• منتدى تونس التّربوي

    ميادين الإبداع

الأقصوصة بين النسيان و الإهمال

الوفاء الدّائم

عضو مهمّ
منتدى تونس التربوي
المشاركات
735
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
م. الدّراسي
خيار آخر
الاختصاص
-
المهنة
-
الأقصوصة بين النسيان و الإهمال

أغنت الدراسات النقدية خلال القرن الماضي (العربية والأوربية) القصة والشعر والرواية والمسرح، واستفاد النقاد العرب من النظريات الغربية، حاولوا تطبيقها بأشكال مختلفة، ونجاحهم أو عدم نجاحهم، هذا شأن آخر، حتى غدت القصة والرواية لها خصوصيتها وهويتها واستقلاليتها كجنس أدبي عربي، بعد أن عبرت الرواية حدودنا كوافد أوربي في مرحلة البورجوازية الصناعية. فانتهت مرحلة التلقي، وترجمت عشرات القصص والروايات إلى اللغات الأجنبية لكبار المبدعين العرب، وشكل هذا التثاقف جسراً تواصلياً بين الحضارات والشعوب، إلاّ أنه كما تعرضت الأقصوصة إلى الإهمال الجزئي، وعدم الاهتمام الكافي في الغرب، قابله عندنا نسيان الأقصوصة العربية، التي هي أحد أشكال القص منذ أن وجدت، إلى جانب القصة القصيرة جداً. وبهذا يكون النقد العربي لا يعترف بالأقصوصة، وأن النقاد العرب لم يكوّنوا رؤية نقدية موحّدة لهذا المصطلح وخصائصه الفنية، كما في القصة والرواية والأجناس الأدبية الأخرى، وسواها من الفنون.
هناك تقاطعات ومفارقات بين القصة القصيرة والأقصوصة، في المقدمة (البداية)، والحبكة (العقدة) والنهاية. فالمقدمة في القصة يمكن أن تكون طويلة، وتشكّل مدخلاً لا لزوم له للوصول إلى بقية العناصر، بينما في الأقصوصة تكون المقدمة قصيرة، لا تتجاوز عدة أسطر، وهي عبارة عن مفتاح أو عتبة للوصول إلى الثيمة (الموضوع). أما نهاية الأقصوصة فيجب أن تكون مغايرة لتصورات المتلقي، لأنها بؤرة متوترة ومتوهجة تنبض بالدهشة، يقابلها في القصة ما يسمى بـ (لحظة التنوير).
ومن أهم خصائص الأقصوصة (وحدة الأثر أو وحدة الانطباع). وبلور إدغار آلان بو هذا الاصطلاح في العام 1842، وعدّه الخصيصة البنائية الأساسية للأقصوصة والنتاج الطبيعي لوعي الكاتب. بحرفته ومهارته في توظيف كل عناصر الأقصوصة، لخلق هذا الأثر الواحد.
تركز الأقصوصة على خبر واحد أو حدث واحد، دون تفرعات ثانوية، ويتطلب من القاص اختصار الوصف، والإقلال من الصفات، وتحديد الزمن بدقة لدقائق أو لنصف ساعة على الأغلب، كي يستطيع الكاتب تجميع الخيوط السردية وتكثيفها وحشدها في رزمة واحدة، وعدم المبالغة بهذا التكثيف كي لا يؤدي إلى الغموض وطمس أو تغطية الرمز بغطاء أسود يحجب ويسدّ منافذ الرؤية، ولا يحرم المتلقي من المتعة والفهم والتفسير الموضوعي لمقاصد الكاتب، أي جعل العقدة (الحبكة) تنبئ بالوصول إلى ذروة الحدث. أما بالنسبة إلى شخوص الأقصوصة، فيمكن الاكتفاء بشخصية واحدة، وفي أكثر الحالات ثلاثة شخصيات. وكلما ازداد العدد، توزع الحدث وتشرذم، وكثرت الأفعال بما لا يتناسب مع طبيعة الأقصوصة. وكل شخصية تمثل طرفاً في الحدث يكون مغايراً للطرف الآخر. فالعملية أو العلاقة بين شخصيتين كلعبة شد الحبل. فكل فريق يبذل الجهود لتحقيق الهدف والنصر على الفريق الآخر. ويمكن أن ينقطع الحبل ولا يحقق أي طرف النجاح.
إن الشخصية الرئيسة الساردة، تقوم بإحداث التوتر، وإيجاد الحلول السريعة، وتعقيد الصراع، مثلاً بين الخير والشر، إلى أن ينتصر أحدهما، ولا بدّ من تحديد زاوية وقوف الكاتب أو (زاوية الرؤية) من مكان لرصد ما يجري، والنظر إلى الهدف النهائي، ومراقبة كل حركة في المكان الذي تتكامل فيه عناصر الحدث، ودور الشخصية في عرض وتفعيل وإثارة المشكلة القائمة، ودلالتها الواضحة أو المجازية.
إن كتابة الأقصوصة أسهل بكثير من كتابة القصة، وهذا لا يعني أن الاستسهال هو الطريق المعبد للوصول إلى أقصوصة ناجحة، جيدة، ذات مضمون جيد، ولا يعني أن أي سارد للحدث يستطيع أن ينجز أقصوصة بأقل الخسائر الفنية. فالكاتب المتمرس، هو الأقدر على كتابة الأقصوصة، بخاصة إذا كان قاصاً، مطلعاً بدقة على البناء الفني للقصة، ومجرباً قادراً على إنجاز حرفته بتقنية عالية، مع معرفته بمكونات الشخصية ومظهرها الخارجي ودواخلها، ودورها في إنجاز العملية، نجاحها أو فشلها، تأثيرها في المتلقي، قربها أو بعدها من طبقته وبيئته، صدقها أو كذبها، والأثر الذي تتركه في نفس المتلقي نتيجة الأعمال التي تقوم بها.
ويفضّل بعض النقاد عدم استعمال الاسترجاع كما في القصة القصيرة، أو الاعتماد على (الفلاش باك) في الأقصوصة، وأن يتم التركيز على الزمن الحاضر، وما يشغل الناس من أحداث يومية، وموضوعات ساخنة مؤثرة مباشرة على حياتهم.
ويمكن أن تكون الأقصوصة (حوارية أو ساخرة) تثير الضحك أو التهكم، أو حزينة تثير البكاء والألم والخوف من القادم المجهول أو الحاضر المستبد، أي أنها تدغدغ المشاعر. وهذا موجود في كل الأجناس الأدبية، ولا ينحصر في الأقصوصة فقط، هذا من جهة. وليس صحيحاً أن كل هذه الحالات توجد أو تتضمنها أقصوصة واحدة، فهذا يحتاج إلى رواية من جهة أخرى.
إن اختيار أو انتقاء الشخصية، هو أحد المسائل الضرورية، التي يجب أن تكون مقنعة للقارئ إن كان في سويتها المعرفية، أو شخصية تقوم بأعمال الخير وتنبذ العنف والقوة، أو شخصية شريرة يشكل وجودها عاملاً مثيراً للنفور والكراهية والإساءة للآخرين. وإذا كانت الشخصية تتحلى بالشجاعة والإقدام والكرم في الأقصوصة، وهي شخصية معروفة في وسطها الاجتماعي أنها كذلك، مبدئية، صادقة، لا يمكن أن يصدق المتلقي أنها تتحول بسرعة إلى شخصية مناقض لهذه الصفات، فهي غير مقنعة.
ومن الضرورة الموضوعية الابتعاد عن المباشرة أو التقريرية، لأنها تقتل الحدث وتخنقه وهو ما يزال جنيناً، وتبشر بأقصوصة فاشلة، أقل من أقصوصة عادية، لا تثير الغبار، ولا تحرك الساكن، إذ يظل كل شيء في مكانه دون حراك، كالمياه الراكدة في بركة مغلقة. وعلى الكاتب أن يترك فسحة لتصورات المتلقي، وحريته في التأويل والتفسير والتخييل، وتقديم الصور الجميلة أو القبيحة، المضادة للواقع، أو المخالفة لرؤيته، أو المتفقة مع أحلامه وصحة تقويمه، لأن القارئ مشارك فعال في الإنتاج النهائي للأقصوصة، من خلال الانطباع أو الأثر الذي تتركه إن كان إيجاباً أو سلباً.
ويرى البعض من أصحاب التجارب الناجحة، كتاب الأقصوصة، ومن النقاد المتابعين أن طول الأقصوصة يجب أن يكون بحدود ألف كلمة أو أكثر بقليل، ويؤكد آخرون على القصر الذي لا يسمح بالاستطراد، وتعدد المسارات من جهة، ويخلّص الأقصوصة من التكرار والزوائد من جهة ثانية. وأن التكثيف والتركيز ومعرفة صياغة الجملة، وتكوينها الصحيح، المناسب للقص، ووضع المفردة في المكان المخصص لها، هو المطلوب، لأن الأقصوصة من أكثر الأشكال الأدبية اقتراباً من كثافة الشعر وتوهجه وتركيزه.
وهناك إجماع على أن (كتابة الأقصوصة تحتاج إلى مهارة أكثر وسرعة أكبر، وتكثيف أشد، وبراعة أعظم مما تتطلبه القصة القصيرة الاعتيادية). أما أنماط الأقصوصة، فهناك نمطان، أحدهما الأقصوصة المصغرة، التي يركز فيها الكاتب على الحدث أو على الشخصية، مبرزاً بعض القضايا السياسية أو الاجتماعية أو الفكرية، أو السخرية التهكمية أو الهزلية، والنمط الثاني هو من النوع الذي يعتمد في انتشاره على التغيّر المفاجئ غير المتوقع، من خلال تفاعل عدد من العناصر المتنافرة، أو تعاقب مجموعة من المفارقات والتغايرات.
واللغة في الأقصوصة تمثل (عجينة السرد) لا يمكن إغفالها أو إهمالها، فهي المادة التي تمتّن مداميك بناء عمارة الأقصوصة، وهي القادرة على صناعة (تقنية) متطورة، للاستحواذ على المتلقي، والإمساك بالحدث، وبمواقف الشخصية، أي بكلمة أن تكون لغة متأهبة، متنبهة، يقظة، ذكية، تفيض بالدلالة والإشارات الرمزية للحاضر والمستقبل، وبالمعاني والإيماءات، ولا يعني هذا أن اللغة يجب أن تكون مصقولة، لمّاعة، ناصعة، جبارة، قاموسية، تعدينا إلى قصص البطولات والخطابة والمباشرة القاتلة، فهذا يقتل الأقصوصة ويدفنها حية. إن البساطة والسلاسة هما الطريق السليم لسلوك اللغة وعبورها الأنفاق، وتمريغ لعابها شفتي الحدث. والكاتب الناجح هو الذي يحبّر قلمه بمداد غير كثيف، سريع الانسكاب على الورق، يعبر بأقصر الطرق عما يكمن في مرامي ودواخل الشخصية، وتحقيق الهدف النهائي الإنساني.
تعتمد الأقصوصة على الحبكة الجيدة، القوية، ذات الذروة المفردة أو المزدوجة، في نهايتها، وأن الأقصوصة التي تعتمد على الشخصية الرئيسية، وتحليلها من الداخل، يجب أن تكون عقدتها متينة، بسيطة، بعيدة عن إقحام مفردات غريبة، أو دسّ حشوات زائدة، تثقل السرد والحدث معاً، ولا تلبي طموحات القارئ في الدهشة والمتعة.
إن بناء الأقصوصة على أساس من التناقض هو في حشدها لكل ثقلها في النهاية، فهي (كالقنبلة التي تلقى من طائرة، يكون هدفها الأساسي هو المسارعة بإصابة الهدف بكل طاقتها الانفجارية).
ويشير مصطلح الأقصوصة إلى أهمية الحبكة، ودورها الرئيس في إنضاج الحدث، ويفترض هذا الأمر وجود أو تحقيق شرطين أساسيين هما: صغر الحجم، وتركيز الحبكة المؤدية إلى النهاية المغايرة، المفاجئة، التي تتجمع حولها وفي أحشائها معظم عناصر العمل الأقصوصي.
وفي هذا المجال يقول الناقد الكبير صبري حافظ: (ما أصعب الحديث النظري عن فن الأقصوصة، هذا الفن الأدبي، البسيط المراوغ الحافل بطاقة شعرية مرهفة، وقدرة فائقة على تقطير التجربة الإنسانية، والقبض على جوهر النفس البشرية، والتعبير عن صبواتها ومطامحها وأحزانها ببساطة ويسر آسرين، وما أيسر الانطلاق من مصادرة مبدئية، تفترض أن الأقصوصة فن راسخ المعالم، محدد القسمات، واضح المقومات، وأن ما نحتاج إليه هو تناول الأقاصيص ذاتها في دراسات تطبيقية ضافية).
إن بضع صفحات تتألف منها الأقصوصة، تكثّف العالم، لكنها تحتاج إلى قارئ حاذق، وناقد صادق غير موارب، يدخل من الباب، وليس من النافذة، ويكشف ما يختبئ في طيات السرد، ويتوقف عند الإشارات والإيحاءات، يقدم الفائدة للكاتب والقارئ، ويخرج هذا الفن المنسي من خندق الإهمال إلى النور. فالأقصوصة تحتاج إلى أكثر من لمسة، تحتاج إلى جهود كبيرة لتأريخها ورعايتها، لأنها أحد أشكال الإبداعية القادرة على استيعاب عالم التجربة الإنسانية، بخصوصيته واتساعه وتعقيداته، وهي تستجيب بسرعة كسواها من الفنون الأخرى لمعطيات العصر وتسارع تطوّره، وحاجة البشر إليه، لذلك يجب أن يهتم الكتاب والنقاد العرب بهذا الشكل أولاً وأخيراً، كي يجاري الأجناس الأدبية الأخرى، ويمشي في موازاتها، وينضم إلى صفوفها، ومن أجل استكمال الفائدة المرجوة التي يمكن تحقيقها، وتجاوز الهنات والصعوبات.
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:
114074.imgcache.gif