• منتدى تونس التّربوي

    ميادين الإبداع

فارقني الفرق

عبير عبورة

ضيف جديد
منتدى تونس التّربوي
المشاركات
5
الدّولة
تونس
الولاية
بنزرت
م. الدّراسي
ثانوي
الاختصاص
لا
المهنة
تلميذ
بدأت أشعر بالفرق بيني و بين أترابي في سن الثالثة عشر حين كنت أرعى حلما و هو أن أدرس لأصبح محامية في حين لم يكن لأترابي و زملائي حلم في الحياة، كانوا يدرسون لأنهم وجدوا أنفسهم مجبرين على الدراسة .. رعيت هذا الحلم و هذا الطموح ثلاث سنوات كنت لا أصغي فيها لأقوال الآخرين، أقوال أصدقائي و أفراد عائلتي و أقربائي حيث إعتبر الجميع هذه المهنة العظيمة صعبة المنال تتطلب الكثير من الجد و الاجتهاد و وضعوا أمامي حقائق تقول أن معظم من مشى في هذا الدرب لم ينجح و لم يبلغ غايته و أن هذا العصر هو عصر التكنولوجيا و الاختراعات، و شعبة الآداب لن تنفع في المستقبل كما أنها طريق الأغبياء الذين لا يجيدون الرياضيات و الفيزياء و غيرها من العلوم .. لكني كنت شجاعة جدا مفعمة بالأمل و حب الحياة تمتزج تصرفاتي العفوية الطفولية بالبراءة و الحلم و بالدفاع الشرس عن طموحاتي، إلى أن بلغت الخامسة عشر من عمري و قرب وقت التوجيه المدرسي و قد أصبح علي أن أختار الطريق الصحيح الذي سأتألق فيه و الذي سيحدد مستقبلي و لم أجد صعوبة في ذلك فإضافة إلى رغبتي في أن أصبح محامية فقد كنت مغرمة بدراسة القوانين فكنت أقرأ دستور البلاد و أحلله أغوص بين سطوره و كنت تراني دوما أدافع عن المرأة و عن حقوقها و حرياتها كما كنت أهوى الكتابة و المطالعة .. و لكن لا أدري ما دهاني فجأة، فقد صار الكل يبدي رأيه في توجهي الذي هو اختيار شخصي لا يحق لأحد التدخل فيه و قد بدأت تلك القوة الكبيرة داخلي و ذلك الاصرار ينهاران حتى صرت أتأثر شديد التأثر بما يقولون و صرت أراجع نفسي و أراجع قراري فكنت أتمسك به تارة و أتخلى عنه أخرى و بدأ الصراع داخلي و حدث لي اضطراب نفسي و تشتت في أفكاري، و أخيرا قررت التخلي عن ذلك الحلم السامي و أن أبتعد عن ميدان الدفاع و أن أحرم نفسي من إرتداء ذلك القميص الأسود ذو الوقار و ربطة العنق البيضاء و فكرت في أشياء أخرى كالتكنولوجيا أو علوم الحياة و الأرض و لم يكن لي فيهما حلم أعيشه أو مهنة مستقبلية أرغب في ممارستها و منذ ذلك الحين فارقني الفرق الشاسع بيني و بين أرتابي و الذي كنت أستمتع به و أخلق منه نشوتي و قد صار يومي يتكرر ليس لي فيه هدف أعيش لأجله .. و ليومنا هذا لا يزال ضميري يؤنبني عن الحلم الذي تخليت عنه لكني لم أرد التفكير في التراجع عن قراري لسبب واحد هو أني لم أعد مغرمة بهذا الميدان و قد بردت شهوتي في ممارسة مهنة المحاماة فقد جعلني المحيطون بي و من بينهم أساتذتي أكره ما أحببت، بل ما عشقت .. فكيف سأسامح كل من تدخل في تنغيص عيشي و تعكير صفو حياتي و بناء الحاجز بيني و بين طموحي !
أنا أدرس الآن بالسنة الأولى ثانوي و لا زلت أعيش هذا التشتت الفكري و هذه الحيرة المزعجة التي ترقّ ليلي و لا تزال الا بضع أشهر تفصلني عن تسلم ورقة التوجيه المدرسي .. ماذا أفعل ؟
'' سأعير اهتماما لأراء أصحاب التجربة و الخبرة ''
 
حقيقةً أحيي فيكِ هذا الوعيَ و النُّضجَ الذي يغيبُ عن كثيرٍ مِن التّلاميذ في مدرستنا التّونسيّة اليوم..هذا الوعي الذي يجعل المتعلِّم على قناعة بأنّ التّعلّم ليس فقط اِستيعابا للمعارف مِن أجل اِجتياز الِامتحان و إنّما هو بناءٌ لشخصية و ذاتٍ تُدركُ ما حولها..تعتبرُ مرحلة اِختيار التّوجه المدرسيّ مرحلة مهمّة في مسيرة التّلميذ لأنّها تعلّمه كيفية الِاعتماد على نفسه و اتّخاذ قراراتِه بشكل فرديّ..و هنا وجبَ عليهِ أن يعرف شخصيته و قدراته و المهارات الفرديّة التي يتمتّع بها للوصول إلى القرار السّليم و اختيار ما يُلائمُ تلك المهارات..غالبا في هذه المرحلة يتدخّل الأولياءُ و قد يكونُ رأيهم مخالفا لاهتمامات أبنائهم و قد يؤدّي تدخّلهم إلى نتيجتين مختلفتين: إمّا أن تكون نصيحتهم مهمّة توجّه الابنَ نحو الاختيار الأمثل باعتبار فارق الخبرة في الحياة و الحياة مدرسةٌ تجعل الفرد عالمًا بخفايا قد تغيب عن قليل التّجربة ، و إمّا أن يكون توجيهم مُتعسّفا يُرغم المتعلِّم على اِختيار ما لا يحبّ و ما لا يرغبُ فيهِ و هذا قد ينعكس سلبا على النتائج الدّراسيّة..نصفُ النّجاح هو حُبّ ما تصنع و نصفهُ الآخر هو الكدّ و الاجتهادُ..شغفُكِ بمهنة المحاماة واضحٌ بيّنٌ في خطابِكِ..مهنة المحاماة مِن أنبل المهنِ..هي مهنة حرّة مستقلّة..و المحامي شريكُ القاضي في إحكام العدلِ في الأرضِ يعيدُ الحقّ إلى أصحابه و يحمي المظلوم ويُنصفُ الضعيف و يكونُ له مدافعًا أمام الظّالم و المُتنفّذِ صاحب السّلطة و القوّة..و العدالة أساسُ العُمران و مقياس التّطوّر و النّماءِ و ما تقدّمت أمّة إلاّ بفضل إقامة العدل فيها..أنا أنصحُكِ بأن تتشبّثي برأيكِ مع ضرورة إقناعِ أهلكِ بالحُسنى و الكلمة الطيّبة و الحجّة المُقنعة لأنّ تفهّمهم لقراركِ مهمّ لدعمكِ و الوقوف إلى جانبكِ..بالتّوفيق..
 
التعديل الأخير: