• منتدى تونس التّربوي

    ميادين الإبداع

المقامة الناجمية: بديع الزمان الهمذاني

جلال البحري

منتدى تونس التّربوي
مؤسّس الموقع
المشاركات
1,773
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
م. الدّراسي
دراسات معمّقة
الاختصاص
أدب عربي
المهنة
أستاذ
المقامة الناجمية: بديع الزمان الهمذاني

35.gif

المَقَامَةُ النَّاجِمِيَّةُ
حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: بِتُّ ذَاتَ لَيْلةٍ في كَتِيبَةِ فَضْلٍ مِنْ رُفَقَائِي، فَتَذَاكَرْنَا الفَصَاحَةَ، وَمَا وَدَّعْنَا الحَدِيثَ حَتَّى قُرِعَ عَلَيْنَا البَابُ، فَقُلْتُ: مَنِ المُنْتَابُ؟ فَقَالَ: وَفْدُ الَّليْلِ وَبَرِيدُهُ، وَفَلُّ الجُوعِ وَطَرِيدُهُ، وَغَرِيبٌ نِضْوُهُ طَلِيحُ وَعَيْشُهُ تَبْرِيحٌ، وَمِنْ دُونِ فَرْخَيْهِ مَهَامِهُ فِيحٌ، وَضَيْفٌ ظِلُّهُ خَفِيفٌ، وَضَالَّتُهُ رَغِيفُ، فَهَلْ مِنْكُمْ مُضِيفٌ؟ فَتَبَادَرْنَا إِلى فَتْحِ البَابِ وَأَنَخْنَا رَاحِلَتَهُ، وَجَمَعْنَا رُحْلَتَهُ، وَقُلْنَا: دَارَكَ أَتَيْتَ، وَأَهْلَكَ وَافَيْتَ، وَهَلُّمَّ البَيْتَ، وَضَحِكْنَا إِلَيْهِ، وَرَحَّبْنَا بِهِ، وَأَرَيْنَاهُ ضَالَّتَهُ، وَسَاعَدْنَاهُ حَتَّى شَبِعَ، وَحَادَثْنَاهُ حَتَّى أَنِسَ، وَقُلْنَا: مَنِ الطَّالِعُ بِمَشْرِقِهِ، الفَاتِنُ بِمَنْطِقِهِ؟؟ فَقَالَ:لاَ يَعْرِفُ العُودَ كَالعَاجِمِ، وَأَنَا المَعْرُوفُ بِالنَّاجِمِ، عَاَشْرتُ الدَّهْرَ لأَخْبُرَهُ، فَعَصَرْتُ أَعْصُرَهُ، وَحَلَبْتُ أَشْطُرَهُ، وَجَرَّبْتُ النَّاسَ لأَعْرِفَهُمْ، فَعَرَفْتُ مِنْهُمْ غَثَّهُمْ وَسَمينَهُمْ، وَالغُرْبَةَ لأَذُوقَهَا، فَما لَمَحَتْني أَرْضٌ إِلاَّ فَقَأْتُ عَيْنَهَا، وَلا انْتَظَمَتْ رُفْقَةٌ إِلاَّ وَلَجْتُ بَيْنَها، فَأَنَا في الشَّرْقِ أُذْكَرُ، وفي الغَرْبِ لا أُنْكَرُ، فَما مَلِكٌ إِلاَّ وَطِئْتُ بِساطَهُ، وَلا خَطْبٌ إِلاَّ خَرَقْتُ سِمَاطِهُ، وَمَا سَكَنَتْ حَرْبٌ إِلاَّ وَكُنْتُ فِيها سَفِيراً، َقْد جَرَّبَنِي الدَّهْرُ فِي زَمَنَي رَخَائِهِ وَبُوسِهِ، وَلَقِيَنِي بِوَجْهِي بِشْرِهِ وَعُبُوسِهِ. فَمَا بُحْتُ لِبُوسِهِ إِلاَّ بِلَبُوسِهِ:



وَإِنْ كَاَنَ صَرْفُ الدَّهْرِ قِدْماً أَضَرَّ *** بِي وَحَمَّلَنِي مِنْ رَيْبِهِ مَا يُحَمِّلُ
فَقَدْ جَاءَ بِالإِحْسَانِ حَيْثُ أَحَلَّنِي *** مَحَلَّةَ صِدْقٍ لَيْسَ عَنْهَا مُـحَـوَّلُ
​
قُلْنَا: لا فُضَّ فُوكَ، واللهِ أَنْتَ وَأَبْوكَ، مَا يَحْرُمُ السُّكُوتُ إِلاَّ عَلَيْكَ، وَلا يَحِلُّ النُّطْقُ إِلاَّ لَكَ، فَمِنْ أَيْنَ طَلَعْتَ؟ وَأَيَْ تَغْرُبُ؟ وَمَا الَّذِي يَحْدُو أَمَلَكَ أَمَامَكَ، وَيَسُوقُ غَرَضَكَ قُدَّامَكَ؟؟ قَالَ: أَمَّا الوَطَنُ فَاليَمَنُ، وَأَمَّا الوَطَرُ فَالمَطَرُ، وَأَمَّا السَّائِقُ فَالضُّرُّ، وَالْعَيْشُ المُرُّ، قُلْنَا: فَلَوْ أَقَمْتَ بِهَذَا المَكَانِ لَقَاسَمْنَاكَ العُمْرَ فَمَا دُونَهُ، وَلَصَادَفْتَ مِنَ الأَمْطَارِ ما يُزْرَعُ، وَمِنَ الأَنْوَاءِ ما يُكْرَع، قَالَ: مَا أَخْتَارُ عَلَيْكُمْ صَحْباً، وَلَقَدْ وَجَدْتُ فِنَاءَكُمْ رَحْباً، وَلَكِنَّ أَمْطَارَكُمْ مَاءٌ وَالمَاءُ لا يُرْوِي العِطَاشَ، قُلْنَا فَأَيُّ الأَمْطَارِ يُرْوِيكَ? قَالَ: مَطَرٌ خَلفَيٌّ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:



سِجِسْتَانَ أَيَّتُـهَـا الـرَّاحِـلَةْ *** وَبَحْراً يَؤُّمُّ المُنَى سَاحِـلَـهْ
سَتَقْصِدُ أَرْجان إِنْ زُرْتَـهـا *** بِوَاحِـدَةٍ مَـائَةٍ كَـامِــلَةْ
وَفَضْلُ الأَمِيرِ عَلَى ابْنِ العَمِيدِ *** كَفَضْلِ قُرَيْشٌ عَلَى بَاهِـلَةْ
​
قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَخَرَجَ وَوَدَّعْناهُ وَأَقَمْنَا بَعْدَهُ بُرْهَةً نَشْتَاقُهُ، وَيُؤْلِمُنَا فِرَاقُهُ، فَبَيْنَا نَحْنُ بِيَوْمِ غَيْمٍ فِي سِمْطِ الثُّرَيَّا جُلُوسٌ إِذْ المَرَاكِبُ تُسَاقُ، وَالْجَنَائِبُ تُقَادُ، وَإِذَا رَجُلٍ قَدْ هَجَمَ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: مَنِ الهَاجِمُ؟ فَإِذَا شَيْخُنَا الناَّجِمُ، يَرْفُلُ في نَيْلِ المُنَى، وَذَيْلِ الغِنَى، فَقُمْنَا إِلَيْهِ مُعَانِقِينَ، وَقُلْنَا: مَا وَرَاءَكَ يَا عِصَامُ، فَقَالَ: جِمالٌ مُوَقَرَةٌ، وَبِغَالٌ مُثْقَلَةٌ، وَحَقَائِبَ مُقْفَلَةٌ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:



مَوْلايَ أَيُّ رَذِيلَةٍ لَـمْ يَأَبَـهَــا *** خَلَفٌ وَأَيُّ فَضِيلَةٍ لَمْ يَأْتِهـا؟
مَا يُسْمِعُ العَافِينَ إِلاَّ هَـاكَـهَـا *** لَفْظاً، وَلَيْسَ يُجَابُ إِلاَّ هَاتِهـا
إِنَّ المَكَارِمَ أَسْفَرَتْ عَنْ أَوْجُـهٍ *** بِيضٍ، وَكَانَ الخَالَ في وَجَنَاتِهَا
بِأَبِي شَمَائِلهُ الَّتِي تَجْلو الـعُـلاَ *** وَيَداً تَرَى البَرَكَاتِ فِي حَرَكَاتِهَا
مَنْ عَدَّهَا حَسَنَاتِ دَهْرٍ إِنَّـنِـي *** مِمَّنْ يَعُدُّ الدَّهْرَ مِنْ حَسَنَاتِهَـا
​
قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَسَأَلْنَا اللهُ بَقَاءَهُ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا لِقَاءَهُ، وَأَقَامَ النًّاجِمُ أَيَّامَاً مُقْتَصِراً مِنْ لِسَانِهِ، عَلَى شُكْرِ إِحْسَانِهِ، وَلا يَتَصَرَّفُ مِنْ كَلاَمِهِ، إِلاَّ في مَدْحِ أَيَّامِهِ، وَالتَّحَدُّثِ بِإِنْعَامِهِ.