المنصف الحامدي

عضو نشيط
منتدى تونس التربوي
    نموذج تطبيقي في تحليل النص . المحور الأول : شعر الحماسة ( 4 آداب )
  • #1
الــقسم : شعبة الآداب
المستوى : رابعة آداب

منهجيّة تحليل النص الأدبي


النص: النص الأدبي هو إنجاز لغوي ذو مضمون ومقصد ينتجه المتكلم بغاية التعبير و الإقناع والتأثير منخرط في سياقات متعددة كالنفسي والاجتماعي والثقافي والفكري والحضاري فيرد خطابا جماليا منطويا على مجموعة من الأفكار والمعاني والرؤى مقدمة حسب رؤية الأديب الخاصة ولكنها غير منفصلة عن سياق ترد فيه و مُخيّل جماعي تستند إليه .

أمّا التحليل الأدبي

فهو عبارة عن قراءة نقديّة تستهدف الكشف عن بنيته واستجلاء معانيه و تأويل مقاصده بربطه بالسياق الأدبي و الثقافي والشخصي والحضاري و الانساني الذي أنتجه فهو بذلك ليس مجرد عملية وصفية بل تفسيرية تأويلية .

مراحلــــــــــــــــــــــــــــــــــه

1 – مقدمة

2 – جوهر

3 – خاتمة

المقدَّمة:

أ – التمهيد: تأطير النصّ : شرطه الاختصار بالاقتصار مثلا على إدراج النص في غرضه أو ربطه بعصره أو التجربة الأدبيّة لصاحبه فلا تأريخ ولا تمجيد ولا حكم يسبق تناول النصّ مثل القول " إنّ أبا تمّام في قصائده الحماسية استوحى المعنى من السلف و ألبسه حلية المخترع المجدد " ولا آراء انطباعيّة فيه من قبيل : برع الشاعر ( الكاتب عامّة ) أو أحسن أو عانق الروعة أو أجاد .. فقط تأطير مقتضب خال من الأحكام المسبقة ومن التمجيد والآراء الانطباعيّة الانفعاليّة حتّى لا يتمّ السطو على النصّ قبل تحليله .

ب – التقديم المادّي للنصّ : مدار الاهتمام فيه بيان نوع النصّ ومؤلّفه والمصدر الذي أخذ منه، مع ضرورة كتابة الأرقام بلسان القلم عند الإشارة إلى الصّفحات التي أخذ منها .

ج – التقديم المعنويّ و يكون ذلك بضبط موضوع النصّ مختصرا دون إخلال و من المستحسن أن تكون صياغته في شكل جملة فعليّة مثل : يصور الشاعر / يكشف الأديب أو يتناول ، / تكشف القصيدة تنطوي الأبيات / أو يدحض الكاتب / يبرهن المؤلف ( في النصّ الحجاجي) / ينقل السارد / يسرد الراوي( في النص السردي ) .....

د – الإشكاليّة أو محاور الاهتمـام : هي المرحلة الختاميّة في المقدّمة و المعلنة عن التحوّل من التقديم إلى الجوهر و يمكن الاستعانة في صياغتها بالأسئلة التي تُرْفَقُ بالنصّ كما يمكن التصرّف في هذه الأسئلة بالزّيادة أو النقصان أو إعادة الصّياغة، إن طرح الإشكاليّة هو ضبط لمراكز الاهتمام الكبرى التي سيتم التطرق إليها في الجوهر و يجب في الإشكاليّة تجنب الإكثار من الأسئلة و التّحليل لا يكون إجابة آلية عن الإشكاليّة المطروحة بل تدرج من وحدة إلى أخرى في إطاره يتم التركيز على تلك المحاور .

الجوهر :

1 - تفكيك النصّ وضبط وحداته استنادا إلى مقياس واضح مع وضع العناوين المناسبة والمتوافقة مع المعيار المعتمد فلا يكون مثلا التقسيم وفق ثنائية الخبر والإنشاء وتكون العنونة حسب التدرج في الموصوفات .

2 – يتم التدرّج في الجوهر :

· * من وحدة إلى أخرى على الترتيب

*· من المباني إلى المعاني
·* من التحليل إلى التأليف مرحليّا لكل وحدة.
· * من التأليف فنّيّا إلى التأليف مضمونيّا
· * من التأليف المرحلي إلى الختامي ( من الجزئي إلى الشامل الكلّي ·
* من التأليف الختامي إلى التقويم .

التقويم : مرحلة تعقب التأليف الختامي و لا تتخلله و يمثل التقويم بماهو تثمين أو نقد مجالا لإبداء الرّأي الشخصي بعيدا عن الانطباعيّة العجولة ويكون مثلا بوصف البنية بالإحكام والتماسك و بالحكم على التعابير بالجودة و على القول بقوّة التأثير أو على الشاعر ببلوغ الشأو في غرضه بفصيح بيانه و نفاذه إلى المعاني البعيدة وقدرته على تخليد نصّه بها ، وخلاف هذا أن نبيّن مثلا تعقيد التراكيب و الألفاظ أو غرابة الصورة أو استغلاق المعنى أو محدوديّة التأثير الوجداني أو بيان سيطرة الاحتفاء بالشكل على حساب المضامين أو إبراز الدوافع الفرديّة الآنية للكاتب أو خلفيّته المذهبيّة ....

الخاتمة : هي المقفل ، بها ينغلق الكلام وليست مرحلة للتدارك على ما فات ذكره في الجوهر ولا تعوض التأليف و يستحسن أن تميل إلى التعميم لا التفصيل كالتأكيد مثلا على ما أثاره شعر أبي تمام من جدل ، أو الانصراف عن ذلك إلى بيان مدى وثوق الصلة بين الأدب و الحوادث ، كما تهئ الخاتمة لطرح اشكاليات مجاورة .

خصائص أكثر الحروف شيوعا في شعر الحماسة
الحروف المجهورة

الباء /الميم / الدال /الهمزة /النون /الراء/ الجيم / اللاّم /العين الغين
الحروف الشديدة
الباء/الميم/الدال/الهمزة/ الجيم /الطاد / الكاف/ الفاء
الحروف المفخّمة
د/ ط/ ق/ هـ/أ/ ف
حروف القلقلة
ق/ط/ب/ج/د


نموذج تطبيقي

مقتطف من قصيدة حماسية لأبي تمام في مدح المأمون العبّاسي

تمهيد

نهض المأمون( الخليفة العباسي ) إلى حرب الرّوم فٱنتصر، فأنشد الحبيب بن أوس الطائي :


1. لمّا رأيتَ الدّينَ يخفق قلبـــــــــــه *** و الكفرَ فيه تغطرس و عُــــــرامُ (1)

2. أوريتَ(2) زند عزائم تحت الدّجـى *** أسرجن(3) فكرك والبلاد ظـــــــلامُ

3. فنهضت تســـحب ذيل جيش ساقه *** حسن اليقين وقاده الإقــــــدامُ

4. مستبسلين إلى الحتوف كأنّمـــــــا *** بين الحتوف وبينهم أرحــــــــــامُ

5. آساد موت مُخدرات(4) ما لهـــــــــا *** إلاّ الصوارم و القنا آجـــــــــــــامُ(5)

6. حتّى نقضت الرّوم منك بوقعــــة *** شنعاءَ ليس لنقضها إبـــــــــــــــرامُ

7. في معركٍ ، أمّا الحِمامُ(6) فمفطـر *** في هبوتيه(7) و الكماة صيـــــــامُ

8. والضّربُ يُقعد قَرْمَ كل كتيبــــــة *** شرس الضريبة والحتوفُ(8) قيــــــــامُ

9. فقصمت عرْوة جمعهم فيه وقــــد *** جَعَلَتْ تَفَصَّمُ عن عُراهَا الهــــــــــامُ

ديوان أبي تمام ص ص 132- 133
(شرح الأعلم الشمنتري )
الشرح اللفظي :

1 : عُرامُ : أذى / 2: أوريتَ: قدحت/3: أسرج: أشعل وأنار/4: مُخدرات : (من الخدر) المقيمون في المكان /5: آجـــــامُ (جمع أجمة) : الشجر الكثيف الملتف /6: الحِمامُ: الموت/7: هبوتيه : قصد الغبار/8الحتف : الموت.

التوجيهات : حلل النص تحليلا أدبيّا مسترسلا مستعينا بالتوجيهات التالية :

· أدرس دور الإيقاع و المعجم في إذكاء الطابع الحماسي في النصّ.

· للمعركة أطوار و آثار بين طرائق وصفها مستخلصا المعاني الحماسية .

· هل تتخذ القصيدة قيمتها من الحدث التاريخي أم يأخذ التاريخ قيمته من شكلها الفني المتقن ؟


المقدمة

التمهيد : اقتراح 1 : عراقة غرض المدح وشموله .

اقتراح 2 : أبو تمام و غزارة ما جمع و كتب في باب الحماسة .
اقتراح 3 : الحماسة موضوع في الأدب يروم تخليد المعارك و البطولات .
اقتراح 4 : الشعر خيال وفن ولكن يظل وثيق الصلة بسياقه لغويا وحضاريا .
التقديم المادي : المصدر والشاعر و عصره
التقديم المعنوي : الغرض الشعري ( المدح )
الموضوع : تصور الأبيات حصافة رأي الممدوح و مضاء عزمه و إثخانه في عدوّه .
الإشكالات : - الحماسة ، مغانيها و معانيها
- دور الصورة الشعرية في تمجيد الممدوح ووصف ضراوة التنكيل بالعدو .
- التاريخ خلّدَ الفن أم بالفن خُلِّد .



الجوهر

أ . الوحدات ( البنية المقطعيّة ) : حسب الموضوع .

1+2 : التمجيد

3+4+5 : وصف الجيش ناهضا إلى الحرب

البقيّة : وصف المعركة

← تدرج من العزم على الحرب إلى السير إليها فخوض غمارها ( منحى سردي لا يخلو من تشويق)

ب . الإيقاع :

1 * الخارجي : البحر الكامل : أطول البحور(30 مقطعا) و أكملها متسع مهيب عريق كثير الاستعمال في شعر الحماسة لغزارة مقاطعه وكثرة حركاته (30) و قلة سكناته(12)

← وقار الممدوح وجلال المنجز الحربي / ملائم للسياق الحماسي ومقام المدح و نشوة النصر ووصف البأس في الحرب ( بحر مفعم بالحركة يعبّر عن وجدان يطرب انتشاء بالنصر )

الرّويّ : الميم مضومةً : شديد مجهور مرفوع .

الردف:(الف المد السابقة على الرويّ) يقوّي معاني الرفعة والسّناء ويساعد على الجهر بالمناقب والاشادة بالنّصر المؤزر
2 * الداخلي :صوتيّا : اعتماد أصوات مجهورة شديدة تـشد أزرالروي و تقوّي معاني البأس وهي (ب/م/ك/الهمزة/ ف) وردت غزيرة في النص كالجيش وافر العدّة يأخذ عزمه من قائده .

معنويّا :

· التدرج صعودا حدّ بلوغ الذرى، من الرهبة إلى إعمال العقل ومن العقل إلى إعلان النفير فالمسير وصولا إلى إعمال السيوف في الهامات والتنكيل بالعدو .

· ايقاع منبن على ثنائيات تسيج المعنى : النور والظلمة / الدين والكفر / الوهن والقوّة / العقل والسيف / الحتف والفتح/ القيام والقعود

ثنائيات عمقت المعنى الحربي و عززت الطابع الحماسي فتضارب المعاني يماثل الفعل ورد الفعل ، تغطرس يُجابه بالعزم واليقين ، وسيف الظلم يُناجَزُ بسيف الحق و العدل .

تحليل الوحدة الأولى

1. لمّا رأيتَ الدّينَ يخفق قلبـــــــــــه *** و الكفرَ فيه تغطرس و عُــــــرامُ (1)

2. أوريتَ(2) زند عزائم تحت الدّجـى *** أسرجن(3) فكرك والبلاد ظـــــــلامُ



بنيت على الطباق بديعا لفظيا يدبج الكلام ويزينه ويعزز المعنى و يظهره فأبو تمام حسب النقاد رائد صنعة البديع في الشعر بلغ فيها الشأو الأبعد

وظف الطباق لإنشاء ثنائيات :

الدين≠ الكفر

الضعف والخوف ≠ التغطرس و الصلف

النور ≠ الدّجى

النفس ≠ الفكر ( العقل)

ووظفت الثنائيات إبرازا لفضائل الممدوح : بعقله الحصيف و نفاذ بصيرته وغيرته على الدين و عدم قعوده عن طلب المجد و سهره في الظلماء يدبر الأمر بحكمة العقلاء ، أليس رجحان العقل أعلى سلم الفضائل ؟ أليس العقل مصدر الفضيلة ( ابن المقفع مثلا ) ؟ ألم يقل المتنبي من بعد الطائي:

العقل قبل شجاعة الشجعان .... هو أوّل وهي المحلّ الثاني ؟

← تمجيد منقبة العقل الراجح في ممدوح شغف بالعقل والحكمة والفلسفة في زمانه .

- جاء الطباق معزّزا بالاستعارة و هي أرقى المجاز و أنفذه إلى العقل و ألوطه بالقلب تبدّى ذلك من خلال تشخيص الدّين الخافق قلبه رهبة والكفر المتغطرس ظلما وإذاية ،ما يقوّي التضاد ويدعو إلى التفكر ويحفّز على المواجهة والتهيؤِ لخوض غمار الحرب ، هذا التهيّؤ الذي كشفت عنه صور استعارية تعضد الأولى عميقة التخييل فأضحت للعزائم قوادح وصار الفكر سراجا وهاجا يبدد ظلمة الكفر وينير درب الدين.
- الأفعال : رأيت / أوريت : مجانسة لفظية هي في اللفظ توشية وتدبيج وهي في المعنى تحفّز و تعجيل ، يُبرز ذلك الحرف لمّا الدال على التزامن والترابط بين الفعلين وسرعة استجابة الممدوح نصرةً للدين .
- التأليف الجزئي : فنيا : الطباق مأزورا بالجناس والاستعارة : رونق بلاغي
مضمونيا : الممدوح : جماع الفضائل رأيه سديد و عزمه لا يُفل ّ وعقله نور وضاء حميّته الدينية قادحه وحماسته ترفع قدره ← التغني بقيم دينية وبمُثل إنسانية خالدة .

الوحدة الثانية

1. فنهضت تســـحب ذيل جيش ساقه *** حسن اليقين وقاده الإقــــــــــــدامُ
2. مسترسلين إلى الحتوف كأنّمـــــــا *** بين الحتوف وبينهم أرحــــــــــامُ
3.آساد موت مُخدرات(4) ما لهـــــــــا *** إلاّ الصوارم و القنا آجـــــــــــــامُ

المعجم الحربي : جيش / الإقــــــــــــدامُ/ الحتوف/ موت/ الصوارم / القنا
جيش يُـقْدِمُ على الحتف عدّته السيوف و الأرماح
جيش يقوده الممدوح تكريسا لقيم كان العقل مصدرها
جيش صفته الوفرة والكثرة ( اعتماد صيغة الجمع : آساد مسترسلين الحتوف الصوارم آجـــــــــــــامُ)
← وصف الجيوش وزحفها و إبراز كثرة فرسانها ووفرة عدّتها من المعاني الأساسية في شعر الحماسة .
استجابة القائد لشروط الاستخلاف على الرعية والدين ونهله من القرآن وتشبعه بقيم الايمان أليس الله من دعا إلى التصدي للظلم بحشد ما يرهب العدو ؟ ( و أعدّو لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ترهبون
به عدو الله وعدوكم )
النص الحماسي غير خارج عن سياقه الثقافي والحضاري والديني متفاعل معه متأثربه كتأثيره فيه .
الاستعارة والتشبيه :
الاستعارة مقدمة في الوحدة على التشبيه كما هي مقدمة عليه في قصائد أبي تمام عموما فقد فارق الطائي القدامي وحدّ للشعر عيارات جديدة وهي الامعان في التصوير المجازي حتى استغلقت معانيه أحيانا ولكن الصور المتناولة تبدو قريبة المأخذ .
استعارة اليقين والإقدام ( معنيان مجرّدان ) وتحويلهما في الصورة قائدين للجيش يأتم بهما سائرا نحو حومة القتال ، أليسا كناية عن الممدوح الذي جمع العقل إلى الدين والشجاعة .
توسعت الصورة ليكون للفوارس نصيب من البطولة والبأس وكانت الاستعارة أداة الشاعر يوشي بها القول ويعمق بواسطها المعنى الحماسي فغدا الجيش من أسود سلاحُها عرينُها .
التشبيه : من بلاغة السابقين ولكنه يرد في الأبيات على نحو غير معهود إذ دمج الاستعارة في أعطاف تشبيه تمثيلي مثل به المحسوس ( صورة الجيش مندفعا نحو الحرب غير آبه بالموت ) بالمجرد ( صورة الأرحام تصل بين الفوارس و الحتوف)

← عمق التخييل في الصورة يبرز البطولة والاندفاع والتحفز و الشجاعة والقوّة و حسن الاستعداد للحرب وعلى مثل هذه المعاني تنشأ الحماسة ليست مجرد وصف للموجود بقدر ماهي تعلق بمطلق الفضائل .
التأليف الجزئي :* فنيا : المعجم العسكري / بلاغة الاستعارة وفرادة التشبيه
مضمونيا : الجيش حشود متوثبة للنزال ترسخت فيها و قائدها قيم الشرف والإباء والشجاعة و نصرة الدين.

الوحدة الثالثة

· الأفعال مؤتلفةً مع الأسماء(المصادر الدالة على الفعل خاصة) : قضتَ / نقض / يُقعد / قصمت / تَفَصَّمُ / ضرب / ضريبة
دالة على معاني البأس و القوّة والقدرة على التحويل فبها صار ذلك القلب الخافق رعبا في الوحدة الأولى، يتوهج حماسة مقبلا في الوغى غير مدبر وانقلب الكفر المتغطرس "مذؤوما مدحورا" ،
هذا التصوير الملحمي المنبثق بداية من أفعال ومشتقات مشحونة بمعان تماثل قوّةُ منجزيها سَوْرَةَ الوحوش إذا غضبت ، غايتها التهويل والتحميس و التحفيز والتغني بمعاني الغلبة والسطوة والانتصار وكسر شوكةالعدو ، وهو تصوير يقوم على تمجيد الفعل البطولي توافقا مع ما ذهب إليه " أرسطو " في اعتبار الشعر محاكاة والفعل الإنساني هو جوهر هذه المحاكاة فالفعل يمثل "حركة الوجود الدائمة" حسب قوله و محاكاة الفعل في الشعر ليست تقليدا أصمّ بل معرفة بالجوهري والكلّي لا بالحدث العارض لذلك كان أرسطو يفضل الشعر الملحمي على الشعر الغنائي لما في الأوّل من ابتكار و غوص إلى العمق وتعلق بمطلق المعنى ، إنّ أبا تمام لا نعدم في قصائده تخلّص الفن من تبعيّته للتّاريخ و تطلعه إلى إدراك المطلق من القيم الكونية المجد والعزّة والشجاعة والبذل والعطاء والعقل ، إنّ القيم المتغنّى بها من خلال وصف ملحمة الحرب في هذه الوحدة تتجاوز الديني إلى القيم الانسانية و الكونيّة عامّة .



ملاحظة

قد يذهب البعض إلى القول بأن أبا تمام قد قصّر عن غيره من شعراء الحماسة في اقتصاره على البعد الديني في تصوير أبطال ملاحمه الشعريّة و يعتبرون أنّه خال من النزعة العربية خلافا للمتنبي فممدوحيه أمهاتهم من الأعاجم كالمأمون والمعتصم ( فرس وترك ) وهذا الرأي تُمكن مناقشته بما يتجلى في قصائد الطائي من بعد إنساني كوني مطلق يشتمل على ما هو ديني و يتجاوزه .

· لم تكن الأفعال في شدتها و عتُوّها وسيلة الشاعر الوحيدة في تصوير مشهد الحرب المتقد فقد بلغ الفعل بحتّى ( حتى نقضت..) غايته القصوى نهضت استعارات متنوّعة تعبر عن عمق التخييل ببيانها فقد استعار للموت فطرا وللحتوف قياما وللجمع عروة في إطار وصف " الوقعة الشنعاء " ففي الأولى و الثانية تفاقمٌ للموت و في الثالثة تفاقم للتمزيق و التشريد، ألم يمزقهم الباسل الهمام "شرّ ممزق ؟ .
· وتتقوّى هذه المعاني الحماسيّة بإنشاء تقابل بين القعود والقيام وبين الصوم والإفطار ( إفطار الحِمام وصوم الكماة ، قعود قرم الكتائب و قيام الحتوف ) وهذا التقابل الظاهري ينطوي على تماثل معنوي فتغدو الصورة بهما (التقابل و التماثل) أكثر غوصا إلى المعنى الحماسي صمودًا في الحرب وجلدًا واستغراقًا في القتال و إثخانا في العدوّ و ارتواءً من دمه و إشفاءً للغليل منه.

التأليف الجزئي : (إنجاز فردي)

..............................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................

التأليف النهائي :(إنجاز فردي)

............................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................


مرحلة التقويم :

· يمكن في التقويم القول إنّ السرد قيّد الخيال الشعري أو نقضُ هذا الرأي بالتأكيد على قيمة السرد في إذكاء الطابع الحماسي فهو تصوير لأعمال بطوليّة وتقريب لصورة الحرب من ذهن المتلقي بأسلوب مشوّق.
· للقصيدة بنية محكمة تآزرت فيها أساليب التعبير من معاجم ومجازات و متضادات لفظية مع معاني الحماسة في إخراج صورة نموذجية لبطل مغوار لا يشق له غبار .

· أعدّ الخليفة الصوارم فانتصر ولكنه يظل نصرا عرضيا طوته كتب التاريخ لا يضاهي انتصار الفن الذي اتخد نصر الحرب قادحا ليخلد فقد بلغ به الطائي المدى جودةً في التصور و عمقا في التعبير عن خصال عسكريّة و قيم إنسانية تسربل بها الممدوح النموذج .

· ........................................................................................................................

· .............................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................
 
التعديل الأخير:

ahmedbelgacem

ضيف جديد
منتدى تونس التربوي
    نموذج تطبيقي في تحليل النص . المحور الأول : شعر الحماسة ( 4 آداب )
  • #2
المستوى : رابعة آداب

منهجيّة تحليل النص الأدبي


النص: النص الأدبي هو إنجاز لغوي ذو مضمون ومقصد ينتجه المتكلم بغاية التعبير و الإقناع والتأثير منخرط في سياقات متعددة كالنفسي والاجتماعي والثقافي والفكري والحضاري فيرد خطابا جماليا منطويا على مجموعة من الأفكار والمعاني والرؤى مقدمة حسب رؤية الأديب الخاصة ولكنها غير منفصلة عن سياق ترد فيه و مُخيّل جماعي تستند إليه .

أمّا التحليل الأدبي

فهو عبارة عن قراءة نقديّة تستهدف الكشف عن بنيته واستجلاء معانيه و تأويل مقاصده بربطه بالسياق الأدبي و الثقافي والشخصي والحضاري و الانساني الذي أنتجه فهو بذلك ليس مجرد عملية وصفية بل تفسيرية تأويلية .

مراحلــــــــــــــــــــــــــــــــــه

1 – مقدمة

2 – جوهر

3 – خاتمة

المقدَّمة:

أ – التمهيد: تأطير النصّ : شرطه الاختصار بالاقتصار مثلا على إدراج النص في غرضه أو ربطه بعصره أو التجربة الأدبيّة لصاحبه فلا تأريخ ولا تمجيد ولا حكم يسبق تناول النصّ مثل القول " إنّ أبا تمّام في قصائده الحماسية استوحى المعنى من السلف و ألبسه حلية المخترع المجدد " ولا آراء انطباعيّة فيه من قبيل : برع الشاعر ( الكاتب عامّة ) أو أحسن أو عانق الروعة أو أجاد .. فقط تأطير مقتضب خال من الأحكام المسبقة ومن التمجيد والآراء الانطباعيّة الانفعاليّة حتّى لا يتمّ السطو على النصّ قبل تحليله .

ب – التقديم المادّي للنصّ : مدار الاهتمام فيه بيان نوع النصّ ومؤلّفه والمصدر الذي أخذ منه، مع ضرورة كتابة الأرقام بلسان القلم عند الإشارة إلى الصّفحات التي أخذ منها .

ج – التقديم المعنويّ و يكون ذلك بضبط موضوع النصّ مختصرا دون إخلال و من المستحسن أن تكون صياغته في شكل جملة فعليّة مثل : يصور الشاعر / يكشف الأديب أو يتناول ، / تكشف القصيدة تنطوي الأبيات / أو يدحض الكاتب / يبرهن المؤلف ( في النصّ الحجاجي) / ينقل السارد / يسرد الراوي( في النص السردي ) .....

د – الإشكاليّة أو محاور الاهتمـام : هي المرحلة الختاميّة في المقدّمة و المعلنة عن التحوّل من التقديم إلى الجوهر و يمكن الاستعانة في صياغتها بالأسئلة التي تُرْفَقُ بالنصّ كما يمكن التصرّف في هذه الأسئلة بالزّيادة أو النقصان أو إعادة الصّياغة، إن طرح الإشكاليّة هو ضبط لمراكز الاهتمام الكبرى التي سيتم التطرق إليها في الجوهر و يجب في الإشكاليّة تجنب الإكثار من الأسئلة و التّحليل لا يكون إجابة آلية عن الإشكاليّة المطروحة بل تدرج من وحدة إلى أخرى في إطاره يتم التركيز على تلك المحاور .

الجوهر :

1 - تفكيك النصّ وضبط وحداته استنادا إلى مقياس واضح مع وضع العناوين المناسبة والمتوافقة مع المعيار المعتمد فلا يكون مثلا التقسيم وفق ثنائية الخبر والإنشاء وتكون العنونة حسب التدرج في الموصوفات .

2 – يتم التدرّج في الجوهر :

· * من وحدة إلى أخرى على الترتيب

*· من المباني إلى المعاني
·* من التحليل إلى التأليف مرحليّا لكل وحدة.
· * من التأليف فنّيّا إلى التأليف مضمونيّا
· * من التأليف المرحلي إلى الختامي ( من الجزئي إلى الشامل الكلّي ·
* من التأليف الختامي إلى التقويم .

التقويم : مرحلة تعقب التأليف الختامي و لا تتخلله و يمثل التقويم بماهو تثمين أو نقد مجالا لإبداء الرّأي الشخصي بعيدا عن الانطباعيّة العجولة ويكون مثلا بوصف البنية بالإحكام والتماسك و بالحكم على التعابير بالجودة و على القول بقوّة التأثير أو على الشاعر ببلوغ الشأو في غرضه بفصيح بيانه و نفاذه إلى المعاني البعيدة وقدرته على تخليد نصّه بها ، وخلاف هذا أن نبيّن مثلا تعقيد التراكيب و الألفاظ أو غرابة الصورة أو استغلاق المعنى أو محدوديّة التأثير الوجداني أو بيان سيطرة الاحتفاء بالشكل على حساب المضامين أو إبراز الدوافع الفرديّة الآنية للكاتب أو خلفيّته المذهبيّة ....

الخاتمة : هي المقفل ، بها ينغلق الكلام وليست مرحلة للتدارك على ما فات ذكره في الجوهر ولا تعوض التأليف و يستحسن أن تميل إلى التعميم لا التفصيل كالتأكيد مثلا على ما أثاره شعر أبي تمام من جدل ، أو الانصراف عن ذلك إلى بيان مدى وثوق الصلة بين الأدب و الحوادث ، كما تهئ الخاتمة لطرح اشكاليات مجاورة .

خصائص أكثر الحروف شيوعا في شعر الحماسة
الحروف المجهورة

الباء /الميم / الدال /الهمزة /النون /الراء/ الجيم / اللاّم /العين الغين
الحروف الشديدة
الباء/الميم/الدال/الهمزة/ الجيم /الطاد / الكاف/ الفاء
الحروف المفخّمة
د/ ط/ ق/ هـ/أ/ ف
حروف القلقلة
ق/ط/ب/ج/د


نموذج تطبيقي

مقتطف من قصيدة حماسية لأبي تمام في مدح المأمون العبّاسي

تمهيد

نهض المأمون( الخليفة العباسي ) إلى حرب الرّوم فٱنتصر، فأنشد الحبيب بن أوس الطائي :


1. لمّا رأيتَ الدّينَ يخفق قلبـــــــــــه *** و الكفرَ فيه تغطرس و عُــــــرامُ (1)

2. أوريتَ(2) زند عزائم تحت الدّجـى *** أسرجن(3) فكرك والبلاد ظـــــــلامُ

3. فنهضت تســـحب ذيل جيش ساقه *** حسن اليقين وقاده الإقــــــدامُ

4. مستبسلين إلى الحتوف كأنّمـــــــا *** بين الحتوف وبينهم أرحــــــــــامُ

5. آساد موت مُخدرات(4) ما لهـــــــــا *** إلاّ الصوارم و القنا آجـــــــــــــامُ(5)

6. حتّى نقضت الرّوم منك بوقعــــة *** شنعاءَ ليس لنقضها إبـــــــــــــــرامُ

7. في معركٍ ، أمّا الحِمامُ(6) فمفطـر *** في هبوتيه(7) و الكماة صيـــــــامُ

8. والضّربُ يُقعد قَرْمَ كل كتيبــــــة *** شرس الضريبة والحتوفُ(8) قيــــــــامُ

9. فقصمت عرْوة جمعهم فيه وقــــد *** جَعَلَتْ تَفَصَّمُ عن عُراهَا الهــــــــــامُ

ديوان أبي تمام ص ص 132- 133
(شرح الأعلم الشمنتري )
الشرح اللفظي :

1 : عُرامُ : أذى / 2: أوريتَ: قدحت/3: أسرج: أشعل وأنار/4: مُخدرات : (من الخدر) المقيمون في المكان /5: آجـــــامُ (جمع أجمة) : الشجر الكثيف الملتف /6: الحِمامُ: الموت/7: هبوتيه : قصد الغبار/8الحتف : الموت.

التوجيهات : حلل النص تحليلا أدبيّا مسترسلا مستعينا بالتوجيهات التالية :

· أدرس دور الإيقاع و المعجم في إذكاء الطابع الحماسي في النصّ.

· للمعركة أطوار و آثار بين طرائق وصفها مستخلصا المعاني الحماسية .

· هل تتخذ القصيدة قيمتها من الحدث التاريخي أم يأخذ التاريخ قيمته من شكلها الفني المتقن ؟


المقدمة

التمهيد : اقتراح 1 : عراقة غرض المدح وشموله .

اقتراح 2 : أبو تمام و غزارة ما جمع و كتب في باب الحماسة .
اقتراح 3 : الحماسة موضوع في الأدب يروم تخليد المعارك و البطولات .
اقتراح 4 : الشعر خيال وفن ولكن يظل وثيق الصلة بسياقه لغويا وحضاريا .
التقديم المادي : المصدر والشاعر و عصره
التقديم المعنوي : الغرض الشعري ( المدح )
الموضوع : تصور الأبيات حصافة رأي الممدوح و مضاء عزمه و إثخانه في عدوّه .
الإشكالات : - الحماسة ، مغانيها و معانيها
- دور الصورة الشعرية في تمجيد الممدوح ووصف ضراوة التنكيل بالعدو .
- التاريخ خلّدَ الفن أم بالفن خُلِّد .



الجوهر

أ . الوحدات ( البنية المقطعيّة ) : حسب الموضوع .

1+2 : التمجيد

3+4+5 : وصف الجيش ناهضا إلى الحرب

البقيّة : وصف المعركة

← تدرج من العزم على الحرب إلى السير إليها فخوض غمارها ( منحى سردي لا يخلو من تشويق)

ب . الإيقاع :

1 * الخارجي : البحر الكامل : أطول البحور(30 مقطعا) و أكملها متسع مهيب عريق كثير الاستعمال في شعر الحماسة لغزارة مقاطعه وكثرة حركاته (30) و قلة سكناته(12)

← وقار الممدوح وجلال المنجز الحربي / ملائم للسياق الحماسي ومقام المدح و نشوة النصر ووصف البأس في الحرب ( بحر مفعم بالحركة يعبّر عن وجدان يطرب انتشاء بالنصر )

الرّويّ : الميم مضومةً : شديد مجهور مرفوع .

الردف:(الف المد السابقة على الرويّ) يقوّي معاني الرفعة والسّناء ويساعد على الجهر بالمناقب والاشادة بالنّصر المؤزر
2 * الداخلي :صوتيّا : اعتماد أصوات مجهورة شديدة تـشد أزرالروي و تقوّي معاني البأس وهي (ب/م/ك/الهمزة/ ف) وردت غزيرة في النص كالجيش وافر العدّة يأخذ عزمه من قائده .

معنويّا :

· التدرج صعودا حدّ بلوغ الذرى، من الرهبة إلى إعمال العقل ومن العقل إلى إعلان النفير فالمسير وصولا إلى إعمال السيوف في الهامات والتنكيل بالعدو .

· ايقاع منبن على ثنائيات تسيج المعنى : النور والظلمة / الدين والكفر / الوهن والقوّة / العقل والسيف / الحتف والفتح/ القيام والقعود

ثنائيات عمقت المعنى الحربي و عززت الطابع الحماسي فتضارب المعاني يماثل الفعل ورد الفعل ، تغطرس يُجابه بالعزم واليقين ، وسيف الظلم يُناجَزُ بسيف الحق و العدل .

تحليل الوحدة الأولى

1. لمّا رأيتَ الدّينَ يخفق قلبـــــــــــه *** و الكفرَ فيه تغطرس و عُــــــرامُ (1)

2. أوريتَ(2) زند عزائم تحت الدّجـى *** أسرجن(3) فكرك والبلاد ظـــــــلامُ



بنيت على الطباق بديعا لفظيا يدبج الكلام ويزينه ويعزز المعنى و يظهره فأبو تمام حسب النقاد رائد صنعة البديع في الشعر بلغ فيها الشأو الأبعد

وظف الطباق لإنشاء ثنائيات :

الدين≠ الكفر

الضعف والخوف ≠ التغطرس و الصلف

النور ≠ الدّجى

النفس ≠ الفكر ( العقل)

ووظفت الثنائيات إبرازا لفضائل الممدوح : بعقله الحصيف و نفاذ بصيرته وغيرته على الدين و عدم قعوده عن طلب المجد و سهره في الظلماء يدبر الأمر بحكمة العقلاء ، أليس رجحان العقل أعلى سلم الفضائل ؟ أليس العقل مصدر الفضيلة ( ابن المقفع مثلا ) ؟ ألم يقل المتنبي من بعد الطائي:

العقل قبل شجاعة الشجعان .... هو أوّل وهي المحلّ الثاني ؟

← تمجيد منقبة العقل الراجح في ممدوح شغف بالعقل والحكمة والفلسفة في زمانه .

- جاء الطباق معزّزا بالاستعارة و هي أرقى المجاز و أنفذه إلى العقل و ألوطه بالقلب تبدّى ذلك من خلال تشخيص الدّين الخافق قلبه رهبة والكفر المتغطرس ظلما وإذاية ،ما يقوّي التضاد ويدعو إلى التفكر ويحفّز على المواجهة والتهيؤِ لخوض غمار الحرب ، هذا التهيّؤ الذي كشفت عنه صور استعارية تعضد الأولى عميقة التخييل فأضحت للعزائم قوادح وصار الفكر سراجا وهاجا يبدد ظلمة الكفر وينير درب الدين.
- الأفعال : رأيت / أوريت : مجانسة لفظية هي في اللفظ توشية وتدبيج وهي في المعنى تحفّز و تعجيل ، يُبرز ذلك الحرف لمّا الدال على التزامن والترابط بين الفعلين وسرعة استجابة الممدوح نصرةً للدين .
- التأليف الجزئي : فنيا : الطباق مأزورا بالجناس والاستعارة : رونق بلاغي
مضمونيا : الممدوح : جماع الفضائل رأيه سديد و عزمه لا يُفل ّ وعقله نور وضاء حميّته الدينية قادحه وحماسته ترفع قدره ← التغني بقيم دينية وبمُثل إنسانية خالدة .

الوحدة الثانية

1. فنهضت تســـحب ذيل جيش ساقه *** حسن اليقين وقاده الإقــــــــــــدامُ
2. مسترسلين إلى الحتوف كأنّمـــــــا *** بين الحتوف وبينهم أرحــــــــــامُ
3.آساد موت مُخدرات(4) ما لهـــــــــا *** إلاّ الصوارم و القنا آجـــــــــــــامُ

المعجم الحربي : جيش / الإقــــــــــــدامُ/ الحتوف/ موت/ الصوارم / القنا
جيش يُـقْدِمُ على الحتف عدّته السيوف و الأرماح
جيش يقوده الممدوح تكريسا لقيم كان العقل مصدرها
جيش صفته الوفرة والكثرة ( اعتماد صيغة الجمع : آساد مسترسلين الحتوف الصوارم آجـــــــــــــامُ)
← وصف الجيوش وزحفها و إبراز كثرة فرسانها ووفرة عدّتها من المعاني الأساسية في شعر الحماسة .
استجابة القائد لشروط الاستخلاف على الرعية والدين ونهله من القرآن وتشبعه بقيم الايمان أليس الله من دعا إلى التصدي للظلم بحشد ما يرهب العدو ؟ ( و أعدّو لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ترهبون
به عدو الله وعدوكم )
النص الحماسي غير خارج عن سياقه الثقافي والحضاري والديني متفاعل معه متأثربه كتأثيره فيه .
الاستعارة والتشبيه :
الاستعارة مقدمة في الوحدة على التشبيه كما هي مقدمة عليه في قصائد أبي تمام عموما فقد فارق الطائي القدامي وحدّ للشعر عيارات جديدة وهي الامعان في التصوير المجازي حتى استغلقت معانيه أحيانا ولكن الصور المتناولة تبدو قريبة المأخذ .
استعارة اليقين والإقدام ( معنيان مجرّدان ) وتحويلهما في الصورة قائدين للجيش يأتم بهما سائرا نحو حومة القتال ، أليسا كناية عن الممدوح الذي جمع العقل إلى الدين والشجاعة .
توسعت الصورة ليكون للفوارس نصيب من البطولة والبأس وكانت الاستعارة أداة الشاعر يوشي بها القول ويعمق بواسطها المعنى الحماسي فغدا الجيش من أسود سلاحُها عرينُها .
التشبيه : من بلاغة السابقين ولكنه يرد في الأبيات على نحو غير معهود إذ دمج الاستعارة في أعطاف تشبيه تمثيلي مثل به المحسوس ( صورة الجيش مندفعا نحو الحرب غير آبه بالموت ) بالمجرد ( صورة الأرحام تصل بين الفوارس و الحتوف)

← عمق التخييل في الصورة يبرز البطولة والاندفاع والتحفز و الشجاعة والقوّة و حسن الاستعداد للحرب وعلى مثل هذه المعاني تنشأ الحماسة ليست مجرد وصف للموجود بقدر ماهي تعلق بمطلق الفضائل .
التأليف الجزئي :* فنيا : المعجم العسكري / بلاغة الاستعارة وفرادة التشبيه
مضمونيا : الجيش حشود متوثبة للنزال ترسخت فيها و قائدها قيم الشرف والإباء والشجاعة و نصرة الدين.

الوحدة الثالثة

· الأفعال مؤتلفةً مع الأسماء(المصادر الدالة على الفعل خاصة) : قضتَ / نقض / يُقعد / قصمت / تَفَصَّمُ / ضرب / ضريبة
دالة على معاني البأس و القوّة والقدرة على التحويل فبها صار ذلك القلب الخافق رعبا في الوحدة الأولى، يتوهج حماسة مقبلا في الوغى غير مدبر وانقلب الكفر المتغطرس "مذؤوما مدحورا" ،
هذا التصوير الملحمي المنبثق بداية من أفعال ومشتقات مشحونة بمعان تماثل قوّةُ منجزيها سَوْرَةَ الوحوش إذا غضبت ، غايتها التهويل والتحميس و التحفيز والتغني بمعاني الغلبة والسطوة والانتصار وكسر شوكةالعدو ، وهو تصوير يقوم على تمجيد الفعل البطولي توافقا مع ما ذهب إليه " أرسطو " في اعتبار الشعر محاكاة والفعل الإنساني هو جوهر هذه المحاكاة فالفعل يمثل "حركة الوجود الدائمة" حسب قوله و محاكاة الفعل في الشعر ليست تقليدا أصمّ بل معرفة بالجوهري والكلّي لا بالحدث العارض لذلك كان أرسطو يفضل الشعر الملحمي على الشعر الغنائي لما في الأوّل من ابتكار و غوص إلى العمق وتعلق بمطلق المعنى ، إنّ أبا تمام لا نعدم في قصائده تخلّص الفن من تبعيّته للتّاريخ و تطلعه إلى إدراك المطلق من القيم الكونية المجد والعزّة والشجاعة والبذل والعطاء والعقل ، إنّ القيم المتغنّى بها من خلال وصف ملحمة الحرب في هذه الوحدة تتجاوز الديني إلى القيم الانسانية و الكونيّة عامّة .



ملاحظة

قد يذهب البعض إلى القول بأن أبا تمام قد قصّر عن غيره من شعراء الحماسة في اقتصاره على البعد الديني في تصوير أبطال ملاحمه الشعريّة و يعتبرون أنّه خال من النزعة العربية خلافا للمتنبي فممدوحيه أمهاتهم من الأعاجم كالمأمون والمعتصم ( فرس وترك ) وهذا الرأي تُمكن مناقشته بما يتجلى في قصائد الطائي من بعد إنساني كوني مطلق يشتمل على ما هو ديني و يتجاوزه .

· لم تكن الأفعال في شدتها و عتُوّها وسيلة الشاعر الوحيدة في تصوير مشهد الحرب المتقد فقد بلغ الفعل بحتّى ( حتى نقضت..) غايته القصوى نهضت استعارات متنوّعة تعبر عن عمق التخييل ببيانها فقد استعار للموت فطرا وللحتوف قياما وللجمع عروة في إطار وصف " الوقعة الشنعاء " ففي الأولى و الثانية تفاقمٌ للموت و في الثالثة تفاقم للتمزيق و التشريد، ألم يمزقهم الباسل الهمام "شرّ ممزق ؟ .
· وتتقوّى هذه المعاني الحماسيّة بإنشاء تقابل بين القعود والقيام وبين الصوم والإفطار ( إفطار الحِمام وصوم الكماة ، قعود قرم الكتائب و قيام الحتوف ) وهذا التقابل الظاهري ينطوي على تماثل معنوي فتغدو الصورة بهما (التقابل و التماثل) أكثر غوصا إلى المعنى الحماسي صمودًا في الحرب وجلدًا واستغراقًا في القتال و إثخانا في العدوّ و ارتواءً من دمه و إشفاءً للغليل منه.

التأليف الجزئي : (إنجاز فردي)

..............................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................

التأليف النهائي :(إنجاز فردي)

............................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................


مرحلة التقويم :

· يمكن في التقويم القول إنّ السرد قيّد الخيال الشعري أو نقضُ هذا الرأي بالتأكيد على قيمة السرد في إذكاء الطابع الحماسي فهو تصوير لأعمال بطوليّة وتقريب لصورة الحرب من ذهن المتلقي بأسلوب مشوّق.
· للقصيدة بنية محكمة تآزرت فيها أساليب التعبير من معاجم ومجازات و متضادات لفظية مع معاني الحماسة في إخراج صورة نموذجية لبطل مغوار لا يشق له غبار .

· أعدّ الخليفة الصوارم فانتصر ولكنه يظل نصرا عرضيا طوته كتب التاريخ لا يضاهي انتصار الفن الذي اتخد نصر الحرب قادحا ليخلد فقد بلغ به الطائي المدى جودةً في التصور و عمقا في التعبير عن خصال عسكريّة و قيم إنسانية تسربل بها الممدوح النموذج .

· ........................................................................................................................

· .............................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................
 
  • المشاهدات
    6,879
  • الرّدود
    1

  • أعلى أسفل