• منتدى تونس التّربوي

    ميادين الإبداع

بحوث و دراسات المأساوي في مسرحية " شهرزاد"

  • بادئ الموضوع بادئ الموضوع salma
  • تاريخ البدء تاريخ البدء

salma

نجم المنتدى
منتدى تونس التّربوي
المشاركات
1,068
الدّولة
تونس
الولاية
نابل
م. الدّراسي
جامعي
الاختصاص
علوم
المهنة
طالبة: عربية
المأساوي في مسرحية " شهرزاد"
_______________

تتشكل المأساة في المسرحية حول شهريار الذي يريد أن يعرف . وما كان لها أن تتشكل هكذا لولا حضور شهرزاد/ السر المغلق، واللغز المحير، والرمز البّلوري.
تتألف المسرحية من سبعة مناظر:
- في المنظر الاول: تقيم العذارى العيد لشهرزاد التي تتحول إلى رمز كوني مغلق يجعل شهريار مخبولا. لقد أصبح يطيل النظر في السماء كعبّاد النجوم.
- في المنظر الثاني: يجنُّ الوزير قمر الذي يريد هو الآخر أن يعرف شهرزاد/ القلب الكبير.
- في المنظر الثالث: يصبح شهريار سندبادا، يقرر السفر إلى بلاد الواقواق لمعرفة الحقيقة.
- في المنظر الرابع: يهيم شهريار- مع وزيره قمر- في الصحراء باحثا عن الحقيقة وخيال شهرزاد يلازمه باستمرار.
- في المنظر الخامس: يرى العبد في شهرزاد جسدا جميلا. يهمَ بها وتهمَ به، لكنه يتخوف من أن تمتزج الشهوة بالموت في خدرها.
- في المنظر السادس. يبدو كل شيء مغايرا لذاته أمام شهريار ووزيره قمر وهما في خان أبي ميسور. ففي هذا الفضاء المجنون يتم اكتشاف الحقيقة المرة:" العبد في سرير من حرير يؤانس ملكة المدينة، قمر يصر على أن يفعل شهريار بشهرزاد ما فعله بزوجته الأولى".
- في المنظر السابع: يقف شهريار لا مباليا أمام العبد، وفي ذات الوقت يائسا ما دام لم يصل إلى الحقيقة. في نهاية المطاف يصير إلى نهاية دورة. أما قمر فينتحر.
إن هذا النص المسرحي دراما متكاملة. وأثناء قراءته أو مشاهدته نكون أمام أفعال تتشخص. فكيف بنى توفيق الحكيم هذه الأفعال؟
أ- تبدأ المسرحية بالدم/ قطع رأس زاهدة. وتنتهي بالدم/ انتحار الوزير قمر. وبين الدم الأول والدم الأخير مسافة بحث مأساوية عن الحقيقة لا يفكها إلا الموت.
ب- تبدأ المسرحية بالحمق:" أ صبح شهريار يطيل النظر الى السماء"، وتنتهي بالحمق المضاعف حيث لم يعد شهريار قادرا على رؤية الأشياء كماهي" أنا؟ من أنا؟... لا أريد العودة الى الأرض"(7). وبين الحمق الأول والحمق الأخير مسافة مأساوية يجسدها التيه في فضاء أسطوري/ بلاد الواقواق بحثا عن الحقيقة، لا يفضي إلا إلى الموت.
ج- تبدأ المسرحية بالاحتفال الذي أقامته العذارى لشهرزاد، وتنتهي بالاحتفال الذي أقامته شهرزاد للعبد في خدرها. وبين الاحتفال الأول والاحتفال الأخير مسافة تحول مأساوية من شهرزاد/ الرمز الكوني إلى شهرزاد / الكائن الإنساني الذي يبحث عن شهريار آخر"يولد غصنا نديا من جديد" (8).
إن المنطق الذي يحكم بناء المسرحية دائري. كل شيء يتحرك، ولكن لا ليتطور إلى الأمام، بل لكي يدور، وليصيرإلى نهاية دورة.
أ- شهريار يبدأ دورانه بالشك في كل شيء وبالبحث عن الحقيقة، ولكنه ينتهي إلى نقطة البدء من حيث هي نقطة الصفر/ الموت.
ب- قمر يبدأ دورانه بالإيمان بالقلب الكبير/ شهرزاد، وينتهي إلى الشك فينتحر/ الموت.
ج- العبد لا يعيش نفس حجم مأساة الشخصيات الأخرى ـ وهذا تقليد أرسطي كلا سيكي ـ . يبدأ دورانه في فضاء شهرزاد، وينتهي إلى الدوران في فضاء العدم/الهرب/ الموت.
أما شهرزاد فتبدأ أسطورة محيرة وتنتهي ذاتا إنسانية مأساوية تبحث عن شهريارها الآخر. وبهذه الحركة تكسر الدائرة فتخالف باقي شخصيات المسرحية. وإذا تأملنا الشخصيات الثلاث الأولى، نلاحظ أنها تتمايز فيما بينها على مختلف المستويات. فلكل شخصية مرتبتها المادية والرمزية، ولكل تفكيرها الخاص، ومأساتها الخاصة.

ولكن إذا تأملنا حضورها الرمزي الذي توحي به طبيعة العلائق القائمة بينها، نلاحظ أن الأمر يتعلق في نهاية المطاف بشخصية واحدة، تعيش مأساة مركبة في علاقتها بشهرزاد.
إن العبد ـ كما يتحرك في المسرحية ـ ليس هو العبد، إنه جسد شهريار المتدفق بالشهوة تجاه شهرزاد. أما قمر فليس هو الوزير قمر، انه قلب شهريار، المتدفق بالحب تجاه شهرزاد. فحين أصر شهريار على أن يرحل وحده، أصر قمر على اصطحابه وعصيان أمره، ومؤكد أنه يصعب على الوزير أن يعصي أمر الملك ما لم يكن هو قلبه. فالقلب عاص أبدا. أما شهريار فليس هو شهريار، إنه العقل المهووس بالبحث عن حقيقة شهرزاد من حيث هي حقيقة الوجود.
وبهذا المعنى فحين انتحر قمر مات قلب شهريار. وحين خرج العبد فرحا بالنجاة انفصل الجسد عن شهريار.
"- شهريار:ـ لم تنظرين إلي هكذا؟
- شهرزاد: ـ أنت رجل هالك ." (9)
وحين صار شهريار إلى نهاية دورة، صارعقله إلى النهاية التي تعادل السراب.
وإذن، فكما أن شهريار يعيش مأساة مركبة هي مأساة العقل والقلب والجسد، فإن شهرزاد هي الأخرى تعيش مأساتها المركبة التى تختزلها عبارتها الكبيرة " دعوا الحقيقة في مكانها هادئة ". فحين أصبح كل واحد من حولها يراها في مرآة نفسه ( ص51من المسرحية )، أصبحت مشتتة إزاء ذاتها. فهي عقل كبير فقط، أو قلب كبير فقط، أو جسد جميل فقط. ولذلك تنتهي بالبحث عن شهريارها الكلي ـ الذي يمكن أن يوجد في مكان ما ـ لكي تتوحد به ذاتها الكلية
2ـ لعبة الأمكنة في " شهرزاد "
- بين المدينة وبيت الساحر: تحضر المدينة في بداية المسرحية فضاء تحتفل فيه العذارى بشهرزاد. وهو الاحتفال الذي يسمو بها إلى درجة القداسة، ولكن بيت الساحر يخدش هذه القداسة حين يتحول إلى مكان لقطع الرؤوس من جديد؛ الشيء الذي يجرح العيد ويفقده معناه. ( ص32 ص من المسرحية)
- بين الشرفة المظلمة وبلاد الواقواق: تحضر الشرفة المظلمة فضاء للتأمل/ عبادة النجوم. ولكنه تأمل جنوني هو الذي أوحى لشهريار بمقولة: " القتل سبيل إلى المعرفة ". وحين اكتشف شهريار الفراغ تاه في فضاء أسطوري لا نهاية له، لا يسمع في أرجائه غير صدى الأصوات الضائعة (ص99). وهذا الفضاء الأسطوري اللا متناهي ما هو إلا كيان شهريار الباطني. لقد ظل شهريار في مكانه دون حراك. بقي موجودا وغير موجود. ولذلك انتهى إلى مكان البداية "كثور الطاحون على عينيه غطاء يدور، ثم يدور ثم يدور" (ص 150 من المسرحية).
- بين الجسد والجسد: إذا كان الجسد مأوى الروح، فإن من وظائف الروح تأثيث الجسد والعناية به حين يرغب الطرفان معا في الحياة ومتعها. وقد فقدت روح شهريار هذه الرغبة فأصبحت تشم نتانة الجسد، وتود لو تهرب منه. "أود لو أنسى هذا اللحم ذا الدّود وانطلق" (9). أما جسد شهرزاد، فقد قدم ذاته مأوى للعبد الذي هو جسد شهريار- ولكن الجسدين معا ظلا يعيشان الانفصال في الاتصال. لقد اضطرب جسد شهرزاد لأنه أراد اختبار كيان شهريار الكلي، واضطرب العبد لأنه أراد شهوة الجسد دون خوف أو قلق من الموت فلم يستطع.
د- بين خان أبي ميسور وخدر شهرزاد: بقدر ما يحضر خان أبي ميسور فضاء للمجاز العجائبي، بقدر ما يحضر خدر شهرزاد فضاء للحقيقة العينية. وحده قمر/ القلب تماسك أمام الدخان الخانق المدوّخ. ولذلك فحين سمع حقيقة شهرزاد رآها، اشترى سيف الجلاد المعلّق ومات قبل أن ينتحر. أما شهريار فقد انتظر حتى يصير إلى نهاية دورة.
والخلاصة أ ن ا لمكان في مسرحية "شهرزاد" ليس هنا أوهناك، إنه بين بين: بين الهنا والهناك. وبين هذا الهنا وذاك الهناك تعاش المأساة في مسافة الانفصال بين كل شيء وكل شيء.
3- الزمان الليلي في "شهرزاد":
يكيف توفيق الحكيم التحديد الزمني الأرسطي للعرض الدرامي. يبقى على دورة الشمس الواحدة، لكنه يضيف ليلتين: ليلة ما قبل طلوع الشمس، وليلة ما بعد غروبها.
أ- أما الليلة الأولى فتحضر فضاء للاحتفال بشهرزاد، وفي ذات الوقت للقتل / قطع رأس زاهدة." ص:86 من مسرحية شهرزاد"
إنه إذن احتفال مجروح: الجارح شهريار، والمجروح شهرزاد، والدم دم زاهدة العذراء، والهدف معرفة الحقيقة "واليوم اقتل لأعلم" ( ص57من مسرحية).
إن شهريار إذ يعود إلى القتل فلكي يشاهد الموت، والسبب أنه يريد الموت ويبحث عنه. " أنا أطلب شيئا واحدا.. أن أموت.." ( ص 62 من المسرحية). إنه يعيش العذاب البطيء كما عاشه بروميثيوس حين د فن نفسه تحت كتل من الصخور، أو كما عاشه أوديب حين توغل في الجبل بعد نفيه...
يتجسد العنصر المأساوي هنا في استمرار شهريار في زمن ميت. فما الخطيئة التي ارتكبها مجددا دون وعي منه؟ هل هي تحويل شهرزاد إلى حكاية بسبب عجزه المطلق عن تملك أنوثتها؟
ب- و أما الليلة الثانية فتحضر فضاء لحيرة العبد، وانتحار قمر، وموت شهريار. وفي هذا المشهد يصير شهريار إلى نهاية دورة: يتشظى روحيا، عقليا، وجسديا. ينزع كأي ضرس عتيق، تاركا نزيفا لا يتوقف.
ج- بين الليلة الأولى والثانية يحضر النهار فضاء للتيه المعرفي والوجودي. لكنه فضاء أسطوري يتنقل فيه شهريار من مكان إلى آخر؛ ليرى شهرزاد في كل جميل. إنه يراها في إيزيس مصر، وفي بيدبا الهند... لكن هذا الزمن يصير إلى نهاية دورة من حيث هي نقطة البداية: إن شهريار وهو يكتشف شهرزاد وهي تؤانس العبد، يستعيد لا وعيه تاريخ صدماته جميعها. يسترجع مؤانسة الزوجة الأولى للعبد الأول، يستعيد اعتماده القتل وسيلة للهو ثم وسيلة للعلم... وهذا هو سر توقفه الغامض أمام شهرزاد.
يحضرالزمن إذن في المسرحية زمن بحث مضن عن الحقيقة، ولكنه زمن سرابي: رحلة عدمية في فضاء عدمي لا توصل إلا إلى العدم.
4 ـ الحوار في "شهرزاد":
إن العمل المسرحي لا يقدم أفعالا محكيا عنها، بل أفعالا مشخصة تتشخص أمامنا. ومع ذلك، فإذا كان الفن الدرامي لا يخلو من الحوار بداهة، فإنه لا يخلوأ يضا من السرد. على أنه إذا كان الحوار جزءا من السرد في العمل السردي، فإن السرد جزء من الحوار في العمل الدرامي.
في مسرحية شهرزاد ينهض السرد بثلاث وظائف أساسية:
أ- يقدم الإطار المشهدي للأ فعال في مقدمة كل منظر .
ب- يشخص حركات الشخصيات الفاعلة : شهرزاد( في دلال) ، الوزير ( ناظرا إلى الأرض)... ص 41
ج- يكشف بعض الارتسامات والانطباعات الخاصة بكل شخصية: العبد(يتأملها)، شهرزاد (باسمة)... ص 108.
وعلى الرغم من أن السارد يحاول أن يصاحب الشخوص لينقل أفعالها، وأحيانا يتتبعها من الخلف ليرسم دواخلها، فإنه مع ذلك يبقي فاقدا لسيطرته على الأحداث التي يتحكم فيها منطق الحوار في المقام الأول والأخير. فالحوار إذن باعتباره كلام الشخوص المفّرد أسلوبيا، يكشف عن موقع كل شخصية، وعن رؤيتها للأشياء، وعن أحاسيسها، وعن مستواها الفكري والاجتماعي...
يمكن التمييز في "شهرزاد" بين:
أ- الحوار الخارجي: وهو الذي نتتبع من خلاله تفاصيل الأحداث وتطورها الدرامي.
ب- الحوار الداخلي: وهو الذي تناجي فيه الذات ذاتها كاشفة عن تناقضات أو قضايا لا تريد للشخصيات الأخرى أن تعرفها.
ويمثل هذا الحوار الصامت لا وعي الحوار الخارجي المسموع. إنه ينسج التفاصيل الباطنية لمآسي الشخصيات، وللبناء الدرامي .
ج- الحوار الشعري: وهو الذي ينقل الأشياء إلى مستواها الرمزي الذي يفقدها صلتها بأساسها المرجعي؛ الشيء الذي ينقل الشخصية من تيه إلى تيه آخر. وفي هذا التيه الثاني تعبر عن انبهارها أمام المغلق (انظر ص: 34وص: 65 من المسرحية).
د- الحوار الفلسفي: وهو الذي يعبر بلغة مفاهيمية عن الأفكار والأشياء. وبحضوره المكثف يجعل المسرحية فلسفية تطارح مجموعة من القضايا: الانسان، المكان، الزمان، الحقيقة، العقل، الإيمان، التجربة ...
فما الذي تريد مسرحية «شهرزاد » قوله في نهاية المطاف؟
يكمن تميز توفيق الحكيم في محاولته قول قول خاص به، وبمرحلته كما تصورها انطلاقا من موقعه الاجتماعي والفكري، من خلال استلهام أجمل ما أنتجته المخيلة العربية الكلاسيكية سرديا / ألف ليلة وليلة.
إن المنطق الذي بنيت به المأساة في «شهرزاد» هو الحركة. كل شخصية تتحرك بهدف الوصول إلى الحقيقة، ولكن حركتها دائرية. تدور لتصير إلى نهاية دورة حيث تواجه الفراغ المفزع. وفي هذه الحركة الدائرية التي أكد عليها أيضا غالي شكري في كتابه " ثورة المعتزل" تتشكل العناصر الأساسية لخلفيات توفيق الحكيم الفكرية وهو يكتب.
إن التاريخ كما يتصوره ت. الحكيم لا يتحرك ليتطور، بل ليصير إلى نهاية دورة؛ ليعيد نفسه من جديد. وهذا معناه أن الزمن واحد، فكما كان يكون وسيكون. بهذه الرؤية يبطل توفيق الحكيم الحركة، ويلغي فاعلية الإنسان ما دام لا يطالبه بالبحث، بقدر ما يطالبه بالخضوع بهدف تحقيق التوازن الفكري والنفسي الذي يديم الحياة إلى حين، ولو كان هذا التوازن لا توازنا. فالتوازن الفكري إذن شرط لتحقيق التوازن الوجودي والنفسي للفرد من حيث هو التوازن الاجتماعي للمجتمع، فأي توازن يمكن الاقتناع به في مجتمع متراتب ماديا ورمزيا؟
إن توفيق الحكيم وهو يقول بمنطق القبول بالأمر الواقع - الشيء الذي يوضح رؤيته المحافظة - لا ينسى التوكيد على مشروعية منطق التراتب الذي يحكم سيرورة العالم وصيرورته، و التي يجب التسليم بها. و يتجسد هذا في حرصه على بناء مأساته بناء هرميا. فمأساة العبد أقل مستوى، وبالتالي أقل حدة من مأساة قمر، ومأساة هذا الأخير أقل مستوى، وبالتالي أقل حدة من مأساة شهريار.
أنا أفكر إذن أنا مأساوي. أنا أشعر إذن أنا نصف مأساوي. أنا أعيش إذن أنا ربع مأساوي. ومؤكد أن المأساة كلية، فإما أن تكون أو لا تكون. وإذا كان توفيق الحكيم قد أخلص في هذا التصنيف للتصور الأرسطي، فإنه أخلص ضمن ذلك لموقفه الإيديولوجي المحافظ.
غير أن من انتصرت في نهاية المطاف على الجميع ـ بمن في ذلك الكاتب ـ هي شهرزاد التي كسرت الدائرة، وانطلقت باحثة بحثها المأساوي عن شهريارها النموذجي الذي لم يوجد بعد. أما شهريارها الواقعي فقد خلخلته حين حكت له، وحين ظهرت أمامه كونا لا حدود له، وحين دفعته إلى الصحراء باحثا عن العدم، وحين قتلته لتترك العذراى في مواجهة الواقع بتعقيداته اللا متناهية، بدل الخضوع لنزوات كائن مرضي يقتل ليلهو، أو ليعلم.
وعليه، فحين احتفلت العذارى بشهرزاد احتفلن بأنثى تستحق كل تقدير.