentation) الدال على ظهور الصورة الذهنية لدى مستعمل العلامات. ويتوقف ذلك على درجة التجريد المتوفرة بمختلف طبقات المعجم.
فمن منظور يرتكز على أقسام الكلم، يتمّ هذا التدرّج ابتداء بأسماء الأعلام لينتهي بحروف المعاني وأدوات الربط والضمائر. ومن منظور دلالي يُمكن أن نلحظ درجات متنوعة من التجريد. ويلجأ الخيال كثيرا إلى الخاصيات التمثيلية للكلمات إلى درجة أن أهمّ مُثـُله العليا هو تحقيق درجة عالية من "الإيحاء" (évocation)؛ ومن ثمَّ جرت العادة بالحديث عن الآداب باستعمال مصطلحات "المحيط"، و"الفعل"، و"الأحداث"..إلخ..
ولقد سبق لِلرِّواقِيين (LesStoïciens) أن كشفوا عن هذه التقابلات، حين ميّزوا بين ثلاث علاقات في الجانب المدرك من العـلامة، وهي "الشيء الواقعي" (: الماصدق)، و"الصورة الذهنية" (L’imagepsychique) (: "التمثيل" (Représentation)) و "البيان" (Dicible) (: "الدلالة" (Signification)). والواقع أنّ "الماصدق" و"التمثيل" هما حالتان خاصتان لاستعمال أعمّ للعلامة نُسمِّيه ب"الترميز" (Symbolisation) يُقابل بين العلامة والرمز (Symbole) (ويدرس "هلمسليف" (Hjelmsleve) ظواهر مقاربة باللجوء إلى مصطلح "مفهوم" (Connotation)، غير أنّ هذا الاصطلاح يحيل عادة إلى معنى محدود).
فالترميز هو ترابط ثابت إلى حدّ ما بين وحدتين من نفس المستوى (بمعنى بين دالين أو مدلولين). فقد تدل كلمة "لهب" على لهب النار، لكنها ترمز في بعض الأعمال الأدبية إلى "الحب". وتدل كذلك عبارة "أنت خلـِّي" على الصداقة، غير أنها ترمز إلى الألفة ..إلخ. ويتبيّن من هذه العلاقات الأخيرة أن العلاقات القائمة فيها خاصة بما فيه الكفاية كيْ نسِمها بأسماء متمايزة.
ويتجلى الاختبار العملي الذي يسمح بالتمييز بين "العلامة" و"الرمز" في فحص عنصرين تربط بينهما علاقة. إذ نجد هذين العنصرين في العلامة من طبيعة مختلفة بالضرورة بينما هما متجانِسيْن في الرمز كما رأينا.
ويسمح هذا التقابل بتوضيح ما غَمُض في مسألة "اعتباطية العلامة" (L’arbitrairedu signe) التي عادت من جديد إلى الأضواء بفضل لسانيات "دي سوسير"، فالعلاقة بين الدال والمدلول هي بالضرورة غير مُعللة (Immotivée): فكلاهما من طبيعة مُغايِرة، ومن غير المعقول أن تشبه المتوالية الخطية أو الصوتية المعنى، كما أنّ هذه العلاقة في نفس الآن ضرورية لأن المدلول لا يمكن أن يوجد بدون الدال، والعكس صحيح أيضا. بينما تقوم العلاقة في "الرمز" بين "الرامز" (Symbolisant) و"المرموز" (Symbolisé)، وهي غير ضرورية (أو اعتباطية)، بما أن "الرامز"، وأحيانا أخرى "المرموز" (كالدّالين "لهب" و"حُبّ") يتواجدان مستقلين عن بعضهما البعض، ولهذه الغاية ذاتها فإن العلاقة لا يمكنها أن تكون إلا "مُعللة" (motivée)، وإلا فليس هناك موجب لإقامتها.
وتصنف هاته التعليلات (motivations) عادة إلى مجموعتين كبيرتين مُسْتخلصتين من التصنيف السيكولوجي للترابطات، وهما: "التشابه" (ressemblance) والتجاوُر (contiguïté)، (و يُعبَّر عنهما أحيانا ب"الأيقونة" (Icل»‘ne) و"القرينة" (Indice) لكن ليس بالمعنى الذي هو موجود لدى "ش.س. بيرس" (Pierce)) .
ونضيف هنا بأنه على غرار ما شهدناه في الترميز، فكل اقتران بين العلامة والمرجع، وبين العلامة والتمثيل، قابل لأن يكون مُعلـَّلاً. فهناك تشابه بين أصوات "كوكو" وشدو العصفور (المرجع أو التمثيل السمعي)، كما هو الحال أيضا بين معنييْ "لهب" و"حب"، إلا أنه لا وُجود للعلية (motivation) بين أصوات "كوكو" ومعناها، ولا بين كلمة "لهب" ومعناها. ومن ثمَّ يظهر أن إدراك العلامة لا يرتكز على ترابطات التشابه والاشتراك: لأن هذه الترابطات لا يمكنها أن تقوم بين الدوال والمدلولات. وتجدر الإشارة إلى أن التواصل اللغوي ينبني على استعمال الرموز، كما يرتكز وبصفة أكثر جلاء على العلامات.
ويجب التمييز أخيرا بين "العلامة" وبعض المفاهيم الأقلّ قربا منها، فقد أرجع اللسانيون الأمريكيون أتباع مدرسة "بلومفيلد" (Bloomfield) العلامة إلى "الإشارة" (Signal)، فالإشارة تـُوَلـِّد ردّ فعل ما، لكنها لا تتضمن أية علاقة دلالية، كما يتمّ إرجاع التواصل بين الحيوانات إلى جملة من الإشارات، فصيغة الأمر يمكن أن تأخذ في اللغة الإنسانية طابع إشارة: غير أنه بالإمكان فهم عبارة "اغلِق البابَ!" دون القيام بالفعل المطلوب: فالعلامة هنا هي التي قامت بدورها وليست الإشارة.
وهناك تمييز آخر يثير إشكالا في مدى جدواه: وهو التمييز بين العلامة والأمارة (Symptل»‘me)، أو العلامة الطبيعية (Signenaturel). فالأمارة في الحقيقة هي علامة تكوّن جزءا أساسيا من المرجع، فالحمى على سبيل المثال أمَارة على المرض. والواقع أنّ العلاقة في هذا المثال ليست من صنف الاقتران الحاصل بين الدال والمدلول (لأن المرض كحدث واقعي ليس له معنى بالمعنى الدقيق للكلمة)، وإنما هي من صنف الاقتران القائم بين "العلامة" و"المرجع" (أو "التمثيل"). وعلاوة على ذلك، يبدو أنّ هذه العلامات "الطبيعية" (وهي بالتالي كلية "universels") هي أقلّ طبيعية مما نتصوّر: فلا نسعل بنفس الكيفية في فرنسا ونيوزيلاندا. والعلامة دوما مُصطلح عليها (Conventionnel).
- العلامة اللغوية والعلامة غير اللغوية
(Signe verbal et signe non-verbal):
تبين من التحديد السابق أن العلامة ليست بالضرورة لغوية: فالعلم الوطني، والصليب المعقوف، وأي حركة ما، واللوائح المنظمة للسير، جميعها علامات، لذلك وَجبَ البحث في خصوصية اللغة الطبيعية.
فبداية تتميز اللغة بمظهرها النسقي، فلا يمكننا الحديث عن اللغة إذا كنا لا نتوفر سِوى على علامة مفردة، والواقع أن وجود هاته العلامة منعزلة يثير إشكالا، فمن جهة تتعارض بالضرورة مع غيابها، ومن جهة أخرى نضع العلامة دائما في علاقتها بالعلامات المضارعة لها (ولوْ لمْ يتمّ ذلك بطريقة صحيحة): إذ لم يتمّ ربط الصليب المعقوف بالنجم، والعلم الوطني بآخر، إلخ، ومع ذلك فالمراد من اللغة عادة كونها "نظام معقد" (Systèmecomplexe).
وثانيا تقتضي اللغة الطبيعية وجود "الدلالة" (Signification) بمعناها الدقيق الذي حددناه أعلاه، وهو قياس فضفاض يسمح لنا بالحديث عن اللغة في نسق رمزي آخر.
وثالثا نجد اللغة الطبيعية وحدها تتضمن بعض السمات الخاصة، هي:
أ) إمكانية استعمالها بغرض الحديث عن الكلمات ذاتها المكوِّنة للغة، فبالأحرى جميع أنساق العلامات.
ب) إمكانية إنتاج جُمَل لا تتوفر على "الماصدق" أو "التمثيل"، مثال ذلك: الكذب، والتورية وتكرار الجمل المشار إليها آنفا.
ج) إمكانية استعمال الكلمات بمعنى غير معروف من قبل لدى المتكلمين يتمّ فهمه بفضل السياق (مثال ذلك استعمال المجازات المحدثة..).
فإذا كنا نريد بمصطلح "ثانوية" (Secondarité) ما يسمح للغة بأداء جميع وظائفها، صحَّ أن نعتبر "الثانوية" ملمحا أساسيا في هذه اللغة. ويبدو أن "الثانوية" خاصية تنفرد بها اللغة الطبيعية، فهي ميزة قيمية تفصلها عن باقي الأنساق المماثلة. وفي حالة توفـّر الشرطين الأولين فقط، فنحن إزاء "نسق من العلامات" لا عن اللغة، وبتوفـُّر الشرط الأول لوحده، نتحدث عندئذ عن "السنن" (Code) (حتى ولو كان النظام المقصود مماثلا للغة)، وكلمة "السنن" هنا تدلّ على "نسق القيود". وهكذا تعدّ الموسيقى سننا: فكل عناصر التأليفات الموسيقية (من ارتفاعات وشدّات وأجراس إلخ..) ترتبط فيما بينها، غير أنها لا تدلّ على شيء خارج هذا الارتباط، كما أنها لا تتوفر على صفة "الثانوية"، ومجمل الأنساق الدلالية التي تحيط بنا ذات طابع مزدوج: فهي في آن واحد "سنن" (Codes) و"أنساق من العلامات" (Systèmesdesignes) و"أنساق رمزية" (Systèmessymboliques)، لكن جميعها لا تتوفر على السمات الثلاث الملازمة للغة. أما الأدب فهو يكشف عن فرض سنن ثان على اللغة (مثال ذلك القيود الصورية للشعر والرواية)، وفي نفس الوقت نجد الكلمات تستعمل في السياق الأدبي، خصوصا في الصور المجازية كرموز أكثر مما تستعمل كعلامات.
وتأخذ "العلامة" –بفضل انتمائها إلى نسق ما- أبعاداً لا يمكن ملاحظتها في حالة استخدامها منفردة، فمن جهة أولى، تدخل العلامة في "علاقات جدولية" (Rapports paradigmatiques) مع باقي العلامات، مما يمكننا من معاينة أن علامتين تتماثلان أو تتمايزان، وأن إحداهما متضمنة في الثانية أو غير متضمنة فيها، أن إحداهما تستلزم الثانية أو تقتضي وجودها..إلخ، مما يؤدي إلى القول بأن معجم اللغة منظم للغاية، وبأن علامات اللغة تتحدد في علاقة بعضها ببعض.
ويحيل "بيرس" (Peirce) إلى هذه الخاصية الملازمة للعلامات اللغوية بما يسميه ب "المؤوِّل" (Interprétant)، أو "المعرفة السياقية" (ConnaissanceCollatérale). وهاته العلاقات الجدولية التي تسمح بالتأويل هي ما اصطلح عليه "دي سوسير" ب"القيمة" (Valeur)، وما سماه "هلمسليف" (Hjelmslev) ب "شكل المحتوى" (FormedeContenu)، ونطلق عليه نحن على غرار "بنفنيست" (Benveniste) اسم "المفسِّر" (L’interprétance).
وقد لاحظنا آنفا وجود اختلاف بارز بين العلامة ذاتها والاستعمال الفردي الذي نسكت عنه، فقد قابل "بيرس" بين "العلامة النمطية" (Signe-type) و"العلامة المتواردة" (Signe-occurrence) [Type/Token-Legisign/Sinsign]. فمجموع كلمات النص يفضي إلى عدد العلامات المتواردة، ومجموع الكلمات المختلفة يفضي إلى عدد العلامات النمطية.
وأخيرا نشير إلى أن العلامة المتواردة المستعملة في الجملة تخضعُ لتغيرات داخلية: إذ يمكن أن تتآلف مع بعض العلامات، ولا تقبل التآلف مع علامات أخَر، علاوة على أن هذه التأليفات ذات طبيعة مختلفة، ويمكن أن ننعت هذا المظهر من العلامة الذي يسمح لها بالتواجد في الخطاب والتآلف مع العلامات الأخرى ب "الدالـِّيَة" (LaSignifiance).
وقد أشار "بنفنيست" (Benveniste) إلى أن اللغة الطبيعية وحدها قادرة على تضمّن هذين المظهرين في آن واحد. فالعناصر المكوِّنة للأنساق الأخرى على سبيل المثال تتوفر على "شبه دالية" (Simulacre designifiance): فالأنغام الموسيقية تتآلف تبعا لبعض القواعد المحددة، لكنها لا تشكل جداول. وعلى العكس من ذلك فالعناصر المكوّنة لأنظمة العلامات غير اللفظية تدخل في علاقة تفسيرية (Relationd’interprétation) لا علاقة دالية (Signifiance): إذ يَتناوب اللوْنان الأحمر والأخضر في علامات المرور دون أن تتآلف، وهذه سمة خاصة تنفرد بها اللغة الطبيعية البشرية.
[1]- هذا النص ترجمة لمقال "تزفيتان تودوروف" (Tzvetan Todorov)بعنوان "العلامة"(Signe)والمتضمن ب: "المعجم الموسوعي لعلوم اللغة" الذي ألفه بمعية رفيقه "أوزوالد ديكرو"(Oswald
التعديل الأخير بواسطة المشرف: